الجزء الثامن والثلاثون
قبل أن يتمكن الفريق من متابعة خطتهم واتخاذ القرار، دوى فجأة رنين هاتفٍ حادٍّ ومتكررٍ بلا توقف. وعندما أجابوا، كان المتحدث هو رئيس مركز الشرطة، صوته يحمل إلحاحًا واضحًا:
"لا وقت لديكم للتردد! لديّ خبران لكم... أحدهما سارّ والآخر مقلق."
ثم أردف بسرعة: "الخبر السار هو أن قواتنا والدعم الميداني قد وصلوا إلى ساحة المواجهة في (أ.و.ك.ر.ن.ي.ا)."
تلقى خالد وياسين الخبرَ بصدمة، وتبادلا نظراتٍ حادة: "كيف عُرفَت خطتنا؟!"
لكن رئيسهم لم يعطهم وقتًا للتفكير: "أما الخبر المقلق، فقد وقعت جريمةٌ مروعةٌ بالقرب منكم في منطقة السيدة زينب. أريدكم أن تتوجهوا إلى مكان الحادث فورًا للتحقيق!"
لم يكن هناك مجالٌ للنقاش. أسرعوا خارجًا وانطلقوا بسيارة ياسين إلى الموقع المحدد، مستخدمين الإحداثيات التي وُصِلت إليهم. سرعان ما وجدوا أنفسهم أمام منزلٍ منعزلٍ وسطَ حقولٍ زراعيةٍ مهجورة، يبدو من الخارج وكأنه يحمل أسرارًا خطيرة.
كانت الرائحة النفّاذة للدم والمواد الكيميائية تملأ الجو، بينما بدت آثارُ إطاراتِ سياراتٍ حديثةٍ حول المكان. على الأرض أمام المنزل، لاحظوا قطعةَ قماشٍ كبيرةً ملطخةً ببقعٍ داكنةٍ تشبه الدم، وحروفًا مكتوبةً بخطوطٍ غير منتظمة، إلى جانب رموزٍ غريبةٍ مرسومةٍ بألوانٍ زاهيةٍ على الجدران.
دخلوا بحذر، فاستقبلتهم رائحةٌ كريهةٌ تختلطُ بروائحَ كيميائيةٍ مثيرةٍ للريبة. كانت الأصواتُ الغريبةُ التي سمعوها من الخارج تزداد وضوحًا داخل المنزل: صريرُ أبواب، وارتطامُ أغصانِ الأشجارِ بالنوافذ، وعويلُ رياحٍ قوية. لكنهم تجاهلوها وتقدموا بتركيز.
في المطبخ، وجدوا فوضى عارمةً مع بقايا أوانٍ مكسورةٍ وموادٍ غامضة. أما غرفة المعيشة، فكانت أشبه بساحة معركة: أثاثٌ مقلوب، وزجاجٌ محطم، وجدرانٌ عليها خدوشٌ عميقة.
لكن الغرفة الداخلية كانت الأكثر إثارةً للقلق. الأضواءُ كانت تومضُ بطريقةٍ غير طبيعية، وكأنها إشارةُ تحذير. نظر خالد إلى زاوية مظلمة، فصرخ: "انظروا إلى هذه الحقيبة!"
عندما فتحوها، وجدوا أكياسًا مليئةً بموادٍ لحميةٍ مجهولةِ المصدر، وأخرى تحتوي على طيورٍ مربوطةٍ بحبال. تساءلوا بقلق: "هل هذا لحم بشري أم حيواني؟"
اتصلوا على الفور بالفريق الطبي الشرعي، ثم برائدة التحقيق "وردة" وخبيرة الأدلة "زهرة"، وأخبروهما بالتفاصيل.
"هناك احتمالٌ كبيرٌ لوجود جريمة قتل هنا!" قال خالد بصوتٍ مرتعش.
أجابت وردة: "نحن في الطريق. انتظروا عند مكان الجريمة!"
أغلقوا الهاتف وواصلوا التفتيش. في الحمام، اكتشفوا منظرًا مروعًا: دماءٌ غزيرةٌ على الجدران والأرضية، وزجاجُ النافذةِ محطمٌ بطريقةٍ توحي بمحاولة هروب. على المرآة، كُتبت عباراتٌ غامضةٌ بخطٍّ من الدم، إلى جانب رسمةٍ لإيموجيٍّ مبتسمٍ بشكلٍ مريب، وكأنها توقيعُ المجرم أو رسالةٌ موجهةٌ للشرطة.
انتهى الجزء الثامن والثلاثون
الجزء التاسع والثلاثون
قام الفريق بتصوير كافة التفاصيل داخل الحمام، ثم انتقلوا لتصوير الغرفة الأولى بتأنٍ ودقة. عند توجُّههم نحو الغرفة الثانية، وجدوا بابها مُغلقاً بإحكام شديد، وكأن قوةً خفيةً تمنعهم من ولوجه. حاولوا فتحه مراراً دون جدوى، حتى لجأوا لإطلاق النار عليه، لكنه صمد كأنه من حديد.
تراجعوا خطواتٍ للوراء، ثم اندفعوا صوب الباب بقوة، وضربوه بكل ما أوتوا من قوة ثلاث مرات متتالية. وفي الضربة الأخيرة، انفتح الباب فجأةً ليكشف عن مشهدٍ مروّعٍ لن يمحوه من ذاكرتهم ما حيوا.
داخل الغرفة، كانت الجدران ملطخةً بالدماء، مع رسومٍ غريبةٍ وإيموجي ضاحكٍ مثيرٍ للريبة. على الجانب، وقعت أعينهم على كيس عطريٍّ نصفه ملقى على الأرض، وفي منتصف الغرفة كانت الجثة المرعبة.
الجثة لامرأةٍ خنقها القاتل بقماشةٍ ثخينة حتى الموت، ثم عبث بجسدها بوحشية؛ حيث غطّاها بالأسمنت، وخدش وجهها بالزجاج المكسور. عندما اقتربوا منها، وجدوها قد تحجرت تماماً، تخرج منها رائحة نتنة لا تُحتمل. عيناها المفتوحتان على آخرها، وفمها المشدود في صرخة صامتة، كلها تفاصيلٌ تطرح سؤالاً واحداً: لماذا كل هذه الوحشية؟
لم يحتملوا البقاء في المكان، فخرجوا بسرعة ليواصلوا البحث في أرجاء المنزل. أثناء تفتيشهم، لاحظوا أمراً غريباً كانوا قد غفلوا عنه سابقاً: جميع ساعات المنزل متوقفة عند منتصف الليل بالضبط، وستائره السوداء تزيد المكان كآبة.
عثر خالد على خصلات شعر متناثرة في كل مكان، ثم قال لياسين: "لنخرج من هنا، لقد انتهى عملنا. سيتولى المختصون فحص الجثة وتحليل تلك الأكياس المشبوهة."
لكن ياسين لم يجب، فقد انتبه فجأةً لآثار حريق قديم على الستائر. أخذ خالد يصور الدليل الجديد، ثم عاد لينادي: "هيا بنا إلى مقر الشرطة."
في تلك الأثناء، كانت وردة وزهرة قد أنهتا عملهما، حيث نقلتا الجثة إلى المستشفى. الآن، الجميع في طريقهم لإكمال التحقيق وكشف غموض هذه الجريمة البشعة.
انتهى الجزء التاسع والثلاثون
الجزء الأربعون
في غرفة التحقيقات الرئيسية بمقر الشرطة، كان خالد وياسين يجلسان أمام طاولة كبيرة مغطاة بكل أدلة القضية. انتشرت عليها الصور المفصلة للجثة المتحجرة، وعينات الدماء المأخوذة من أرضية وجدران الحمام، وتلك الأكياس الغامضة ذات المحتويات المجهولة. كانت الأجواء مشحونة بالتعب والتركيز الشديد.
فجأة، قطع صمت الغرفة رنين الهاتف. كان المتحدث هو الضابط المسؤول عن قسم البصمات والتحليل الجنائي، صوته يحمل نبرة انتصار: "لقد حصلنا على تطابق كامل! البصمات الموجودة على كيس الأسمنت بجانب الجثة تعود للدكتور نبيل عبد الرحيم، الجراح المتقاعد المعروف. لدينا سجلات توضح أنه كان يعمل في مستشفى الجامعة لمدة خمسة وعشرين عاماً قبل تقاعده المفاجئ".
أكمل الضابط حديثه وهو يقلب الأوراق: "عندما داهمت قواتنا شقته الفاخرة في الحي الراقي، عثرنا على دفتر مذكرات شخصي مخبأ في خزانة سرية. تفاصيل المذكرات تكشف أنه أصيب بانهيار عصبي حاد بعد وفاة ابنته نور في حادث سير غامض قبل عامين بالضبط. كان يعتقد بشكل وسواسي أن الضحايا متورطون في وفاتها، فخطط للانتقام بهذه الطريقة البشعة التي رأيناها".
لم يضيع الفريق أي وقت. توجهوا فوراً بسيارتين مدعومتين بقوات خاصة إلى العيادة القديمة للدكتور في حي المطرية، والتي تحولت إلى وكر له. عند وصولهم، وجدوا الباب الخارجي مفتوحاً قليلاً، وكأنه كان ينتظرهم. في الداخل...
كان الدكتور جالساً على كرسي الجلد الأسود في مكتبه القديم، عيناه الزائغتان تحدقان في الفراغ، بينما يمسك بإحكام بصورة ابنته المحاطة بإطار أسود. قبل أن ينطق أي منهم بكلمة واحدة، رفع ببطء حقنة مملوءة بمادة سامة كانت معدة مسبقاً، وغرزها في عنقه دون تردد. سقط جسده الثقيل على الأرض بينما كانت التشنجات العنيفة تمزق أوصاله. على الطاولة المجاورة، وُجدت رسالة قصيرة مكتوبة بخط يده المرتعش تقول: "الآن نلتقي يا نور. العدالة تنتظرنا جميعاً".
في صباح اليوم التالي، وبعد سلسلة من التحاليل الدقيقة، أكدت وردة وزهرة النتائج النهائية:
- تطابق تام بين الحمض النووي المأخوذ من خصلات الشعر الموجودة في أنحاء المنزل وبين عينات الدكتور
- التحليل المخبري الدقيق أثبت أن الأكياس الغريبة كانت تحتوي حصراً على بقايا حيوانات مجهزة بشكل محترف لتبدو كما لو كانت بشرية
- الضحية الأخيرة، صاحب الجثة المتحجرة، تم التعرف عليه كشاب يدعى أحمد سليم، أحد الشهود الرئيسيين في حادث ابنة الدكتور
أغلق خالد الملف الضخم ببطء وهو ينظر إلى ياسين بعينين تعبتين تحملان عمق التجربة: "بكل صدق يا صديقي، كانت هذه أبشع وأصعب قضية في مسيرتنا كلها.. ولكن في النهاية، حققنا شيئاً يشبه العدالة.. حتى لو جاءت بهذه الطريقة المأساوية". وقف ياسين متأملاً الأفق، ثم رفع عينيه نحو السماء كأنه يبحث عن إجابةٍ في سواد الليل، وقال بصوته الهادئ الذي يحمل في طياته مرارةَ الخذلان:
**"إن الأسف لا ينتهي... هذه المنظمة لا تزال تمتد جذورها في الظلام، وأولئك المجرمون الفاسدون يسرقون أحلام الناس ولا يلقون بالاً لدماء الأبرياء."**
أطرق صديقه قليلاً، ثم أجابه بنظرةٍ حزينة تفيض إصرارًا رغم الألم:
**"صدقتَ يا ياسين... ولكن انظر إلى تلك النجوم المتلألئة، ألا تذكرك بأن الظلمة لن تدوم؟ النور سيُزهق الباطل عاجلاً أم آجلاً."**
أخذ ياسين نفسًا عميقًا، وكأن كلمات الصديق نبعت في قلبه بصيص أمل، فأردف:
**"لعلكَ محقٌ يا أخي... فلنكن صبورين، ولنعلم أن كل ظالمٍ إلى نهاية."**
ثم صافحه في صمت، بينما اختلطت أنفاسهما بتفاؤلٍ صامتٍ بأن يتحقق العدل قريبًا.
أنتهي الجزء الأربعون
الجزء الواحد والأربعون
ولكن قبل أن يجلسا على مقعدهما في مقر الشرطة، سمعا صوت رنين الهاتف مرة أخرى. وكان خالد مترددًا في الرد في البداية، لكنه ما لبث أن أمسك السماعة بقوة وهو يستمع لكلام رئيس الشرطة.
"هناك جريمة أخرى في طريق المحمودية، عند منزل وسط الزراعة والصناعة والحيوانات. ولا يوجد أي شيء آخر!"
تحدث خالد ببرود: "هل يمكننا تأجيل ذلك لوقت آخر؟"
فصرخ رئيس الشرطة في وجهه لأول مرة: "لا! هذه الجريمة أشد خطورة، وعليكم الذهاب فورًا!"
أجاب خالد وهو يتذمر: "حسنًا..." ثم أغلق المكالمة وقال لياسين: "هيَّا بنا، هناك جريمة أخرى!"
ركبا السيارة واتجها نحو طريق المحمودية. كان الطريق سريعًا، وفي غضون عشر دقائق من القيادة المندفعة، وصلا إلى المكان. فوجئا بأشخاص يصرخون ويبكون بحرقة، وما إن شاهدوا السيارة الشرطية حتى أسرعوا نحوها بتهوُّر، كاد أن يتسبب في حادث لولا لطف الله. توقفت السيارة فجأة، ونظر الاثنان إلى الجانب الآخر، فشاهدوا منزلًا من طابقين، نوافذه الزجاجية محطمة بعنف، ولحوم متناثرة في كل مكان بطريقة مروعة.
وعلى سطح المنزل، كُتبت عبارة بخط ضخم من الدماء:
**"سَنَقْتُلُكُمْ جَمِيعًا وَلَنْ نَرْحَمَكُمْ أَبَدًا!"**
انتشرت رائحة نتنة كريهة تفوح من المنزل، تشبه عفن الترع أو القمامة، بينما هبت الرياح والأشجار من حولهما وكأنها تنذر بشرٍ ما. تقدم خالد وياسين بحذر نحو الباب، فوجدا جرس المنزل مكسورًا ومنزوعًا من مكانه، والجدران المحيطة مشققة بعشوائية، والباب نفسه مهشم إلى نصفين. الأرضية والستارة عند المدخل كانتا مسودتين تمامًا، وكأن النار التهمتهما.
لأول مرة، شعر خالد وياسين بالرعب يلفهما من هول هذه الجريمة الغريبة.
قال ياسين بصوت مرتعش: "جريمة غريبة حقًّا..."
أجاب خالد: "أجل، وأغرب من ذلك كله هذه الساعات المتوقفة كلها عند الساعة العاشرة وعشر دقائق صباحًا!"
ثم أشار خالد لياسين: "هيَّا، لندخل!"
هز ياسين رأسه موافقًا: "حسنًا... هيا بنا."
ما إن دخلا المنزل حتى واجها ثلاثة دلاء متوسطة الحجم، يقطر منها الدماء، وكانت ثقيلة بشكل غريب. وعندما فتحاها، أصيبا بالذهول والرعب مما رأياه: ثلاث جثث لأطفال تتراوح أعمارهم بين العاشرة والثانية عشرة، كلٌ منها موضوعة في دلو، وكل طفل قُتل بطريقة بشعة مختلفة عن الآخر!
- الأول: مُخنوق من رقبته بقطعة قماش ضخمة، ومقطوعة يده.
- الثاني: غارق في دلو مملوء بالماء، وجهه شاحب، وفمه وعيناه مفتوحتان على آخرهما، وكأنه كان يحارب شيئًا ما قبل موته.
- الثالث: موضوع في دلو مملوء بماء النار، وجهه مشوه، ونصف جسده محترق!
على الجدران والأرضية، كُتبت عبارات استفزازية بالدماء، بينما تومض أنوار حمراء وصفراء وخضراء بشكل مخيف. والساعات المنتشرة في كل مكان كانت متوقفة عند الوقت نفسه: العاشرة وعشر دقائق.
وفجأة... رن الهاتف!
كان المتصل هو خالد، يخبرهما أن فريق الشرطة قد وصل. بدأ الفريق في فحص الجثث، لكن الأسوأ كان ينتظرهما في الداخل.
عندما تقدم خالد وياسين إلى غرفة المعيشة، وجدا جثة شابة في الخامسة والعشرين من عمرها، غارقة في دمائها. كانت قد تعرضت لضربة قوية على رأسها حتى سال الدم بغزارة، وأصابع يديها مقطوعة وموضوعة في إناء بجانبها، بينما يداها وقدماهما مقيدتان بقوة. وكانت قد غُمست رأسها ثلاث مرات في ماء النار قبل أن تموت!
كان وجهها أزرقًا داكنًا، وعيناها وفمها مفتوحان على اتساعهما، كما لو أنها شاهدت رعبًا لا يُوصف قبل موتها. انتشرت مواد كيميائية كثيرة على جسدها، مما زاد المنظر بشاعة.
لم يتحمل خالد وياسين هذا المشهد المروع، فخرجا مسرعين لاستجواب الشهود خارج المنزل.
أخبرهم أحد الرجال: "هذه فتاة كانت طالبة حديثة التخرج، كانت مؤدبة ومحترمة وقريبة من الله. أما هذا..." وأشار إلى الجثث، "فكانوا أطفال أخيها. لقد تزوج أخوها وأصبح مدمنًا للمخدرات، وفي يومٍ ما، جاءت أخته لتنصحه فتشاجرا، وحين أصرت عليه أن يتوقف عن هذا السم، قتلها وقتل أطفاله ثم هرب! ومنذ ذلك الحين، لا نعرف عنه شيئًا."
نظر خالد إلى ياسين وقال بصوت مرتجف: "لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ... إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ."
ثم ركب سيارته مع ياسين بعد جمع الأدلة، واتصل بأحد رجال الشرطة قائلاً: "اقبضوا على هذا المجرم بأي ثمن!"
فأجاب الرجل: "حاضر سيدي!"
أغلق خالد الهاتف وقال لياسين: "هذه القضية ستنتهي اليوم، وسنلقى القبض على هذا الوحش قريبًا."
أجاب ياسين: "حسنًا، كما تريد."
ثم انطلقا نحو مركز الشرطة مرة أخرى، بينما كانا يتساءلان في صمت: كيف يمكن لبشر أن يصلوا إلى هذا الحد من الوحشية؟!
انتهى الجزء الواحد والأربعون
الجزء الثاني والأربعون**
بينما كانا في طريقهما إلى مركز الشرطة، ساد صمت ثقيل داخل السيارة. خالد يمسك بمقود السيارة بقوة، وكأنه يحاول السيطرة على غضبه المكبوت، بينما كان ياسين ينظر من النافذة بعينين مليئتين بالذهول مما شاهده.
فجأة، انقطع الصمت برنين الهاتف. نظر خالد إلى الشاشة بترقب، ثم رفع السماعة.
"نعم؟"
كان المتحدث هو رئيس الشرطة نفسه، صوته حادٌ ومتسرع: "لقد وجدنا مكانه! المجرم هاربٌ إلى منطقة الأحراش خارج المدينة. لدينا معلومات أنه يحمل سلاحًا وخطير جدًّا. أنت وياسين عليكم التوجه إلى هناك فورًا!"
أغلق خالد الهاتف دون أن ينبس بكلمة، ثم التفت إلى ياسين:
"هيا، لننتهي من هذا اليوم السيئ."
انطلقا بسرعة صوب منطقة الأحراش، حيث تكثر الأشجار الكثيفة والأراضي الموحشة. مع اقترابهما من الموقع، أخفت السحب الداكنة ضوء القمر، ولم يعد يسمع سوى صوت الرياح التي تعوي بين الأشجار وكأنها تحذير من المجهول.
توقفا عند مدخل الغابة، حيث كان فريق من رجال الشرطة ينتظرهما.
"لقد رأيناه يدخل إلى هناك!" قال أحد الضباط وهو يشير بعصبية إلى داخل الغابة. "لكن المنطقة خطيرة، والأرض مليئة بالمستنقعات."
لم ينتظر خالد وياسين أي تردد. أمسكا مصابيحهما وأسلحتهما، وتقدما بحذر بين الأشجار العالية، حيث الظلام يزداد كثافة مع كل خطوة.
وفجأة... سمعا صوتَ غصينٍ ينكسر!
توقفا في مكانهما، ورفعا المصابيح عاليًا. لمحا ظلًّا يتحرك خلف الأشجار، ثم اختفى.
"هناك!" همس ياسين.
اندفعا خلف الظل، ولكن الأرض تحولت فجأة إلى مستنقعٍ غارقٍ في الظلام. شعر خالد بأن قدميه تغوصان في الوحل، بينما كان ياسين يحاول سحبه للخلف.
وفي تلك اللحظة، ظهر الرجل فجأة من بين الأشجار!
كان شابًّا في الثلاثينيات، عيناه حمراوان من آثار المخدرات، وفي يده سكينٌ ملطخٌ بالدماء.
"كفى!" صرخ خالد وهو يحاول تحرير نفسه من الوحل.
لكن الرجل لم يستجب. بدا وكأنه غير مدركٍ لما يفعله، أو ربما كان يعرف جيدًا، لكنه لم يعد يبالي.
رفع السكين في الهواء، وتقدم نحو ياسين، الذي كان يحاول مساعدة خالد على الخروج.
في اللحظة الأخيرة، استطاع خالد أن يحرر قدمه، واندفع نحو المجرم، مصوبًا مسدسه:
"توقف! أو سأطلق النار!"
لكن الرجل لم يتوقف. ضحك ضحكةً مجنونةً، ثم ألقى بنفسه في المستنقع، مختفيًا بين الأشجار الكثيفة.
أطلق خالد رصاصة تحذيرية، لكن الرجل كان قد اختفى بالفعل.
"لن نستطيع ملاحقته في هذا الظلام!" قال ياسين وهو يلتقط أنفاسه.
نظر خالد حوله في غضب، ثم أخرج هاتفه واتصل بالتعزيزات:
"أغلقوا كل المخرجين من الغابة! هو هنا، ولن يهرب هذه المرة!"
لكن في أعماقه، كان يشعر بأن هذه القضية لن تنتهي بهذه السهولة...
انتهى الجزء الثاني والأربعون
الجزء الثالث والأربعون
كانت الغابةُ تعجُّ بحركةٍ غيرِ مسبوقة، حيثُ أحكمت قواتُ الشرطةِ قبضتَها على كلِّ شبرٍ فيها. السياراتُ المصفحةُ اصطفت كجدارٍ منيعٍ حولَ الأشجارِ الكثيفة، بينما أغلقت الطائراتُ المروحيةُ المساحةَ الجويةَ تمامًا، تبحثُ بأضواءِ كاشفاتِها القويةِ عن أيِّ حركةٍ مشبوهة. الأوامرُ كانت واضحةً: لا أحدَ يخرجُ حيًّا.
في قلبِ الغابة، تحتَ ظلِّ شجرةٍ عملاقةٍ، كان المجرمُ يجلسُ متربصًا. عيناهُ الباردتانُ تتابعانِ تحركاتِ القواتِ بدقة، ويدُه اليمنى تضغطُ على الزنادِ بلا رعشة. كان يعرفُ أنَّ الهروبَ مستحيل، لكنه قررَ ألّا يستسلمَ بسهولة. فجأةً، سمعَ صوتَ أقدامٍ تقتربُ، فأدركَ أنَّ الوقتَ حان.
**"لا تتحرك! أنت محاصر!"** صرخَ أحدُ الضباطِ عبرَ مكبرِ الصوت.
لكن المجرمَ لم ينتظر. في لمحِ البصر، أطلقَ رصاصاتِه الأولى، مستهدفًا رؤوسَ الضباطِ بدقةٍ قاتلة. سقطَ خمسةٌ منهم قبلَ أن يُدركوا ما حدث، دماؤُهم تختلطُ بأوراقِ الأشجارِ المتساقطة. المشهدُ كانَ مروعًا؛ أيديهم مقطوعةٌ ومربوطةٌ بحبالٍ غليظة، بينما جثثُهم تُلقى في دلوٍ من ماءِ النارِ الذي حملهُ المجرمُ كجزءٍ من تعذيبِهم. الضابطُ السادسُ حاولَ المقاومة، لكن المجرمَ قفزَ عليهِ كالوحشِ، ضاغطًا على رقبتهِ حتى توقفَ نبضُه. عينا الضابطِ المتوسِّلتانِ ظلتا مفتوحتينِ، وكأنهما ترويانِ قصةَ الرعبِ التي عاشها قبلَ الموت.
**"انتبهوا! إنه هنا!"** صرخَ ضابطٌ آخرُ بينما كانَ رجالُ الشرطةِ يتقدمونَ بحذر.
الطائراتُ حوَّمتْ فوقَ الموقعِ، كاشفاتُها تُضيءُ المشهدَ الدمويَّ بوضوح. المجرمُ، الذي أدركَ أنَّه منهكٌ، حاولَ الانسحابَ بينَ الأشجار، لكنَّ القناصةَ على الأرضِ وفي الجوِّ كانوا أسرع.
**"أطلقوا النار!"**
انهمرَ وابلٌ من الرصاصِ من كلِّ اتجاه، ثقبَ جسدَ المجرمِ عشراتِ المرات. دمُهُ تدفقَ كالنهرِ، صبغَ الترابَ بلونٍ قرمزيٍّ غامق. سقطَ على وجهه، آخرُ ما رأى عينيهِ هو ظلالُ رجالِ الشرطةِ يقتربونَ للتأكدِ من موته.
بعدَ دقائقَ من الصمتِ الكئيب، ارتفعَ صوتُ الراديو:
**"الهدفُ تمَّ تحييده. كرر، الهدفُ تمَّ تحييده."**
على الجانبِ الآخرِ من الغابة، كان خالدٌ وياسينُ يشاهدانِ المشهدَ من بعيد. ابتسمَ ياسينُ بزهوٍ:
**"لقد انتهى الأمرُ أخيرًا."**
لكن خالدًا ظلَّ صامتًا لحظةً قبلَ أن يردَّ:
**"نعم... لكنِّي لا أعتقدُ أنَّ كلَّ شيءٍ انتهى هنا. هناكَ شيءٌ ما لا يزالُ غامضًا."**
رفعَ ياسينُ حاجبيهِ: **"ماذا تعني؟"**
خالدٌ أدارَ وجهَهُ نحوَ الغابةِ مرةً أخرى: **"هذا المجرمُ... كان يعملُ لوحدِه؟ أم أنَّه كانَ مجردَ دميةٍ في لعبةٍ أكبر؟"**
في تلكَ اللحظةِ، بدا وكأنَّ ظلًّا غامضًا يتحركُ بينَ الأشجارِ في العمق، لكنَّه اختفى قبلَ أن يتمكّنَ أيٌّ منهم من رؤيتهِ بوضوح.
**"لنذهب. لدينا تقريرٌ لنكتبه."** قالَ خالدٌ ببرودٍ، بينما كانَ ياسينُ يلتفتُ خلفهما مرارًا، وكأنه يحسُّ بأنَّ أعينًا لا تُرى تراقبُهما.
انتهى الجزء الثالث والأربعون.
الجزء الرابع والأربعون
كان الجوُّ خارج مقرِّ الشرطةِ المركزيِّ بارداً بشكلٍ غير معتاد، كما لو أنَّ الطبيعةَ نفسَها كانت تتنفسُ بصوتٍ خافتٍ تحذيري. خالدٌ وياسينُ توجَّها نحوَ المبنى الضخمِ المصنوعِ من الزجاجِ والحديد، حيثُ كانت آخرُ خطوةٍ في قضيةِ غابةِ الصنوبرِ تنتظرُهم.
الممراتُ الداخليةُ كانت مزدحمةً بالضباطِ والموظفين، لكنَّ طابورَ الأرشيفِ كان خالياً بشكلٍ مريب. الضابطُ المسؤولُ، رجلٌ في الخمسينياتِ من عمره بشعرٍ أشيبَ وعينينِ غائرتين، لم يرفعْ رأسه عند دخولِهم.
**"التوقيعُ هنا."** قالَ وهو يدفعُ ورقةً صفراءَ نحوَ خالد.
ورقةُ الإغلاقِ الرسميةِ كانت جافةً ومباشرة: **"بناءً على المادة 24 من قانونِ أصولِ المحاكماتِ، يُغلقُ التحقيقُ في حادثةِ غابةِ الصنوبرِ لعدمِ وجودِ متهمينَ أحياء."**
الطابعةُ القديمةُ بصوتِها الميكانيكيِّ العاليِ طبعتْ ختمَ "مُغلق" باللونِ الأحمرِ القاني، وكأنَّها تُعلنُ نهايةَ شيءٍ ما. لكنَّ ياسينَ، بحدسِه الحاد، لاحظَ ظرفاً أصفرَ باهتاً يبرزُ من بينِ صفحاتِ الملفِ السميك.
**"هذا الظرفُ ليسَ جزءاً من الملفِ الرسمي."** قالَ ياسينُ محاولاً الوصولَ إليه.
فجأةً، تحرَّكَ الضابطُ بسرعةٍ مفاجئةٍ وأغلقَ الدرجَ المعدنيَّ بعنف. **"ممنوعُ اللمس! هذه أرشيفاتٌ سرية!"**
عيونُه الواسعةُ ويداهُ المرتعشتانِ أخبرتا خالداً أنَّ هناكَ أمراً غيرَ طبيعي. **"لماذا كلُّ هذه السرية؟ القضيةُ بسيطةٌ ومغلقة!"**
الضابطُ لم يجب، فقط أدارَ ظهرَه وهو يتمتمُ بكلماتٍ غيرِ واضحة.
خارجَ المبنى، بينما كانا يتجادلانِ حولَ الموقفِ الغريب، سمعَا همساً خافتاً من خلفِ عمودٍ إسمنتي. اثنانِ من الموظفينِ الشبابِ يتناقشانِ بانفعال:
**"سمعتُ أنَّ الجثثَ لم تُرسلْ إلى المشرحةِ العامة... هناك شاحنةٌ سوداءُ نقلتها إلى مكانٍ مجهول!"**
**"اصمت! هل تريدُ أن ينتهيَ بكَ الأمرُ مثلَ الضابطِ محمود؟"**
قبلَ أن يتمكَّنَا من الاستفسار، اختفى الرجلانِ في الزحام.
عندَ وصولِهما إلى موقفِ السياراتِ، صُعقا بما رأيا:
- الزجاجُ الأماميُّ للسيارةِ محطَّمٌ تماماً.
- على مقعدِ الراكبِ، ورقةٌ بيضاءُ عليها بقعُ دمٍ حديثةٌ (لم تجفْ بعد).
- الرسالةُ كانت مكتوبةً بخطٍّ غيرِ منتظم:
**"الإغلاقُ خدعة... هم يعرفونَ أنكم تعرفون."**
لكنَّ المفاجأةَ الأكبرَ كانت تحتَ الورقة:
**مسدسٌ صغيرٌ من النوعِ الذي تستخدمهُ الوحداتُ الخاصةُ، وبجانبهِ رقاقةُ بياناتٍ إلكترونية.**
خالدٌ التقطَ الرقاقةَ بحذرٍ وأدارها بين أصابعه. **"هذه ليست نهايةَ القصة... بل بدايةُ شيءٍ أخطر."**
في تلكَ اللحظةِ، سمعا صوتَ محرِّكِ سيارةٍ يتسارعُ نحوَهما من بعيد...
انتهى الجزء الرابع والأربعون
أدهم أمير