|بداية.|

|بداية.|

17 1

دلف الملك آريس مُتعجبًا مِن البوابات المفتوحة وكأنها في انتظاره، حاملًا أحد أبنائه بين ذراعيه وتجاوره زوجته التي تحمل الآخر إلى كهفٍ عسجدي اللون بشكلٍ جاذبٍ للأنظار، يمتد نهر «خريسوس» لداخله بغرابة، كان الكهف ضخمًا للغاية، وفي منتصفه توجد بُحيرة كبيرة، ذات مياه بلون العسل المُصفى، هُنا منبع كُل شيء.. مِن هُنا ينبع نهر «خريسوس» العظيم.. بخطى رزينة واثقة تحرك الملك وزوجته التي تسير جواره بريبة؛ فهي لا تعلم ما هذا المكان، وبهدوء قال: - يا حكيمة العسجد، أتيتُكِ بفلذتي كبدي، أفلا تُكرمين ضيوفك؟ رمقته زوجته بعدم فِهم، ولكنها انتبهت فجأة لِصوت خطوات تقترب! ومن بين الأحجار الضخمة ظهرت امرأة قصيرة القامة قليلًا ممتلئة القوام، ترتدي رداءً له قلنسوة تخفي رأسها ووجهها، اقتربت ووقفت أمامهما، وبشكل غريب شعر الملك وزوجته براحة عجيبة تغمُرهما، تحدثت صاحبة القلنسوة بنبرة أجشة: - سيدي، إن كهف العسجد يتشرف بوجودك في أي وقت، ولكن.. لقد خرقت القوانين بإحضارك أُسرتك. - إن الأمر جلل يا سيدتي، وذلك ما دفعني لجلبهم. بهدوء ووقار سألت السيدة: - ماذا حدث أيها الملك الشجاع؟ تبادل النظرات مع زوجته قبل أن يُقرِّبا الطفلين منها وهو يقول: - لقد أنجبت زوجتي مُنذ بضع أيام توأمًا مِن الذكور، انظري إليهما وإلى هيأتهما. رفعت الحكيمة القلنسوة عَن وجهها قليلًا فرأت الملكة وجهها المُستدير السمِح وكأنه البدر وابتسامتها اللطيفة، تُشعرك رؤيتها بأن الخطيئة لم تمس تلك السيدة قط، مَدَّت الحكيمة يدها نحو أحد الطفلين تُزيح الغطاء الذي يُدثره عنه، وعقب انكشاف وجهه لها اتسعت حدقتاها وارتدَّت للخلف شاهقة، شعر الزوجان بالقلق وتبادلا النظرات ذاتها، ولكن الحكيمة اقتربت مرةً أُخرى مِن الطفل الآخر وفعلت به ما فعلت بأخيه فبدت لها هيأته، فارتدت للخلف شاهقة كالمرة السابقة، سأل الملك بقلق: - يا حكيمة، أخبرينا ما يحدث. خرَّت الحكيمة على رُكبتيها وكأنها انفصلت عَن كُل ما يُحيط بها وأخذت تُحدث نفسها: - أمرٌ جلل يقترب.. أمرٌ جلل يقترب.. ستُسفك الدماء.. وتثكل النساء، ويختلط لون الماء بالدماء.. أمرٌ جلل.. أمرٌ جلل! شهقت الملكة مصدومة؛ إثر ما سمعته واقتربت مِن الحكيمة تتوسلها بصوتٍ مرتعش: - سيدتي، رجاءً أخبريني ما تعرفينه. لم تنتبه لها الحكيمة بل أسرعت بالاقتراب مِن تلك البُحيرة وأخذت بيديها بعض الماء ترتشف منه، وهي تُردد بعض الكلمات المُبهمة، أغمضت عينيها وهي تُردد الكلمات ثم أسرعت بفتحهما فجأة وحدقت بالنهر الذي اجتمعت فيه زهور عسجدية رباعية الوريقات مكونة كلمات باليونانية، قرأت الحكيمة ما كُتب ولكن لم يسمعه الملك وزوجته، فاقترب هذه المرة وألح عليها في سؤاله: - ماذا قرأتِ؟ فلتقصيه عليّ. انتبهت الحكيمة إليهما أخيرًا وقد عادت لهدوئها، قررت مصارحتهما أخيرًا، فهمست بصوتٍ متزن وكأن شيئًا لم يكُن: - لقد انتظرنا تحقق النبوءة مُنذ مئات السنين، ويبدو أنه قد حان الوقت، اسمعا جيدًا.. مُنذ بضع قرون رأت إحدى الحكيمات نبوءة عن مملكتكم.. تُخبرنا فيها بأمرٍ جلل. - ماذا تقول تلك النبوءة؟ صدر السؤال مِن الملك موجهًا إلى الحكيمة التي رمشت عيناها لثانية قبل أن تجيبه بنبرة طغى صداها على كُل الكهف: - مملكة خريسوس ذات الجناحين سيأتي يوم وتنقسم لمملكتين وستنشب الحروب بينهما للأبد أو لقرنين.. سرت القُشعريرة في جسد الملك وزوجته وحلَّت عليهما الصدمة، سألت الملكة بصوت متذبذب: - مـ.. ماذا يعني ذلك؟ أ.. أسيقتل ولداي بعضهما؟ انهارت الملكة وخرَّت على رُكبتيها تبكي أبناءها فانحنى الملك يحيطها بذراعيه ويُعينها على الوقوف مجددًا، بينما كان طفليه يستلقيان أمام والدتهما يتأملان ما حولهما دون فهم وبهدوءٍ غريب لا يناسب عُمرهما، اقتربت الحكيمة مِن الملك وزوجته تربت على كتف الملكة مُتحاشية ملامسة الملك بشكل جلي، وتحدثت قائلة: - لن يقتلا بعضهما، ستنشب بينهما الخلافات والحروب، وستتقاتل ذرياتهما للأبد وقد تنتهي بعد قرنين مِن بداية الحروب، وربما تستمر للأبد.. - أيتها الحكيمة ماذا نفعل؟ سأل الملك لتجيبه الحكيمة بهدوء: - أخفِيا الأمر عَن الجميع، سيبقى سرًا بيننا، هذا قدر ولا يمكن منعه، ولكن إن انتشر الأمر سيحاول الكثير قتل ولديكما. _________ *خريسوس: كلمة يونانية Χρυσός وتعني الذهب. _________ ده مش بارت دي بداية بس.. مساء الخير. رأيكم كبداية؟ 《م. أ. مصيلحي.》

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مِن بَينِ الظَّلَامِ وَالنُّور.

المؤلف Malika Ahmed
2024/06/19 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة