لقاء

لقاء

10 0

لا إله إلا أنت سبحانك إني كُنت من الظالمين 🍁

✨مقدمة الفصل ✨

للقدر أسرار لا تُدرك بالعقل، يخبئها في طيات الزمن، ثم يكشفها في لحظة عابرة تقلب العمر رأسًا على عقب. قد يجمع بين طريقين ما كان لهما أن يلتقيا، ويزرع في قلبٍ متحجر بذرة حب لا تُروى إلا بالدهشة والوجع معًا.

لم يكن أحدٌ يتخيل أن نظرةً عابرة في مدرجٍ جامعي ستصبح مفتاحًا لحكايةٍ عصيّة على التفسير… حكاية بين أستاذة اعتقدت أنّها حصّنت قلبها ضد كل ضعف، وشابٍ متمرد ظنّ أنّه يملك زمام الدنيا بين يديه.

هكذا بدأت اللعبة الخفية للقدر، لعبة لا تعرف قوانين ولا تستأذن أحدًا… لعبة كتبت أول فصولها بين ليلى عبد الرحمن وحمزة المهدي..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كان المدرج يعجّ بالطلاب، أصوات الكراسي تتجاوب مع وقع خطوات متأخرة، والهواء محمَّل برائحة الأوراق والحبر والضجر. جلست د. ليلي خلف المنضدة، ملامحها هادئة لكنها صارمة، عيناها تمسح الصفوف كأنها تقرأ ما وراء العيون قبل أن تنطق بكلمة. بدأت تشرح، كلماتها تخرج واضحة، مرتبة، تضرب العقول قبل أن تلامس الآذان.

أما حمزة، فكان جالسًا بجسده فقط. عينيه شاخصتان نحو نقطة مجهولة، عقله يغرق في صخب داخلي لا علاقة له بالمكان. لم يسمع نصف ما قيل، ولم يكتب كلمة واحدة. كان يشعر أن الزمن يمرّ ببطء، وأنه غريب وسط هذا الحشد، كأن الجدران تضيق عليه.

عينها التقطته. لم تنطق باسمه،لانها لا تعرفه من الأساس...لم تشأ أن تمنحه مخرجًا سهلاً بالضحك أو التهرب. توقفت فجأة عن الشرح، ساد صمت ثقيل، كل الرؤوس التفتت نحوها في حيرة. رفعت حاجبًا، ثم وجهت سؤالًا مباشرًا، بسيطًا في كلماته، لكنه كالسهم حين استقر فيه.قالت وهي تنظر له ..

ـ ممكن تقوم وتشرح لزمايلك النقطة اللي قلتها من دقيقة؟..

ارتبك، نظر حوله لاعتقاده أنها لا تقصده ولكن كانت الأنظار جميعها مسلطه عليه...صوته حُبس في حلقه، عيناه تدوران بين وجوه الطلاب التي تترقّب سقوطه. قلبه خفق بعنف، عرق بارد تسلل إلى جبينه. حاول أن يجمع شتات أفكاره، لكن لا شيء حضر. لم يملك سوى صمتٍ فاضح...

نظرت إليه بهدوء، لا سخرية فيها ولا قسوة، فقط نظرة تخترق. قالت بنبرة ثابتة، عميقة...

ـ قوم...الشرود في المحاضرة مش بس بيضرك إنت… هو بيضيع قيمة وقتنا كلنا..

ثم توقفت فجأة رفعت راسها ببطء نحو حمزة، ثم خطت بخطوات واثقة حتى وقفت أمامه مباشرة. لم تنطق اسمه، لكن العيون كلها صارت تتبعه، وكأن المدرج كله يعرف أن الهدف هو ذلك الطالب الشارد.

قالت بنبرة ثابتة حازمة..

ـ خلينا نسألك سؤال بسيط في التجارة الدولية… لو عندك صفقة استيراد، إيه العوامل اللي لازم تحسبها قبل ما تقرر تدخلها؟..

ارتبك، قام واقف من مكانه ببطء، كتفه مشدود وصوته محبوس. حاول أن يبتلع ريقه، بينما أنظار زملائه تنغرس فيه كالسكاكين....

ـ هـ… هو…

تلعثم، عينيه تهرب منها، لكنها لم تترك له مهربًا. تقدمت خطوة صغيرة للأمام، حتى صار لا يرى إلا عينيها الحادتين، كأنها تسحب منه الإجابة عنوة.

قالت ببرود شديد...

ـ أقل حاجة… سعر الصرف، الضرائب، المنافسة… حاجات بديهية. مش محتاجة عبقرية....

انخفض رأسه لحظة، شعر كأن الأرض تميد تحته. ابتسم بعض الطلاب بخبث، لكن ليلي رفعت يدها بسرعة لتخرس أي همس وقالت بهدوء...

ـ أنت مش واقف هنا عشان تضحك حد… أنت واقف هنا عشان تفهم إن الشرود ليه ثمن......

اقتربت منه أكثر، ووقفت أمامه مباشرة. نبرتها صارت أشد، والعينان لا تعرفان التراجع...

ـ اللي ما يحترمش محاضرتي… يبقى ما بيحترمنيش.وميلزمنيش أن هو يحضرها...

سرت همهمة خافتة بين الطلبة، لكن حمزة، بتهوره المعتاد، رفع ذقنه وتحدّث بصوت منخفض ساخر، يكاد يُسمع...

ـ محاضرتك مش أهم من وقتي وأصلاً مش مهمه بالنسبة لي.....

تصلبت ملامحها للحظة، ثم ارتفع صوتها حادًا، قاطعًا الصمت كله...

ـ اخرج برّه....

لم يتحرك، ظل واقفًا يتحدى بنظرة متكبرة. عندها تقدمت خطوة أخرى، وأشارت نحو الباب بصرامة لا تحتمل الجدال...

ـ قلتلك… برّه! وأي محاولة لفرض وجودك هنا تاني من غير احترام… هتعني إنك ما لكش مكان في محاضراتي كلها....

تجمّد الجو. بعض الطلاب شهقوا بدهشة، والبقية صمتوا كأن على رؤوسهم الطير. حمزة، رغم غليان الدم في عروقه، التقط حقيبته بعنف، وأصدر صوتًا عاليًا بالكراسي من خلفه متعمدًا، ثم خرج بخطوات متعجلة، الباب يُصفَق وراءه في صدى ثقيل....

ليلي عادت بهدوء إلى المنصة، رفعت نظرها إلى القاعة وقالت ببرود:

ـ نكمل....

لكن في داخلها، بقي أثر كلماته يلسعها، ليس لضعفٍ فيها، بل لأن وقاحته صدمت ما لم تعتد عليه من طلابها.....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اندفع حمزة خارج المدرج، الباب ارتطم خلفه بصوتٍ كأنّه صفعة على وجهه. وقف في الممر الفارغ، يتنفس بعنف، يضغط أصابعه في حقيبته حتى كاد يقطعها. كان يشعر أن كل العيون ما زالت تطارده، أن همسات السخرية تسير خلفه حتى وإن أغلق الباب.

ضرب الحائط بكفه بعنف، شهقة غيظ خرجت من صدره...تمتم لنفسه...

ـ هي فاكرة نفسها مين؟..

لكن داخله كان صوت آخر، أضعف، أصدق:

"ليه خليت نفسي أبان ضعيف قدامها كده؟"

تأرجح بين غضبه وكسرة غروره؛ كرامته تصرخ، لكن قلبه يعترف أن الموقف كسّره من جوه. لم يتعود أحد أن يوقفه بهذه الصرامة، لم يتعود أحد أن يكشف فراغه أمام الجميع.....

جلس على أحد المقاعد في الممر، يدفن وجهه في كفيه. دخان سجائره المعتادة لم يرافقه الآن، ولا ضحك أصحابه. لأول مرة، شعر أن الصخب اللي جواه أكبر من أي محاولة هروب...

رفع رأسه، عيناه محمرّتان من الغيظ، وقال لنفسه:

ـ هي مش قدي ماشي يا...يا دكتور هنشوف مين فينا هيكسب… المرة الجاية ليا أنا......

لكن الحقيقة التي لم يعترف بها، أن ما حدث زرع في قلبه بداية جديدة… بداية مواجهة مع نفسه قبل أن تكون مع د. ليلي....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد مرور الوقت ...

أنهت ليلي محاضرتها بهدوء ظاهري، لكن قلبها كان يغلي من وقاحة حمزة. جمعت أوراقها بتأنٍ، لم تترك أثر انفعال يظهر على ملامحها أمام الطلاب، ثم خرجت بخطوات ثابتة نحو مكتب العميد...

طرقت الباب بخفة، وما إن سمح لها بالدخول حتى دخلت بكل ثقة وجلست أمامه، ملامحها صارمة.وقالت...

ـ بعد أذنك يا دكتور مجدي… عندي مشكلة لازم تتسجل رسمياً....

رفع العميد نظره باهتمام وقال..

ـ خير يا دكتورة ليلي؟..

تنفست بعمق، ثم قالت بوضوح...

ـ طالب في الفرقة… معرفش إسمه بس ممكن حضرتك تسأل حد من الدفعه... أساء الأدب داخل المحاضرة، وتجاوز الحدود معايا بشكل لا يمكن التغاضي عنه. أنا كأستاذة مش هقبل يقلل من احترام المحاضرة ولا من شخصي. عشان كده… بطلب تقديم شكوى رسمية، مع استدعاء ولي أمره...

العميد عقد حاجبيه، بدت على وجهه علامات الجديه وهو يقول...

ـ الموضوع وصل لدرجة دي؟..

ـ أيوه، وأنا مسؤولة عن هيبة قاعة المحاضرة. اللي حصل النهاردة لو اتسكتنا عليه، بكرة يبقى عادة...

كتب العميد المذكرة الرسمية بنفسه، ووقّعها، ثم ناولها لأحد الموظفين وقال بعد أن استدعي أحد من زملائه في الدفعه وسأله عن هويته وقال إنه حمزة المهدي ...تردد العميد في بداية الأمر ولكنه حسم أمره وقال للموظف...

ـ يتعمل استدعاء فوري لولي أمر الطالب حمزة… ونشوف إيه الإجراء المناسب....

أبتسمت ليلي إبتسامة صغيرة متوترة، أقرب لرضا داخلي.وقالت وهي تهب من مجلسها...

ـ شكرًا يا دكتور. أنا مش عايزة أعاقبه… لكن عايزة أفهّمه إن الجامعة مش ساحة للعب. هنا بيتعلّم وقبل أي حاجة لازم يكون فيه احترام....

خرجت من المكتب، خطواتها هذه المرة لم تحمل غضبًا… بل حسمًا. في ذهنها صورة لحمزة وهو يتحداها، وصوتها الداخلي يقول..

"المرة دي لازم يعرف إن لكل تصرف ثمن."

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في صباح اليوم التالي...

كان الصباح هادئًا في الفيلا، أشعة الشمس تتسلل من بين ستائر الصالون الواسع. طرق عامل البريد باب البوابة الحديدية، ناول البوّاب ظرفًا مختومًا يحمل شعار الكلية.....

البوّاب، وهو معتاد على تسليم الرسائل، تقدّم سريعًا إلى الداخل حتى وصل إلى باب الفيلا. هناك استقبلته والدة حمزة بنفسها، كانت ترتدي بدلة أنيقًه.. تحمل فنجان قهوة لم يكتمل شربه....

سألت بنبرة عادية....

ـ خير يا عم سيد..

ـ جواب مستعجل من الكلية يا مدام...

مدّ لها الظرف، أخذته بعناية، لمحت الختم الرسمي فعقدت حاجبيها. شكرت الرجل وأغلقت الباب بهدوء.

سارت بخطوات متسارعة إلى الداخل، قلبها بدأ يخفق بقلق لا تعرف سببه. دخلت إلى المكتب الكبير حيث يجلس زوجها، والد حمزة، يطالع بعض الأوراق الرسمية....

وقفت أمامه، مدت له الظرف وهي تقول بقلق...

ـ ده جواب من الكلية… استدعاء عاجل....

رفع رأسه ببطء، التقط الظرف، مزّقه بعناية وأخذ يقرأ. ما إن وقعت عيناه على كلمات "استدعاء ولي الأمر بخصوص الطالب حمزة" حتى تغيرت ملامحه. انقبض جبينه، وألقى الورقة على المكتب بعصبية.

ـ الولد عامل مصيبة جديدة!

قالها بنبرة غضب مكبوت.

أما هي، فوضعت يدها على صدرها بقلق..

ـ معقول يوصل الموضوع لاستدعاء ولي الأمر؟ ده أكيد عمل حاجة كبيرة....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في الطابق العلوي، كان حمزة ما يزال غارقًا في نومٍ ثقيل، لا يدري أن صباحه الهادئ هذا سيتحول إلى مواجهة قاسية....

اندفع والده بغضب شديد صعد إلى الاعلي

صوت خطوات ثقيلة صعدت السلم. باب غرفة حمزة اندفع فجأة بقوة، فاستيقظ مفزوعًا على صرخة أبيه...

ـ اصحى يا بيه...

فتح عينيه بتثاقل، التفت بدهشة..

ـ في إيه يا بابا؟

ألقى والده الظرف على السرير بقوة، الأوراق تطايرت بجانبه وقال بغضب..

ـ في إيه؟! ده استدعاء رسمي من الكلية عشانك! عيب يا حمزة… عيب! لحد إمتى هتفضل ماشي بالأسلوب ده؟ لحد أمتي هتفضل مش مسؤول....

وقف حمزة سريعًا، التقط الورقة بارتباك، قرأها بعينين متسعتين، ثم رفع رأسه باندفاع وقال .

ـ أنا معملتش حاجة! دي دكتورة متعنتة… كبرت الموضوع من لا حاجة!..

أقترب والده أكثر، صوته كالسوط...

ـ متعنتة؟! تقول كده وانت واصل لمرحلة إنهم يستدعوا ولي أمرك؟! إنت فاكر نفسك في مدرسة ابتدائي؟!..

وقف حمزة في مواجهة أبيه، عينيه تشتعلان وقال.......

ـ أنا بقول الحقيقة! هي اللي استفزتني… وقفتني قدام الكل كأني طفل، وأنا مردتش عليها غير بكلمة عادية...

ضرب والده المكتب الصغير بجوار السرير بقبضته، فارتجّ المكان..

ـ كلمة عادية؟! كلمة تخلي أستاذتك تكتب شكوى رسمية وتطالب باستدعاء ولي الأمر؟! اسمع يا حمزة… إنت بتجرّني لمستقبل أسود بإيدك. مرة تانية مش هسكتلك. كفاية بقا يا حمزة كفاية...

تراجع حمزة قليلًا، لكن عناده لم يسمح له بالصمت، فتمتم بنبرة متمردة. وقال...

ـ أنا مش غلطان....

أشار والده بيده نحو الباب بحدة وقال...

ـ خلاص… هنشوف مين الغلطان. هتيجي معايا الكلية بنفسك، وتقف قدام العميد، وهسمع منك ومنهم. وساعتها لو اكتشفت إنك بتكذب… صدقني يا حمزة مش هتعرف تبص في وشي تاني...هتشوف وش لمحمود المهدي هيكرهك في نفسك...

خيم صمت ثقيل، لم يبق سوى أنفاس متوترة بينهما. حمزة شعر لأول مرة أن المسألة خرجت من يده، وأنه يقترب من مواجهة لن يستطيع أن يهرب منها....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد مرور ساعة ....

كان ممر الكلية صاخبًا بأصوات الطلاب، لكن وقع خطوات حمزة بجوار أبيه كان أثقل من أي ضجيج. عيناه متجهتان للأرض، بينما والده يسير بجانبه شامخًا، ملامحه متجهمة كمن يستعد لمعركة حاسمة.

دق الأب باب مكتب العميد ودخل بثبات، يتبعه حمزة بخطوات مترددة. جلس الأب أمام المكتب، وألقى نظرة سريعة على ابنه قبل أن يقول...

ـ خير يا دكتور حمزة عمل ايه… عشان يجيلي استدعاء رسمي....

رفع العميد رأسه،ثم التفت إلى الباب وقال..

ـ اتفضلي يا دكتورة ليلي....

دخلت ليلي بخطوات واثقة، تحمل ملفًا في يدها. جلست مقابلة لهم، وعيناها لم تنزل لحظة عن حمزة. صمت قصير خيّم على المكان قبل أن تبدأ حديثها وهي تقول...

ـ حضرتك… ابنك بالأمس أساء الأدب في المحاضرة. تحداني قدام زملائه، ورفض يلتزم. الموضوع ماينفعش يتعدي مرور الكرام...

والد حمزة عقد حاجبيه، نظر مباشرة لابنه وقال..

ـ  انت عملت ايه...كلامها صح..

رفع حمزة رأسه فجأة، صوته متمرد لكنه مضطرب وقال...

ـ أنا ما عملتش حاجة غلط! هي اللي وقفتني قدام الكل من غير سبب. حسيت إنها بتتعمّد تكسفني. قلت كلمة عادية… مش تستاهل كل ده....

التفتت ليلي إلى العميد، ثم إلى الأب، نبرتها صارمة وهي تقول...

ـ الكلمة اللي قالها مش بس إساءة ليَّ… إساءة لهيبة المحاضرة كلها. لو سكت النهارده، بكرة أي طالب هيقل أدبه ويقول كلمة ويفلت....

العميد وضع يديه على المكتب، صوته جاد وقال..

ـ حمزة… دي مش أول مرة يجيني عنك شكوى بالتقصير. المرة دي وصلت للتطاول. لازم تفهم إنك مش جاي الكلية عشان تضيّع وقتك ولا تضيّع مجهود دكاترتك....

حمزة بلع ريقه بعناد، التفت إلى والده كأنه يطلب دعمًا، لكن الأب نظر له نظرة قاسية، وصوته خرج حاسمًا..

ـ أنا مش هقف في صفك لو كنت غلطان. دكتورتك هنا لها حق كامل إنها تحافظ على احترام محاضرتها. وأنت… لازم تعتذر فورًا...

شهق حمزة بدهشة، عينيه اتسعتا.وقال بصدمة..

ـ أعتذر؟...

رد والده بصوت غاضب كالسيف...

ـ أيوه… دلوقتي. وإلا اعتبر نفسك ماشي من الكلية دي....

الصمت خنق الغرفة، ووجه حمزة احمرّ من الغيظ والحرج. لأول مرة يجد نفسه محاصرًا… بين نظرة أبيه الحديدية، وصرامة د. ليلي، وجدية العميد.

ساد الصمت لحظة، قبل أن تتحرك ليلي بهدوء محسوب. أغلقت الملف الذي أمامها، ثم وقفت واقفة بكل ثقة، عيناها مثبتة على حمزة وقالت..

ـ لا، الٕاعتذار مش هنا....

رفع حمزة نظره إليها بدهشة، حتى والده انكمش قليلًا من وقع نبرتها القاطعة.... تابعت بصرامة..

ـ الاعتذار الحقيقي،هيكون بكرة… قدام كل زملائك في المدرج. زي ما أسأت في العلن… لازم تصلح في العلن....

العميد هز رأسه موافقًا، بينما والد حمزة نظر لابنه بنظرة غاضبة تحذيرية. أما حمزة، فقد شعر كأن الدم يغلي في عروقه،عيناه متسعه بصدمة وزهول..كرامته تصرخ، لكنه لا يجد مخرجًا.....

حاول أن يتكلم بصوت خافت...

ـ قدام الكل؟

قاطعت كلماته بحدة وقالت...

ـ قدام الكل. واللي يرفض الإعتذار، يبقى ملوش مكان في محاضراتي بعد كده. والعميد شاهد على كلامي....

وقفت لحظة أخرى تنظر إليه نظرة ثابتة، كأنها تحفر القرار في صدره، ثم التفتت للعميد وانحنت باحترام وتقدير وقالت..

ـ شكراً يا دكتور… أنا قلت اللي عندي.بعد أذنك...

وغادرت المكتب بخطوات واثقة، تاركة وراءها ثقل القرار يطبق على صدر حمزة، بينما والده يرمقه بنظرة لا تحتمل أي نقاش....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كانت السيارة تسير في صمت ثقيل، حمزة يتعمد النظر من النافذة، بينما أبيه يضغط على يده بعنف. ما إن دخلوا ساحة الفيلا وأغلق الباب خلفهما، حتى انفجر الأب بصوت كالرعد...

ـ إنت فاهم عملت فيا إيه النهارده يا حمزة؟!مستوعب الموقف الزبالة اللي حطتني فيه...

التفت حمزة بحدة وقال بدون ذرة أدب...

ـ أنا قلتلك أنا مش غلطان!..

اندفع الأب نحوه، قبضته ترتجف من شدة الغضب امسكه من تلابيب قميصه وقال بعنف..

ـ مش غلطان؟! تفضحني قدام العميد والدكتورة وتخليني أسمع كلام يكسفني كأني أبو طالب فاشل؟! ده عيب… عيب يا حمزة! أنا عمري ماشفت كده انت مستهتر وفاشل حقير...

دفعه بعنف ..ارتد حمزة للخلف، لكنه رد بعناد...

ـ هي اللي كبرت الموضوع! كلمة عابرة مش تستاهل كل ده!

صرخ الأب، صوته ارتطم بجدران الصالة وهو يقول......

ـ كلمة عابرة؟! كلمة عابرة خلتني أقف متحشرج وسطهم… وكأن ابني مش متربي على احترام حد! انت فاكر كرامتي لعبة زي ما بتلعب بدراستك وحياتك؟ بس تعرف هما عندهم حق انت فعلا مش متربي يا حمزة...

حاول حمزة أن يرفع صوته وهو يقول..

ـ أنا مش طفل عشان تتحكموا فيّ كده ..

أقترب الأب بسرعة، قبض على كتفه بقوة حتى شعر حمزة بألمه...

ـ طِفل؟! لو كنت راجل زي ما بتقول… كنت عرفت إمتى تسكت وتحترم نفسك.. الرجولة مش عناد فارغ ولا قلة أدب. الرجولة إنك تحافظ على اسم أبوك… مش تهينه قدام الناس. الرجولة انك تحافظ على نفسك مش بقالك فوق الست سنين ومش عارف تتخرج....

رمى حمزة يده بغضب ليتحرر، وصاح بصوت مرتفع ...

ـ أنا مش هبقى نسخة منك! دي حياتي وعجباني ملكش دعوه بيا...

تجمد الأب لحظة، ثم رفع إصبعه أمامه محذرًا...

ـ والله يا حمزة… لو ما تغيرت ولو ما اعتذرتش بكرة زي ما طلبت دكتورتك، مش هعتبرك ابني قدام نفسك حتى. أنا مش هسمحلك تضيع مستقبلك… ولا هتخليني أشيل عارك... عارف ليه لأن اللي زيك بيبقي عار على أهله.....

فقط وانسحب تاركًا ابنه في الصالة، غارقًا بين أنفاس غاضبة ودمعة مكبوتة، لا يعرف إن كان غضبه على أبيه… أم على نفسه......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليل ثقيل غلّف الفيلا، والهدوء لم يكن إلا قناعًا يخفي توتر النهار. في غرفته المظلمة بعد أن صعد بعد شيجاره مع ابيه ...جلس حمزة على حافة السرير، سيجارة تحترق بين أصابعه ولا يلتفت حتى لرمادها المتساقط. عيناه زائغتان، كأنهما تبحثان عن مخرج من داخله قبل أن تبحثا عن مخرج من الغرفة.

تردد في رأسه صوت أبيه كالسياط: "اللي زيك عار على أهله"

لكن صوتًا آخر كان يعلو فوق كل ذلك… صوت ليلي الصارم وهي تقف أمامه وتقول...

"اللي ما يحترمش محاضرتي… يبقى ما بيحترمنيش."

شد شعره بيديه بعنف، زمجر لنفسه...

ـ ليه وقفتني قدام الكل كده هي مين عشان تعمل فيا كده! ليه حطتني في الموقف ده؟!

ثم سقطت الكلمة من شفتيه، نفس الكلمة التي قالها يومها… أسوأ ما خرج منه...

ـ محاضرتك مش أهم من وقتي.

ظل يكررها، مرة بضحكة ساخرة، ومرة بغضب يعضّ شفتيه، ومرة بصوت مكسور أقرب للهمس. كل تكرار كان كالسهم يرتدّ إلى صدره، يكشف كم كانت كلماته قاسية وغبية....

نهض فجأة، رمى السيجارة في الأرض وسحقها بقدمه، ثم حدّق في المرآة أمامه. رأى وجهه شاحبًا، عيناه حمراوان، فصرخ على صورته:

ـ "هي دي اللي داست عليك …صغرتك قدام نفسك قبل ما يكون قدام الكل....بس تمام أنا وانتي والمشوار طويل...

جلس من جديد، وجهه بين كفيه، ودمعة ثقيلة سقطت رغمًا عنه. لأول مرة يدرك أن كلمة واحدة… ممكن تحوّل إنسان من مجرد طالب في مدرّج… إلى عقدة تسكنه.......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في صباح اليوم التالي ذهب حمزة إلي الجامعة.....

المدرج كان ممتلئًا، مزيج من الهمسات والضحكات الخافتة يسبق دخول د. ليلي. لكن الكل كان يعرف أن اليوم مختلف… اليوم موعد المواجهة......

دخلت بخطوات ثابتة، حقيبتها على كتفها، وعيناها تمسح الوجوه حتى استقرت عنده. حمزة، جالس في الصف الأوسط، كتفيه متشنجين، وعيناه مترددة بين الأرض والوجوه المتطفلة التي تنتظر سقوطه.

وضعت كتبها على الطاولة، ثم رفعت رأسها بصرامة وقالت بصوت هادئ لكنه نافذ..

ـ قبل ما نبدأ محاضرتنا… في حاجة لازم تتعمل....

الهدوء خيّم فجأة، الأنفاس انحبست. أشارت بيدها نحو حمزة وقالت بهدوء...

ـ اتفضل… أقف مكانك.....

ارتج جسده كله، نهض ببطء كأن الأرض تسحبه للخلف. وقف متصلبًا، يسمع دقات قلبه أعلى من أي صوت آخر.......

إقتربت منه بخطوات محسوبة، وقفت أمامه مباشرة، نظراتها ثابتة، لا قسوة فيها هذه المرة… بل ثقل يجعل الكلمات أصدق من أي عقاب وقالت...

ـ زي ما اخترت إنك تسيء في العلن… لازم تختار إنك تعتذر في العلن. أتفضل، المدرج كله بيسمعك...

إبتلع حمزة ريقه بصعوبة، صمت طويل خنق اللحظة. عيونه التقت عيون زملاؤه، بعضهم يترقب بشماتة، وبعضهم بدهشة، وآخرون بترقب ثقيل...

انخفض صوته وهو يتمتم بخفوت...

ـ أنا… آسف....

تقدمت منه خطوة، رفعت حاجبها بحدة وقالت بجدية...

ـ بصوت أعلى. خليك قد اللي عملته....

تنفس بعمق، ثم رفع رأسه رغم ثقل الكرامة التي تجرجره للأسفل. صرخ بصوت مبحوح...

ـ أنا آسف يا دكتورة… قدام الكل. آسف على اللي قلته....

سرت همهمة بين الطلاب، بعضهم شهق، والبعض الآخر صمت بدهشة. أما هي، فاكتفت بإيماءة صغيرة برأسها، ثم قالت...

ـ الإعتذار مش ضعف… الإعتذار قوة. لأنك واجهت نفسك قبل ما تواجهني....

عادت إلى المنصة بهدوء، بدأت محاضرتها وكأن شيئًا لم يحدث. لكن بالنسبة لحمزة… تلك اللحظة ستبقى محفورة في قلبه، أقسى من أي عقوبة، وأعمق من أي درس... وداخله يهمس لابد من الٕانتقام.......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

انتهت المحاضرة، خرج الطلاب على شكل موجات متتالية، والهمسات تتطاير بينهم كالنار في الهشيم. الكل كان يحكي عن لحظة اعتذار حمزة، كأنها فضيحة تُذاع على الملأ....

وقف هو في الممر،ليس به أحد سوى بعض من أصدقائه...ظهره ملتصق بالحائط، سيجارته بين أصابعه المرتجفة، يحاول أن يبدو هادئًا بينما الدم يغلي في عروقه....

أقترب منه أحد زملائه ويدعي(عامر) بإبتسامة ساخرة وقال...

ـ أيه عم… إيه ده؟! حمزة اللي كان بيهزر مع الدكاترة،ومفيش دكتور قدر يقوله نص كلمة...النهارده واقف يقول آسف زي العيال الصغيرين؟..

انفجر غضبه فجأة، دفعه بكتفه بعنف وهو يزمجر...

ـ امشي من وشي… مش ناقص سخافتك!...

أما الآخر حاول يستفزه بكلمة جانبية، لكن حمزة استدار بعينين ملتهبتين، صوته جهوري وقال...

ـ اللي مش عاجبه يعمل اللي أنا عملته… يقف قدامها ويشوف هيبتها، ويعرف يعني إيه كلمة واحدة تدوس على رجولتك كلها! فاكرين الموضوع هزار؟ دي كسرتني قدامكم… كسرتني وأنا واقف!...

صمت أصدقاؤه فجأة، الصدمة واضحة على وجوههم. كان كلامه أشبه باعتراف قاسٍ خرج رغمًا عنه.

رمى السيجارة على الأرض، دهسها بحذائه بعصبية، ثم أكمل بنبرة غليظة...

ـ أنتم الإثنين عارفين أنا عمري ما بخاف من حد… لكن النهاردة؟ النهاردة أول مرة حسيت إني اتشليت… أول مرة حد يوقفني كده بس اوك تمام الأيام جايه كتير والشاطر اللي يضحك في الآخر....

رفع حقيبته على كتفه بحدة، ومشى بخطوات سريعة كأنه يهرب من نظراتهم ومن صدى صوته اللي مازال بيرن في الممر.....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

دخل حمزة الفيلا بخطوات سريعة متوترة، كأن الأرض تحته مش قادرة تشيله. والده كان واقف في الصالة، ملامحه متجهمة من الإحراج اللي عايشه من الصبح.

ـ حمزة!

صوته جاء صارخًا، حادًا، زي السيف وهو يشق الهواء....توقف حمزة لحظة، لكنه لم ينظر له.

فحين أكمل والده وهو يقول...

-عملت أيه؟

إستدار حمزة له وقال بهدوء...

-عملت المطلوب مني يا محمود بيه اي خدمة تانيه...

ـ إنت فاهم عملت فيا إيه؟! فاهم إنا حسيت وانا وقف مرفوع على المشانق قدام العميد؟! إزاي تخلي واحدة دكتورة تقف تهينك بالشكل ده… وتجرني معاها في الإهانة؟ أنطق مبسوط باللي حصل...

كان صوت الأب يرتجف من الغضب، لكن حمزة فجأة رفع عينيه، ملامحه مش غضبانة بس… فيها جرح، فيها تحدي...

ـ أنا اللي اتكسرت… مش إنت!فريح نفسك....

لم ينتظر رد أبوه، لف بجسده وصعد الدرج بسرعة، كأنه يهرب من سيف كلماته، من وصمة العار اللي لحقت بيه.

دخل غرفته وأغلق الباب بقوة، استند بظهره عليه وهو يلهث من شدة التوتر. عيناه جالت في الغرفة، ثم تحرك بعصبية، جلس على طرف السرير وأمسك رأسه بين كفيه.

وبينما عقله يضج بغضب لا ينطفئ، خرجت من شفتيه جملة متقطعة بصوت منخفض، كأنها عهد مع نفسه....

ـ لازم… لازم أردّها… مش هتفضل مرفوعة راسها كده… لازم تنكسر زي ما كسرتني...

أشعل سيجارة بيد مرتجفة، وإبتسم إبتسامة باهتة… إبتسامة أقرب للجراح منها للراحة. كانت لحظة بداية شيء مختلف، لحظة تحوّل الغضب لخطط مظلمة........

يُتبع........

حمزة هيعمل ايه ؟

ليلي هتقدر توجهه؟؟؟

إنتظروني البارت القادم....

أيـــــــــســـــــــل..

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

🔹أنا له حياة🔹

المؤلف Aysel
2025/10/20 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة