لا إله إلا أنت سبحانك إني كُنت من الظالمين 🍁
مقدمة الفصل....
✨الدنيا أحيانًا تهمس لنا بصمت، تفتح أمامنا أبوابًا لا نعرفها بعد، وتضعنا في مفترقات طرق لا ندرك نهايتها. حمزة لم يكن يعلم أن اليوم، لحظة بسيطة، ستغير كل شيء. لم يكن يعرف أن كل خطوة يخطوها ستقوده إلى شيء أكبر، أعمق، وأغنى من أي تجربة عاشها من قبل. وبينما هو يقف مترددًا، قلبه ينبض ببطء، والفضول يثيره أكثر من الخوف… كان على مشارف باب جديد، لا يعرف ما وراءه، لكنه يشعر أن ما ينتظره هناك يستحق أن يُكتشف.✨
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في اليوم التالي ...
دخلت ليلى قاعة المحاضرات، قلبها يدق بسرعة، لكنها أخفت ارتباكها بإبتسامة رقيقة. وضعت كتبها على المكتب وبدأت تشرح المحاضرة، صوتها واضح وثابت، والطلبة منصتون لها بإعجاب....
كانت تتحرك بين الصفوف، تكتب بعض النقاط على السبورة، ثم تعود لتسأل..
—طيب يا جماعة… مين يقدر يقولي إيه الفرق بين المحاسبة المالية والإدارية؟...
رفعت طالبة يدها بتردد، أجابت، فابتسمت ليلى وقالت.....
—ممتاز جدًا… كده إحنا بدأنا نفكر بشكل صح....
مرّت ساعة كاملة من الشرح، ومع كل دقيقة يزداد شعور الطلبة بالراحة معها. لم تكن فقط معيدة تشرح، بل كانت أختًا كبيرة أو صديقة قريبة.
إنتهت المحاضرة، جمعت أوراقها، وأغلقت حقيبتها. خرجت من القاعة بخطوات هادئة، وإبتسامة رضا على وجهها. كانت ترفع رأسها للسماء كأنها تشكر والديها المتوفيين أن تعبها لم يذهب سدى...
لكن فجأة… وبينما هي تقترب من باب المبنى، اصطدمت بكتف أحدهم بقوة جعلت حقيبتها تقع أرضًا....
— آسف…
جاء الصوت عميقًا وحادًا في الوقت نفسه...
إنحنت بسرعة لتجمع أوراقها المبعثرة، لكنه سبقها، التقط بعضها ومد يده نحوها. رفعت عينيها، لتتجمد للحظة.كان هو… حمزة.فقالت بحده..
— أظن إن اللي ماشي في الممر مش لوحده، فالأفضل إنك تبص قدامك....
عيناه الثاقبتان، هيبته الواضحة، وملامحه التي تجمع بين الصلابة واللامبالاة. وقف أمامها مرتديًا قميصًا داكنًا وساعة فاخرة، وبجانبه أحد أصدقائه يضحك قائلًا...
— هو ده أسلوبك في التعارف يا حمزة؟..
لم تجب ليلى، أخذت أوراقها بصمت وهي تحاول استعادة توازنها. أما هو، فظل يطالعها للحظة، وكأن عينيه التقطتا شيئًا لم يفهمه بعد. إبتسامة خفيفة رسمت على شفتيه وهو يقول...
— واضح إن حضرتك جديدة هنا… أو يمكن مش عارفة بتكلمي مين ..وواضح كمان إن الجامعة لسه مخبية مفاجآت...
وقفت ليلى، أخذت أوراقها من إيده بثبات وقالت........
—مش فارق معايا أكون عارفة أو لأ… الأكيد إن قلة الذوق مش محتاجة تعريف.....
سكت للحظة، إبتسامة خفيفة إرتسمت على وجهه كأنه منبهر من جرأتها..
— جامدة…
همس لنفسه وهو يتابعها بعينيه وهي تغادر بخطوات واثقة، من غير ما تدي له أي اهتمام....
ضحك صديقه شريف الذي واقفاً جانبه...
— حمزة، أول مرة واحدة ترد عليك كده!..
أما هو ...فقد وقف مكانه..لاول مرة من فترة طويلة يحس إن في احد كسّر غروره أمام الناس....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مع حلول الليل، كان وسط القاهرة يلمع بأضواء النيون الصاخبة، وأصوات الموسيقى تتسرب من الملهى الليلي الفخم. توقفت أمام الباب سيارة اللامبورجيني السوداء، ونزل منها حمزة بخطوات واثقة، وعلى وجهه إبتسامة مستهترة.
استقبله الحارس بإبتسامة يعرفها من كثرة تردده، فتح له الباب على الفور، وكأنه زبون مميز. دخل حمزة المكان وسط صخب الأضواء والدي جي، والرقصات المبعثرة في كل زاوية.
كان أصدقاؤه منتظرينه على طاولة في الركن المخصص لكبار الزبائن. كؤوس متراصة، دخان الشيشة يملأ الجو، والضحكات تتعالى. جلس بينهم، أحدهم مد له كأسًا وهو يقول..
—فينك يا حمزة؟ الدنيا بردت من غيرك....
أخذ الكأس بلا تردد، إرتشف منه وهو يرد بإبتسامة ساخرة...
— أنا هنا… كل حاجة هتو.لع دلوقتي...
الموسيقى علت أكثر، الفتيات تمايلن على إيقاعها، وأصدقاؤه غارقون في السهر والمرح. لكن، وسط كل الضحك والضوضاء، كان في عيني حمزة نظرة غريبة… نظرة شاب هارب من واقعه، بيتظاهر إنه عايش اللحظة، بينما جوه فراغ كبير مش لاقي له معنى.
جلس للحظة يتأمل الناس حواليه، ثم رفع صوته وهو يضحك ساخرًا...
— اللي عايش زيي… مفيش عليه حساب....
ضحك الجميع، لكن داخله كان الصوت مختلف: "هو ده فعلًا اللي أنا عايزه؟"
ومع ذلك، تجاهل صوته الداخلي، وزاد من جرعة تهوره....
الأضواء الراقصة غمرت المكان، تتنقل بين الأحمر والأزرق والأخضر كأنها تلهث ورا الموسيقى الصاخبة التي تدق في كل زاوية. كان حمزة واقف وسط الحلبة، كاسه في إيده، وضحكته العالية تغطي حتى على الدي جي....
جذب إنتباهه بنت شعرها منسدل على كتفها، عيونها متمردة زي اللي بيدور على مغامرة. نظراتهم اتلاقوا، أبتسمت له إبتسامة متحدية، كأنها بتدعوه يشاركها لعبتها. ما ترددش لحظة… مد يده، شدها ناحيته، وبدأوا يتمايلوا مع الإيقاع....
ضحكاتها اختلطت بصوته، وحركاتهم كانت ملفتة لدرجة إن الناس حواليهم بدأوا يفسحوا مجال كأنهم بيتفرجوا. حمزة كان عايش اللحظة بكل تهوره، كأنه بينسى الدنيا كلها في حضن الصخب.
لكن الصخب اتحول فجأة لشرر.
يد تقيلة مسكت كتفه بعنف، وصوت غاضب اخترق الجو:
— إنت بتعمل إيه معاها؟! دي صاحبتي...
التفت حمزة ببطء، عينيه مليانة استفزاز، الإبتسامة المستهترة لسه مرسومة على وشه..
— صاحبتك؟… غريبة أوي، ما شفتش اسمك مكتوب عليها....
البنت تجمدت، نظراتها متوترة بين الاتنين، لكن الشاب ضاقت عينيه، وصوته علا وقال..
— واضح إنك مش فاهم… دي آخر مرة تلمسها....
ضحك حمزة ضحكة قصيرة، قريبة للسخرية وهو يقول....
—إنت شكلك فاكر نفسك بتخوفني؟ابعد بعيد يا شاطر....
إندفع الشاب ودفعه دفعة قوية، الكاس طار من إيد حمزة وتحطم على الأرض، والزجاج تناثر حوالين رجليه. صرخت البنت بخوف، المكان كله تجمع حولهم.
حمزة شد قميص الشاب بقوة، وصوته خرج مليان تحدي وقال..
— ابعد إيدك… وإلا هخليك تترجاها قدام الكل....
ثواني، واشتعلت العركة. ضربات متبادلة، كراسي بتتقلب، طاولة كاملة اتهدت، وزجاج بيتهشم تحت الأقدام. أصحابه حاولوا يسحبوه بعيد، لكن عناده كان مسيطر، كل ضربة كان بيرد عليها بحدة أكتر، كأنه بيفرغ جواه غضب مش مفهوم.
الأمن اندفعوا ناحيتهم، شدّوا الاتنين من بعض بالعافية، صوت حمزة وهو بيتنفس بعنف كان مختلط بضحكة هستيرية..
— فاكر نفسك راجل؟! تعالى وريني رجولتك برة!
طردوه من الملهى بالقوة، هدومه مبعثرة، خدش صغير على وشه، ورغم كده كان بيضحك… ضحكة عالية فاضية، ضحكة ما فيهاش فرح، بس مليانة غربة ومرارة. وقف برا، ولع سيجارة، وعينه تنظر للشارع كأنه يدور على حاجة تهديه… لكنه في الحقيقة ما لاقاش غير فراغ أعمق.......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عاد حمزة للبيت قرب الفجر، خطواته متثاقلة لكنه ماشي بتحدي، كأنه بيتعمد يوري إنه مش فارق معاه حاجة. دخل الفيلا وهو يرمي مفاتيحه على الطاولة،
لكن اللي ما حسبش حسابه إن والده، محمود بيه، كان مستنيه في الصالون، قاعد بكامل هيبته، ببدلته الغامقة ونظراته الحادة اللي تقطع زي السيف.
رفع الأب عينيه ناحية حمزة، صوته جاف وحاد..
— حمدالله على السلامه يا بيه...جاي دلوقتي؟الساعة في إيدك كام....
أبتسم حمزة إبتسامة مستفزة، ورمى نفسه على الكنبة وقال بهدوء..
—وبعدين يعني؟ مش عاجبك معاد رجوعي؟
ضرب محمود أبيه بيده على الطاولة بقوة، صوته دوى في المكان بعنف...
— اسمع يا حمزة! أنا تعبت من فضايحك. كل يوم خبر، كل يوم مشكلة، وآخرها المعركة الحقيرة اللي عملتها في الملهى! إيه ده؟! إنت فاكر نفسك مين؟كفايه فضايح بقا كفايه.....
حمزة، بعناده، وقف أمامه، مواجهًا عينيه مباشرة وهو يقول....
—انت بترقبني بقا...عموما أنا حمزة… ابنك. اللي عمرك ما شفت غير فشله وأخطاؤه. إيه؟ متوقع إيه من واحد عمرك ما حاولت تسمعه؟
اتسعت عينا الأب غضبًا وقال..
— أنا ربيتك عشان تبقى راجل مسؤول، مش عيل طائش يجري ورا البنات ويضيع اسمي!
ضحك حمزة بسخرية، عينيه فيها وجع مخفي وقال....
— اسمك؟ آه… هو ده اللي يهمك. المنصب… الناس تقول إيه… لكن أنا؟ أنا مجرد إمتداد لنجاحك، مش إبنك....
وقف الأب فجأة، صوته ارتفع أكتر...
—اسمعني كويس… يوم ما ينهار اسم محمود المهدي عشانك، اعتبر نفسك ما تبقاش ابني!....
صمت حمزة لثواني، عينيه ترتعش من جوه رغم ابتسامته المستهترة، ثم قال ببرود..
—يبقى جهز نفسك… عشان اللحظة دي قريبة أوي.....
واستدار يصعد السلم بخطوات سريعة، سايب أبوه واقف، صدره يرتفع وينخفض من الغضب، وعيونه مليانة قسوة… وقلبه ينزف خوف وحنق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على الدرج، كانت نجلاء واقفة بصمت. عيونها تراقب كل حركة، وكل كلمة بين زوجها وابنها. قلبها كان بيتقطع مع كل نبرة غضب، كل صرخة، وكل استفزاز. لم تتدخل، لأنها عارفة إن أي تدخل دلوقتي هيشتعل نار الخلاف أكتر. لكن روحها ما قدرتش تسيب حمزة لوحده… ابنها، رغم كل تهوره وغضبه، كان محتاج وجودها.
سمعت صوته وهو بيقول آخر جملة بعناد، ونبرة حدة لسه فيها ألم مكتوم، ولحظة رفع رأسه وتحديه لوالده كانت كافية لتكسر قلبها. قلبها اللي دايمًا حاول يربط بينهم بالكلام الطيب، دلوقتي اتقسم نصين: خوف على ابنه، وغضب من عناده.
دفعت نفس طويل، وبدأت تصعد الدرج وراه، كل خطوة مليانة قلق. لما وصلت عند باب غرفته، لقت الباب مفتوح شوية. رنت أصابعها على المقابض بهدوء، ثم دخلت.
حمزة كان جالس على طرف السرير، وجهه مخفي بين يديه، هدومه ما زالت مبعثرة من الليلة الطويلة، علامات التعب والخوف مختلطة على ملامحه. رفع راسه بسرعة، وابتسامة ساخرة على وجهه كعادة تهوره:
— لو جايه تعاتبيني إنتي كمان؟ فــ.ريحي نفسك أنا مش هقبل كلام من حد ....
جلست بجانبه بهدوء، مش حاسة بالغضب، مش عايزة تخلي صوتها يعلو…
مدت يدها، أمسكت يده برقة، وقالت...
— مش جاية أعاتبك… جاية أطمن عليك....
صمت. كان في عينيه لحظة اهتزاز، لحظة واحدة بانت فيها هشاشته. حاول يخفيها بابتسامة مرة، صوته جاف..
— تمام…أنا كويس متقلقيش....
أمسكت والدته شعره بخفة، قلبها مليان حنان وقالت...
— يا حمزة… مهما حصل، إنت ابني. بس نفسي أشوفك يوم واقف قدام أبوك رافع راسك… مش واقع في خناقة وفضيحة...
ابتلعت كلماتها صمت المكان. حمزة اتنفس ببطء، ينظر للأرض للحظة، وبعدها رفع رأسه كأنه بيحاول يمسك نفسه. قلبه كان بيتصارع… بين عناده الطبيعي، وبين شعور غريب بالذنب اللي ما قدرش يعبر عنه.....
جلسوا صامتين لبرهة، صمت مش فارغ، صمت مليان ألم، غضب، وحب مختلط.....
جلس حمزة على طرف السرير، صوته الداخلي بيهمس بصوت خافت، بعيد عن عيون والدته. عيناه مغمضتان للحظة، لكن عقله مشغول بصورة واحدة: ليلى.
تخيلها واقفة في قاعة المحاضرة، شعرها البني الطويل يتمايل برقة، عينان تتوهجان بالتركيز، وابتسامتها الهادئة اللي بتخلي كل من حولها يستمع بتمعن لكل كلمة تقولها. تخيل صوتها الواضح، الحاسم، اللي بيختصر كل شيء منظم وجاد… حاجة معاكسه لكل شيء في حياته: الفوضى، الاستهتار، الصخب، والليل الطويل.
حس فجأة بحرارة غريبة في صدره، إحساس ما اعتادش عليه قبل كده. ضربات قلبه اتسارعت، حتى هو نفسه ما فهمش هو ليه. صورة ليلى في خياله كانت واضحة، واقفة كأنها مش بس معيدة… لكن كأنها مراية لكل شيء ناقص جواه.
رفع راسه بسرعة كأنه بيحاول يبعدها، لكنه ما قدرش. صمت المكان حواليه، وصوت والدته في الخلفية كان زي صوت حائط واقف قدامه… صوت أمان… وصوت لوم في نفس الوقت.....
همس لنفسه، كأنه بيواجه الحقيقة لأول مرة:
— إيه اللي بيحصل؟… أنا… مش فاهم… ليه الصورة دي بتلخبطني كده؟
رغم كل عناده، كل تحديه لوالده، كل استهتاره بحياته، كان في لحظة واحدة بيحس فيها بالضعف… لحظة كأنه محتاج يثبت لنفسه إنه يقدر يكون غير الفوضى اللي حوله.
كانت والدته واقفة بجانبه، شايفة التغيير الخفي على ملامحه، وما قالتش حاجة، اكتفت بمسك يده بهدوء، كأنها عارفة إن اللحظة دي مش محتاجة كلام… بس حضن الأم والسكينة اللي فيها، كانت كافية لحمزة عشان يواجه نفسه لأول مّرة...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في شقتها الصغيرة التي تطل على شارع جانبي هادئ، جلست ليلى بعد يوم طويل في الجامعة. الجو هادي، الكتب متناثرة على مكتبها، وريحة القهوة لسه طالعة من الفنجان اللي جنبها...
رفعت الهاتف من على الطاولة وضغطت على زر الاتصال، ثواني وسمعت صوت دافئ على الطرف الآخر..
— إزيك يا بنتي؟ لسه ما وصلتيش البيت؟عاملة ايه طمنيني عليكي....
أبتسمت ليلى رغم التعب، وقالت..
— لسه واصلة حالًا يا خالتو… قلت أطمنك قبل ما أنشغل... طمنيني أنتي عليكم...
ضحكت الخالة ضحكة حنونة وقالت...
— حبيبتي يا ليلي هو أنا ليا غيرك عشان ما أطمنش؟ والله يا ليلى، طول ما صوتك بيرن عليّ بحس إن الدنيا لسه فيها أمان....
انحنت ليلى برأسها، عيونها لمعت للحظة، وقالت بهدوء..
— إنتي اللي عوضتيني يا خالتو… من يوم ما بابا وماما مشيوا، عمرك ما حسستيني إني وحيدة...
سكتت الخالة قليلًا، وبصوت فيه رجفة حنان وقالت....
— ده واجبي يا بنتي… إنتي مش بس بنت أختي، إنتي بنتي أنا كمان. وكل نجاح ليكي بحس إنه نجاحي....
أبتسمت ليلى إبتسامة مليانة إمتنان، نظرت للكتب والأوراق المنتشرة أمامها وقالت..
— النهاردة كنت مبسوطه اووووي وانا في الكلية... كنت متوترة جدًا، بس الحمد لله عديت على خير....
صوت الخالة ارتفع بالفرحة...
— يا حبيبتي...طب ما كنتي تقوليلي عشان أدعيلك من بدري. ربنا يفتحها في وشك يا ليلى، ويجعل تعبك ما يروحش هدر....
ضحكت ليلى بخفة، لأول مرة تشعر براحة حقيقية.
— دعواتك يا خالتو هي اللي مخلياني واقفة على رجلي...وهي اللي وصلتني لكل اللي انا فيه...
وبعد لحظة صمت قصيرة، صوتها اخف وقالت...
— عارفة يا خالتو… ساعات بحس إني مهما تعبت واشتغلت، بردو في فراغ جوايا… حاجة ناقصة.. وخصوصاً وانا بعيد عنك...
ردت عليها بهدوء...
— الفراغ ده ربنا بيملأه في وقته المناسب، سواء بعلم، أو نجاح، أو… حتى نصيب....
ليلى ما ردتش، لكن قلبها دق بسرعة، كأنها استشعرت حاجة جاية في الطريق… حاجة هتغير حياتها كلها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في أحد أرقى أحياء القاهرة، كانت فيلا "فؤاد عباس".. تلمع تحت أضواء الشارع، كبيرة وفخمة، واجهاتها من الرخام والزجاج، والحديقة قدامها منظمة بعناية، فيها نافورة صغيرة تتراقص مياها وسط أشجار معمرة.
داخل الفيلا، الأثاث كلاسيكي أنيق، الأرائك المخملية، اللوحات الزيتية على الجدران، والإضاءة الدافئة التي تستشعر فيها إحساس بالترف والراحة.
كان "أحمد فؤاد"...جالس في الصالون مع زوجته، أخت حمزة، التي تزوجها منذ سنوات...يشربون شاي بعد الغداء. زوجته، بملامحها الهادئة والجذابة، كانت تتحدث بصوت حنون..
— الموضوع كله محتاج صبر يا أحمد… حمزة مش شايف نفسه كويس دلوقتي....
ضحك احمد بإبتسامة ثقة وقال..
— حمزة؟ هو زي كل الشباب، كله تهور. بس أهم حاجة إن اللي بينك وبين عمو محمود يكون كويس وخصوصاً في الشغل... أما المشاكل العائلية دي، هنتصرف فيها....
دخلت الخادمة تحمل صينية فيها بعض الحلويات، وضعت على الطاولة، وأخذت الزوجة قطعة صغيرة وقالت...
— أنا بس خايفة حمزة يبوظ كل حاجة… أول مرة أتعامل مع عناده بالشكل ده...حمزة عنيد جداً يا احمد ..بس طول ما هو بعيد عن الشغل كله هيبقي تمام...
رفع حاجبه، بنبرة جدية وقال..
— متخافيش حمزة عمره ما هيتغير ..ومش في دماغه شغل أصلاً.. وبعدين حتي لو باباكي أصر أن هو يمسك الشغل ...ساعتها هيتعلم إنه في حدود لكل حاجة. واللي يبعد عن حدودنا، هيتحاسب...
جلسوا صامتين لحظة، كل واحد فيهم يتأمل في الأحداث الأخيرة: استهتار حمزة، المشاكل في الجامعة، العراك في الملهى… وكلها مؤشرات تدل على أن كل شئ تحت السيطرة...
فهتفت ملك بقلق..
— بس إحنا لازم نتصرف بسرعة يا أحمد..لازم تكسب الصفقه دي … قبل ما بابا يعرف أو الموقف يكبر..ساعتها أنا اللي هتحط في المشكلة...
أبتسم احمد بثقة، وهو يضع الكوب على الطاولة وقال...
— متخافيش كل حاجه أنا مرتب لها كويس...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في صباح اليوم التالي..
الضوء الباهت للشمس اللي بتدخل من النوافذ الكبيرة للفيلا ما قدرش يخفف من ثقل الجو في الصالون. الهواء كان تقيل، صمت البيت كله كان كأنه بيترقب.
نزل حمزة من السلم، خطواته متثاقلة، عيناه شايلين بقايا ليلة طويلة من الفوضى، خدوش بسيطة على وجهه، وهدومه مكركبة من العراك في الملهى. لكن رغم كل العلامات دي، مشهده الخارجي مليان تهور وثقة زائدة، كأنه يقول: "أنا مفيش حاجة تهمني."
في الصالون، واقف والده، كتفه مشدود، عيونه حادة، صوته منخفض لكنه مشحون بالغضب، وكأنه سيف مستعد للانقضاض:
— حمزة… تعال هنا عايزك...
أبتسم حمزة إبتسامة مستفزة، محاولاً يظهر اللامبالاة وقال .
—إيه يا بابا؟ عايز تكمل كلامك امبارح؟..
ابتلعت الكلمات في حلق الأب، وخطواته اقتربت، كل خطوة مليانة غضب وانفعال وقال..
— امبارح؟! امبارح إيه؟ خناقة في الملهى، تهور، فضيحة… عرفت الناس كلها إيه؟ إيه اللي انت بتعمله بحياتك؟"
وقف حمزة قدامه، صوته فيه تحدي واضح...
— أنا مش عايز أسمع محاضراتك. أنا كبير وأتصرف في حياتي زي ما يعجبني....
ابتلع الأب نفسه، لكن صوته ارتفع، صارم لدرجة تخلي المكان يهتز..
—كبير؟! كبير إزاي؟ يا ابني… كل حاجة ليها حدود… وإنت كل الحدود عندك بتتخطاها.. اسمع مني كويس… لو حصل اللي حصل امبارح تاني، مش كلام… هتندم على كل ثانية في حياتك....
تبادلوا نظرات مشحونة بالغضب، فيه تحدي من الابن، وفيه صرامة وقسوة من الأب. كان الصالون مليئ صمت مش طبيعي… صمت ثقيل يضغط على صدرك.
رفع حمزة راسه، حاول يبتسم ابتسامة مرّة، صوته منخفض لكن مليان عناد...
— يبقى أنا هشوف… مين اللي هيكسب في الآخر...
ابتلعت الكلمات صمت ثواني، ثم الأب هز رأسه، عيونه مشتعلة بالغضب والخذلان..
— مفيش حاجة اسمها 'أشوف مين يكسب'… في حياتك حاجة اسمها قواعد! وانت قررت تكسر كل حاجة....
حمزة سكت، لكن صوته الداخلي كان صاخب، قلبه بيتنطط بين التحدي والخوف… وهو واقف في مواجهة أبوه لأول مرة بجدية، مش بس كسخرية أو تهور....
وقف حمزة على طرف الغرفة، عيناه تحمل صدمة المواجهة، جسده متصلب وكل عضلة فيه متوترة. الأب واقف قدامه، عيونه ملتهبة بالغضب، لكن في أعماقه خوف على ابنه… خوف من تهوره ومن أفعاله اللي ممكن تدمر حياته قبل ما يكبر.
في صمت الغرفة، كل كلمة اتقالت امبارح وكل تهديد اليوم أصبح صدى ثقيل في القلب. مش بس صراع عناد وغضب، لكن صراع حب وصراع فقدان… حب الأب اللي مش قادر يترك ابنه يمشي في الطريق الخطأ، وابن بيحس بالحصر، بالضغط، لكنه محتاج يثبت نفسه......
ـــ بين الصمت والغضب، بين الصرامة والعناد، هناك حب عميق لا يُقال، لكنه يحفر أثره في القلب. الأب يرفض أن يرى ابنه يضيع، والابن يحارب ليجد ذاته في عالم لا يفهمه. وفي كل مواجهة، في كل تهديد، ينبض قلب واحد… قلبين متصلين رغم الفجوة، يبحثان عن لغة يفهما بها بعضهما، عن سلام داخلي يخفف عن كل واحد ألم الآخر.......
الصمت ده كان أقوى من أي كلام، وكل نظرة، كل نفس، كان فيها وزن كل كلمة لم تُقال، كل شعور مكبوت، وكل حب محتاج طريقه للظهور.
إستدار حمزة وخرج من الغرفه...
خرج حمزة من الفيلا، الشمس الصباحية لامست وجهه لكنه بالكاد حس بحرارتها. جسده مازال مثقلاً بثقل الليلة الماضية وبصوت أبيه في رأسه، صوته صارخًا في عقله: "لو حصل اللي امبارح تاني… هتندم!"
دخل سيارته، اللامبورجيني السوداء، شغل المحرك بصوت عميق كأنه يعكس غضبه المكتوم، وأطلق بنفسه في الشارع. الحركة المعتادة في الطريق لم تشغله، عيونه كانت ضائعة بين زحمة المدينة وبين أفكاره المتشابكة.
كان يفكر في الليلة الماضية، المواجهة مع الأب، الكلمات الحادة، وكل ما شعر به من إحراج، خوف، وعناد. ومع كل ثانية، كان يحس بصراع داخلي: جزء فيه مستمر في تهوره، وجزء آخر بدأ يشوف الحقيقة لأول مرة… إنه مش لاقي لنفسه طريق واضح.
وصل الجامعة، حط السيارة، ونزل بخطوات ثقيلة، محاولًا إخفاء أي أثر للتوتر على وجهه. استقبلته أصوات الطلاب، الضحك، صخب اليوم الدراسي، لكنه كان بعيد، غريب عن المكان نفسه.
دخل قاعة المحاضرات، جلس في مكانه المعتاد، ومع كل نفس حاول يركز على الدرس، لكنه ما قدرش… كل صورة ليلى، كل صراع الأب والأم، كل كلمة نزلت عليه امبارح، كانت في رأسه، تلاحقه، تخليه يحس بالفراغ والالتباس........
ماذا سيحدث سنري...
إنتظروني البارت القادم...
Aysel