توقفت عن الحركة بينما انقبض وجهها من الألم.
عضت شفتها السفلية بقوة لتكتم صوت أنين
كان علي وشك أن يخرج منها. ثم تحركت يدها
نحو ظهرهالتستقر راحة كفها فوق مقبضٍ صلب
كان يخترق جلدها.
سحبت السيف الأسود العالق في ظهرها، ثم
وبعد أن انتزعته نظرت بتجهم إلى نصله الذي
كان يتصاعد منه دخان رمادي، فانعقد ما بين
حاجبيها.
وفي اللحظة التالية، وعلي حين غرة، دفعها
شخص ما نحو الأرض، فاصطكت اسنانها لتكتم
شهقة كادت أن تفلت منها.
-« وأخيرًا، جاءت تلك اللحظة »
قالت المرأة التي دفعتها، فبدأت الفتاة تزحف
مبتعدةً عنها وهي تشعر بألم حاد ووخزٍ من أثر
الطعنة.
ثم نظرت بيأس إلى المعركة التي دارت امامها
بينما كانت تشتد ضراوتها، وإلى حلفاؤها الذين
كانوا يحاولون النجاة والبقاء علي قيد الحياة...
خارت قواها اخيرًا، فتوقفت عن الزحف فوق
الأرض، ثم رفعت رأسها وثبٌتت عينيها على شاب
كان قد لاحظ وجودها وبدأ يركض نحوها.
حاولت أن تصدر صوتًا ... أن تخبره ألا يقترب،
فهذه المرأة المختلة لن تتردد في محاولة قتله.
لكنها لم تكن قادرة على إخراج أي صوت، فشعرت
برغبة عارمة في البكاء، وانهمرت الدموع على
خديها وهي تراقبه يقترب.
وصل الشاب إليها، وانحنى نحوها ثم احتضنها
بين ذراعيه غير مبالٍ بحجم الخطر الذي يحيط به.
فنظرت في عينيه ولم تعد قادرة علي مقاومة ثقل
جفنيها والشعور باسترخاء جسدها.
وقبل أن تفقد وعيها ويتوقف عقلها عن العمل
وينطفئ البريق في عينيها. تناهي إلى سمعها
صوته وهو ينادي اسمها بصوت مختنق.
-« ماي! »
ثم ... أظلم كل شيء.
***
- 18 اكتوبر : الساعة التاسعة مساءً، وقبل
شهرٍ من الأحداث السابقة -
لم تكترث الفتاة بالألم الشديد الذي شعرت به في
باطن قدميها، ولا بالنتوءات الحادة التي كانت تخدش
جلدها نتيجة السير حافية القدمين فوق أرضٍ
صلبة.
واصلت سيرها تصطدم بالمارة من دون أن تكلف
نفسها حتي عناء الأعتذار لهم أو حتى الأكتراث
بنظراتهم المستنكرة التي كانت تحدق في
جسدها، الذي لم يكن يغطيه سوي قميصٍ
أبيض قصير يكاد يصل إلى منتصف أردافها.
لم تكن تفعل شيئًا سوى تثبيت عينيها على
حجر بلوريً استقر فوق راحة يدها الملطخة
بالدماء؛ كان الحجر يتوهج بوميضٍ خافت كل
فينةٍ وأخرى، بينما كانت الفتاة تجرٌ خلفها سيفًا
تمسكه باليد الأخرى.
أصبح المارة حذرين منها خوفًا مما تحمله
ومن مظهرها، خصوصًا عينيها الزائغتين اللتين
تحدقان في الحجر دون أن تحيدا عنه، وجفونها
المحمرة المنتفخة من كثرة البكاء.
في الواقع، كان شعرها الأسود الفحمي مبعثرًا
أيضًا وفي حالة يرثى لها، لذا بدت للأخرين وكأنها
مريضة هربت من احدي المصحات أو ناجية
خرجت من حادثٍ مأساوي.
لكن، لم يكن أيٌ من ذلك مهمًا ... فالأهم الآن هي
الوجهة التي كان يرشدها إليها الحجر ... إلى آخر
أملٍ تبقي لها!.
***
في الوقت ذاته، وفي مكانٍ آخر ...
لم تجد بُدٌا من اقتحام الغرفة بوقاحة دون حتى
أن تطرق الباب، فتجاهلت حقيقة أن الغرفة
لشاب أعزب في العشرين من عمره، ولم يكن
جارها فحسب بل كان أيضًا صديق طفولتها.
وبعد أن دخلت الغرفة نظرت حولها وهي تبحث
عنه، ثم هتفت.
-« رين، هل ترغب بالتسكع معي؟ »
لم تجد له أي أثر، فتوجهت إلى سريره ثم ألقت
بنفسها عليه واستلقت براحة وكأنها في منزلها
وليس منزله.
وفي غضون دقائق، تسرب إلى اذنها صوت تدفق
المياه القادم من الحمام الملحق بالغرفة،
فقالت بصوت عالٍ حتى يسمعها.
-« أسرع يا رين فأنا أشعر بالملل هنا »
انتظرت قليلًا حتي خرج شاب عاري الجذع
بعد أن ارتدي بنطاله على عجل. ولم يكن قد جفف
خصلات شعره السوداء الرطبة بعد، فسقطت
قطرات الماء على جبهته فوق عينيه الخضراوين
الناضرتين اللتين كانتا تحدقان بالفتاة التي
غزت سريره بلا خجل.
عبس منزعجًا مما تفعله وقال.
-« ماي، انهضي وإلا سيصبح السرير الذي
رتبته للتو في فوضي بسببك.
كما أنني لن أتمكن من قضاء الكثير من الوقت
معك، لأن لدي غدًا تدريبًا على المبارزة »
اتسعت ابتسامة علي ثغرها، فتجاهلت آخر ما
قاله ... فكل ما كان يشغل تفكيرها حاليًا هو
كيف ستضايقه. فأغمضت عينيها الزرقاوين
متظاهرة بالتعب ثم تقلبت على سريره وفركت
وجهها في وسادته وهي تقول.
-« تمهل، أشعر بالدوار فجأة »
ادرك رين فورًا انها احدي الاعيبها، فأندفع نحوها
وأمسكها من معصمها ليسحبها بعيدًا ويمنعها
عما تفعله.
فوقفت عندما جذبها نحوه، ولأنه كان غاضبًا
منها قام بسحبها بقوة مما أدى إلى ارتطام
رأسها بصدره.
وقفت أمامه وقد اخفّضت رأسها نحو الأرض من
دون أن تنطق بكلمة. فازدرد ريقه بتوتر ... فوجود
فتاة في غرفته، وحدهما، لم يكن وضعًا مريحًا
له على الإطلاق.
نادى عليها بصوت منخفض مضطرب.
-« ماي! »
ظلّ الصمت يخيّم للحظات، قبل أن ترفع رأسها
وتنظر إليه، وابتسامة جانبية ماكرة ترتسم
على شفتيها.
مدّت يدها نحوه ولمست ساعده لمسة خفيفة
وهي ترفع نظرها إليه بثقة. فتراجع رين خطوة
إلي الخلف بريبة.
قالت ماي بنبرة مستفِزّة.
-« هل تغتنم الفرصة لأنك وحدك مع فتاة
جميلة وبريئة لتظهر حقيقتك؟ »
أدار وجهه بعيدًا عنها وقال باشمئزاز.
-« بريئة ؟! لا. وحتى لو رغبت في
اغتنام الفرصة، أنتِ آخر من قد أفكر فيه
بهذه الطريقة »
أعاد وجهه نحوها ثانية، فوجد نفسه محدِّقًا
في ملامحها; وجهها البيضاوي، عينيها
الزرقاوين اللامعتين، وشعرها الأسود المنسدل
على كتفيها. ورغم محاولتها الظهور ببراءة
وكأنها حمل وديع، إلا انه لم يصدق ايًا مما
تحاول ادعائه.
قالت بأبتسامة.
-« إذن لمَ تحدق بي هكذا؟ اعترف بأنك
واقع في حبّي »
أبعد يدها عن ذراعه بتململ وقال بنبرة لاذعة.
«لا، خاصة مع تلك النظرة على وجهك ...
تذكرينني بدجاجة مصابة بالإعياء »
تنهدت وسحبت يدها من قبضته ثم توجّهت
نحو باب الغرفة.
وقفت لحظة قبل أن تلتفت نحوه وتقول.
-« أنت ممل يا رين. على أي حال، سأنزل
للطابق السفلي ريثما تغيّر ملابسك ... وتخفي
عضلاتك الـ ... »
لم يمهلها فرصة لإكمال جملتها؛ فأسرع بدفعها
إلى الخارج وأغلق الباب في وجهها.
أسند ظهره إلى الباب وأطلق تنهيدة بائسة،
محاولًا طرد الإحساس بالإنزعاج الذي تسببته.
وبعد قليل، تقدم نحو سريره وجلس شاردًا
يفكر بتصرفاتها التي لا تتوقف عن استفزازه.
وكأنها تتعمّد محاصرته في كل مرة ... متناسية
حقيقة أنها إمرأة وهو رجل، وأن هناك حدودًا
لا ينبغي تجاوزها لمجرد هوسها بإحراجه وارباكه.
ألقى نظرة نحو الوسادة التي كانت تعبث بها
قبل قليل، والتي انتهى بها الأمر على الأرض.
حدّق فيها بصمت، بلا أي تعبير، كأنه يقاوم
شيئًا جال بداخله.
مدّ يده ليلتقط الوسادة، ثم حدّق فيها لثوانٍ
قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة صغيرة
رغمًا عنه.
فتمتم بصوت خافت.
-« إنها لا تعرف معنى الخجل ... حقًا »
***
نزلت ماي الدرج نحو الطابق السفلي على أطراف
أصابعها، متجنبة إصدار أي صوت.
كانت تتلفّت بحذر، تخشى أن تلاحظ السيدة
الجالسة أمام التلفاز وجودها في منزلها في
هذا الوقت، فحاولت قدر استطاعتها السيطرة
على وقع خطواتها كي لا تُحدث أدني صوت.
توقّفت أمام الباب ووضعت يدها على المقبض
ريثما تتسع ابتسامتها تدريجيًا مستمتعة
بشعور الفوز ...ثوانٍ قليلة وستخرج دون
أن يشعر أحد بوجودها.
لكن ... ما إن حرّكت المقبض قليلًا حتى
جاءها صوت من خلفها.
-« ماي، أرى أنه قد حان الوقت لتتوقفي عن
التسلل الي غرفته كيفما تريدين. حتي وإن
كنتِ تعرفين كلمة المرور الخاصة بالمنزل...
فأنتِ لم تعودي صغيرة بعد الأن »
التفتت ماي ببطء نحو المرأة التي شارفت
علي الخمسين من عمرها والتي كانت تنظر
إليها بانزعاج وذراعاها معقودتان على صدرها.
فتحت ماي فمها لتبرّر، لكن صوتًا صغيرًا قاطعها.
-« هل حاولتِ التجسس على أخي بينما يستحم
مجددًا؟! في المرة السابقة طردتِني وقلتِ إن
الأمر يخص الكبار فقط! »
ظهر طفل يبلغ الثامنة من عمره خلف والدته،
يرمق ماي بنظرة ماكرة.
صرت ماي على أسنانها غيظًا، فإن كانت هي
تستمتع باستفزاز رين بالاعيبها فهذه النسخة
المصغّرة منه يعيد لها الصاع صاعين وباحتراف
لكي ينتقم لأخيه منها!.
مدّت يدها نحو الطفل لتلقّنه درسًا مؤلمًا لكنها
توقّفت في منتصف الطريق ما إن لاحظت
نظرة والدته التي تحوّلت فجأة إلى الغضب.
-« ما هي الأمور الخاصة بالكبار التي يتحدث
عنها زيون؟! »
- «إنه يكذب يا عمّتي! ثم إنّي لا اعتبر
رين رجلًا حتي، فأي شيء سنقوم به! ... رين،
ساعدني هنا »
تحوّلت أنظار الثلاثة نحو رين، الذي كان يهبط
الدرج ببطءٍ وبرود وكأن الأمر لا يعنيه.
نظر إلى زيون لثوانٍ، ثم رفع كتفيه بلا مبالاة.
- « حقًا، أولستِ تتذكرين ما فعلتِه بي في الأعلى
منذ قليل؟ »
-« رين! »
احمرّ وجهها على الفور، وكانت على وشك
توضيح ما يقصده وأنها فقط اغاظته قليلًا حتى
لا تسيء والدته الظن، لكنها ابتلعت ما كانت علي
وشك قوله حين اقترب منها وانحنى نحو أذنها
هامسًا بصوت خافت لا يسمعه غيرها.
-« انتِ تستحقين ذلك »
ثم استقام وخرج من المنزل بهدوء، تاركًا اياها
تتلقي توبيخًا من والدته عقابًا لها على استفزازه.
وبعد فترة ... ناداها رين بصوت عالٍ.
-« ماي، تعالي هنا للحظة »
همت بالخروج من المنزل تبرر لوالدته انها تأخرت
عليه، وما إن رأته واقفًا أمام منزله في منتصف
الطريق حتى وقفت خلفه ونظرت إلى ظهره
بانزعاج.
كادت تعاتبه علي تخليه عنها في الداخل وكلماته
التي زادت الطين بلة و اضافت سوء فهم اخر بينها
وبين والدته، لكنها ابتلعت كلماتها عندما لاحظت
فتاة مريبة كانت تقف أمام رين شبه عارية إلا
من قميص أبيض بالكاد يغطي جسدها.
نظرت الي قدميها المدممة نتيجة لسيرها حافية
القدمين بدون حذاء، صعودًا الي يدها الملطخة
بالدماء والتي توجه حجر بلوري اضاء باللون
الأخضر نحو رين.
كانت الفتاة تحدق في رين بصدمة ولم تنتبه
لها بعد، فغمغمت وكأنها تحادث نفسها.
-« الم تكن فتاة؟! »
مضي وقت قصير حتي لاحظت الفتاة ماي اخيرًا،
فأتسعت حدقتي عيناها الزرقاوان وبدأت
تتحرك نحوها مما جعل الأخيرة تشعر بالتوجس
منها، فتراجعت خطوة الي الوراء.
اقتربت الفتاة الغريبة منها ثم امسكت يدي
ماي بإحكام وأجهشت بالبكاء وهي تقول.
-« لقد وجدتك »
ثم انهارت امامها فجأة وفقدت الوعي بينما تتسع
بقعة حمراء قانية علي ظهر قميصها!.
***
بعد عدة ساعات...
جلست الفتاة الغامضة على السرير بغتة وقلبها
يتقافز في صدرها بعد أن رأت كابوسًا.
التقطت أنفاسها وهي تتجول بعينيها في الغرفة
تتفحصها وتنظر إلى كل أثاثها بفضول، فهي لم تعتد
بعد على اغراض البشر.
انتفضت عندما فُتح الباب فبحثت مسرعة بيديها
عن سيفها التي كانت تحمله سابقًا ... لم تجده،
فحملت على عجل ما وجدته أمامها فكان مصباح
مكتب أسود كان قريبًا منها، ثم عادت تنظر إلى
من دخل الغرفة بتوجس.
تنهدت عندما أدركت أنه ماي ثم وضعت
المصباح جانبًا.
ثم انتبهت الفتاة اخيرًا الي أن أحدهم قام
بتغيير قميصها الملطخ بالدماء إلى سترة وسروال
أسود آخر.
ومن تحت السترة، أحاط الشاش بصدرها
وضمد جرحًا عميقًا كان ينزف في ظهرها.
فتحسست الشاش الطبي بأطراف أصابعها
بفضولٍ أكبر.
ثم، فجأة، ومضت ذكريات ما واجهته في الليلة
السابقة في عقلها، فامتلأت مقلتاها بالدموع
وبدأت في النحيب والبكاء.
لم تكترث ماي بانهيارها علي الأطلاق، فسحبت
كرسيًا وجلست بالقرب منها ببرود تنتظرها بفارغ
الصبر حتى تهدأ بمفردها.
وعندما فعلت ذلك أخيرًا، قالت الفتاة بحسرة.
-« لا اعلم إذا كنتِ ستصدقين ما سأقوله لكِ أم
لا، ولكن أقسم أنك الأمل الأخير المتبقي لي »
فتح رين الباب فجأة في نفس اللحظة التي
كانت ماي ستسألها عن فحوي كلامها الغامض.
ثم دخل إلي الغرفة ووقف قريبًا منهما.
قال بعد أن رأى أنها قد استيقظت أخيرًا.
-« حسنًا، سأتصل بالشرطة بما انها قد استيقظت »
-« لا، انتظر حتي نسمع ما تريد قوله »
قالت ماي بسرعة ثم وجها كُلاهما انتباههما نحو
الفتاة التي كانت تعبث في أغراضها التي جمعتها
ماي في مكان كان بالقرب منها.
أخرجت الحجر البلوري ووجهته نحو ماي، فتوهج
الحجر تدريجيًا باللون الأخضر كما فعل من قبل
عندما التقت بهما!.
ثم قالت
-« سأخبرك بكل شيء »
-------------- { يتبع } -------------
الأول متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين
والسودان وسوريا دا أهم حاجة.
تاني حاجة رواية سيريوس هي اقرب
رواية لقلبي واكثرهم تعبت فيها، خدت
مني 8 سنين عشان توصل للشكل دا ومحاولات
كتير جدًا تعديل ومراجعة فرجاءً لو عجبك
الفصل والرواية متنسوش الدعم بڤوت او
النجمة وكومنت علي الأحداث دا هيفرق
معايا جدًا. 🤍
+ الرواية مفهاش اي مشاهد مخلة فالمشهد الي
حصل في نص البارت دا بيعبر عن شخصية البطلة
الي بتحاول تنكش رين وتستفزه وسبب اني كتبته
هو حاجة هتظهر مع مرور الوقت ودليل علي مشهد
هيحصل ف نص الرواية.
واخيرًا حاليًا براجع السرد للمرة الي مش فاكرة
كام الصراحة فتجاوزوا عن الأخطاء لو فيه. 😂
moonlight-oo