قناع البراءة

قناع البراءة

10 1

الفصل الثالث: قناع البراءة مرت أربع دورات للفصول على إمبراطورية "أيثيريا" منذ تلك الليلة العاصفة. أربع سنوات كانت بالنسبة للعالم الخارجي مجرد وقت عابر، لكنها كانت داخل قصر "فاليريان" العائم بمثابة فترة إعداد صامتة لبركان خامد. في الحديقة المعلقة، التي تسبح فوق طبقة الغيوم مباشرة، كان الهواء نقياً لدرجة اللسع. النباتات هنا لم تكن عادية؛ كانت أزهار "الكريستال" تتفتح وتغلق مصدرة رنيناً موسيقياً خافتاً مع هبوب الرياح، بينما كانت الحشرات الصغيرة تترك ذيلاً من الغبار المضيء خلفها. جلس أريسين، الذي بدا الآن طفلاً نبيلاً صغيراً بملامح ملائكية خادعة، على مقعد حجري مزخرف. كان يرتدي بدلة تدريب رسمية مصممة خصيصاً لمقاسه الصغير، قميص أبيض بياقة عالية وسروال أسود، مما منحه مظهراً يجمع بين البراءة والصرامة الأرستقراطية. كان يراقب طائراً ميكانيكياً صغيراً يعمل بـ "محرك مانا" دقيق يحاول الهبوط على إصبعه. في حالته الطبيعية، وعندما تكون قواه خامدة، لم تكن عيناه تظهران أي شذوذ مرعب. كانت عينه اليمنى ذهبية صافية كالكهرمان المذاب، وعينه اليسرى زرقاء داكنة كعمق المحيط. لا توجد تروس تدور، ولا نجوم تنفجر. كانت عيوناً بشرية جميلة بشكل لافت، لكنها تخفي خلف "قزحيتها" الطبيعية آليات الدمار الشامل التي لا تظهر إلا عندما يقرر صاحبها ذلك. تنهد أريسين بملل، وهو شعور أصبح رفيقه الدائم. جسد الطفل كان قيداً مزعجاً. عقله استوعب تكتيكات الحرب وتاريخ الإمبراطورية المعقد، لكن جسده كان لا يزال يحتاج للقيلولة ويمنعه من حمل سيف حقيقي. والأسوأ من ذلك، كانت القلادة الفضية ذات الحجر الأسود لا تفارق عنقه، تكبح طوفان المانا بداخلة وتحوله إلى مجرد "طفل موهوب" بدلاً من "كارثة طبيعية". "تركيزك مشتت،" جاء الصوت العميق من خلفه، قاطعاً حبل أفكاره. لم يفزع أريسين. لقد شعر باضطراب "الزمن" حول والده قبل أن يسمع صوته. استدار ببطء ونزل عن المقعد، محنياً رأسه باحترام بروتوكولي مثالي. "أبي، الدوق." كان كرونوس فاليريان يقف هناك، شامخاً كتمثال من الظلام وسط ألوان الحديقة الزاهية. كان يرتدي زيه المعتاد، معطفاً عسكرياً طويلاً مطرزاً بالفضة. نظر إلى ابنه الصغير بنظرة خالية من الدفء الأبوي المعتاد، ومليئة بالتقييم البارد. "لقد طلبت منك التأمل واستشعار المانا في الجو، وليس اللعب مع الدمى الميكانيكية،" قال كرونوس، وهو يخطو خطوة واحدة للأمام. "كنت أستشعر المحرك داخل الطائر، يا أبي،" أجاب أريسين بصوت طفولي هادئ وثابت، خالٍ من التأتأة التي تصيب الأطفال في عمره. "تدفق المانا فيه غير مستقر. الصانع ترك فجوة في الترس الثالث." ارتفع حاجب كرونوس قليلاً. "ملاحظة دقيقة. لكن الملاحظة وحدها لا تحميك." فجأة، وبدون سابق إنذار، أطلق الدوق العنان لجزء ضئيل جداً من هالته. هالة "تنين الفوضى". لم يكن هجوماً جسدياً، بل ضغطاً روحياً خالصاً. في لحظة، تحول نسيم الحديقة اللطيف إلى إعصار ثقيل غير مرئي. ذبلت الأزهار القريبة فوراً، وتوقف الطائر الميكانيكي عن العمل وسقط كحجر ميت. شعر أريسين وكأن جبلاً قد وُضع فوق كتفيه الصغيرين. ركبتاه ارتجفتا، وكانت غريزته البشرية تصرخ به أن يركع أو يغمى عليه. هذا هو تأثير هالة فاليريان؛ الخضوع أو الفناء. لكن أريسين لم يكن طفلاً عادياً. روحيته كانت صلبة كالألماس. صرّ على أسنانه اللبنية، ورفع رأسه لمواجهة والده. "تمرين الضغط..." همس أريسين بصعوبة. "أنت لا تلعب بعدل... يا أبي." "العدل كذبة الضعفاء،" رد كرونوس ببرود، وزاد الضغط قليلاً. "أرني. أرني ما تخفيه تحت ذلك القناع البشري." تحت الضغط الهائل، بدأت القلادة السوداء حول عنق أريسين تهتز بعنف. شعر الصغير بالحرارة تتصاعد في عروقه. المانا المكبوتة كانت تبحث عن مخرج. غضب التنين بداخله، وكبرياء الملاك استيقظ. "كما... تريد!" في تلك الثانية، حدث التحول. تلاشى اللون "الكهرماني" الطبيعي من عينه اليمنى، وحلت محله ساعة ذهبية ميكانيكية، عقاربها تدور بسرعة جنونية وتصدر طنين "تيك-توك" مسموع في عقل من ينظر إليها. وتلاشى اللون "الأزرق" الطبيعي من عينه اليسرى، لينفجر في مكانه نجم مشع، بؤبؤ أبيض ساطع تحيط به هالة من الضوء النجمي الحارق. الرنين السماوي: تفعيل جزئي. انفجرت موجة مضادة من جسد الطفل الصغير. لم تكن بقوة والده بالطبع، لكنها كانت "حادة". موجة قطعت ضغط هالة الأب وكأنها سكين يمزق ستارة. تطاير الحصى من الأرض، وتمزقت أكمام قميص أريسين، وظهرت وشوم الظهر والصدر تتوهج بضوء خافت من تحت الملابس. لثانية واحدة، وقف الطفل الصغير محاطاً بهالة مزدوجة من الزمن والفضاء، متحدياً سيد العائلة. ساد الصمت فجأة. سحب كرونوس هالته فوراً. وعاد أريسين يلهث بشدة، والعرق يتصبب من جبينه. رمش بعينيه عدة مرات، وعادت الساعة والنجم للاختفاء، ليحلا محلهما اللونان الذهبي والأزرق الطبيعيان مرة أخرى. اقترب كرونوس، وهذه المرة، جثا على ركبة واحدة ليكون بمستوى نظر ابنه. مد يده ومسح قطرة دم صغيرة سالت من أنف أريسين بسبب الجهد. "أحسنت،" قال الدوق، وصوته يحمل نبرة نادرة من الرضا. "لقد استطعت تفعيل 'العيون' والحفاظ على وعيك رغم وجود حجر الكبح. معظم البالغين في العوائل النبيلة لا يملكون هذا التحكم." حاول أريسين تنظيم تنفسه. "هل... هل نجحت في الاختبار؟" "هذا مجرد إحماء،" وقف كرونوس مجدداً، وعاد لقناعه الصارم. "الأسبوع القادم، ستقام مأدبة 'اكتمال القمرين'. العائلات الثلاث العظمى ستكون حاضرة. والإمبراطور سيرسل مبعوثاً." نظر الدوق إلى الأفق، حيث كانت سفن جوية ضخمة تعبر السماء. "الجميع يريد أن يرى وريث فاليريان وسيليستيا. يريدون أن يعرفوا ما إذا كنت وحشاً أم خيبة أمل." نظر أريسين إلى يديه الصغيرتين، اللتين عادتا لتبدوا طبيعيتين تماماً. "وماذا تريدهم أن يروا يا أبي؟" التف كرونوس ليغادر الحديقة، وعباءته السوداء ترفرف خلفه. "أرهم الطفل البريء ذا العينين الجميلتين. دعهم يظنون أنك مجرد أرستقراطي مدلل ومحظوظ." توقف الدوق عند القوس الحجري للمخرج دون أن يلتفت. "الوحوش الحقيقية يا بني... لا تكشف عن أنيابها إلا عندما تكون الضحية داخل الحنجرة بالفعل." بقي أريسين وحده في الحديقة. التقط الطائر الميكانيكي المحطم، وبحركة بسيطة من إصبعه، مرر تياراً دقيقاً من المانا أعاد إصلاح الترس المعطوب. رفرف الطائر وطار مجدداً. ابتسم أريسين، وعيناه الطبيعيتان تلمعان بذكاء يتجاوز السنوات الأربع. "حسناً إذاً... سأرتدي قناع البراءة. لكن ويلٌ لمن يظن أنه وجهي الحقيقي."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Tides Of Eternia

المؤلف ARES
2025/12/16 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة