شذوذ في القدر

شذوذ في القدر

14 0

الفصل الأول: شذوذ في القدر الموت لم يكن بارداً كما وُصِف في الكتب، ولم يكن نفقاً من الضوء كما ادعى المتدينون. كان... ثقيلاً. ثقلٌ يسحق الوعي ويفتت الذكريات كحبات الرمل في عاصفة هوجاء. في لحظة ما، كنتُ هناك، أمام شاشة الحاسوب، وجعٌ حاد في صدري، ثم ظلام. وفي اللحظة التالية، كنتُ "هنا". ولكن أين "هنا"؟ لم يكن هناك جسد لأحركه، بل مجرد كتلة من الطاقة الخام تتصارع داخل حيز ضيق ومظلم. شعور بالاختناق لم يكن ناتجاً عن نقص الهواء، بل عن "الفيضان". كان هناك طوفان من القوة يتدفق عبر ما يفترض أن يكون أوردتي، قوة أكبر من أن يتحملها وعاء بشري في طور التكوين. "هذا مستحيل..." همس صوت في عقلي، صوتي أنا، لكنه بدا غريباً، وكأنه صدى من عالم آخر. "هذا الضغط... إنه ليس دماً. إنه مانا. مانا نقية، مركزة، ومتنافرة." أدركتُ الحقيقة ببطء مرعب. هذا الشعور، هذا التناقض بين قوتين عظيمتين تحاولان تمزيق جسدي الصغير... أنا أعرف هذا السيناريو. لقد قرأته في سطور البيانات الخلفية (Lore) للعبة التي أدمنتُ عليها لسنوات. "أيثيريا". الإمبراطورية التي لا تنام. وهذا الجسد... هذا الجنين الذي يوشك على الانفجار، هو أريسين فاليريان. الطفل المعجزة الذي لم يرَ النور قط في القصة الأصلية. لقد مات في رحم أمه لأن دمه كان ساحة معركة بين "الزمن" و"الفضاء". "إذاً، لقد متُ، وتجسدتُ كجثة؟" سخرتُ من قدري في الظلام. "يا لها من نكتة كونية." شعرتُ بتمزق في نسيج وجودي. تيار بارد كجليد الأبدية (طاقة الأب) كان يحاول تجميد قلبي، بينما تيار حارق كشمس الظهيرة (طاقة الأم) يحاول صهر عظامي الهشة. كان يجب أن أموت الآن. كان يجب أن يتلاشى نبضي. لكن... أنا لستُ مجرد جنين بلا وعي. أنا دخيل. روحي ليست من هذا العالم، وهي لا تخضع لقوانينه الفيزيائية الهشة. "لا." صرختُ بصمت داخل الرحم المظلم. ركزتُ كل ذرة من إرادتي، تلك الإرادة التي صقلتها سنوات من اللعب والتخطيط الاستراتيجي. لم أحاول صد القوتين، بل فعلتُ ما لم يستطعه "أريسين" الأصلي. لقد أمسكتُ بخيوط "الزمن" المتجممدة بيدي اليمنى المتخيلة، وقبضتُ على نيران "الفضاء" بيدي اليسرى. "انصع!" أجبرتُ التيارات المتنافرة على الالتحام. استخدمتُ روحي الغريبة كـ "لاصف" يجمع بين النقيضين. الألم كان يفوق الوصف، كأن روحي تُطرق بمطرقة حداد إلهي. ولكن فجأة... ساد السكون. تحول الصراع إلى رنين. نغمة منخفضة، اهتز لها الرحم، واهتز لها العالم الخارجي. في الخارج – قصر فاليريان العائم لم تكن ليلة عادية في العاصمة الإمبراطورية. السماء فوق قصر الدوق "كرونوس" لم تكن تمطر ماءً، بل كانت تمطر ضوءاً. سحب بنفسجية كثيفة تجمعت بشكل حلزوني فوق البرج الرئيسي، والرعد لم يكن يصدر صوتاً، بل كان يصدر "تصدعاً" في الهواء، وكأن السماء زجاجة مشروخة. داخل الجناح الملكي، حيث الجدران مغطاة بالرخام الأبيض وعروق الذهب الخالص ، كان التوتر يخنق الأنفاس. وقف الدوق الأكبر كرونوس فاليريان أمام النافذة العملاقة. كان مظهره بحد ذاته يبعث على الرهبة. عباءته السوداء الطويلة كانت تبدو وكأنها منسوجة من ظلال متحركة. وعلى ظهره، حتى من خلال ملابسه، كان يمكن استشعار هالة مرعبة. هالة "تنين الكارثة". التنين الشائك الذي يبث الرعب بمجرد الحضور. لكن الدوق، سيد الزمان والدمار، كانت يده ترتجف للمرة الأولى منذ قرون. نظر إلى الساعة الذهبية المعلقة في سلسلة بيده. العقارب كانت تدور بجنون عكس الاتجاه. "المانا تخرج عن السيطرة..." تمتم بصوت يشبه احتكاك الصخور. "جسد الطفل لا يتحمل." على السرير الفاخر المحاط بدوائر سحرية معقدة، كانت الأميرة سيرافينا تتنفس بصعوبة. عرقها كان يتلألأ كغبار النجوم. ورغم ألم المخاض، كانت هالتها المقدسة تضيء الغرفة بوهج يعمي الأبصار. أجنحة "الملاك السداسي" غير المرئية كانت ترفرف بقلق، تملأ الغرفة بضغط جوي ثقيل. "إنه... يقاتل، يا كرونوس..." همست سيرافينا، وصوتها يحمل رنيناً سماوياً. "أشعر به. إنه لا يستسلم للموت." فجأة، توقف كل شيء. توقفت العاصفة في الخارج. توقفت عقارب الساعات في القصر بأكمله. حتى ذرات الغبار العالقة في ضوء المصابيح السحرية تجمدت في مكانها. انبعث صوت بكاء. لم يكن بكاء طفل عادي يطلب الهواء. كان صرخة إعلان. صرخة اخترقت "الصمت" الذي فرضه الزمن. اندفع كرونوس نحو السرير بسرعة جعلته يبدو وكأنه انتقل آنياً. حملت القابلات – اللواتي كن يرتدين دروعاً سحرية للحماية من ضغط المانا – الطفل الملفوف بحرير أبيض، وقد جثين على ركبهن من شدة الارتجاف. "سيدي الدوق..." تمتمت كبيرة القابلات، وجهها شاحب كالموتى. "انظر إليه." أخذ كرونوس ابنه بين ذراعيه. هو الذي قطع آلاف الرؤوس وأباد جيوشاً بنظرة، شعر بقلبه يتوقف للحظة. فتح الطفل عينيه. شهقت سيرافينا وهي ترفع جسدها المنهك لتنظر. العين اليمنى لم تكن بشرية. كانت ذهبية بالكامل، بداخلها دوائر ميكانيكية دقيقة تدور ببطء، وبؤبؤ يشبه عقرب الساعة الحاد. "عين العصور" ، إرث فاليريان، لكنها كانت أكثر تعقيداً، أكثر عمقاً. والعين اليسرى... كانت هاوية من السواد يتوسطها انفجار نجمي مشع. خطوط من الضوء الأبيض تخرج من المركز كأشعة نجم يحتضر ويولد في آن واحد. "النجم النجمي" ، فخر عائلة سيليستيا. "تغاير لوني..." همس كرونوس، والذهول يكسر قناعه الجليدي. "لقد ورثهما... ورث الاثنين معاً." لكن المفاجأة لم تنتهِ هنا. عندما لامس جلد الطفل الهواء، بدأت المانا في الغرفة تنجذب إليه بعنف. ظهرت خطوط سوداء وذهبية على جسد الرضيع الصغير. على ظهره، بدأت تتشكل وشوم معقدة، خطوط حادة ومدببة ترسم ملامح تنين يلتف حول عموده الفقري، بينما على كتفه وصدره، ظهرت نقوش ريشية مقدسة وعيون مفتوحة ترمز لـ الملاك. "الرنين السماوي..." قالت سيرافينا بدموع الفرح، وهي تمد يدها لتلمس خد ابنها. "إنه ليس مجرد ساحر يا كرونوس. إنه... سيادة." من منظور أريسين (الطفل) فتحتُ عينيّ الجديدتين على عالم يضج بالألوان التي لم أرها من قبل. ببصري الأيمن، كنتُ أرى "الزمن". رأيتُ حركة الهواء كإطارات بطيئة، ورأيتُ "العمر" في وجه الرجل الضخم الذي يحملني. رأيتُ الثواني تتدفق حوله كنهر هادئ. وببصري الأيسر، رأيتُ "المكان". رأيتُ انحناءات الجاذبية، ونقاط الضعف في نسيج الغرفة، والمسارات التي يمكنني الانتقال عبرها. نظرتُ إلى الرجل. الدوق كرونوس. والدي. كان يبدو مرعباً، تماماً كما في التصاميم الفنية للعبة. وجه حاد كالسيف، وعينان باردتان كالموت. لكنه كان ينظر إليّ بنظرة... هل هذا حب؟ أم انبهار بقوة سلاح جديد؟ ونظرتُ إلى المرأة. الأميرة سيرافينا. والدتي. كانت جميلة بشكل مؤلم. نورها كان دافئاً، يغسل الألم الذي شعرتُ به قبل قليل. شعرتُ بالقوة تجري في جسدي الصغير. لم تكن مجرد طاقة، بل كانت سلطة. السيناريو تغير. الطفل الميت عاد للحياة. في اللعبة، كان العالم ينتهي بدمار شامل لأن "البطل" الحقيقي لم يكن قوياً بما يكفي. لكن الآن؟ حاولتُ أن أبتسم، لكن عضلات وجهي لم تسعفني بعد، فخرج الأمر كصوت غرغرة راضية. "أهلاً بك في أيثيريا، أريسين،" فكرتُ وأنا أرى هالة التنين والملاك تندمجان حولي. "العالم لا يعرف ما الذي استيقظ للتو. الوحوش، العائلات النبيلة، القارة المظلمة... انتظروا فقط. سأعيد كتابة كل شيء." رفعني كرونوس عالياً، وكأنه يعرضني للسماء التي عادت لصفائها فجأة. قال بصوت جهوري هز أركان القصر: "اسمعوا وعوا! الليلة وُلد أريسين فاليريان. وريث العرشين، وسيد الزمكان الجديد!" كان هذا ميلاداً لأسطورة، أو ربما... ميلاداً لكارثة جميلة.لا

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Tides Of Eternia

المؤلف ARES
2025/12/16 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة