حكاية خيالية

حكاية خيالية

16 0

متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين

والسودان وسوريا.

وبرضك الدعم بفوت والتفاعل مع

الأحداث ... دا هيفرق معايا جدًا 😹🤍

_______________________________

ساد الصمت المرهب الغرفة لعدة دقائق ...

فغر فاه ماي ذهولًا مما قالته، وبعد فترة،

وبعد أن استعادت أخيرًا رباطة جأشها، عقدت

ذراعيها على صدرها بحزم وقالت.

-« رين، لقد كنت محقًا ... اتصل بالشرطة »

أمسكت الفتاة أطراف ملابس ماي بسرعة، ورغم

أنها لم تكن تعرف حتي ما تعنيه بكلمة

" الشرطة "، فإن وقع الكلمة كان يوحي بشيءٍ 

لن يسرٌها.

قالت متوسلة إليها أن تفهم.

-« أقسم لكِ إنني لم أكذب عليكِ بحرف مما

قلتُ لك! »

-« إذن، دعيني أستعيد ما قلتِه ...

أولًا، والدتي - والتي اسمها ماريا بالمناسبة - كانت

في الأصل حورية بحرٍ هربت من مسؤولياتها

كأميرةٍ لمملكةٍ تُدعى اليافا، ثم تزوجت من أبي.

ثانيًا أنجبت رضيعتين توأم، إحداهما كنتِ

أنتِ يا يومي فولدتِ حورية مثلها مما اضطرها

إلى ترك زوجها وابنتها الأخرى - والتي هي ايضًا

أنا بالمناسبة - لكي تعود إلي مملكتها وتنقذك لأنك

لم تتمكني من التحول إلى جسد بشري بسبب

صغر سنك! »

اعتقدت يومي بسذاجةٍ أنها اقتنعت بالقصة التي

ترويها لذلك ارتسمت  علي شفتيها ابتسامة

واثقة وهزت رأسها بالإيجاب.

نظرت ماي إلى رين، فهز الأخير كتفيه مستنكرًا

ما قالته، فأعادت ماي عينيها إليها ثم قالت.

-«لا، إنها مجنونة تمامًا، لذا اتصل بمستشفى

الأمراض العقلية »

لم تصدق ماي أيًا مما قالته، حتى وإن لم تستطع

دحض التشابه الغامض بينهما؛ تشابه الوجوه

البيضاوية ذات البشرة البيضاء، والملامح الرقيقة، والقزحيتين الزرقاوين، وخصلات الشعر السوداء

الفحمية.

وكيف ستتمكن من ذلك وما ترويه لها يشبه

القصص التي يرويها الآباء لأطفالهم قبل

النوم!.

افاقت من شرودها عندما أمسكت يومي

بمعصمها وقالت.

-« لم تتركي لي أي خيار آخر »

وعلي حين غرة، قبضت يومي علي معصمها بيدٍ

واحدة بينما امسكت بسرعةٍ بالحجر البلوري باليد

الأخرى.

بدأت تتلو كلماتٍ بلغةٍ غريبة، فاصطبغ الحجر

البلوري باللون الأسود وظهرت علي سطحه أنماط

زرقاء غامضة ومريبة. وفي لحظات، تلاشي الاثنان

من المكان أمام عيني رين الذي اتسعت عيناه

صدمة عندما اختفيا!.

***

رمشّت ماي عدة مرات بذهول وهي تتكئ على

الأرض، أمسكت برأسها ثم تأوهت من الألم وهي

تحاول أن تتذكر آخر شيء حدث.

اتسعت عيناها صدمةً عندما أدركت أن الماء

يحيط بجسدها من كل جانب.

لكنها لا تشعر بالاختناق ... كيف يمكنها أن تتنفس؟!.

نظرت عبر الزرقة التي تحيط بها من كل

الاتجاهات إلى الأعشاب البحرية الملتفة حول

الصخور البازلتية، بينما كانت مجموعة من الأسماك

تسبح فوق تلك الأعشاب.

قال صوت مألوف من خلفها.

-« اعتقدت أنكِ لن تصدقي ذلك إن لم تريه

بنفسك »

أدارت وجهها نحو يومي التي كانت تقف بالقرب

منها، فعقدت ماي ذراعيها على صدرها وقالت

بسخرية.

-« محاولة جيدة، لقد حقنتني بمادة تُسبب

الهلوسة، أليس كذلك؟! »

تجاهلت يومي كلامها، واتجهت نحو مبنى منعزل

على هيئة هرم مصنوعٍ من الحجر الجيري تعلوه

قمة مربعة، وعلى جانبيه سلالم صخرية تؤدي

إلى تلك القمة.

فنهضت ماي وتبعتها، وهي تحدق في قمة الهرم

العالي بفضول.

وما أن اقتربت يومي من بداية الدرج، حتى

توقفت عن السير، وقاطعت الصمت قائلة.

-« انتِ الأن داخل وعيي، وسترين ما حدث

لي قبل أن أتحوّل إلى بشرية وأصعد إلى اليابسة.

تعالي، لنصعد معًا »

-« ولمَ سأفعل ذلك؟ »

-« لأنكِ لن تغادري إذا لم أسمح لكِ بذلك، ولن

أفعل حتى تأتي معي »

اضطرت ماي إلى الذهاب معها على مضض

إلى الأعلي، فصعد كلاهما الدرج. وبمجرد اقترابها

من القمة مربعة الشكل، رأت ماي أمامها صندوقًا

ذهبيًا ملتصقًا بالأرض.

دارت حوله، فلاحظت أنه مغلق بإحكام.

-« لا يمكن فتحه إلا من قِبّل أمراء اليافا »

نظرت ماي إلى يومي التي تحدثت بينما كانت

تقف على حافة الهرم وظهرها إليها، تحدق في

الدرج الذي صعدتاه للتو.

اقتربت ماي منها ووقفت بجانبها، ثم وجهت

نظرها إلى ما كانت تراقبه.

كان هناك وفد من الحوريات يرتدين دروعًا

فضية ويحملن رماحًا وسيوفًا. يسبح في

مقدمتهم حوري أشقر الشعر يرتدي درعًا ذهبيًا

ويسبح جنبًا إلى جنب مع نسخةٍ أخرى من

يومي، ولكن في الماضي.

قالت يومي وهي تشرح ما يحدث.

-« هذا الهرم يُسمّى الأريدروس. وهو المكان

الذي تُقام فيه طقوس الحوريات »

صعد الوفد درجات الهرم وعندما اجتمع الجميع

عند قمته، اصطف الحراس حول نسخة يومي

" بالماضي " على شكل دائرة تحيط بها.

اقتربت تلك النسخة من الصندوق الذهبي

ووقفت أمامه، فاقترب منها الحوري الأشقر

وقال.

-« كل شيءٍ جاهز يا أميرة »

هزت نسخة يومي رأسها، ثم وضعت راحة يدها 

فوق الصندوق وأخذت تذكر اسماء كل من

سبقنها في حكم المملكة منذ القدم حتى أنتهت

بذكر اسمها بصوت عالٍ، واختتمت بقولها.

-« أبيرتا سيزاما »

اقتربت ماي وقد دفعها الفضول لمعرفة ما 

يحدث في اللحظة التي فُتح فيها الغطاء، فظهر

ما كان يوجد داخل الصندوق؛ يتوسطه جوهرة

بلورية شفافة عديمة اللون ... نفس الحجر الذي

رأته من قبل!.

قالت يومي موضحة ماهية ذلك الشيء ووظيفته.

-« هذا هو " أركانيوم ڤيتاي " او كما نسميه

في لغتنا حجر الحياة، والذي تتوارثه ملكات

اليافا عبر الأجيال.

ذهبت في تلك الليلة إلى الأريدروس للحصول

عليه واستخدامه في إنشاء حاجز يحيط بمملكة

اليافا ويحميها من الهجمات الهمجية المتكررة

لشعب أوار »

صمتت يومي وهي تشاهد نسختها من الماضي

ترفع الحجر إلي الأعلي بينما تردد تَرْانِيم قديمة

عفا عليها الزمن.

اختفت قزحيتا عينيها الزرقاوان واصبحتا بلون

أبيض غائم، ثم وجهت النسخة راحة يدها نحو

المملكة التي كانت علي بُعد مسافة.

بزغ ضوء غامض من العدم واحاط بمملكة

اليافا، مشكلًا حاجزًا أبيض شفافًا يشع نورًا ساطعًا.

فتهلل وجه الحراس بالسعادة وهم يشاهدون 

اكتمال الحاجز الذي طال انتظاره.

وعلي حين غرة، بينما كانت نسخة يومي

بالماضي منغمسة في طقوس الحماية، اندفع

الحوري الأشقر نحوها دافعًا إياها بعيدًا وهو

يصرخ.

-« احترسي! »

نظرت النسخة إلى قائد فرسانها بعد أن عادت

عينيها الزرقاوان إلى طبيعتهما، ثم وجهت بصرها

نحو رمحٍ اخترق الأرض الصلبة، في الموضع

نفسه الذي كانت تقف فيه منذ لحظة!.

وقبل أن تتمكن من إدراك ما كان يحدث، أنقضٌت

عليهم مخلوقاتٌ غريبة وقتلت حراسها واحدًا

تلو الآخر دون أن تمنحهم فرصةً لاستيعاب ما

يجري.

كانت لتلك المخلوقات أجساد ممزوجة بين هيئة

البشر في نصفها العلوي وبين مجساتٍ طويلةٍ

مزودة بممصاتٍ تشبه ما يملكه الأخطبوط في

نصفها السفلي.

وبينما كانت تلك المخلوقات تقضي على بعض

الحراس وتأسر آخرين، أسرع الحوري الأشقر

ليقف أمام نسخة يومي، حائلًا بينها وبينهم.

هجم عليه أحد تلك المخلوقات، فتصدى له

بسيفه ثم طعنه قبل أن يقتله الكائن الآخر.

التفت إلى أميرته وقال بانفعال.

-« يومي، اهربي! »

تراجعت الفتاة بضع خطواتٍ إلى الوراء في حالةٍ

من الذعر بينما كان جسدها كله يرتجف من

شدّة ما تراه.

شاهدته يقاتل بشراسة ويطرح أرضًا كل مخلوقٍ

يحاول الاقتراب منها، فهتفت بصوتٍ مرتعش.

-« جون، لا أستطيع أن اتركك! »

تفادى جون ضربةً وجهها إليه أحد المخلوقات

ثم صرعه وقتله، قبل أن يندفع نحو أميرته

ويمسك بيدها محاولًا سحبها بعيدًا على أمل

الهروب معًا.

لكن رمحًا أنطلق فجأة واختراق كتفه فبدد

ذلك الأمل في لحظة واحدة!.

سقط على أرض الأريدروس الصلبة وهو يئن

من الألم وملامحه منقبضة بشدة.

فنظرت ماي إلى يومي "في الحاضر"، والتي

أغمضت عينيها بقوة في اللحظة ذاتها التي أصيب

فيها جون، وكأنها تحاول بيأسٍ طرد تلك الذكرى

من عقلها.

خرج صوتها مبحوحًا ومختنقًا وهي تقول.

-« جون هو قائد حرس مملكة اليافا، وهو

الشخص الذي نال قلبي ... لقد خاطر بحياته

بشجاعةٍ حتى أتمكن من إنقاذ خاصّتي! »

أعادت ماي أنظارها إلي المشهد لترى ما كان

يحدث. حيث ألقى جون سيفه نحو نسخة

يومي " من الماضي" ، فالتقطته الأخيرة بيدين  

مرتجفتين، ونظرت إليه بذعر دون أن تتحرك من

مكانها.

قال جون بأسي.

-« أتوسل اليكِ، اذهبي الأن. إذا مُت هنا،

فستنتهي اليافا! »

تجمدت النسخة في مكانها من الخوف، وانتقلت

نظراتها بين جون الملقى على الأرض وهو

ينزف وبين حورية البحر الخائنة من مملكتها،

والتي كانت تقترب منهما بعد أن اطلقت الرمح

عليه وكادت تقتله.

قامت الحورية الخائنة ذات الشعر الأسود

القصير والعينين الحمراوين اللتين تشعان خبثًا،

بسحب الرمح بقوة من كتف جون، فتأوه الأخير

من الألم جراء فعلتها.

سبحت الخائنة نحو يومي لتقتلها بنفس

الرمح الذي طعنت به حبيبها، وقبل أن تتمكن

من ذلك، تحامل جون علي نفسه وسبح بسرعة

نحوها فوقف أمامها وأحال بينهما، ثم أمسك

الرمح أيضًا.

صرخ هاتفًا في يومي التي أجفلت علي صوته.

-« أسرعي! »

ازداد معدل تنفس يومي وهي تشاهد جون،

الذي كان يتصارع مع الخائنة تارة، ثم تنظر إلى

حراسها الذين يسقطون الواحد تلو الآخر تارة

أخرى.

عضت علي شفتها بقوة وأغلقت عينيها.

شعرت بالتردد لبرهة، حتى استدارت أخيرًا

وسبحت بكل قوتها بعيدًا عن المكان وهي

تقاوم الرغبة في البكاء بسبب تخليها عمّن

تحب.

احتضنت حجر أركانيوم ڤيتاي البلوري،

الذي كان ينبض بوميض أخضر خافت كلما

أقتربت من وجهتها، بينما كانت تمسك

بسيف جون بإحكام في اليد الأخرى.

دفعت الخائنة جون فسقط على الأرض بعد

أن ضغطت بقوة على الجرح العميق في كتفه

كي يترك الرمح. ثم، وقبل أن تبتعد يومي عن

مجال نظرها وجهت الرمح نحوها وأطلقته،

فاخترق ظهر الأخيرة وأحدث جرحًا غائرًا في

جسدها.

اصطكت أسنان نسخة يومي حتي كادت أن

تصدر صريرًا من الألم بينما تحيط الرمح

بالسحر لمنعه من اختراق صدرها بالكامل، ثم

شقت طريقها وابتعدت عن المكان.

لم تتوقف أبدًا عن السباحة، فلم تهتم بالألم

المبرح في ظهرها، ولا باللون الأحمر القاني

الذي اختلط بالمياه وأحاط بجسدها.

كانت غريزتها للبقاء ورغبتها بحماية مملكتها

أقوى.

لم تكن تريد التوقف، أو أن تلتفت لتنظر خلفها،

فترى المشهد الذي كانت تخشاه عندما اتخذت

قرارها بترك كل شيء خلفها والهروب!.

اختفى الحراس وأولئك الكائنات من المكان،

وساد الصمت، وكأن المذبحة التي حدثت للتو

من طرف واحد لم تحدث قط.

جلست ماي على الأرض مندهشة مما رأته.

وأخيرًا، وبعد فترة من الصمت، قالت يومي وهي

تمد الحجر البلوري نحوها.

-« في هذا العالم، لا يوجد سوى حجرين من

أركانيوم ڤيتاي، أحدهما كان في الأريدروس.

عندما هربت، لم افكر سوي في شيء واحد، وهو

العثور عليكِ ... فلقد باءت خطتي في تكوين

الحاجز بالفشل الذريع، ولقي بعض حراسي

حتفهم وألقي القبض علي البعض الآخر اثناء

ذلك »

أخذت يومي نفسًا عميقًا ثم استأنفت حديثها.

-« كُلما اقتربتُ من الشخص الذي افكر فيه،

ازداد توهج الحجر باللون الأخضر الناضر، وما

اراح قلبي هو أن الحجر لم ينفجر، لأنه يتحطم

إلى شظايا عندما يموت الشخص الذي نبحث

عنه، وأنتِ ...أنتِ أملي الأخير »

-« حسنًا، لقد كنتِ صادقة في كل كلمة قلتها،

فماذا في ذلك؟ ... وما علاقة كل هذا بي! »

انحنت يومي لتجلس بجانبها، ثم وجهت أنظارها

الي مملكة اليافا التي كانت تلوح في الأفق من

بعيد.

-« كما ترين، دمر أوار كل خططي لحماية مملكة

اليافا، وحاليًا وحتي إن قمت بإحاطة الرمح

بالسحر وقللت من اختراقه لجسدي، إلا انه مازال

قد اصابني. لن أتمكن من التحرك بحرية لفترة،

ولن أستطيع منع سقوط اليافا بسبب غزو أوار

بجسدي هذا »

توقفت عن الحديث، وأخذت نفسًا عميقًا مرة

أخرى، ثم واصلت علي مضض.

-« أنا بحاجة لمساعدتك في حماية اليافا ...

في حماية مملكتنا »

-« ولمَ سأفعل ذلك؟ »

نظرت إليها يومي باستنكار؛ فبعد كل ما رأته

بعينيها، أما زالت ترفض؟.

-« ظننت أنكِ بمجرد أن تري شخصًا يائسًا

يطلب المساعدة، فستمدين يدكِ إليه! »

اجفلت يومي عندما نظرت إلى ملامح ماي

الجامدة وعينيها الخاويتين ... كانت تنظر إليها

بعينين ميتتين، وكأنها تنتمي إلى جثة باردة

هامدة. 

حدقت بها ماي لفترة طويلة، مما جعلها متوترة.

وبعد لحظات، خرجت الكلمات من فم ماي جافة

وباردة.

-« لا، ليس من الضروري مساعدة أيًا كان،

لقد تخلّت عني والدتكِ ... بل فعلتما ذلك، ولم

تكلّفا نفسيكما عناء البحث عني من قبل. أما

والدي، فهو يعتبرني حثالة ويلومني على هجر

زوجته له.

لقد مرت سنوات منذ آخر مرة نظر فيها إلى

وجهي، وأخيرًا بعد الاستماع إلى قصتكِ، أدركت

أنه كان يعاقبني على ذنبٍ لم أرتكبه. فما الذي

يجعلكِ واثقة هكذا من أنني سأمسك بيدكِ؟...

لقد تجاهل الجميع وجودي، فما الذي يمنعني

من أن أفعل الشيء نفسه الآن؟ »

-« لأنني أختكِ وهذه مملكتكِ التي سيتم

غزوها وتدميرها! »

-« أنتِ ساذجة »

ابتسمت ماي بسخرية، ثم نهضت وأدارت

ظهرها لها.

اتجهت نحو الدرج لتنزل من قمة الأريدروس،

وهي تتابع حديثها بحنق.

-« إذا كنتِ لا تريدين إنهاء شريط الذكريات

هذا، فلا بأس ... لا أحد ينتظرني في المنزل على

أي حال »

أسرعت يومي باللحاق بها، وأمسكت ذراعها

لمنعها من الذهاب وهي تقول.

-« أتفهم غضبكِ، ولكن كان على والدتنا أن تتخذ

هذا القرار. تقولين إننا لم نبحث عنكِ من قبل؟

ذلك لأنه، رغم أنني كنت أودّ مقابلتكِ إلا أن

واجبي كأميرة اليافا يتطلب مني التركيز على ما

هو أهم الآن. ليس من المفترض أن تغادر الأميرة

مملكتها أثناء الحرب! »

أغلقت يومي عينيها واستمرت في الكلام وهي

تشعر بغصة في حلقها.

-« لقد رأيتِ جرحي بعينيك، أنا لا أستطيع فعل

أي شيء. لم يبقَ إلا أنتِ من يحمل دماءنا. 

إن تهرّبتِ من واجبكِ تجاه اليافا لأنكِ تشعرين

بالجبن والغضب فتحمّلي عبء تلطيخ يديكِ

بدماء شعبنا وثِقل أرواحهم التي لا ذنب لها »

صرّت ماي على أسنانها بغيظٍ لإتهامها بالجبن

بعد كل ما فعلوه بها.

سحبت ذراعها بعنف من قبضتها، فتراجعت

يومي خطوة إلى الوراء، وعقدت حاجبيها

بغضب.

شعرت يومي بالانزعاج، فلماذا لا يمكنها تفهُّم

قراراتهم؟.

استأنفت يومي الحديث بنبرة حادة.

-« تعتقدين أنكِ الوحيدة التي كانت تعاني؟

ليس لديكِ أي فكرة عن حجم المسؤولية وثقل

العبء الذي أحمله على عاتقي في حربٍ تهدد

وجود بني جنسنا.

لم تنسَ والدتنا وجودكِ أبدًا، لكنها لم تتمكن

من وضع شعبٍ بأكمله جانبًا والهروب، خاصة

بعد مقتل الملك وتحالف شقيقها مع أوار.

ثم أصبح هذا واجبي بعد أن ماتت هي أيضًا.

لقد تحمّلتُ وتحملتُ كل هذا، وأنا أتمنى فقط

أن أعيش حياةً طبيعية دون عبءٍ مثلكِ! »

ابتسمت ماي بسخرية مما قالته، وشعرت

بتوغر قلبها، خاصة عندما تذكرت كل السنوات

التي قضتها بمفردها في المنزل.

لقد أهملها والدها وجميع أقاربها وتحملت

إساءة معاملته وكراهيته لها.

اضطرت للاعتناء بنفسها منذ صغرها، وأُجبرت

على عدم الاعتماد على أي شخصٍ سواها ...

ولم يكن هناك أحدٌ لتفعل.

-« دون عبء تقولين؟!، ... أيتها الأميرة، إن

لديكِ شعبًا بأكمله يعتز بكِ، وحبيبًا يكترث

لأمركِ ويخاطر بحياته من أجلكِ.

اياك أن تقارني بيننا! فليس لديكِ أي فكرة عما

يعنيه أن يكون المرء منبوذًا ووحيدًا، فلم يُلقَ

اللوم عليكِ لأن والدكِ ظن أن حبيبته قد هجرته

بسببكِ ... على الأقل أنتِ لم تجرّبي شعور الهجر »

ساد صمت خانق بينهما بعد ان انهت ماي جملتها.

استدركت يومي الأمر قبل أن يتصاعد الشجار

بينهما، فربّتت على كتفها بلطف وقالت.

-« وها أنا أعطيكِ فرصة ومكانًا لتنتمي إليه...

لتنتهي وحدتكِ. أنتِ تعلمين الآن بأمر اليافا.

إنها وطنكِ وأنتِ أميرتها، شئتِ أم أبيتِ، وكل

ما عليكِ فعله هو مساعدتي في إنهاء الحرب،

وبعد ذلك يمكنكِ البقاء معي إن أردتِ »

غمغمت يومي فعادت كلتاهما إلى غرفة ماي

فأكملت كلامها.

-« أنا لا اجبركِ ... فقط فكّري بالأمر »

جلست يومي بهدوء على السرير تحت أنظار

رين، الذي كان ينظر إليهما بعد ظهورهما المفاجئ.

تجاهلت ماي نظراته المندهشة وغادرت الغرفة،

ثم صفعت الباب خلفها.

نظر رين إلى الباب وسأل.

-« ماذا حدث؟! »

فأجابت يومي بصوتٍ مبحوح.

-« يمكنك اعتباره ... شجارًا بين شقيقتين »

***

-« إذن، لن نتصل بالشرطة؟! »

نظرت ماي إلى رين الذي أخرج رأسه من

نافذة غرفته، فرآها جالسة على سطح منزله

المكوّن من طابقين.

تنهد حين لم تجبه، ثم عبر من خلال النافذة

واتجه نحوها ليجلس بجانبها.

دفنت وجهها بين ركبتيها وفضّلت الصمت،

كانت تفكر في أشياء كثيرة وتعيد حساب ما

اكتشفته منذ ساعات.

فكانت مشاعرها مختلطة بين الارتياح لأن

والدتها لم تتخلَّ عنها حقًا كما ظنّت، رغم

الفجوة والفراغ اللذين خلّفتهما بداخلها،

وبين الارتباك المشوب بالغضب بسبب مبررات

يومي التي قدّمتها.

لم تكن ترغب في العودة إلى المنزل ... على

الأقل ليس قبل أن تنام يومي أولًا.

قال رين بهدوء.

-« هل انتِ بخير؟ »

هزّت رأسها نفيًا، فثبت نظره عليها وقال

وقد ضاق صدره من حزنها.

-« تعلمين، لا أستطيع أن أصدق ما قالته لكِ

تلك الفتاة »

أجابته بصوتٍ خافت.

-« لقد رأيتَ أننا اختفينا أمام عينيك، ولسوء

الحظ ... فهي صادقة »

قال بجدية.

-« حسنًا، أنا لا أثق بها ... لكني أثق بكِ.

فماذا ستفعلين؟»

أصاب بذلك ما كانت تفكر فيه طوال الساعات

الماضية.

كانت حائرة بشأن القرار الذي ستتخذه ... هل

تساعدها أم تتجاهل الأمر كما اعتادت أن تفعل

مع الجميع؟.

نظرت في عينيه، وبدت في تلك اللحظة

كطفلة ضائعة لا تستطيع اتخاذ قرارها.

-« لا أعرف »

أغلقت عينيها ودفنت وجهها مجددًا. فأسند

رين خده على يده وراح يراقبها دون أن يقول

كلمة واحدة لفترة من الوقت.

كانت تتوق إلى مكان تنتمي إليه ... إلى شخصٍ

يحبها كما هي.

لقد سئمت الوحدة والفراغ الذين كانا يتزايدان

بداخلها يومًا بعد يوم، يبتلعها، ويتركها

بإحساسٍ خانق يعتصر قلبها.

لكن القرار الذي عليها اتخاذه لم يكن سهلًا.

فإذا اعترفت بوجود يومي وساعدتها، ستنقلب

حياتها رأسًا على عقب.

هزّت رأسها محاولةً طرد تلك الأفكار من ذهنها

ثم رفعت عينيها نحو رين، الذي لم يرفع بصره

عنها.

-« هل تريد أن أحكي لك قصة أخرى روتها لي

تلك الفتاة؟ »

هز رأسه موافقًا، فأخذت نفسًا عميقًا ثم اخرجته

من صدرها وقالت.

-« منذ قرونٍ عدة، في أعقاب عصرٍ قديم، اندلعت

حربٌ بين طرفين :

أحدهما كان البشر الذين تحالفوا مع عِرق

حوريات البحر، والآخر كان مخلوقاتٍ مشوّهة

وغامضة.

اتّحد كلا الجنسين من أجل البقاء والنجاة،

فحاولوا القضاء على تلك الكائنات التي كانت

تهدد وجودهم آنذاك.

وعندما كان البشر وحوريات البحر على وشك

الخسارة، وكادت حياتهم أن تُزهق، تدخل

ساحران عبقريان.

لقد سخّرا كل قوتهما لصنع سلاحٍ يرجّح كفة

النصر لصالحهما ... ذلك السلاح كان يُدعى

سيريوس! »

أخذت نفسًا آخر، وشعرت بالرضا حين لاحظت

الفضول في عينيه.

-« تمكّن سيريوس من إبادة تلك المخلوقات

بالفعل، لكن ... بعد فترةٍ من السلام أصبح السلاح

مصدر جشعٍ لبقية السحرة.

اندلعت حروبٌ جديدة من أجل الاستحواذ

عليه، وبعد معارك لا تُحصى بسببه، قرّر

الساحران تقسيمه إلى خمسة أجزاء ... بل

خمسة مفاتيح »

رفعت كفّها أمام وجه رين وبدأت تعدّ على

أصابعها.

«  براميس  — مفتاح النار.

هيراميوس — مفتاح الماء.

كوراتيوس — مفتاح الشفاء.

إندوسترايوس — مفتاح السرعة والقوة.

وأخيرًا تيمبوس — مفتاح الوقت.

ثم تَناثرت المفاتيح الخمسة في أماكن متفرقة

وأزمنة متباينة ...

إذن، هل تعلم لماذا أخبرك بهذه القصة؟ »

هز رأسه نفيًا، فابتسمت بسخرية وقالت.

-« تلك الفتاة تعتقد أن العثور على المفاتيح

هو الأمل الأخير لليافا ... أو شيء من هذا

القبيل »

سألها.

-« هل ستذهبين للبحث عنها؟ هل ستثقين بما

تقوله؟»

على الرغم من أنه لم يصدق كلمة واحدة

مما قالته الزائرة الغريبة، إلا أنه كان فضوليًا

حقًا بشأن القرار الذي ستتخذه ماي.

فبعد كل ما عاشته من خيبات، وكل معاناة

واجهتها لسنوات، أغلقت ماي قلبها وأجبرت

نفسها على ألا تثق بأحدٍ مجددًا.

ألا تحب أي شخص أو تطلع إليه.

فهل ستثق بها؟!.

قالت أخيرًا وهي تنهض.

-« أنا ذاهبة إلى المنزل »

تهربت من سؤاله، وزحفت نحو نافذة غرفته

لتعبُرها.

تابعها بنظره حتى اختفت داخل ظلام الغرفة

ثم وجه عينيه إلى باب منزله، فرآها تفتحه

بهدوء وتغادر.

عبرت الشارع الفاصل بين منزليهما وفتحت

باب بيتها، ثم توقفت لحظة أمامه، ورفعت

رأسها لتنظر إليه قبل أن تدخل وتغلق الباب

خلفها.

-------------- { يتبع } -------------

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سيريوس | Sirius

المؤلف moonlight-oo
2025/12/10 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة