متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين
والسودان وسوريا.
وبرضك الدعم بفوت والتفاعل مع
الأحداث ... دا هيفرق معايا جدًا
_______________________________
في أعماق المحيط، وفي منطقة متهالكةٍ معزولةٍ
لا تقترب منها الكائنات البحرية، تواجدت قلعة
سوداء عملاقة شيدت من صخور البازلت.
وعند بوابتها الضخمة، اصطف جنود أوار
مسلحين بالرماح، يحرسون القلعة ويقفون
بالمرصاد لأي مخلوقٍ سولت له نفسه باختراق
منطقتهم.
وفي الداخل، وتحديدًا داخل إحدى رَدْهات
القلعة، سبحت حورية شابة لا يتجاوز عمرها
العشرين عامًا.
كان لها ذيل أخضر وخصلات شعر حمراء تتماوج
خلفها، بينما تبعتها حورية أخرى أكبر سنًا، قد
بلغت مؤخرًا الثالثة والثلاثين.
كانت هي نفسها الحورية الخائنة التي رأتها
يومي في ذاكرتها!.
نظرت الصهباء إلى خادمتها بعينين صفراوين
زاهيتين يكسوهما البرود، ثم قالت.
-« كيكو، أخبريني ماذا حدث »
أجابت الخادمة بهدوء.
-« سيدتي، تمكنا أخيرًا من غزو اليافا وأسر
شعبها، لكننا واجهنا بعض الصعوبات في القبض
على أميرتهم. لقد هربت فور أن قمنا بالإغارة
عليها عند قمة الأريدروس »
توقفت الحورية عن الحركة، واستدارت إليها
بحدة.
-« هذا أمر مخزٍ، كيف افلتت من براثينكِ؟! »
قالت كيكو بثقةٍ وابتسامة ماكرة سرعان
ما شقت طريقها نحو ثغرها.
-«لا تقلقي يا آنسة ليا، لن تسنح لها أي فرصةٍ
أخرى. إن حاولت إنقاذ رجلها الذي أسرناه،
فسنقتلها »
اتسعت عينا ليا دهشة، وتمتمت بصوتٍ خافت.
-« هل قبضتم على جون؟! »
ابتسمت كيكو بمكر، وأشارت إلى الأسفل، نحو
قبو القلعة، ثم قالت.
-« إنه الآن يعذب علي أيدي الكارنيفكس ...
الجلادين الأكثر شهرة في مملكة أوار. وقريبًا،
سأرسل دعوة إلى أميرته لكي تأتي وتنقذه »
هزت ليا رأسها بارتياحٍ، وقد بدت راضية
لقدرة خادمتها على تحقيق هدفها، ثم تابعت
السباحة في الردهة.
-« لا بأس ... لدي ضغينة شخصية معه على أي
حال. الآن، أستدعي عرافة المحيط ريڤال »
وقفت كيكو تراقب ظهر سيدتها وهي تبتعد، بينما
تلمع عيناها بخبثٍ واضح، ثم ابتسمت قائلة بخضوع.
-« أمرك يا سيدتي »
***
صباحًا في اليوم التالي ...
-« إذن، هل اتخذتِ قرارك؟ »
سحبت يومي كرسيًا وجلست عليه قرب السرير
الذي كانت تستلقي عليه ماي. نظرت إليها الأخيرة
ببرود وقالت.
-« لم اغير رأيي، إنها مشكلتك »
عقدت يومي ذراعيها علي صدرها ونظرت إليها باستياء ... بعد كل ما قالته لها بالأمس، ألم يغير
ذلك رأيها؟!.
قالت يومي بحنقٍ، وهي تكبح استياءها من سلبية
ماي تجاهها.
-« ليتني مثلكِ، أستطيع ان ألقي ما بكاهلي
وأهرب. فرغم إصابتي إلا أن الندم ينخر قلبي
كل ثانية لأنني فشلت في حماية شعبي ومن آمن
بي »
التفتت ماي إلى الجانب الآخر، وأدارت ظهرها
ليومي حتى تخفي ملامح وجهها التي تغيرت
والنظرة التي علت محياها؛ فلم تكن تريد أن تلاحظ
يومي الحزن الذي بدأ يغمرها، ثم قالت ببرود
مصطنع.
-« على الأقل هناك من يؤمن بكِ »
قالت يومي بانفعال.
-« أنا افعل. أنا اؤمن بكِ، وأثق في قدرتك على
إنقاذ اليافا »
تعمقت ماي في ذكرياتها ولم تبد أي رد فعل، فعم
الصمت الغرفة لفترة.
سئمت يومي وفقدت الأمل في تغيير موقفها.
لا بد أن قرارها كان حاسمًا، فنهضت وتوجهت
نحو باب الغرفة ريثما تكبح رغبتها في البكاء
وذلك الشعور المريع الذي احاط بقلبها
وقيده فضاق الخناق عليه.
لأنها تخلت عن بني جنسها وهربت بمفردها.
ثم فكرت في جون الذي لم تكن تعرف ما مصيره،
وهل ما زال على قيد الحياة أم لا!.
تجمدت يومي عند الباب حين قالت ماي
بسرعة.
-« انتظري، أنا أوافق، ولكن بشرط »
***
ركلت باب غرفته، ثم دخلت قائلة بصوتٍ عالٍ.
-« صباح الخير أيتها الجميلة النائمة »
تململ رين في سريره منزعجًا، ثم رفع ذراعه ليغطى
عينيه عندما فتحت الستائر ودخل ضوء الشمس،
فبدد ظلام غرفته.
-« أغلقي الستائر واخرجي »
قال رين، فهزت ماي كتفيها بلا مبالاة وردت.
-« لا، انه يوم رائع لنبدأ الأستعدادات لرحلتنا
للبحث عن سيريوس »
جلس رين فجأة علي السرير ونظر إلى
أبتسامتها العريضة بينما يردد خلفها بصدمة.
-« رحلتنا؟! »
-« كما سمعت »
راقبها وهي تقترب منه، ثم فجأة أزالت الغطاء
الذي كان يغطي جسده. ارتبك وغطى نفسه مرة
أخرى حين لاحظت أنه نائم عاري الصدر.
اتسعت ابتسامتها أكثر ونظرت إليه بسخرية.
-« ماذا؟ وكأنني لم ارّ كل شيء من قبل! »
قال رين بنبرةٍ لا مبالية وهو يستلقي مجددًا.
-« أنتِ لم تري شيئًا على الإطلاق ... ليس بعد »
رغم برودة نبرته، إلا أن كلماته جعلتها مرتبكة
ومحرجة بعض الشيء.
تصرفت وكأنها لم تسمع شيئًا وهرعت نحو خزانته
لتخرج ملابسه، ثم ألقتها عليه وهي تقول بمرح.
-«حسنًا أيها الرجل الغني الوسيم، ارتدِ ملابسك؛
فلدينا الكثير لنفعله قبل أن نبدأ البحث عن
المفاتيح »
رد رين متذمرًا.
-« لا، ليس من المفترض أن نفعل أي شيء
فأنا لا أصدق تلك الغريبة على أي حال.
مرة أخرى، أغلقي الستائر واخرجي من غرفتي »
وضع الغطاء فوق رأسه وحاول العودة إلي النوم،
فنظرت ماي إليه بانزعاج.
لم يكن أمامها إلا أن تقترب منه، ففعلت ذلك،
وجلست بجانبه ثم سحبت الغطاء عن وجهه
مجددًا.
نظرت إلى عينيه الخضراوين الناضرتين اللتين
ترمقها بتأفف وإنزعاج، بينما هو يلوي زاوية فمه
ويتجهم.
-« أنا أصدقها ... ألا يمكنك أن تثق بي وتساعدني
في هذا؟ »
-« ماي انـ »
ابتلع ما كان علي وشك قوله عندما رأى تلك
النظرة في عينيها، نظرة لم يسبق أن رأها من
قبل ... أصرار على فعل شيء تؤمن به وإعطاءه
فرصة.
كان الأمر مختلفًا؛ فهي لم تكن من النوع
الذي يساعد الناس، فهي تكره أن تحاول او تحارب
لأجل أي شيء، لتحاول حتى لأجل نفسها!.
تابعت كلامها وصوتها يرتجف.
-« رين، أنا خائفة مما قد أواجهه ... كل شيء
جديد بالنسبة لي. أنت ذكي، شجاع، وماهر
في المبارزة.
تفكر دائمًا بعقلانية وتعرف ما هو الصواب، وما
الشيء الذي يصب في صالحك بخلافي! »
ابعدت عينيها عنه ونظرت إلى نافذة غرفته،
ثم تمتمت بصوتٍ منخفض.
-« وأكره أن يقال عني إنني جبانة ... فأنا لا
أخشى تحمل المسؤولية، كما قالت تلك المدللة »
فكر رين قليًلا، ثم زفر بقوة وقال.
-« حسنًا، سأذهب معك، لذا اخرجي من غرفتي
حتى أتمكن من ارتداء ملابسي »
نظرت إليه بحماسٍ وابتعدت عنه، بينما تشاهده
ينثر شعره منزعجَا مما ال إليه الأمر وأنه
رضخ لطلبها.
تحركت نحو الباب لتقف أمامه للحظة،
لتقول قبل أن تخرج.
-« جيد؛ لأنك لو لم توافق، لكنت أجبرتك على ذلك
علي أي حال! »
ثم هربت من أمامه قبل ان يستوعب ما قالته
ويقتلها!.
***
-« قبل أن أبدأ بتعليمك، اريدكم أن تعلموا أنني
ممتنة لكم حقًا »
تنهد رين وبعثر شعره، بينما هزت ماي رأسها من
دون تعليق، فتابعت يومي كلامها.
-« أولاً، سأعلمك يا ماي كيفية التحكم في السحر الأساسي لمساعدتكِ على حماية نفسك إذا لزم
الأمر »
اتسعت عيني ماي دهشة وقالت
-« سحر؟!. انتظري، هل يمكنني استخدام السحر! »
جفل كُلاهما عندما ألتمعت عينا يومي بوميضٍ
أزرقٍ خافت، ثم نظرت إليهما منتقلة بنظراتها بينهما.
قالت بهدوءٍ، كأنها معتادة على ذلك.
-« نعم، على الرغم من أن هالتكما ضعيفة، إلا أنكما
ساحران في النهاية »
ظلا ينظران إليها بصدمة، فتابعت حديثها
متجاهلةً نظراتهما
-« أريد أن أخبركم بأسطورة أخرى ستفيدكم في
رحلتكم؛ إنها عن كائناتٍ تسكن داخل جوف كل
ساحر ... يطلق عليهم الإسانتيا.
تمتلك الإسانتيا قدرًا لا بأس به من قوى الساحر
ليتمكن من استخدامها وقتما شاء. فكروا فيها
كتابعٍ أو مرافقٍ روحي.
وأنتِ يا ماي بالتأكيد تمتلكين إسانتيا ايضًا، فأنتِ
ساحرة منحدرة من العائلة الملكية ... وتلك
الإسانتيا ستكون وسيلتك للسفر بسلاسة للبحث
عن سيريوس.
لكن لن تتمكني من استخراج الإسانتيا الآن، علي
الأقل ليس قبل أن أعلمك بعض التقنيات المفيدة.
وستتكفل الإسانتيا الخاصة بك بتعليمك
خلال رحلتك، فهم الأكثر خبرة ومعرفة بكيفية
التحكم بالسحر »
بدأت يومي بعدها بتعليم ماي بعض الكلمات
وأوضاع التأمل وتمارين التركيز، بينما أنشغل رين
بتحضيرات السفر وممارسة المبارزة ليل نهار.
وما كان يشغله طوال تلك الفترة وأصعب ما واجهه،
كان إيجاد عذر ليخبره لعائلته عند إختفائه!.
***
-24 أكتوبر : مساءً -
استلقت على سريرها منهكة للغاية بعد يومٍ طويلٍ ومزدحم من تعلم السحر. حدقت في سقف غرفتها وشعرت بثقل جفنيها من التعب.
وقبل أن تغفو سمعت طرقًا على باب غرفتها؛
تقلبت بسرعة على السرير وأعطت ظهرها إلى
الباب متظاهرة بالنوم.
وبعد لحظات، سمعت صرير الباب يليه خطوات
تقترب، فكبتت فضولها لمعرفة ما كانت تفعله يومي.
جفلت عندما شعرت بها تستلقي بجانبها، ثم مدت
يومي ذراعيها ولفتها حول معدتها وعانقتها بلطفٍ.
همست يومي بصوتٍ متحشرجٍ قليلًا.
-« في الواقع ... لقد كذبت عليكِ، سبب عدم
بحثي عنكِ لم يكن واجبي تجاه المملكة فحسب،
بل خوفي. لأنني لم أرغب أن القاك إلا بعد النصر
على أوار وانتهاء الحرب ... لأتاكد من أن المملكة
مكانًا أمنًا لكِ.
أردت حقًا أن اراكِ وأعيش معكِ، ربما تمنيت
ذلك منذ أن علمت بوجودك.
لقد اشتقت لكِ وأحببتك حتى قبل أن ألتقي بك.
فعلت ذلك، لكن خوفي من أن يمسك سوء تغلب على
رغبتي في مقابلتك؛ هذا هو السبب الحقيقي لعدم
بحثي عنك »
خفق قلبها مما سمعت وارتبكت؛ كانت تكافح للتحكم
في تنفسها والأستمرار بالتظاهر وكأنها نائمة حتى
لا تعلم شقيقتها بأستيقاظها.
تابعت يومي بنبرة نادمة.
-« أعتذر، لم أتخيل أبدًا ما كنتِ تَمِّرِين به.
ظننتُ أنكِ بخير، وأن حياتك ستكون أفضل
من حياتي، فلم ارغب أن تحملي عبء الحرب
مع أوار.
فلا تدرين مقدار الذنب الذي أشعر به لأنني ادفعك
للقيام بتلك الرحلة رغم محاولاتي لإبعادك عن
مخاطر الحرب ... وفي الوقت نفسه بالإمتنان
لأنكِ وافقتِ على مساعدة أختك الأنانية
ولم تتجاهلي شعبًا قد يهلك إن لم نفعل شيئًا! »
صرّت ماي على أسنانها وكبحت رغبتها في البكاء.
ثم حاولت أن تكتم شهقة كادت أن تفلت منها، فتفاقم
الألم داخل صدرها والغصة التي كانت في حلقها
لتشعر وكأنها تبتلع اشواكًا حادة.
ازداد الأمر سوءًا لأنها كانت تقاوم!.
لم تعرف كيف تهدأ، لكنها فعلت ذلك علي نحو
غير متوقع ... لقد كبحت نفسها جيدًا واستمرت
بالتظاهر وكأنها غارقة في نوم عميق.
وطوال تلك الليلة لم تفكر إلا في شعورٍ واحدٍ،
الشعور الدافيء الذي شعرت به من ظهرها.
لقد كان احساسًا غريبٍا لم تعتده.
عصرت ذاكرتها محاولة تذكر متي كانت آخر مرة
شعرت فيها بدفء جسد آخر، أو متي كانت آخر
مرة تواجدت روحٍ أخرى في نفس المكان الذي
تعيش به.
ثم سالت دموعها على خديها من دون سابق
انذار، لمجرد أنها شعرت أن برودة المنزل والفراغ
الذي أكتنف ارجائه قد خف قليلًا، خاصة بعد أن
تخلي عنها والدها والذي كان يتحجج بكثرة
انتقاله وسفره بحكم عمله، فلم يكن يعرف عن
الأبوة شيئًا سوي إرسال المال لها.
في البداية ... شعرت ماي بغرابةٍ تجاه هذا
الإحساس. لكنها لم تكرهه؛ بل على العكس
لقد راق لها.
فتمنت أن تدوم تلك اللحظة لفترة أطول،
وبدا كما لو أن العالم صار لطيفًا معها أخيرًا.
***
في صباح اليوم التالي، اجتمع الثلاثة في غرفة
المعيشة بمنزل ماي لبدء محاولة إستخراج
الإسانتيا الخاصة بها.
شعرت بالتوتر والقلق من فكرة الفشل. فكل
ما تعلمته حتي الأن كان الجانب النظري للسحر،
وهذه أول محاولة عملية لها.
لاحظت يومي ما كانت تفكر فيه، فربتت على
رأسها بلطف وقالت.
-« أنا أؤمن بكِ، يمكنكِ فعل ذلك »
هزت رأسها دون أن تنطق، ثم أخذت نفسًا
عميقًا وبدأت تردد ما علمتها إياه يومي سابقًا
بلغتها القديمة مرارًا وتكرارًا. فارتفع صوتها
تدريجيًا.
-« ليبرال إيستو أورنامنتوم »
صبت كل تركيزها على تجويف صدرها، علي قلبها
خاصة.
فازدادت نبضاته حدة، واختلج بينما يخفق بقوة.
وبدأت عيناها تفقدان حدقتهما، لتتحول بؤبؤاها
إلي الأبيض بشكل كامل، وارتفع جسدها عن
الكرسي بضعة سنتيمترات.
تحرك جسدها من تلقاء نفسه، وعبرت يدها داخل
تجويف صدرها، مما أدى إلى انقباض وجهها
من الألم!.
شعر رين بالذعر بشأن ما تفعله فصاح.
-« هل من المفترض أن تفعل هذا؟! »
طمأنته يومي بهدوء
-« لا تقلق، كل شيءٍ علي ما يرام »
تحملت ماي الألم، وأخرجت يدها من داخل
صدرها، فظهر جسم بيضاوي ذهبي نُقش عليه
هلال أسود مُجَاوَرًا له شكل معين هندسي.
تحرك الجسم البيضاوي نحو راحة يدها واستقر
هناك، فبدأت تلتقط أنفاسها وتتعرق من الجهد
الذي بذلته للتو.
وبعد فترة، بعد أن ظل الجميع يترقب أدنى
حركة بأنفس محتبسة ... لم يحدث أي شيء!.
هزت ماي الجسم البيضاوي تحركه في كل اتجاه
بنفاذ صبر بينما تقول.
-« لماذا لم يحدث شيء؟ »
قالت يومي بقلق تحاول أن توقفها.
-« انتظري، من المفترض ان تنكـ »
لكنها قطعت حديثها في اللحظة التي انكسرت
فيها القشرة الخارجية للإسانتيا.
خرجت جنية صغيرة بحجم كف اليد، كما كانت
سمة جنيات الإسانتيا، لكن أجمل.
كان شعرها أرجوانيًا طويلًا يصل إلى خصرها،
وعيناها واسعة بلون الكهرمان، تتوهج أجنحتها
ببريقٍ ورديٍ وبنفسجي، أما وجهها البيضاوي
فكانت وجنتاها حمراوتان من شدة الانفعال.
طارت الجنية أمام وجه ماي وصرخت بصوتٍ
عالٍ لا يليق بحجمها.
-« أيتها الغبية الجاهلة! ماذا تفعلين بالإسانتيا
خاصتك، هل فقدتِ عقلكِ أم وضعته تحت
الصيانة؟.
كنتُ أتأمل حب حياتي ريو قبل أن أسحب
فجأة إلى هذه الإسانتيا التي كانت تهتز وكأنها
زلزال فالديفيا ... آه، لماذا وقعت مع تلك
الحمقاء! »
التقطت أنفاسها بعد أن تحدثت بانفعال وهي
تنفس عن غضبها في وجه سيدتها، فشحب
وجه ماي من الدهشة.
عقدت الجنية ذراعيها على صدرها ونظرت إليها
بنظرة ساخطة، ثم أكملت.
-« أنا أطالبُ بسيدةٍ أخري اكثر ذكاءً »
ساد صمت مرهب لوهلة، حتى أدركت ماي
أخيرًا ما يجري فقالت بحنق أيضًا.
-« وأنا أطالب بإسانتيا غيركِ! »
تدخلت يومي لتهدئة الموقف قبل أن يتصاعد
فتنقلت نظراتها بينهما وقالت.
-« لا يمكن تغيير الإسانتيا او سيدها لأنها
جزء منك منذ الولادة، قولي لي ما اسمكِ؟ »
-« ميا، سيدتي » ردت الجنية.
نظرت إليها ماي بغضب؛ فبينما كانت تصفها
بالحمقاء، تنادي الأن شخصًا آخر بسيدتها.
كانت علي وشك أن تنفجر غضبًا وتتشاجر معها، لكن
رين وضع يده على كتفها وأوقفها بنبرة حاسمة.
-« توقفي! الم تقلِ سابقًا إن الوقت يداهمنا؟ ميا،
هل يمكنكِ أن تقودينا إلى مفاتيح سيريوس؟ »
هزت ميا رأسها متجاهلة نظرات ماي الحانقة،
ثم حلقت نحو منتصف الغرفة لتستعد لتنقلهم.
اقتربت يومي هي الأخري من رين، ثم وضعت
بين يديه سيفًا ذا مقبض ذهبي مزخرف بنقوشٍ
فضية وحجر ياقوتٍ قرمزي في نهايته ... لقد
كان سيف جون الذي أعطاها إياه سابقًا.
قالت يومي بينما ترمق السيف بحزن.
-« هذا السيف مشبع بالسحر. كان ملكًا لفارسٍ
شجاع، وأظنه سيكون مفيدًا في رحلتكم »
نظر رين إلى السيف بإعجاب وقلبه بين يديه
متأملًا نقوشه منبهرًا بتصميمه، فشعرت يومي
بالراحة لأنه أعجبه.
قالت بقلقٍ وجديةٍ.
-« من فضلك، أحمِ شقيقتي ولا تدعها تتأذى »
-« حتى لو لم تخبريني بهذا، فهي ألم في الظهر
لا أستطيع التخلص منه »
قاطعت ميا حديثهما وهي تنادي علي رين لتبدأ
الطقوس.
اقترب رين من ماي ووقف بجانبها، فمالت نحوه
وهمست بصوتٍ منخفض.
-« هل قلتَ وداعًا لعائلتك؟ »
-« نعم، تأكدت من اقتناعهم بأننا سنلتحق
بأكاديمية داخلية، وأوصيت زيون برعاية
شقيقتك »
حدقت به ماي لوهلة وترددت في قول شيء له
قبل أن تغمغم ميا ببضع كلمات، وتتحول عيناها
إلى اللون الأبيض، ثم اختفى الثلاثة من المكان!.
***
في مكانٍ ما ... شعر رين بالإنزعاج من ضوء
الشمس، فرفع يده ليحجب اشعتها عن عينيه
ريثما يتأقلم مع الضوء.
نظر إلى السماء الصافية في اللحظة نفسها التي
هبت فيها نسمة باردة على وجهه، فانتقلت عيناه
إلى الطيور البيضاء التي تحلق عاليًا،
ثم إلى أوراق الأشجار التي داعبتها الرياح.
نهض من مرقده، فإذا بصداعٍ حادٍ يجتاح
صدغيه.
فتجاهل الألم ومشى بين الأشجار يتفحص
المكان باحثًا عن صديقته.
توقف تحت شجرة ورفع رأسه نحو أحد أغصانها،
ليراها مستلقية هناك.
نادى عليها لتستيقظ، فرمشت ماي بعينيها عدة مرات
حتي استعادت وعيها، ثم نظرت بصدمة إلى
الارتفاع الذي كانت عليه.
-« تلك القزمة وضعتني فوق شجرة عمدًا! »
اقتربت ميا منها ونظرت في عينيها بتحدٍ
أثار استفزازها أكثر.
فمدت ماي يدها نحوها محاولة خنقها، لكن
الغصن الذي كانت تجلس عليه انكسر من تحتها
بغتة وسقطت بقوةٍ على الأرض.
نهضت وهي تربت على مؤخرتها بعدما شعرت بألمٍ
مبرحٍ، ثم تجمعت الدموع في عينيها.
فعضت شفتها لتمنع نفسها من الأنين من الألم
وتحرم تلك الجنية من متعة شماتتها بها.
لكن ميا، والتي كانت تحوم فوق رأسها، قالت
بسخرية.
-« وجهك يبدو فظيعًا »
ردت ماي بانزعاجٍ.
-« ألا أستطيع الحصول علي غيرك؟ »
ابتسمت ميا باستهزاء.
-« كما لو أن طلبك هذا سيعطيك واحدًا »
ابتعدت ميا بعد أن حققت هدفها من مضايقتها،
ثم قادت الطريق متوغلة في الغابة، فتبعتها ماي
برفقة رين على مضض.
وبعد فترة من التجوال بلا هدف، توقف رين فجأة
فأصطدمت بظهره وأرتطم أنفها بكتفه.
فركت أنفها والدموع في عينيها وقالت بحنق.
-« لماذا توقفت؟! »
أشار إلى الأمام، فخطت بضع خطواتٍ لتري
ما يشير إليه.
حبست أنفاسها في دهشةٍ وإعجابٍ عندما
وقعت عيناها على مدينةٍ شاسعة تمتد
أسفل المنحدر الذي يقفان على حافته.
كانت المدينة مقسمة إلى ثلاثة أجزاء تربط
بينها جسور ضخمة، تتخللها أنهار شكلت حلقاتٍ
مائية تحيط بها من كل جانب.
انقسمت المدينة إلى جزء للزراعة تلونه
الخضرة الزهية، وآخر للصناعة تملؤه المباني
والمتاجر التي بنت فوق ارض مرتفعة عن البقية
، أما الجزء الأخير فيتوسطه قصر ضخم تعلوه
كرة مائية عملاقة تحيط بها حلقات ذهبية تدور
ببطءٍ مهيب.
ساد بينهما صمت قصير، تبادلا خلاله النظرات
، ثم بادر رين بالنزول من المنحدر متجهًا نحو
المدينة، فتبعته ماي بحذر.
سارا بين شوارع المدينة مبهورين بجمالها الأخاذ
وروعة بنائها، حتى استوقفت ماي فتاة عابرة ذات خصلاتٍ بيضاء كالثلج مثل أغلب سكان تلك المدينة!.
سألتها ماي بفضول.
-« من فضلكِ ... اين نحن؟ »
حدقت الفتاة في شعر ماي الفحمي طويلًا قبل
أن تجيب أخيرًا.
-« أنتم في أتلانتس! »
-------------- { يتبع } -------------
moonlight-oo