بصمات علي الجريمة الجزء الأول

بصمات علي الجريمة الجزء الأول

25 0

الجزء السابع عشر

لكن خالد وياسين لم يهتما، بل تبادلا نظرات حادة مليئة بالتحدي، ثم ابتسما بثقة وهما يضعان أيديهما على قلوبهما. فجأة، رن هاتف خالد، وكانت المتصلة مروى.

أجاب قائلًا: "السلام عليكم، كيف حالكِ يا مروى؟"

ردت بصوت جاد: "الحمد لله، لدي خبران، واحد جيد والآخر سيئ."

قال خالد باهتمام: "أنا أسمعكِ، أخبريني."

تنهدت قليلًا قبل أن تقول: "الخبر الجيد أننا شرحنا الجثة، ووجدنا بداخلها المواد المخدرة والإبر التي أخبرتني عنها."

ارتسمت ابتسامة واثقة على وجه خالد وقال: "بالطبع، كنت متأكدًا من ذلك."

لكن صوتها انخفض قليلًا وهي تضيف: "أما الخبر السيئ... فهو أن رئيس هذا المستشفى أحد قادة المنظمة!"

اتسعت عينا خالد بصدمة، وتجمدت أنفاسه لوهلة قبل أن يتمتم: "هل هذا حقيقي؟ كيف عرفتِ؟"

قالت بحذر: "بحثت في معلومات خاصة بالمنظمة، وجدت أنهم تركوا بعض البيانات منشورة على صفحاتهم السرية، ومن خلالها اكتشفت أن رئيس المستشفى هو أحد قادتهم!"

أبعد خالد الهاتف عن أذنه ببطء، وهو لا يزال في حالة ذهول. للحظات، شعر أن الغرفة تضيق من حوله، وأنفاسه تتسارع. رفع رأسه وحدّق في الأفق، لكن ما رآه جعله يشعر برعب حقيقي...

المستشفى بأكمله كان مغلقًا بالحديد والنحاس، وكأنه تحوّل إلى سجن ضخم. فجأة، دوّت انفجارات عنيفة في الحدائق والمباني المجاورة، وصرخات الأبرياء ملأت الأرجاء. تصاعد الدخان في السماء، وتناثرت الشظايا في كل مكان، بينما انتشر أفراد المنظمة يقتلون بلا شفقة، ناشرين الفوضى والرعب.

وسط هذا الدمار، وقعت عينا خالد على أحد أفراد المنظمة وهو يمسك برجل بريء، يقيّده بقسوة، ثم يرفع سكينًا حادة. تجمدت أنفاس خالد، واشتد غضبه، قبض على يديه بقوة، وعيناه تشتعلان بنار الانتقام وهو يصرخ: "أوغاد... لن تفلتوا بفعلتكم!"

وفي تلك اللحظة، ارتفع صوت ضحكات هستيرية. التفت خالد ليجد رئيس المستشفى يضحك بجنون، وعيناه تلمعان بالشر وهو يقول: "كنت أعرف منذ البداية أنكم من الشرطة، وأنكم تخططون للإيقاع بنا!"

قبل أن يتمكن خالد من الرد، ظهرت طائرة من الأعلى، وأطلقت وابلًا من الرصاص والصواريخ في كل الاتجاهات. اهتزت الأرض، واشتعلت النيران، وانقلب المكان إلى فوضى عارمة.

بسرعة، اندفع خالد نحو ياسين والبنات، دافعًا إياهم إلى منطقة أكثر أمانًا. حاول ياسين البقاء معه، لكن خالد أمسكه بقوة وقال بصوت صارم، رغم أن عيناه كانتا تحملان شيئًا آخر: "ياسين، عليك أن تعتني بالبنات، هذا أمر!"

نظر إليه ياسين بتردد، وكأنه يدرك أن هناك شيئًا غير طبيعي في نبرة خالد. لكنه أدرك أنه لا وقت للاعتراض. في اللحظة التالية، اختفى خالد وسط الدخان والضباب، وكأنه لم يكن معهم من الأساس.

وفي مكانه، لم يتبقَ سوى صدى ضحكته الهستيرية، وهو يقول بصوت منخفض لكنه ممتلئ بالتحدي: "هل تظن أنني لم أخطط لكل هذا يا رئيس المستشفى؟!"

انتهى الجزء السابع عشر.

الجزء الثامن عشر

وقف رئيس المستشفى مذهولًا، يده ترتعش بشدة، وعيناه متسعتان من شدة الصدمة. كان يحاول الكلام، لكن الخوف شلّ لسانه، ولم يستطع سوى ترديد كلماته بصعوبة.

قال خالد بصوت بارد وحازم: — انظر إلى المستشفى الآن.

التفت رئيس المستشفى ببطء، ليجد أن الفوضى قد عمّت المكان. القنابل تنفجر واحدة تلو الأخرى بلا رحمة، ألسنة اللهب تتصاعد، والدخان يغطي الأرجاء. لم يتبقَ أثر للأطباء الأبرياء أو المرضى، أما أعضاء المنظمة فقد احترقوا أو دُفنوا تحت الركام المتساقط.

نظر إلى خالد بعينين مرتعبتين، وصوته يخرج متقطعًا: — ماذا تريد الآن؟

ضحك خالد بسخرية وقال: — هل ستتركنا نرحل الآن؟ أم أنك تفضل الموت مع من تبقى من رجالك؟

رغم الرعب الذي يسيطر عليه، حاول رئيس المستشفى التظاهر بالقوة، فأطلق ضحكة باهتة وقال: — مستحيل!

ابتسم خالد ببرود وقال: — كما تريد.

أخرج مجموعة من الأسلحة من جيبه وحقيبته، وبدأ بإطلاق وابل من الرصاص على الطائرات التي تحلق فوق المكان. كانت إصاباته دقيقة، فسقطت الطائرات واحدة تلو الأخرى، وانفجرت عند ارتطامها بالأرض، مما زاد النيران اشتعالًا، وغرق المكان أكثر في الدمار.

أمسك خالد بجهاز صغير في يده، وضغط على زر، فانفجرت ثلاث قنابل أخرى داخل المستشفى، مما زاد حجم الكارثة. لم يتبقَ سوى عدد قليل من أعضاء المنظمة، بعضهم احترق وسط النيران، وآخرون سقطوا تحت الأنقاض.

لكن خالد لم يكتفِ بذلك، بل أخرج جهازين آخرين وضغط عليهما دفعة واحدة، ليهتز المكان بسلسلة جديدة من الانفجارات. خمس قنابل أخرى جعلت المستشفى بأكملها تتحول إلى أنقاض مشتعلة، لم يبقَ سوى الدخان الكثيف والجثث المتفحمة.

الآن، لم يتبقَ سوى رئيس المستشفى واثنان من رجاله، يقفون وسط الأنقاض، وجوههم مصدومة مما رأوه بأعينهم. لم يمنحهم خالد أي فرصة، وبدأ هو وأتباعه بإطلاق النار عليهم بلا تردد.

كان ياسين والبنات يراقبونه بقلق، خائفين عليه وسط هذا الدمار. فجأة، رفع رئيس المستشفى مسدسه وأطلق ثلاث رصاصات أصابت رجل خالد.

تجمد الجميع للحظة، لكن خالد لم يسقط! رغم الألم، ظل واقفًا بثبات، شعر بلهيب الألم يمزق ساقه، لكنه قبض على سلاحه بإحكام، ثم نظر ببرود إلى رئيس المستشفى وكأنه لم يتأثر، وأطلق عليه رصاصات قاتلة، قبل أن يضغط على زر جديد في جهازه، لينفجر المكان بانفجار مدوٍ أخير.

تحولت المستشفى إلى أنقاض مشتعلة، لم يعد هناك شيء سوى ألسنة اللهب، والركام المتناثر، والجثث المتفحمة. وقف خالد يراقب المشهد للحظات، ثم قال بصوت ثابت قبل أن يستدير: — لا تستهين بذكائي أبدًا.

ثم غادر مع أتباعه، تاركًا رئيس المستشفى ورجاله يواجهون مصيرهم وسط النيران والدمار.

بعدما ابتعدوا عن المكان، التفت خالد إلى ياسين وزوجته وأخته وقال: — هيّا، لنذهب إلى مقر الشرطة الآن.

لكن وردة قاطعته قائلة: — يجب أن نأخذ الجثث معنا، علينا تشريحها لمعرفة المزيد عن المنظمة.

أومأت زهرة موافقة: — أجل، لا يمكن تركها هنا، يجب أن نفحصها قبل أن تتلف أكثر.

نظر ياسين إلى خالد وقال: — أتفق معهما، علينا فعل ذلك.

تنهد خالد وقال بحزم: — حسنًا، سنأخذها معنا، استعدوا لتحميلها في السيارة.

ابتسمت وردة بامتنان وقالت: — شكرًا لك، لقد أنقذتنا حقًا.

نظرت زهرة إلى خالد وقالت بصوت صادق: — أنا ممتنة لك جدًا.

ضحك ياسين وربت على كتف خالد قائلاً: — هكذا أنت دائمًا، لا تتغير أبدًا.

صعدوا إلى السيارة بعد أن جهزوا الجثث، وانطلقوا نحو مقر الشرطة. طوال الطريق، كانوا يتحدثون عن الخطوة القادمة، بينما التعب يسيطر عليهم جميعًا.

بعد مرور ساعة، وصلوا أخيرًا إلى مقر الشرطة، دخلوه وبدأوا العمل من جديد، رغم الإرهاق الشديد الذي أصابهم...

نظر خالد إلى الأنقاض خلفه، ثم زفر ببطء قبل أن يقول: — هذه ليست النهاية بعد…

نهاية الجزء الثامن عشر.

الجزء التاسع عشر

بينما كانوا جالسين في قسم الشرطة، كان الجو مشحونًا بالترقب، وكأن الجميع ينتظر وقوع شيء غير متوقع. فجأة، كسر صوت رنين الهاتف هذا السكون، فالتفت الجميع نحو خالد بترقب. أخرج هاتفه بسرعة، نظر إلى الشاشة لثوانٍ، ثم أجاب بلهجة حذرة. جاءه صوت مرتجف، يحمل رعبًا واضحًا:

— أرجوكم، ساعدوني! زوجتي قُتلت بطريقة مروعة، والمجرم لم يترك أي أثر! الجدران مغطاة بالدماء، وهناك رصاصة مستقرة في قلبها، لكنني لم ألمسها حتى يأتي المحققون!

انعقد حاجبا خالد بقلق، وتبادل نظرات سريعة مع ياسين، ثم شدّ قبضته على الهاتف وسأل بجدية:

— متى حدثت الجريمة؟

جاءه صوت الرجل متحشرجًا، وكأن الكلمات تخرج بصعوبة من فمه:

— الساعة الثانية عشرة ليلًا… حينما عدت بعد نصف ساعة فقط من مغادرتي، وجدتها مقتولة بهذه الطريقة!

اتسعت عينا خالد بصدمة، وأحس بتوتر غريب يتسلل إلى عقله. ثلاثون دقيقة فقط، ولم يلحظ أحد شيئًا؟ هذا غير طبيعي.

قال بسرعة:

— حسنًا، سنأتي إليك حالًا، أنا والمحقق ياسين.

لم يستطع الرجل سوى أن يكرر بكاءه قائلاً بصوت مخنوق:

— شكرًا لكم، أنا ممتن لك أيها الضابط!

لكن قبل أن يتمكن خالد من إضافة أي كلمة أخرى، قُطعت المكالمة فجأة، وكأن الرجل كان في عجلة من أمره، أو ربما… كان هناك شيء يخشاه.

خفض خالد الهاتف ببطء، التفت إلى ياسين بعينين تعكسان خطورة الموقف، قبل أن يقول بحزم:

— لدينا مهمة جديدة، هيّا بنا!

تحركا بسرعة نحو السيارة، وما إن صعدا حتى أدار خالد المحرك، وانطلق بأقصى سرعة. كانت الطرق تمر من حولهم كظلال باهتة تحت أضواء الشارع، بينما استند ياسين إلى الكرسي، شارد الذهن، قبل أن يتمتم بتفكير عميق:

— كيف تمكن القاتل من تنفيذ الجريمة في نصف ساعة فقط دون أن يلاحظه أحد؟

كان خالد يقود بسرعة وثقة، لكنه لم يُبعد عينيه عن الطريق وهو يجيب بنبرة حذرة:

— لا أعلم، لكن هذا يجعلني أشك في أن القاتل محترف… وربما يكون أحد أعضاء المنظمة.

ساد الصمت، لكن هذه المرة كان صمتًا مشحونًا بالاحتمالات. كان هناك شيء غير مريح يلوح في الأفق، شعور خفي بأنهم على وشك الدخول في لغز أكثر تعقيدًا مما توقعوا.

وأخيرًا، ظهرت القرية أمامهم.

كانت قرية هادئة، لكن ليس الهدوء المعتاد، بل ذلك النوع من السكون الذي يُشعرك وكأن العالم توقف لوهلة. الأشجار الطويلة تحيط بالمكان كأنها جدران طبيعية، تتمايل مع نسمات الليل الخفيفة. كانت المنازل متوسطة الحجم، بعضها مكون من طابق واحد، وبعضها الآخر من طابقين، لكنها بدت خالية من الحياة، رغم الأضواء الخافتة التي تنبعث من بعض النوافذ.

كان الطريق الترابي المؤدي إلى المنزل الذي وقعت فيه الجريمة مهجورًا تمامًا، لا أحد يسير في الشوارع، ولا حتى صوت كلب ينبح في المسافة. هذا الهدوء المريب جعل ياسين يتمتم:

— هناك شيء غريب في هذه القرية…

عند مدخل أحد المنازل، تحت ضوء مصباح خافت بالكاد يضيء، وقف رجل يلوّح لهم بيد مرتجفة. كان يتلفت بين الحين والآخر، وكأنه يخشى أن يكون مراقبًا. عندما توقفت السيارة أمامه، اندفع بخطوات مترددة نحوهم، وعيناه تحملان مزيجًا من القلق والرهبة.

— مرحبًا بكم، لقد نوّرتم المكان!

كان صوته يحمل ارتباكًا واضحًا، وكأن جزءًا منه لا يزال غير مصدق بوجودهم هنا.

أجابه خالد بابتسامة قصيرة وهو يترجل من السيارة:

— النور نورك.

لكن ياسين، الذي كان يشعر بتوتر واضح، قال مباشرةً بنبرة جادة وهو يتفحص الرجل بعينين حادتين:

— يا عم الحج، هل يمكننا الدخول ومعاينة مسرح الجريمة؟

هز الرجل رأسه سريعًا، ثم أشار لهم بالدخول قائلاً بصوت منخفض، وكأنه يخشى أن يسمعه أحد:

— بالطبع، تفضلوا.

كانت خطواته ثقيلة، تضرب الأرض بقوة، وكأنه معتاد على حمل ثقل ما على كاهله. كان في الأربعينات من عمره، ذا ملامح حادة توحي بالصلابة، لكن عيناه البنيتان كانتا تحملان إرهاقًا وكأنهما لم تعرفا النوم منذ زمن.

لكن أكثر ما لفت انتباه خالد وياسين… كان لون شعره.

كان خليطًا غريبًا بين الأصفر والأخضر، وكأنه لون غير طبيعي، لم يكن واضحًا ما إذا كان هذا مظهرًا دائمًا أم ناتجًا عن شيء آخر.

في يده، كان يمسك بعصا خشبية غليظة، يضرب بها الأرض بين الحين والآخر، ليس بعشوائية، بل بإيقاع ثابت، كما لو كان هذا الفعل جزءًا من طبيعته… أو ربما وسيلة لإخفاء توتره.

عند العتبة، وقف للحظة قبل أن يفتح الباب. كانت يده ترتجف قليلاً، لكنه أخفى ذلك بحركة سريعة وهو يدفع الباب ببطء.

في اللحظة التي فتح فيها، خرجت موجة من الهواء البارد من الداخل، رغم أن الجو لم يكن باردًا بالخارج. تبادل خالد وياسين نظرات حذرة، ثم تقدما ببطء إلى الداخل.

رائحة غريبة استقبلتهم، ليست فقط رائحة الدم… بل شيء آخر. مزيج بين عفن خفيف ورائحة معدنية نفاذة.

وقف الرجل عند الباب، لم يدخل معهم، فقط أشار بيده قائلاً بصوت شبه هامس:

— هنا… وقعت الجريمة.

ألقى ياسين نظرة سريعة على المكان، ثم نظر إلى خالد وقال بصوت منخفض:

— هناك شيء غير طبيعي هنا… أشعر بأننا دخلنا إلى فخ.

انتهى الجزء التاسع عشر.

الجزء العشرون

دخل خالد وياسين إلى البيت، فوجدوا الدماء تلطّخ الجدران، بل كانت تتناثر بطريقة عشوائية وكأنها رسمت مشهدًا فوضويًا مرعبًا. الرائحة كانت خانقة، مزيجًا من الدماء المتخثرة ورائحة عفن غامضة، مما جعل الهواء في المكان مشبعًا بالكآبة.

كانت العبارات المكتوبة على الجدران تزيد المشهد رهبة: "أغبياء! لن تعرفوا من الذي قتلها!" و"أنتم لستم أذكياء لهذه الدرجة!" بدت الكلمات كأنها كتبت بعجلة، بحروف متعرجة وعشوائية، مما يعكس ارتباكًا مقصودًا أو ربما متعمدًا لإيصال رسالة نفسية تهديدية.

ضغط خالد على أسنانه، وأحسّ بالغضب يتصاعد داخله، لكنه سرعان ما تمالك نفسه. التفت إلى الرجل العجوز وحاول أن يطمئنه بابتسامة خفيفة، قبل أن يقول بصوت هادئ لكنه يحمل في طياته الكثير من الجدية: — "يا عم الحج، هل يمكنني الدخول للتحقيق في الجثة ومكان الجريمة؟"

أومأ الرجل موافقًا، وهو لا يزال يرتجف قليلًا، وقال بصوت خافت: — "بالطبع، يا بني... افعل ما يلزم."

عندما دخل خالد إلى الغرفة، كان المشهد أكثر بشاعة. الدماء لم تكن فقط على الجدران، بل غمرت الأرضية في بقع متفرقة، وبعضها قد تجمّد في زوايا الغرفة. الجثة كانت ملقاة على الأرض في وضعية غير طبيعية، وكأنها سقطت فجأة دون أي محاولة للمقاومة. كانت امرأة في الثلاثينات من عمرها، ملامحها مشدودة وكأنها تجمدت في لحظة صدمة أخيرة.

انحنى خالد ببطء ليفحصها، ولاحظ وجود رصاصة مستقرة بجوارها. التقطها بعناية مستخدمًا ملقطًا، ووضعها في كيس بلاستيكي شفاف كان قد جهزه مسبقًا. ثم تابع تفتيش المكان، عينيه تبحثان بدقة عن أي دليل إضافي.

وبينما كان يتفقد النافذة، لمح شيئًا أسود لامعًا خلفها. مدّ يده بحذر والتقطه... كان مسدسًا كاتمًا للصوت. تأمله قليلًا، ثم نظر إلى ياسين وقال بصوت ثابت: — "هذا المسدس كاتم للصوت... القاتل نفذ الجريمة دون أن يسمعه أحد وهرب بسرعة!"

صمت خالد للحظات وهو يربط الأحداث في ذهنه، ثم أخذ نفسًا عميقًا وقال بثقة: — "هذا ليس مجرد قتل عشوائي... انظر إلى هذا الكيس الشفاف، إنه يحتوي على مسحوق مخدر، مما يعني أن الضحية فقدت وعيها فور استنشاقه. ثم أُطلق عليها الرصاص دون أي مقاومة. الكتابات الدموية على الجدران ليست مجرد عبث، بل هي رسالة واضحة بأن القاتل ينتمي إلى المنظمة ويحاول استفزازنا عمدًا."

نظر إلى الرجل العجوز بعينين جادتين وأردف: — "عليك أن تحترس جيدًا هذه الأيام، يا عم الحج! سنبقى معك حتى تصل مجموعة من الشرطة لحمايتك."

اتسعت عينا الرجل بصدمة، وارتفع صوته بقلق واضح: — "لماذا كل هذا يا بني؟ هل هناك خطر عليّ؟"

وقبل أن يجيبه خالد، اخترق صوت إطلاق نار مفاجئ سكون المكان!

قفز خالد وياسين بسرعة إلى الخارج، ليجدا الشرطة قد وصلت بالفعل، لكنهم لم يكونوا مصدر إطلاق النار. التفت خالد بسرعة إلى الضباط وقال بصوت جاد: — "احرصوا على حماية عم الحج جيدًا!"

ثم اندفع مع ياسين نحو مصدر إطلاق النار، وقلبه ينبض بسرعة. عندما وصلا، وجدوا رجلًا يرتدي معطفًا طويلًا، يحمل مسدسًا وقد أطلق النار على فتاة قبل أن يلوذ بالفرار. لحسن الحظ، لم يكن يرتدي قناعًا، مما جعل ملامحه واضحة تمامًا؛ كان شابًا في الثلاثينات، بملامح قاسية ولحية خفيفة، وعينين تضجان بالخبث واللامبالاة.

اقترب خالد بسرعة من الفتاة التي كانت تتأوه ألمًا، فوجدها مصابة برصاصة في الكتف وأخرى في الرجل. الدم كان يسيل بغزارة من جراحها، وملامحها شاحبة من شدة الألم.

صرخ خالد بقوة: — "بسرعة! خذوها إلى المستشفى!"

لم يتردد أحد الرجال في القرية، فحملها على الفور ووضعها في سيارته، ثم انطلق بها نحو المستشفى بأقصى سرعة.

في هذه الأثناء، استدار خالد إلى ياسين بسرعة، وقال وهو يركض نحو سيارته: — "لن ندع هذا القاتل يهرب بسهولة!"

ركبا السيارة وانطلقا بسرعة في اتجاه مركز الشرطة، والقلق لا يزال يسيطر على الأجواء. أثناء القيادة، نظر ياسين إلى خالد بانبهار، وقال بجدية: — "كيف عرفت كل هذه التفاصيل بهذه السرعة؟"

ابتسم خالد ابتسامة خفيفة وهو لا يزال يركز على الطريق، ثم قال بثقة: — "الأمر بسيط! لقد رأيت هذا الكيس الشفاف من قبل مع أحد مجرمي المنظمة، والمسدس كاتم الصوت هو أسلوبهم المعتاد. بالإضافة إلى الكتابات الدموية التي تتركها المنظمة دائمًا كنوع من التحدي والاستفزاز، كل هذا يثبت أنهم وراء الحادث!"

نظر ياسين إليه بإعجاب، وقال وهو يهز رأسه بابتسامة: — "أنت عبقري، خالد!"

اكتفى خالد بابتسامة صامتة، بينما كان عقله لا يزال يحلل الأحداث، مستعدًا للخطوة التالية في التحقيق.

انتهى الجزء العشرون.

الجزء الواحد والعشرون

بينما كان خالد وياسين يقودان السيارة بسرعة، سمعا فجأة أصوات انفجارات شديدة وضرب نار كثيف على الحدود الم.ص.ري.ة، تردد صدى الطلقات المتتالية في الأفق، وكأن معركة ضارية قد اشتعلت فجأة. أصوات المدافع الثقيلة والأسلحة المتنوعة ملأت الأجواء، وفي لحظة، شاهدا عبر نافذة السيارة صاروخًا يدويًا يُطلق في الهواء قبل أن ينفجر محدثًا دخانًا كثيفًا غطى السماء بلون رمادي قاتم.

ارتجفت أيديهما على المقود، وبدأ قلباهما ينبضان بعنف. لم يصدقا أن الأمور خرجت عن السيطرة بهذه السرعة. تبادلا النظرات المصدومة، وكان التوتر يخنقهما. هل يعقل أن الأعداء هاجموا بهذه القوة الهائلة في وقت قصير؟ شعور مختلط بين الخوف والغضب اجتاحهما، لكن لم يكن هناك وقت للتفكير.

داس ياسين على دواسة الوقود حتى لامست الأرض تقريبًا، وانطلقت السيارة بأقصى سرعة نحو موقع المعركة. كان الطريق محفوفًا بالمخاطر، فالقنابل المزروعة على جانبي الطريق كانت كثيرة بشكل مرعب، أي خطأ بسيط قد يكلفهما حياتهما. عيونهما كانت تراقب الطريق بحذر، يتفادون الانفجارات التي تشتعل في كل مكان حولهم، بينما الدخان الكثيف كان يحجب الرؤية أحيانًا. لكن رغم كل ذلك، واصلا التقدم، كأنما كانا يسابقان الزمن للوصول إلى هناك قبل فوات الأوان.

---

في الجانب الآخر، كان الجيش ال.م.ص.ري يقاتل بضراوة، الجنود يتمسكون بمواقعهم رغم قوة الهجوم المعادي. أصوات الرشاشات الثقيلة كانت تملأ الهواء، والرصاص يتطاير في كل اتجاه. الدبابات والمدافع كانت تقصف مواقع الأعداء بقوة، لكن الأعداء كانوا مستعدين تمامًا، يردون الهجوم بهجمات مكثفة، مستخدمين صواريخ يدوية وأسلحة حديثة قاتلة.

في لحظات معدودة، سقط أكثر من عشرة جنود م.ص.ري.ين، بينما أصيب آخرون بجروح خطيرة. لكن الجنود لم يسمحوا للخوف أن يتملكهم، بل على العكس، أدركوا أن عليهم استغلال اللحظة المناسبة. فقاموا بإلقاء كميات هائلة من القنابل في محيط الأعداء، مما أدى إلى خلق دخان كثيف ونيران مشتعلة، أجبرت العدو على التراجع بشكل مؤقت.

وسط الدخان، نظر الجنود إلى قائدهم، عيونهم تنتظر أوامره الحاسمة. لم يكن هناك وقت للانتظار، فقال بصوت صارم:

"جهّزوا جميع المدافع والصواريخ... لن نسمح لهم بالتقدم أكثر!"

تسابق الجنود إلى مواقعهم، كل منهم وقف خلف مدفع أو صاروخ، الأوامر كانت واضحة، والوقت كان حاسمًا. في ثوانٍ، بدأ الجميع الاستعداد للهجوم المضاد، الجنود يثبتون أسلحتهم، يملؤون المدافع بالذخيرة، والقادة يراجعون الخطة بسرعة.

لكن لم يكن الأعداء ينتظرون بصمت.

فجأة، وبينما كان الدخان ينقشع تدريجيًا، انطلقت ضحكات هستيرية من صفوف العدو، ضحكات مشبعة بالغرور والثقة المفرطة، وكأنهم واثقون من نصرهم. ثم دون سابق إنذار، بدأوا بإطلاق وابل من الرصاص من المدافع الثقيلة والأسلحة الآلية، تبعتها موجة من الصواريخ اليدوية، التي انفجرت وسط مواقع الجيش الم.ص.ري، محدثة دمارًا هائلًا.

في لحظات، اهتزت الأرض تحت أقدام الجنود، وتصاعدت ألسنة اللهب من المدافع التي أصابتها الانفجارات. سقط المزيد من الجنود، بعضهم استشهد على الفور، بينما أصيب خمسة آخرون بجروح خطيرة في نفس اللحظة. كان المشهد مرعبًا، النار تشتعل في المعدات، والدخان الأسود يملأ السماء، والهواء أصبح ثقيلًا برائحة البارود والموت.

لكن رغم ذلك، لم يتراجع الجنود.

بأصوات مزلزلة، صاحوا جميعًا في نفس اللحظة: "اضربواااا!!"

وفي لمح البصر، انطلقت المدافع الم.ص.ري.ة بكل قوتها، عشرات القذائف اندفعت في الهواء كالعاصفة، لتسقط وسط صفوف الأعداء بضربات متتالية ومدمرة. انفجارات ضخمة هزت المكان، والدخان الكثيف عاد ليملأ الأفق، لكن هذه المرة، لم يكن لصالح العدو.

النيران التهمت العديد من مواقعهم، والجثث بدأت تتساقط بين صفوفهم، الفوضى اجتاحتهم بالكامل. لم يكن يتوقعون هذه الضربة القوية، والتي جاءت في اللحظة الحاسمة.

كانت المعركة ما زالت في أوجها، لكن شيء واحد كان واضحًا... الجنود المصريون لن يستسلموا بهذه السهولة.

---

انتهى الجزء الواحد والعشرون

الجزء الثاني والعشرون

وسط الدخان الكثيف وألسنة اللهب المتصاعدة، وقف القائد الم.ص.ري، عينيه مشتعلة بالحزم، وصوته يعلو فوق هدير المدافع:

"جهّزوا الدبابات فورًا! لا مجال للتراجع!"

تحرك الجنود بسرعة وكفاءة، وكأنهم آلة قتالية لا تعرف التوقف. انطلقوا نحو الدبابات، ملأوا خزائنها بالقذائف، وشحنوا الأسلحة بالذخيرة، وركب كل جندي موقعه بإحكام. خلال لحظات، اصطفّت الدبابات في الخط الأول، خلفها المدافع الثقيلة في الخط الثاني، ثم الجنود بأسلحتهم في الصف الثالث.

لم يتوقع الأعداء هذه السرعة في التحرك، أصابتهم الصدمة للحظات، لكنهم لم يتراجعوا. على الفور، بدأوا وابلًا من النيران، وأطلقوا ضربات متتالية نحو الجيش الم.ص.ري. القذائف الثقيلة والرصاص الغزير انهمر كالمطر، ليُسقط عشرة جنود آخرين، ويدمر ثلاث دبابات، وخمس مدافع. بدا وكأن العدو يحاول كسر عزيمة الجيش المصري بضرباته المتوحشة.

ولكن... الجيش الم.ص.ري لا يعرف الاستسلام.

بإشارة من القائد، انطلقت قذائف الدبابات في نفس اللحظة، أحدثت انفجارات مزلزلة، وتحول ساحة المعركة إلى جحيم مشتعل. صرخات الأعداء امتزجت بأصوات الدمار، عشرات منهم سقطوا في لحظة، ومعدّاتهم بدأت تتهاوى. المدافع الم.ص.ري.ة لم ترحم أحدًا، دمرت معظم مدافع العدو، وأحرقت دباباتهم، وأسقطت عشرين مقاتلًا منهم.

نظر الأعداء حولهم بذهول، رأوا النيران تلتهم معداتهم، والدخان يحيط بهم من كل جانب، أصابتهم الفوضى والرعب. كان المشهد أشبه بمجزرة، جثث ودمار، ولا سبيل للنجاة. وسط هذه الفوضى، صاح قائدهم محاولًا إعطاء الأوامر:

"انسحبوا فورًا...!"

لكنه لم يستطع إكمال جملته.

عيونه اتسعت رعبًا، فقد رأى ما لم يكن في حسبانه—من خلفهم، كان جيش م.ص.ري آخر يتقدم بسرعة، وجنوده يحملون أسلحة مشتعلة، وكأنهم جاؤوا من قلب الجحيم. في لحظة، انطلقت ألسنة اللهب من أسلحتهم، اجتاحت الأعداء، لتسقط عشرة آخرين محترقين في أماكنهم.

لم ينتهِ الأمر بعد.

بدأت الدبابات الم.ص.ري.ة مجددًا بإطلاق القذائف، والمدافع قصفت بلا رحمة، والقنابل انهمرت على مواقع العدو، لم تُترك لهم أي فرصة للرد. خلال دقائق، انتهى كل شيء... تحولت ساحة المعركة إلى ركام محترق، وجثث متناثرة، وأسلحة مدمرة.

وقف الجنود الم.ص.ري.ون في ساحة الانتصار، يبتسمون بفخر، وصدحت أصواتهم عاليًا:

"لا تستهينوا بم.ص.ر يا أوغاد!"

---

على الجانب الآخر، كان خالد وياسين في طريق العودة إلى قسم الشرطة. من نافذة السيارة، نظر خالد إلى السماء، رأى الدخان يتلاشى شيئًا فشيئًا، وكأن المعركة بدأت تودّعهم.

تنهد بعمق، ثم تساءل في نفسه:

"متى ستنتهي هذه الحرب؟ متى ستُهزم هذه المنظمة الشريرة؟ متى يعود السلام إلينا وإلى البلاد العربية؟"

لكن وسط هذه الأفكار، كان هناك يقين داخلي قوي... "أنا متأكد أننا سنفوز في النهاية."

لاحظ ياسين شروده، فابتسم وربّت على ذراعه قائلاً بثقة:

"لا تحزن يا صديقي. هذه الحرب ستنتهي قريبًا بإذن الله. ما دمنا نحارب من أجل ديننا، من أجل الإسلام، ومن أجل بلادنا العربية... فلا تقلق أبدًا، النصر سيكون لنا."

نظر إليه خالد وابتسم، ثم تابع القيادة، بينما كانت الشمس تشرق من جديد، كأنها تُعلن قدوم يوم جديد... يوم يحمل معه الأمل والنصر.

---

انتهى الجزء الثاني والعشرون

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بصمات علي الجريمة الجزء الأول

المؤلف أدهم أمير
2025/10/24 مستمرة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة