في مملكة مترامية الأطراف تُعد مِن أقوى الممالك على الأرض، تأخذ شكل نصف دائرة وتُحيطها أسوار سوداء شاسعة الإرتفاع تحجُب رؤية ما خلفها ويستحيل المرور مِن فوقها ويبقى أقوى السحرة وأعتاهم عاجزين عَن إلقاء لعناتهم عليها، إضافة إلى ذلك تملك المملكة بوابتين ضخمتين إحداهما في الشمال والأخرى في الجنوب، يتوسط المملكة قصر ضخم مطلي باللون الأسود مِن الخارج وكذلك مِن الداخل، تطغو الظُلمة على المكان وكأن أشعة الشمس لم تصل إليه قط! في إحدى الغرف والتي كانت الأكثر قتامة في القصر وقف أمام مرآته يُصفف شعره شديد السواد-ككل ما في المكان-بعناية وهو يحدق في انعكاسه بابتسامة تكاد العين أن تراها، لا يضيء المكان سوى خمسة شموع تم توزيعها في أركان الغرفة، كان كل شيء مظلمًا ومخيفًا وكئيبًا؛ حيثُ تفوقوا في ظلمتهم على مصاصي الدماء! أثناء انشغاله لم يسمع صوت طرقات -أو ربما تجاهلها عَن عمد-الباب التي ما إن انقطعت حتى فُتح الباب ودلف شاب يبدو أنه في منتصف العشرينات مِن العُمر يماثل الآخر سنًا، له شعر بُني طويل وعينان بنيتان ووجهٌ ذو تعابير هادئة، صاحب طول فارع وبنية قوية، ومِن ملابسه ذات اللون الأسود وشارته الحمراء الموضوعة في الجانب الأيمن لدرعه فيبدو أنه ذو مكانة مرموقة في تلك المملكة.. وللدقة كان هذا قائد الجُند، رمق رفيقه المنشغل بتصفيف شعره بحنقٍ جلي، وصاح فيه: - انظروا إلى هذا! أنا أطرُق الباب مُنذ الصباح حتى كاد يتحطم في يدي، والسيد ألكسندر يقف أمام مرآته يصفف شعره اللعين! بوجه ذو بشرة شاحبة وشعر أشد سوادًا مِن الليل، وعينان تماثلان شعره في لونهما، وكأنهما لم تريا النور قط، التفت ألكسندر نحو ماريو بوجهٍ خالٍ من التعابير ويحمل اللا مبالاة الشديدة وبهدوء استفز الآخر قال: - ألم أخبرك مئات المرات مِن قبل ألَّا تدلف إلى غرفتي دون أن أسمح لكَ بذلك؟ - أتمزح ألكسندر؟ متى نفذتُ ما تطلبه مني حتى أُنفذهُ الآن؟ ثُم إن خرق أوامركَ مُمتع. قالها بجدية ممتزجة بالمرح فزفر ألكسندر وهو يتناول بيده قفازًا أسودًا بلا أصابع، له خمسة نصول حديدية مُدببة حادة للغاية متفرقه على أطراف القفاز أسفل أصابع اليد، ارتداه وهو يُردف: - صدقني ماريو، يومًا ما سينفذ صبري وستجد نصول قفازي في حلقك تُخرِسكَ للأبد. ابتلع ماريو لعابه وهو يحدق في كفِّي رفيقه ليقول بابتسامة ويختتم جملته بغرور: - ما بِكَ ألكسندر أنتَ تعلم أنني أخرق، ولا تنسى أنَّك لن تستطيع إكمال حياتك بدوني. رفع ألكسندر حاجبه الأيسر وكأنه يقول "حقًا؟" ثم نظر نحو شرفته حيث السماء ليجد أنه لم يعد هناك سوى ساعة واحدة قبل الشروق، عاد بنظره إلى ماريو الذي سأله وهو يغمزه قائلًا بمكر: - إلى أين أيها الوسيم في هذا الوقت وبهذه الأناقة؟ - إلى الجحيم! قال ببرود ليبتسم ماريو مُستفسرًا باستفزاز: - استمتع إذًا، و.. صحيح أهناك جميلات في الجحيم؟ زفر ألكسندر وتجاهله قائلًا: - لن أتأخر سأعودُ قبل شروق الشمس، لكن إن بحث عني أحد فتولى أمره إلى حين عودتي. - أرأيت كم تحتاجني؟ أنا أتستر على غيابك دائمًا! ابتسم ألكسندر مُربتًا على كتف صديقه: - لا أحتاج لإخبارك بمقدار أهمية وجودكَ ماريو، أنتَ الوحيد الذي أثق به، والوحيد الذي لا أريد قتله. ابتسم ماريو وما كاد يُجيب حتى عاد ألكسندر لعبوسه يسأله بسخرية: - كُنتَ تود سماع هذا صحيح؟ غطِّ ظهري ماريو وإلّا قتلتكَ وجعلتُ مِن جسدكَ طعامًا للذئاب! - هيا اذهب حتى لا تتأخر على موعدك. أسرع ماريو يحث ألكسندر على المغادرة، ورغم أسلوب حديثه المُهذب إلّا أن تعابير وجهه كانت توحي بقدر المقت الذي يُكنه إلى ألكسندر، وخلال ثانية رفع ألكسندر سيفه راسمًا دائرة وهمية ليمر خلالها ويختفي مُخلِّفًا وراءه غبارًا أسودًا، حدّق ماريو في أثره مُحدثًا نفسه: - قريبًا سأعلم أين تذهب ألكسندر، أتمنى فقط ألّا تُقحم نفسك في الخطر. *** أمام نهرٍ يتميز بصفاء مياهه وزُرقتها الجميلة ويبقى انعكاس أشعة الشمس على ماء النهر مكونًا زهورًا عسجدية لامعة وخلابة تطفو على سطحه سرًا مِن أسرار ذلك النهر التي لم يستطع أحد التوصل إليها، كما أن ضفتي النهر تزينهما الأزهار العسجدية الجذابة، كان هذا نهر «خريسوس»! جلست هي رافعة رداءها قليلًا عن ساقيها بعدما تجردت مِن حذائها تُمتع قدميها بماء النهر البارد، تُحدق في زُرقة النهر وكأنها تبحث داخل مياهه عَن حل لمشاكلها، شردت ولم تشعُر باقترابه سوى عندما أحاطها بذراعيه مِن خلفها هامسًا في أُذنها وأنفاسه الدافئة تلفح وجهها عكس قلبه البارد كالجليد: - في ماذا شردتِ هذه المرة؟ التفتت إليه لتتسع ابتسامتها وتتورد وجنتاها ذات اللون الحليبي الذي ورثته أبًا عَن جد مُنذ الأزل، تعاتبه بنظراتها قبل كلماتها: - لقد تأخَّرت، ظننتُ أنك لن تأتِ! جلس جوارها يجيب بحُب يفيض مِن عينيه: - وكيف لي أن أُضيع فُرصة لقائكِ بيدي؟ ابتسمت الفتاة بخجل وهي تُعيد شعرها الأبيض المائل للصفرة خلف أُذنها، فابتسم ألكسندر مُردفًا بتساؤل: - أستطعتِ الخروج دون أن يتبعكِ أحد؟ عبست متذمرة: - ألكسندر كُف عن التحدث معي وكأنكَ تُحادث طفلة أو مراهقة خرقاء! لا تنسى مَن أنا، لا أحد يستطيع تتبعي دون علمي. ضحك قائلًا: - أيلين آسبرو أقوى ساحرة في مملكتكِ ووريثة عرش بلادكِ، وأنا ألكسندر ماڤروس وريث عرش مملكتي وأقوى ساحرٍ أسودٍ على الأرض، ولكننا هُنا لسنا في مملكتكِ أو مملكتي، هذه الأرض محايدة؛ ليست ملكًا لأحد، ونحن هُنا لسنا أيًا مِن هذان، أنا هُنا لا أكون سوى ألكسندر، ألكسندر المُتيّم بكِ حتى النُخاع، وأنتِ أيلين فقط، المُحبة لكُل ما هو جميل، وحبيبتي ذات القلب الرقيق، أليس كذلك؟ هزّت رأسها بتأكيد وابتسمت إثر كلماته؛ فنادرًا ما يُخبرها بكونه يُحبها أو يعبر لها عَن مشاعره، عادة ما يلزم الصمت ويكتفي بالجلوس جوارها مُكتفيًا بتأملها بابتسامته الهادئة، قررت أيلين التحدث، فنادت باسمه بنبرة هادئة: - ألكسندر.. - ماذا الآن؟ سأل وهو يعبث في خصلات شعرها مُتأملًا شروق الشمس الذي بدأ: - كُلما تُشرق الشمس يزداد حُبك في قلبي، كزهور العسجد التي تتضاعف أعدادها مع كل بزوغ لذلك النجم المُنير لعالمنا. أمال ألكسندر رأسه واضعًا إياه على رأسها المُستند على كتفه، وتنهد بعمق والإصرار يملأ كلماته: - عقبَ تتويجي ملِكًا سأتزوج بِكِ أيلين، وحينها لن تستطيع أي قوة إبعادكِ عني. تنهدت أيلين تُذكِّره يائسة: - ولكن القوانين و.. - إن لزم الأمر سأضع قوانينًا جديدة وأخطُّها على الجدار العظيم بدماء مَن يُعارضني ويحاول منع اجتماعنا. هكذا قاطعها لتبتلع أيلين لعابها بقلق؛ فها قد عاد ألكسندر لطبيعته؛ هي أكثر مَن تعرف أنه لم يكن يمزح فيما قاله أبدًا، ولم ترَ هي استحالة بياض عينيه للسواد التام حتى أصبحتا كاملتي السواد تعكسا قليلًا مِن ظلمة داخله لبضع ثوانٍ قبل أن تعودا لطبيعتيها.. *** مع شروق الشمس استيقظ سكان القصر جميعهم، وفي منتصف قاعة الطعام جلس الملك فيليب يترأس المائدة، تجلس على يساره زوجته الملكة هيلين، بينما كان المقعد على يمينه فارغًا، وعلى طول المائدة كان يجلس أولاد أخيه الثلاثة، كان الجميع على هذه المائدة يتشاركون في الكثير مِن الصفات الخارجية؛ فجميعهم يتميزون بالشَعر الأبيض المائل للصُفرة، وأعيُن بلون مياه البحر وبشرة حليبية ناصعة البياض وكأن الشمس لم تمسها قط. حمحم الملك لافتًا الإنتباه ليسأل بصوته الهادئ: - أين أيلين؟ أبدى نيكولاس وآرجيس جهلهما، بينما استمر أندرياس بتناول طعامه دون أن يُبد اهتمامًا؛ هتفت الملكة بصوتٍ رزين في الخادمة أن تأتي على عجل، فأسرعت الخادمة بالحضور وانحنت باحترام أمام الملكة هيلين وأفراد العائلة الملكية: - أمرُ مولاتي؟ - ألم تستيقظ أيلين بعد؟ سألت، فارتبكت الخادمة ليسألها فيليب باهتمام وهدوء؛ حتى يُزيل الخوف عنها: - أجيبي على السؤال يا ابنتي، أين الأميرة أيلين؟ - مولاي، لـ.. لقد ذهبتُ لإيقاظها ولكنني.. لـ.. لم أجدها في غرفتها أو أي مكان في القصر. - ماذا تعنين بأنها ليست في القصر؟ أين ذهبت أيلين؟ غضب الملك وسأل باستنكار، زاد خوف الخادمة لتجيبه بصوت منخفض ومرتعش: - لا علم لي جلالتك. عند احتدام الأجواء أسرع أندرياس يتدخل في الحديث هذه المرة: - أيلين ذهبت لمنزل أليخاندرا عمي. صاح فيليب في أندرياس غاضبًا: - ولِم لمْ تُخبرني مُنذ البداية أيها الأحمق؟ انصرفي يا ابنتي هيا. قال الجملة الأخيرة للخادمة بنبرة حنونة لتبتسم وتزفر براحة وهي تتجه نحو الباب، بينما حكَّ أندرياس عنقه قائلًا: - لقد نسيتُ الأمر تمامًا وتذكرت للتو؛ فلقد أخبرتني بالأمس أنها ستذهب إلى هناك مُبكرًا وستتناول الإفطار رفقة أليخاندرا، واتفقنا أن ألحق بها عقب تناول إفطاري. هزَّ الملك رأسه بتفهم، ثم تحدث بنبرة جادة موجهًا حديثه للجميع: - اليوم هو يوم اجتماع أسياد السحرة وأُمراء الممالك، لذا أُريدكَ أنتَ وأيلين أن تكونا هُنا عِند الظهيرة، وأنتَ آرجيس، أُقسم إن تشاجرت مَع ذلك اللعين ألكسندر مرة أخرى أنني سأحرمك مِن جميع صلاحياتكَ، أفهمت؟ شعر آرجيس بالحمم تتأجج داخله إثر ذكر اسم ألكسندر، تمالك نفسه بصعوبة وهو يجيب عمه بأكثر نبرة هادئة يستطيع التحدث بها: - لكن عمي أنتَ تعلم أنه هو مَن يحاول إثارة غضبي، إن ذلك الأمير خبيثٌ لأقصى حد. كان آرجيس كجبل بركاني سرعان ما ينفجر ويحرق ما حوله بحممه البركانية، اسمه آرجيس نسبة للجبل الذي وُلد على قمته.. «أرجياس» لكن يبدو أن آرجيس لم يكن نائمًا كأرجياس! - جميع أفراد الأُسرة الحاكمة لمملكة «ماڤروس» يمتلكون خبثًا وحقدًا وشرًا لا يستطيع أحد تخيله، إن الشر يجري في عروقهم مجرى الدم. هكذا قال نيكولاس لتتحدث الملكة بهدوئها المُعتاد: - بالضبط نيكولاس، ولذلك يا أولادي يجب أن نحذر منهم وألَّا نسمح لهم بخداعنا؛ فجميعنا نعلم أنهم يريدون إشعال فتيل الحرب بيننا ونقد معاهدة الأجداد. وافقها الجميع الرأي، وبعد انقضاء وقت الإفطار أسرع أندرياس نحو منزل أليخاندرا الذي يقع على الحدود الغربية للمملكة بجانب مدخل مياه النهر.. - اللعنة عليكِ أيلين! قالها غاضبًا مِن تلك الفتاة التي تدفعه إلى الكذب دائمًا، وصل لمنزل أليخاندرا ليطرق بابه، وسرعان ما فُتح مِن قِبل فتاة صهباء الشعر ترتدي ملابس الجُند وتلمع شارة قائد الجند على كتفها، كانت ذات طول فارع وجسد ممشوق، عينان حادتان ونظرة ثاقبة خبيرة، حدقت فيه أليخاندرا بتعجب سائلة: - ماذا تفعل أمام بابي في الصباح الباكر أندرياس؟ - لم أستطع كبح شوقي أكثر من ذلك، فأتيتُ إليكِ ركضًا. قالها بدرامية لتحدق فيه بسخرية، ولكنه سرعان ما صرخ فيها: - لماذا سآتي يا حمقاء؟ أبحث عن تلك اللعينة الصغيرة بالطبع! أجابها بسخرية ثم أكمل بغضب، لكمته في معدته بحنق فتأوه وهو يسمعها تقول: - مَن تدعو بالحمقاء؟ رمقها غاضبًا فأفسحت له المجال بنظرات جامدة، دلف للمنزل وهو يوضِّح: - إن أيلين مفقودة، ولقد أخبرتهم بكونها لديكِ. - لن يرتاح لكَ بال أنتَ وابنة عمك حتى يقوم الملك بفصل رأسي عَن جسدي في منتصف الساحة. قالت وهي تزفر بحنق ليبتسم بسخافة: - معكِ حق، كيف علمتِ بذلك؟ - كُفَّ عن حماقتكَ وشاركني التفكير، أين ذهبت أيلين في هذا الوقت؟ - إلى الجحيم، أتمنى أن تكون قد ذهبت للجحيم وأراحتني. صاح بغضب مِن تلك التي ستدفعه للجنون يومًا، إن لم يكن قد جُنَّ بالفعل.. *** بعد مرور وقت لا يعلم قدره استقام ألكسندر الذي كان مُستلقيًا على العُشب برفقتها يتحدثان في اللا شيء وكل شيء تارة ويتشاركان الصمت تارةً أُخرى، أغمض عينيه لثانيه ليقول مؤنبًا ذاته: - تبًا لم أشعُر بمرور الوقت! ثُم التفت لأيلين قائلًا بنبرة جادة: - أيلين يجب علينا العودة. أومأت أيلين برأسها موافقة، فأمسك كفها يُساعدها على النهوض، أزالت هي تاجها الرقيق ومشبك شعرها الذي هو ليس أكثر مِن عصا صغيرة مُزينة بأحجارٍ كريمة، أعادت ترتيب خصلاتها وأعادت وضع تاجها وبتلك العصا أشارت نحو ملابسها التي اتسخت بسبب استلقائها على الأرض وتمتمت ببضع كلمات مُبهمة لتعود نظيفة كما كانت، التفتت لألكسندر تُمسك بكف يده وتزيل ذلك القفاز المُخيف-مِن وجهة نظرها- وتحسس كفه بيديها الرقيقتين: - ألكسندر سنلتقي الأسبوع القادم أليس كذلك؟ شدد على كف يدها قائلًا: - سأحرص على ذلك، ولكن.. ما بالي أراكِ عابسة؟ ألن نلتقي بعد ساعات قليلة؟ عقدت ما بين حاجبيها؛ بتعجب مُستفهمة: - كيف ذلك؟ ابتسم مجيبًا: - يبدو أنِّكِ نسيتِ أمر اجتماع أسياد السحرة وأمراء الممالك. اتسعت ابتسامتها كاشفة عَن أسنانها اللؤلؤية؛ فهي مِن سلالة آسبرو، ولذلك تملك شعرًا أبيض اللون وبشرة حليبية تزينها وجنتان وشفتان ورديتان ولها عينان زرقاوتان بلون مياه البحر، وبالرغم مِن جمالها الساحر لم يجرؤ أيًا كان على محاولة الاقتراب أو التودد منها؛ فقوتها ومعرفتها لا يُستهان بهما، ما عدا هذا الذي يقف جوارها، هي فقط تتجرد مِن قوتها وِشدتها أمامه، كما يفعل هو.. أعادت مشبكها لشعرها وتمتمت ببضع كلمات وهي تُزيل آثار الغُبار عَن ألكسندر، وبعدما تأكدت مِن مثالية هيأته اتسعت ابتسامة أيلين وهي تقول: - بالرغم مِن اتساع العالم هذه هي بقعتي المُفضلة، أشعُر هنا بالأنس والإنتماء، إن مملكة لستَ فيها ليست سوى الجحيمٍ لي، وإن بقعة كهذه لا سقف لها ولا جدران ولا يُميزها سوى وجودكَ جواري فيها، هي أعظم مِن أعظم الممالك في نظري. ابتسم ألكسندر بعذوبة لأول مرة مُنذ زمن، وتحدث بصوتٍ ذو بحة عميقة تأسرُها: - لا أملك أن أُجيبكِ سوى بأنه رغم الظلام داخلي أرى نفسي مُنيرًا بقربكِ.. ورغم كُرهي للضوء والنور والخير، فأنا قد وقعت في حُب لمعانكِ وضوئكِ والخير داخلكِ. اتسعت ابتسامة أيلين ليأخذها بين أحضانه ثم يُبعدها أخيرًا مُقبِّلًا كف يدها قائلًا: - حتى ألقاكِ أميرتي. وسُرعان ما أختفى وكأنه لم يكُن، لتتجه هي نحو أسوار مملكتها وتُتمتم ببضع كلمات لتُزيل تعويذة الحماية عَن جزء مِن الأسوار يسمح لها بالمرور وخلال ثانية كانت تقف في منزل أليخاندرا.. *** حالة مِن الهرج سادت قصر «ماڤروس»؛ استعدادًا لاجتماع اليوم، ظهر ألكسندر مِن العدم وأعاد تنظيم خصلات شعره بيده بعدما ارتدى قفازه مِن جديد، سمع صوتًا رقيقًا حادًا يهتف باسمه مِن خلفه، زفر بملل حينما وقفت أمامه فتاة ذات شعر أسود قصير يصل لبداية كتفيها تُشبه ألكسندر بشكلٍ كبير؛ مِن حيثُ شحوب البشرة والعين والشعر الأسود، وبغضب طفيف تحدثت تعقد ذراعيها أمام صدرها: - أين كُنتَ ألكسندر؟ - مُنذ متى وأنا أخبركِ بمكان تواجدي كاترينا؟ ارتبكت قليلًا مِن إجابته الباردة واللا مبالية، فتنهدت تقترب منه قليلًا مُتحدثة بدلال: - أنا فقط قلقتُ عليكَ عزيزي. ابتعد عنها بنفور واضح، وأجابها ببرود وهو يسير مُبتعدًا عَن المكان: - إذًا لا تقلقي عليَّ بعد الآن، انظري كيف أن الأمر بهذه البساطة؟ تركها وحدها مُغادرًا فأسرعت في اللحاق به رغم حنقها مِن طريقة معاملته لها وأوقفته مرة أخرى: - ألكسندر انتظر! عمي يبحث عنكَ وماريو أخبره أنّكَ تُشرف على تدريبات المحاربين، أعلم أنَّك لم تكن هُناك، لذا احذر؛ كي لا يزل لسانُك. انتظرت أن ترى تعابير الإمتنان على وجهه، لكن لا شيء! وبدلًا عن ذلك أومأ لها برأسه ثم سأل: - أين الملك؟ - في غرفته.. ألكسندر حالة الملك تزداد سوءًا. هزَّ رأسه ببرود واتجه نحو غرفة أبيه تتبعه كاترينا، طرق الباب ليسمح له والده بالدخول كادت هي أن تدلف خلفه لكن ألكسندر منعها قائلًا: - ابقي بالخارج! بحرج غادرت ليتنهد والده بحنق ويعاتبه: - تظلم تلك الفتاة ألكسندر، ألا ترى أنها تُحبكَ ولا ترجو سوى رضاكَ؟ - لكنني لا أُحبها أبي! أجاب ببرود ليقول والده بحدة: - أحببتها أم لا كاترينا هي قدركَ المُختار، ويجب عليكَ أن تتقبل هذا؛ فأنتَ ستتزوج بها شئتَ أم أبيتَ. - لا أحد يستطيع إجباري على فعل ما لا أريده. قالها بثقة وغضب طفيف ليصيح والده مزمجرًا: - وأنا لن أدع أحدًا يجلس على عرشي سوى وريثي.. لن أسمح لِسيمون -زوج أختكَ- أن يجلس على العرش الذي هو مِن حقك، ثم أنكَ تعلم أن القانون الرابع للجدار العظيم ينص على «أن يتزوج وريث العرش داخل العائلة الحاكمة ويُحرَّم زواجه مِن خارجها؛ لكي تبقى دماء العائلة الحاكمة نقية لا تجري فيها سوى دماء ماڤروس العظيم» ولا يوجد أمامك سوى ابنة خالتك، خالتك التي هي ابنة عمي وتحمل دماءنا كزوجها.. كاترينا هي سليلة «ماڤروس» الوحيدة، إن خالفت القوانين سيجلس سيمون على العرش؛ فابن عمك تزوج أختك مُنصاعًا للقوانين. تساءل ألكسندر بضيق وعدم رضا: - ما فائدة زواج لن أسعد به؟ - يجب على الملك أن يُضحي بسعادته لأجل أمان واستقرار مملكته. قالها ومن ثم انتابته نوبة مِن السعال الشديد، شعر ألكسندر ببعض القلق فسأله بهدوء مُدعيًا الجمود: - دعكَ مِن تلكَ الأمور، سمعتُ بأنكَ مريض؟ ضحك بيتر بسخرية يقول مِن بين سعاله: - أنا أحتضر يا أحمق، إن الأعشاب التي أعدَّتها الحكيمة هي مَن أعادت عافيتي قليلًا، لن أقدر على المشاركة في الاجتماع بهذا الحال. - إذًا لا تُشارك أبي، أستطيع تولي الأمر. استنكر بيتر حديث ألكسندر: - وأترك فرصة لذلك اللعين فيليب؟ - أنتَ تستهين بقدراتي هكذا. قالها بغموض وابتسامة ماكرة تزين ثغره. *** « م. أ. مصيلحي. » أي تعليق؟ رأيكم؟ توقعات طب؟ ____________ ¹ألكسندر: (بالإنجليزية: Alexander) (باللغة اليونانية Αλέξανδρος ألكسندروس) هو اسم علم شخصي مذكر من أصل يوناني، تعود شهرته نسبةً للقائد اليوناني إسكندر الأكبر، ولهذا الاسم أشكال أخرى مثل أليكس وأليس وألكسندرا وبالعربية يلفظ إسكندر، ويعتبر من أكثر الأسماء المنتشرة في الغرب في الدول الأنجلوسكسونية والدول السلافية، معنى هذا الاسم هو المدافع أو حامي الرجل. ² ماريو بالإنجليزية : (Mario) هو اسم علم شخصي من أصل لاتيني روماني، حيث أنه مشتق من اسم ماريوس في اللاتينية والذي يعني الذكر والذي يعتبر مشتق من اسم الإله مارس في الميثولوجيا الرومانية ، اعتبر من أكثر الأسماء الشائعة في الغرب وخصوصًا في الدول اللاتينية. ³ أيلين: اسم أجنبي يعني بريق الشمس أو المرأة فائقة الجمال، وهو من أسماء البنات الرائجة في الغرب ويتميز بمعناه الجميل. ⁴ آسبرو: άσπρο) باليونانية) ويعني أبيض. ⁵ ماڤروس: μαύρος) باليونانية) ويعني أَسْوَد. ⁶ فيليب: (بالإنجليزية: Philip) أو فيليبس (باليونانية (Φίλιππος هو اسم علم شخصي مذكر من أصل يوناني وهو مشتق من اسم فيليبوس والذي معناه محب الخيول. ⁷ هيلين: (بالإنجليزية: Helen) هو اسم علم شخصي مؤنث من أصل إغريقي، معناه الضوء أو النور. ⁸ نيكولاس: ذي الأصل اليوناني ومعناه الأشخاص المنتصرون. ⁹ أندرياس: اسم يوناني الأصل. ¹⁰ أليخاندرا: اسم يوناني مؤنث معناه الحامية/ حامية الإنسانية. ¹¹ أرجياس: (بالتركية Erciyes أو Erciyes dağı ، هو جبل بركاني نائم من حقبة الميوسين، يقع على بعد 25 كم جنوب محافظة قيصرية في تركيا. ارتفاعه هو 3916 م وهو أعلى جبل في سلسلة الأناضول الوسطى. ¹² كاترينا: بالإنجليزية : (Katerina) اسم علم مؤنث، اسم كاترينا كثيرًا ما يربط مع الكلمة اليونانية «كاثاروس» بمعنى «نقي». ¹³ سيمون: (بالإنجليزية: Simon) هو اسم علم شخصي مذكر من أصل عبري، حيث أنه اللفظ اليوناني لاسم شمعون بالعبرية و سمعان باللغة القبطية، معنى هذا الاسم هو السامع أو الذي يسمع.
Malika Ahmed