قبل أن يستوعبا ما حدث، انطلقت أصواتٌ كثيرة من مكبرات الصوت، تملؤها الضحكات الساخرة والاستهزاء بالشرطة والحكومة. ثم دوَّى صوت المجرم، يتحدث بسخرية مرعبة:
"لن تفلتوا أبدًا، مهما حاولتم!"
وبدون تردد، ضغط على زرٍّ آخر، فتفجَّرت ثلاثة بيوتٍ أخرى، إلى جانب مقر شرطةٍ آخر، مما تسبب في فوضى عارمة ودمارٍ شامل. ارتفعت ألسنة اللهب، وانتشرت سحب الدخان الأسود، بينما تعالت صرخات الضحايا في كل مكان. وسط هذا الدمار، تابع المجرم ضحكاته المجنونة، ثم أضاف بصوتٍ بارد:
"المرة القادمة، سأنتقم من كليةٍ في الإسكندرية!"
تجمَّد خالد في مكانه، وشعر بقلبه يسقط في جوفه، ثم سقط على ركبتيه، يضرب الأرض بقبضته وهو يصرخ بغضب:
"يا وغد! لا شأن لك بهذه الكلية! أختي فيها... أرجوك، لا تفعل شيئًا هناك!"
لكن لم يكن هناك ما يمكنه فعله الآن؛ فهو في القاهرة، وأخته في الإسكندرية، والمسافة بينهما بعيدة. جسده يرتعش من الصدمة، أنفاسه تتسارع، عيناه ممتلئتان بالدموع واليأس. أمسك به ياسين، رفعه عن الأرض، وربَّت على كتفه محاولًا تهدئته، ثم قال بأسنانه المتطابقة من الغضب، وعيناه تشتعلان شرًّا:
"سوف ننتقم منه!"
ولكن قبل أن يتمكنوا من استجماع قواهم، دوَّت أربعة انفجارات أخرى على التوالي! تهدمت أربعة بيوتٍ متتالية، تبعتها كارثة أكبر—انفجارٌ هائل دمَّر مستشفى كاملة!
تطايرت النوافذ، انهارت الجدران، وتناثرت الجثث في كل مكان. ملأت الدماء الشوارع، وارتفعت أعمدة الدخان، بينما تناثرت الصخور والركام في الهواء. تساقطت الأعمدة الحديدية والنحاسية، مسببةً مزيدًا من الخراب.
تحولت المنطقة إلى ساحة موتٍ مفتوحة. كان البقاء هنا انتحارًا!
أدرك خالد وياسين أنه لم يعد هناك خيار سوى مغادرة المكان بسرعة، فالمجرم لا يزال يعبث بالمزيد من المتفجرات، وكل دقيقة تمر تعني مزيدًا من القتلى والدمار.
تحركا بسرعة، يترنحان من أثر إصاباتهما، بينما لا تزال أصداء الانفجارات تتردد في الأجواء، تحمل معها وعدًا بالانتقام...
انتهى الجزء الرابع.
الجزء الخامس
في لحظة مفاجئة، بينما كانت أخت خالد في الكلية، وسط الحصص والمذاكرة، وجدت هاتفها يرن بشكل متكرر. كانت المكالمة الأخيرة من أخيها، خالد. قالت بتوتر: "ماذا تريد مني؟ أنا في الكلية!". كان رد خالد مختصرًا ومربكًا: "مفيش وقت، أخرجي من الكلية فورًا!". قالت له بدهشة: "لماذا؟" قال لها أخرجي علي الفور
أخت خالد تكلمت وقالت لماذا أنا لأ أعرف السببولكن قبل أن تكمل كلامها، دوى انفجار مدوٍ هز أركان الكلية بأكملها، وأدى إلى تفجير مبنى كامل. ساد المكان هلع شديد، وهرع الطلاب في جميع الاتجاهات في فزع.
كان الصوت المروع للقنابل يملأ المكان، وضجيج الانفجارات يتردد في الأجواء، ثم تلاه صراخ مرعب، وأصوات الركض المتسارعة، بينما تحطمت النوافذ وتناثرت الحجارة والأتربة في الهواء. كانت أخت خالد في حالة من الذهول، لا تستطيع التفكير بوضوح، ولكنها استجمعت قواها حين سمعت صوت خالد على الهاتف، يتساءل بلهفة: "هل حصلك شيء؟". كان صوته مليئًا بالخوف والقلق، كأنما يصرخ عبر الخط.
أجابته بسرعة: "لا، أنا بخير"، لكنها كانت تشعر بأن الأرض تهتز تحت قدميها. ولم يهدأ خالد، بل قال لها بصوت متوتر: "أخرجي من الكلية حالًا، واخرجي مع الطلاب قدر الإمكان!". قالت له، بينما كان قلبها يخفق بشدة: "حسنًا". كان الألم في قلبها يتضاعف مع كل لحظة تمر.
وفعلاً، بدأت أخت خالد في الخروج مع الطلاب، لكن مشهد الدمار كان لا يُصدق. المباني من حولهم تتفجر واحدًا تلو الآخر. كان الهواء مليئًا بالضباب الكثيف، ورائحة متعفنة تملأ أنفاسها. الحجارة والنحاس والحديد كانت تتناثر حولهم بشكل مرعب. كان المكان فوضويًا، والكثير من الطلاب يركضون في كل اتجاه، عيونهم مليئة بالذعر.
عندما خرجوا أخيرًا من الكلية، اكتشفوا أن المبنى قد تفجر بالكامل، وأن هناك إصابات عديدة وعشر جثث بين الطلاب. المشهد كان مرعبًا لدرجة أن الكلمات لم تكن كافية لوصف ما يحدث. كان الخوف يسيطر على الجميع، لكن فجأة، سمعوا صوت ضحكة شريرة من المجرم وراء الكارثة. ضحكة خبيثة مرعبة، وهو يهمس لنفسه: "الآن، يوريني ردة فعله، ماذا سيحصل؟".
ثم، في لحظة مرعبة أخرى، فجّر ثلاث مباني بالقرب من المدرسة. تصاعدت الجثث والدماء، والدمار كان شاملاً. كانت الأضواء الخافتة تُضيء المشهد المروع بينما كان الطلاب يركضون بقلوب محطمة، يدركون أن عليهم الفرار فورًا قبل أن يسقط المزيد من الضحايا.
وبعد معاناة شديدة من القلق والخوف، تمكنوا أخيرًا من الهروب والنجاة من هذا الجحيم. لكن قلب أخت خالد كان مليئًا بالمشاعر المتضاربة، تتساءل في ذهنها عن مصير كل من بقي خلفهم.
انتهى الجزء الخامس.
الجزء السادس
بعد أن ابتعدوا عن مبنى الكلية لعدة كيلومترات، هرع خالد نحو شقيقته، وضع يده على رأسها متوترًا وسألها بقلق:
— هل أنتِ بخير؟
نظرت إليه بعينين مرهقتين، أومأت برأسها ببطء، ثم قالت بصوت خافت، يكاد يختفي وسط ضجيج أفكارها:
— نعم... أنا بخير... الجميع بخير، باستثناء عشرة طلاب لم نتمكن من إخراجهم...
التفت خالد إلى الخلف، فرأى مشهدًا مروعًا؛ جثث متناثرة، دماء تسيل على الأرض، وحطام يملأ المكان. الصخور والحديد والأشلاء متناثرة في كل اتجاه، وكأن الأرض قد تحولت إلى ساحة حرب. شعر بثقل المشهد يجثم على صدره، سقط على ركبتيه، قبض على الأرض بقوة، وضربها بقبضته مرارًا وهو يتمتم بين شهقاته المتقطعة:
— أيها الوغد... أيها الوغد...
لكن فجأة، شعر بجسد قوي يندفع نحوه، يدفعه بقوة بعيدًا! لم يستوعب ما حدث إلا عندما وجد نفسه على الأرض مع شقيقته، بينما ياسين يصرخ متألمًا، يمسك بفخذه التي اخترقتها رصاصة!
ارتفع صوت هدير مرعب في السماء، رفع خالد رأسه ليرى طائرة قتالية تحلق فوقهم، مدفع رشاش يدور بجنون، يطلق الرصاص بعشوائية، يحصد كل شيء في طريقه.
تسارعت أنفاس خالد، وقلبه ينبض بجنون، بينما كانت أخته تتشبث بيده، جسدها يرتجف هلعًا. نظر إلى ياسين، الذي كان وجهه شاحبًا، يتصبب عرقًا، لكنه رغم الألم حاول كتم أنينه. ثم عاد بنظره إلى السماء، إلى تلك الآلة التي تنشر الموت، وأدرك أن الكابوس لم ينتهِ بعد...
أنتهي الجزء السادس
أدهم أمير