لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين 🍁
مقدمة الفصل...
✨
في زحمة الأيام وصخب اللحظات، يمشي حمزة كأن لا شيء يهم، يضحك على كل شيء، ويستهتر بكل ما حوله. قلبه خفيف، وروحه طائرة، لا يعرف التوقف ولا الالتفات، يعيش اللحظة كما تأتي، بلا حساب. لكنه أحيانًا، حين ينام الليل وتخبو الضحكات، يجد نفسه وحده مع صمتٍ يسأل قلبه عن معنى كل هذا الركض... عن سبب فراره من ذاته. في تلك اللحظات، يلمح بريقًا خافتًا، صفحة لم تُقرأ بعد، قد تغيره... وقد تجعله يرى العالم لأول مرة بعينين مختلفتين، وعينين تُحس بعمق ما كان يهرب منه دومًا.✨
.......................................................
لم تكن الفيلا مجرد جدران شاهقة أو أبواب تُفتح وتُغلق، بل كانت أشبه بعالمٍ مستقلّ، مرآة تعكس عظمة صاحبها وهيبته. على الطريق الممهد بالرخام اللامع، تمتد أشجار نخيل مصفوفة كحُرّاس أوفياء، تسبقك إلى البوابة الحديدية السوداء التي تتلألأ زخارفها الذهبية تحت أشعة الصباح.
بمجرد أن تُفتح الأبواب، تستقبلك حديقة مترامية الأطراف، يزيّنها عشب أخضر كأنّه بساط زمردي، تتناثر فوقه أزهار نادرة تُعلن حضورها بعطرها قبل ألوانها. نافورة رخامية ضخمة تتوسط المدخل، يعلو صوت مياهها في تناغم يشي بالفخامة أكثر مما يشي بالهدوء.
الفيلا ذات الواجهات البيضاء الممزوجة بلمسات زجاجية داكنة، تقف شامخة بثلاثة طوابق، شرفاتها مزينة بدرابزين حديدي مصقول، وستائرها الحريرية تُرى من خلف النوافذ كأنها تخفي قصصًا لم تُروَ بعد.
أما الداخل... ففخامة من نوع آخر؛ رخام إيطالي يمتد على الأرضية، سلالم لولبية بيدٍ ذهبية تنساب نحو الأعلى، وثريات كريستالية ضخمة تتدلى من السقف المرتفع لتضيء المكان بوهج يُشبه ضوء القصور. جدران مُزينة بلوحات زيتية نادرة، وأثاث فاخر يجمع بين الحداثة والكلاسيكية، يعكس شخصية رجلٍ لا يعرف سوى لغة النفوذ والقوة.
في ذلك القصر المترف، تبدأ الحكاية... حيث لا شيء يبدو عاديًا، وحيث تختبئ خلف كل زاوية أسرار أكبر من أن تُقال.........
في الطابق الثاني، حيث يختبئ الصمت خلف جدران سميكة، تمتد ممرات فسيحة تكسوها سجاد أحمر داكن كأنّه يبتلع الخطوات. على يمين الممر كانت هناك غرفة واسعة، بابها من الخشب المُعتّق بزخارف دقيقة. خلف ذلك الباب يستلقي بطلنا...
كان نائمًا على سرير ضخم مُغطى بملاءات بيضاء ناعمة، تحيطه ستائر حريرية منسابة من سقف مرتفع كأنها تعانق النوم من حوله. أشعة الشمس تسللت بخجل من بين الستائر الثقيلة، تنعكس على ملامحه الهادئة، تلك الملامح التي تحمل وسامة رجل يُقدَّر له أن يكون صاحب شأن، حتى وهو غارق في نومه.
باب الغرفة انفتح بهدوء... لتدخل والدته، سيّدة أنيقة تفيض بالهيبة والرقي، ترتدي ثوبًا منزليًا... لكن حضورها لا يحتاج إلى زينة. تقدمت بخطواتها الواثقة نحو السرير، اقتربت منه وانحنت قليلًا، تُزيح خصلة شعر عن جبينه، وهمست بصوت دافئ يحمل مزيجًا من الحنان والصرامة...
- حمزة...يلا يا حبيبي، قوم... يومك مليان، ومش هينفع تبدأه وانت لسه نايم..يله عشان اتأخرت على الجامعة...
تحرك ببطء، ألقى يده على عينيه محاولًا الهروب من ضوء الصباح ومن صوتها الذي يعرف جيدًا أنه لا يقبل أعذارًا. ابتسمت هي إبتسامة صغيرة، نصفها فخر ونصفها الآخر قلق أم تعرف أن ابنها ليس مجرد شاب عادي ..بل رجل يُنتظر منه الكثير. ولم يقدم منه شئ....
إقتربت والدته أكثر، تحاول أن تزيح الغطاء عن كتفه قائلة بنبرة تحمل صبر الأمهات...
- حمزة... يلا يا ابني، الساعة عَدّت تمانية وانت لسه نايم؟ ما فيش مرة تصحى بدرِي زي الناس؟
تحرّك في سريره بكسل، فتح عينيه نصف فتحة، ثم أبتسم إبتسامة مُستفزّة بريئة في آنٍ واحد، وقال بصوت مبحوح من أثر النوم...
- حاضر يا ماما... حاضر، صحيت... بس خمس دقايق كمان...
تنهدت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها، تعرف أن "الخمس دقايق" عنده تعني ساعات. الغرفة نفسها تشهد على لا مبالاته؛ كتب مرمية على المكتب دون أن تُفتح، ملابس متناثرة فوق الكرسي، وزجاجة عطر مفتوحة بجوار السرير وكأنها تعوّض عن أي جهد ضائع....
إقتربت أكثر، وربتت على كتفه بلطف ممزوج بتحذير...
- حمزة... لحد إمتى هتفضل كده؟ عمرك بيضيع منك وانت ولا هنا. كل سنة تقول دي آخر مرة... وترجع ترسب من جديد..قوم بقا يا حمزة كفاية كده...
أدار وجهه نحوها، نظر إليها بعينين تُخفي ما بداخله، ورد باحترام..
- حاضر..ما تقلقيش يا ماما... كله هيتظبط... إدعيلي انتي بس...
لكن كلماته، رغم لطفها، خرجت ببرود شديد... وكأنها مجرد وعد اعتادت أن تسمعه، بلا أي أثر في الواقع........
لم تمهله أمه فرصة ليغرق مجددًا في النوم، كادت أن تتحدث...إذ انفتح باب الغرفة فجأة وبخطوات قوية دخل والده. رجل في أواخر الخمسينات، ملامحه مشدودة، نظرته صارمة، وصوته حين يتحدث لا يترك مجالًا للجدال. كان حضوره وحده كافيًا ليبدد أي أثر للراحة في المكان.....
وقف عند مدخل الغرفة، عيناه تجولان بين الفوضى التي تُغطي المكان وبين ابنه الممدد على السرير بلا اكتراث. رفع حاجبيه في سخرية مريرة وقال بحدة.....
- كالعادة... نايم لحد نص النهار، وغرفتك دي أصدق دليل على إنك عمرك ما هتبقى مسؤول عن حاجة!..
نهض حمزة سريعاً جلس ببطء، مسح وجهه بيده، وحاول أن يتماسك أمام نظرات أبيه القاسية. أجاب بإحترام، وإن كان صوته خاليًا من الحماس..
- صباح الخير يا بابا....
أقترب الأب خطوة بخطوة، حتى صار أمامه مباشرة، ثم أردف بلهجة لا تخلو من الغضب...
- صباح الخير؟! هو ده كل اللي عندك؟! ست سنين في الكلية ولسه ما خلصتش! كل مرة رسوب واعتذار، وأمك بس اللي بتدافع عنك... هتفضل كده لحد أمتي....
حاول حمزة أن يبتسم إبتسامة صغيرة، دفاعًا عن نفسه أو ربما هروبًا من المواجهة وقال...
- ما تقلقش يا بابا... لسه العمر قدامي...
أرتفع صوت الأب بحدة، نبراته كسيف يُقطع الصمت وهو يقول...
-العمر قدامك؟! انت فاكر إن الحياة لعبة؟! أنا تعبت يا حمزة... تعبت من إنك أكبر همومي بدل ما تكون سندي..حرام عليك اللي انت بتعمله فيا ده..
تدخلت الأم سريعًا، تضع يدها على ذراع زوجها محاولة تهدئته..
- خلاص بقى... كفاية كلام الصبح. الولد لسه صاحي..سيبه دلوقتي عشان خاطري...
لكن الأب لم يلتفت إليها، وظل ينظر إلى حمزه بعينين قاسيتين، كأنهما تقولان ما عجزت الكلمات عن قوله: إما أن تتغير... أو تخسر كل شيء...
ظل الصمت يخيّم على الغرفة لحظات، لا يُسمع فيها سوى أنفاس متوترة. حمزة كان جالسًا، ينظر إلى الأرض كعادته، لكن هذه المرة شيء ما تغيّر في ملامحه... لم يبتسم، لم يتلاعب بالكلمات، بل رفع رأسه فجأة ونظر في عيني والده بثبات لم يعتد عليه...قال بصوت منخفض لكنه حاد..
-بابا... طول عمرك شايفني فاشل، ويمكن معاك حق. بس تصدق؟ أنا زهقت من إني أعيش على صورتك... على نجاحك... على مقاييسك انت مش بتاعتي...سبني أعيش زي ما أنا حابب...
تفاجأت الأم من كلماته، وضعت يدها على صدرها في قلق، بينما الأب تصلّب في مكانه، عينيه ضاقتا كمن يسمع وقاحة لأول مرة.وقال...
- إنت بتكلمني كده يا حمزة؟! بعد كل اللي عملته عشانك؟ بعد ما أنا مستحملك ومستحمل قرفك كل يوم ..جاي تقولي كده...
ابتلع حمزة ريقه، صوته اهتز قليلًا لكنه أكمل...
-أنا مش بنكر تعبك... بس أنا مش نسخة منك، ومش عايز أعيش عمري كله تحت حكم فشلي في عينيك. يمكن أكون ضايع دلوقتي... بس مش هفضل كده طول عمري...
ارتعشت لحظة صمت ثقيلة... ثم انفجر الأب بصوتٍ قاسٍ وقال...
- لما تبقى تثبت إنك راجل بجد... ابقى كلمني.. أبقي تعالي أقف قدامي وكلمني يا حمزة....
فقط...
وأدار ظهره، مغادرًا الغرفة بخطوات غاضبة تُدوّي في أرجاء الفيلا. ترك وراءه ابنًا تتنازعه مشاعر متناقضة؛ احترام لم يستطع التخلّي عنه، وغضب داخلي يحاول أن يجد طريقه للخروج...
جلست والدته بجواره تربت على كتفه، عيناها تلمعان بالدموع وقالت...
- ليه كده يا ابني... بلاش تكسره أكتر ما هو مكسور منك يا حمزة حرام عليك أبوك نفسه يشوفك سند له بلاش كده يا حمزة...
لكنه لم يرد... فقط أسند رأسه للخلف، يحدّق في السقف، وفي داخله صراع مرير بين اللامبالاة التي يتقنها... والرغبة المكبوتة في إثبات نفسه يومًا ما........
.................................................
هبط حمزة الدرج ببطء، خطواته متثاقلة، لكنه حاول أن يرسم على وجهه ملامح الهدوء وكأن شيئًا لم يحدث. كان صوت الملاعق والأكواب يتردّد في الصالة الكبيرة، حيث جلس والده على رأس الطاولة، إلى جواره أخته"منة" منهمكة في تقليب كوب الشاي وهي تبتسم بخجل....
أقترب حمزة وسحب كرسيًّا ليجلس، لكن نظرات والده تبعته قبل أن يلمس المقعد. بصوتٍ حاد، وكأنه مقصود ليسمعه الجميع، قال .....
-اللي ما يعرفش قيمة وقته... ما يستحقش يقعد على طاولة العائلة....
تجمدت يد حمزة فوق الكرسي، عيناه ثبتت للحظة على طبق الطعام أمامه. لم يرد... لم يدافع عن نفسه... فقط زفر أنفاسًا ثقيلة، ثم أعاد الكرسي إلى مكانه بهدوء، واستدار مغادرًا المائدة....
رفعت" منة "عينيها بدهشة نحو أبيها، محاولة أن تتكلم، لكن الأب أشار بيده في صرامة وكأن الأمر انتهى. فيما صدى خطوات حمزة على الرخام ظل يتردد في أرجاء الفيلا... كأنها صرخة صامتة لم يستطع قولها...ولكن هرولت خلفه والدته وهي تنادي عليه.......
خرج حمزة من باب الفيلا بخطوات واسعة، متجاهلًا نداء أمه من خلفه. على الممر المرصوف المؤدي إلى البوابة، كانت تنتظره تحفته المفضلة: لامبورجيني سوداء لامعة، يقف الحارس بجوارها مفتاحها في يده كأنه يقدم له وسامًا. مد حمزة يده وأخذه دون كلمة، فتح الباب الرياضي الأنيق وجلس خلف المقود.
دارت السيارة بصوتٍ مهيب يشبه هدير وحش بري، ارتسمت على شفتيه إبتسامة صغيرة ساخرة، وكأن هذا الصوت وحده كفيل أن يذكره أنه "ابن رجل الأعمال الكبير"، مهما كان فاشلًا في عيون أبيه. ضغط على دواسة البنزين بقوة، فانطلقت السيارة من أمام الفيلا تاركة خلفها صدى وضجيجًا يليق بعناده.
في الطريق إلى الجامعة، فتح النوافذ على آخرها، رفع صوت الموسيقى الصاخبة، وأخرج يده ليلامس الهواء، كأن الدنيا لا تحمل له همًا. بعض المارة التفتوا بدهشة وإعجاب، بينما هو كان غارقًا في عالمه، يسابق الوقت بلا هدف....
وصل إلى الجامعة متأخرًا كالعادة، قاد سيارته مباشرة إلى الموقف المخصص للأساتذة دون مبالاة بالقوانين، وركنها هناك بثقة. لم يكد ينزل حتى التف حوله إثنان من أصدقائه، كلاهما يشبهه في اللامسؤولية واللامبالاة، لكنهما يعيشان على بريق اسمه وماله...
قال أحدهم ويدعي "شريف"ضاحكًا...
-إيه يا بيه! دايمًا آخر واحد ييجي، وأول واحد يسيب الجامعة!..
رد حمزة بإبتسامة واسعة وهو يغلق باب السيارة.........
-الجامعة دي جايينها نتسلى... مش عشان نذاكر!فـ.سيبك
ضحكوا جميعًا بصوت مرتفع جذب أنظار الطلاب. مرّت بجوارهم مجموعة فتيات يتهامسن بينهنّ، نظراتهن تتوزع بين وسامته الفوضوية وبين سيارته التي تلمع كنجمة في وضح النهار. أحد أصدقائه أشار نحوهن ساخرًا وقال .
-شايف؟ حتى البنات مش قادرين يقاوموا سحر البيه حمزة...
اكتفى حمزة بإبتسامة جانبية، ثم أخرج سيجارة من جيبه وأشعلها بلا إكتراث، ينفث دخانها في الهواء وكأنه يتحدى به العالم....
دخلوا جميعًا إلى ساحة الكلية، بينما الطلاب الجادون يهرعون إلى محاضراتهم، جلس حمزة وأصدقاؤه على المقاعد الخارجية، حقائبهم فارغة إلا من بعض الأوراق المبعثرة. أخرج أحدهم ويدعي "عامر"هاتفه، وقال بلهجة متحمسة...
- حمزة.. إيه رأيك بعد المحاضرة نزوغ ونطلع على الكافيه الجديد اللي فتحوه عند النيل؟..
هز حمزة كتفيه بلا إهتمام وقال..
-محاضرة إيه؟ أنا داخل الكلية من غير ما أعرف أصلاً عندي إيه النهاردة...
وانفجر الثلاثة ضاحكين، بينما يمر بجوارهم أستاذ في منتصف العمر، يرمق حمزة بنظرة تحمل مزيجًا من الشفقة والغضب. لكن حمزة لم يلتفت، كأنه اعتاد أن يرى تلك النظرات منذ زمن.
جلس في استرخاء، ساقاه ممدودتان، عيناه تائهتان بين ضوضاء الجامعة وصوت الموسيقى التي لا تزال تدوي في أذنيه. بدا وكأنه يعيش حياته على إيقاع مختلف، إيقاع لا يعرف فيه معنى المسؤولية... فقط الحرية المزيّفة التي يشتريها بمال أبيه....
لم تمر ساعة حتى قرر حمزة وأصحابه تنفيذ خطتهم المعتادة: زوغان من الجامعة. تركوا الساحة بصخب وضحك عالي، متجاهلين المحاضرات تمامًا، واتجهوا نحو السيارة. جلس حمزه خلف المقود، وأدار المحرك بصوتٍ جعل رؤوس الطلاب تلتفت من بعيد...
قال عامر وهو يصفق بيديه....
-على فين يا بيه؟
أبتسم حمزة إبتسامة جانبية وقال بثقة....
- على المكان اللي يخلينا ننسى إن عندنا جامعة أصلاً...
قاد سيارته الفارهة كأنه ملك الشارع، الموسيقى تتعالى من الداخل، وضحكاتهم تغطي ضجيج الطريق. وصلوا أولًا إلى كافيه فاخر على النيل، جلسوا على الطاولة الأقرب للماء، طلبوا أغلى المشروبات بلا حساب، ودخّنوا الشيشة بينما يتبادلون النكات....
الوقت مرّ سريعًا بين قهوة وضحكة ومكالمات هاتفية مع أصدقاء آخرين، ثم انتقلوا إلى مطعم فخم للعشاء، حيث جلس حمزة في المنتصف وكأنه نجم السهرة، يحكي لهم قصصًا عن مغامراته وكذبات صغيرة يجيد صياغتها لتثير إعجابهم.
لكن الليل لم يكن ليستوعب صخبهم؛ بعد منتصفه، قرروا الانتقال إلى نادي ليلي، حيث الأضواء المبهرة والموسيقى الصاخبة. دخل حمزة بخطوات واثقة، وكأنه يعرف المكان أكثر مما يعرف مدرجات جامعته. تبادل التحيات مع بعض الوجوه التي اعتاد أن يراها، جلس على طاولة محجوزة مسبقًا باسمه، وأخذ يوزع الابتسامات والضحكات....
ساعات طويلة مضت بين رقص وموسيقى وضجيج، حتى أن صوته اختلط مع أصوات الآخرين، وضحكاته لم تعد تحمل أي معنى سوى الهروب.
وعندما أقترب الفجر، خرج حمزة وأصحابه من النادي، وجوههم متعبة لكن ضحكاتهم لا تزال تعلو. قاد سيارته بسرعة جنونية في طرق شبه خالية، نسمات الليل الباردة تضرب وجهه، بينما عيناه نصف مغلقتين من الإرهاق.
وصل إلى الفيلا عند الفجر، الحارس فتح له البوابة بنظرات مترددة، كأنه يعرف أن "البيه الصغير" عاد من سهرة جديدة. ركن السيارة بلامبالاة، نزل وهو يترنح قليلًا من التعب، صعد إلى غرفته بخطوات ثقيلة، ألقى بجسده على السرير بملابسه، ولم يبدل شيئًا... فقط أغلق عينيه ليستسلم لنومٍ عميق، وكأن يومه لم يكن سوى ليلة طويلة بلا هدف.....
كانت هذه الأيام كأنها نسخ مكررة من بعضها.
يستيقظ حمزة كل يوم بعد الظهر، يتثاءب بكسل وكأن العالم مدين له بساعات نوم إضافية. يتناول إفطاره متأخرًا على شكل وجبة دسمة أقرب للعشاء، ثم يخرج من الفيلا مرتديًا أفخم الملابس والعطور، ليجلس خلف مقود لامبورجينيه التي صارت عنوان حضوره أكثر من أي شيء آخر..
الجامعة لم تعد سوى محطة عابرة في يومه؛ يدخلها متأخرًا، يضحك مع أصحابه، يسخر من المحاضرات، ثم يزوغ سريعًا.
الوجهة دائمًا كافيه فاخر، أو مطعم جديد، أو سهرة طويلة تنتهي في الفجر....
صحبته كانوا مرآة لطباعه: شباب لا يعرفون سوى الضحك والهروب، لا يحملون همًا سوى مَن سيدفع الفاتورة، وكان حمزة دائمًا هو "البيه" الذي يغدق عليهم بلا حساب، وكأن المال عنده وسيلة لتثبيت مكانته بينهم....
في الليل، حين يعود إلى غرفته، تتكرر نفس الفوضى: ثياب مرمية، كتب مبعثرة، هاتفه لا يتوقف عن الرنين من صداقات سطحية. ينام على موسيقى صاخبة أو أفلام لا يتذكر منها شيئًا، ليستيقظ في اليوم التالي ليعيد المشهد نفسه من جديد....
ورغم كل هذا الصخب... كان هناك لحظة يومية تتسلل بين الضحكات واللامبالاة: حين ينظر في المرآة وهو يبدل ملابسه، فيرى إنعكاس عينيه المتعبتين. لحظة قصيرة يختفي فيها سحر السيارات والأموال والأصدقاء، ليظهر شاب في السادسة والعشرين... يعيش حياة مليئة بكل شيء، إلا بالمعنى........هذا هو حمزة وهذه هي حياته.......
......................................................
في أحد الأحياء المتوسطة، حيث البنايات متقاربة والوجوه مألوفة، استأجرت ليلى شقة صغيرة بالطابق الرابع. لم تكن الشقة فخمة ولا واسعة، لكنها كانت دافئة، تعكس شخصيتها البسيطة المكافحة. الأثاث متواضع: صالون صغير بقطع قديمة رتّبتها بعناية، مكتبة خشبية وضعت عليها كتبها التي لم تفارقها منذ الجامعة، وستائر فاتحة اللون تسمح بدخول ضوء الشمس فيغمر المكان بالحياة.
ليلى، ذات الخمسة والعشرين عامًا، عاشت يتيمة الأبوين منذ سنوات كانت تعيش تحت كنف خالتها، لكنها لم تسمح لليُتم أن يُطفئ عزيمتها. اجتهدت حتى تخرجت من كلية التجارة بتفوق، وكانت ثمرة جهدها أن أصبحت معيدة في الجامعة. هذا الإنجاز لم يكن مجرد وظيفة، بل كان بالنسبة لها بداية لتحقيق أحلام والديها اللذين رحلا وهما يتمنيان رؤيتها بمكانة عالية.......
صباح ذلك اليوم، استيقظت باكرًا على صوت المنبه، كعادتها التي لم تتغير منذ أيام الدراسة. قامت مسرعة، توضأت، ثم جلست أمام مرآتها الصغيرة. صففت شعرها البني الطويل على شكل ذيل حصان بسيط، ارتدت بلوزة بيضاء أنيقة مع تنورة داكنة اللون، وأكملت مظهرها بمعطف خفيف....
وقفت أمام المرآة ثانية، أبتسمت لنفسها بتردد كأنها تستجمع قوتها..
- يوم جديد يا ليلى... ومرحلة جديدة....
بعدها رتّبت أوراقها في حقيبة جلدية سوداء، وضعت قليلًا من العطر الخفيف الذي يعكس رقتها، ثم حملت حقيبتها وخرجت من الشقة بخطوات ثابتة، لكنها من الداخل كانت تحمل خليطًا من الحماس والخوف.
نزلت الدرج سريعًا، ألقت تحية صباحية على جارتها العجوز في الطابق الثاني، ثم خرجت إلى الشارع حيث الشمس تُشرق على بداية يوم جديد. استقلت سيارة أجرة صغيرة متجهة إلى الجامعة... الجامعة التي ستشهد أول يوم لها كـ "معيدة"......
..........................................
وصلت ليلى إلى مبنى كلية التجارة، خطواتها مترددة قليلًا وهي تحمل حقيبتها بإحكام. منذ سنوات قليلة كانت واحدة مثل هؤلاء الطلبة الذين يتدفقون عبر البوابة، أما اليوم فقد كانت صفتها مختلفة تمامًا.. معيدة.
دخلت إلى الممر الطويل المؤدي إلى الأقسام.. توقفت أمام باب القسم، رتبت أطراف ثوبها.. وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تدفع الباب...
في الداخل، كان بعض الأساتذة يجلسون على مكاتبهم، يتبادلون الأحاديث. التفتت إليها الدكتورة "منى" وتكون احدي معرفها التفتت إليها بإبتسامة دافئة وقالت..
-أهلاً يا دكتور ليلى، مبروك يا حبيبتي. تستاهلي المنصب ده، تعبك ما راحش هدر...
احمر وجه ليلى بخجل، وضحكت بخفة وهي تقول..
- شكرًا يا دكتورة، دعوات حضرتك....
أقترب منها الدكتور "أشرف"، زميل آخر بالقسم، وربت على كتفها...
- إحنا معتمدين عليكِ يا ليلى، الطلبة محتاجين حد زيك... قريب منهم في السن وفي نفس الوقت ملتزم....
جلست ليلى خلف مكتب صغير فارغ أُعطي لها حديثًا. وضعت حقيبتها، رتبت بعض الأوراق، ثم رفعت رأسها لتجد مجموعة من الطلبة يمرون من أمام الباب يتهامسون..
- مش دي المعيدة الجديدة؟
- أيوه... دي كانت من أوائل الدفعة بتاعتها..
أبتسمت ليلى لنفسها، لم يكن الأمر غرورًا، بل إحساسًا عميقًا بالمسؤولية. هي تعرف أن نظرات الإعجاب هذه قد تتحول إلى إختبارات قاسية لاحقًا، لكن عزيمتها كانت أقوى من أي تردد....
وبينما كانت ترتب أوراقها استعدادًا لأول محاضرة أحست بشيء غريب... كأن القدر يخبئ لها مفاجأة في أروقة هذه الجامعة، مفاجأة ستقلب حياتها رأسًا على عقب.............
ماذا سيحدث سنري.......
إنتظروني البارت القادم....
أيـــــــســــــل..بحبكم ♥️
Aysel