الكَاتِب عِندَمَا يُمسِك كِتَابا .. تُظهِر إِعدَادَاتُه شَخصِيتَينِ لِيَختَارَ تَفعِيل إِحدَاهمَا ..
شَخصِيَة القَارِئ الشَغُوف الذِي يُقحِم نَفسَه بَينَ السُطُور .. يَبحَث عَن عَوالِم تَجذِبُه لِحَملِ حَقِيبَتَه وَ السَفَر إِليهَا مِن أَولِ مَحَطة .. يَهوَى مَتَاهَات البِدَايَات وَ عَلَامَات الإِستِفهَام
يَرتَفِع الأَدرِينَالين خَاصَته عِند القِتَالَات وَ فَتحِ بِئرِ الأَسرَار ، لَن يُفَكِر مَرتَين لِلقَفز فَهُو أَتَى مُستَعِدا لِلقَفز بِدُون حَبلٍ ، يَسمَح لِنفسِه بالغَرَق وَ الإِختِنَاق بِالأَحَاجِي
يُفَتِش عَن فُتَاتٍ يُشْبِهه بَينَ المَوَاقِف وَ الحِوَارَات لِيَشعُر بِالإِنتِمَاء
يَتَغذَى بِالصَدَمات وَ يَتَلّذذُ بِالقَفَلَات الصَادِمَة ..
يَحتَرِقُ عَقلُه رُوَيدًا وَ حَطَبُه حِبرُ الكَاتِب ..
يَحتَاج إِلى عَنَاوِين تُخَطّ فَوقَ كُلِ شُعُورٍ أَحَس بِه ، يَقتَبِسُه مِن تَجَارِب الشَخصِيَات
يَتَعشَى بِالتَفَاصيل المُبَعثَرةِ وَ يُحِب الطَفْو عَلَيهَا حِينَ يَكُون المَشهَد مُتشَبِعًا بِها
يُفَضِّل بِنَاء الشُكُوك بَين الفُصُول حَتى يَشعُر بِذَروَة المُتعَة
يُراقِص الكِتابَ مُمسِكَا بِجَانِبَيه عَلَى إِيقَاع الكَلِمَات ..
يُلَحِن نَغَمَات حُبٍ حِينَ يَطرَبُ بِالسَرد ..
تُرَّشُ عَلَى عُيُونِه نُجُوم الحَمَاس فِي أَولَى الأَورَاق ثُم تَتَحَول إِلى أَلَم الفِرَاق فِي النِهَايَات
شَخصِيةُ الكَاتِب المُحَلِل حَامِل مِنظَار الإِستِكشَاف .. المُدَقِق فِي النُصُوص .. يَتَسَّوق بَين الأَسطُر لِشِراء المَؤُونَة الأَفضَل لِيَومِه
كُل كِتَابٍ يَلتَهِمُه يَعُود عَلَيهِ بِفَائِدة .. لَا تُهِمُه نِسبَة النَصرِ التِي خَرجَ بِهَا .. مَا يُهِم هُو الكُنُوز التِي جَمَعها فِي كَيسِه وَ يُهَروِل مُسرِعًا لِيُرتِبَها عَلى أَرفُفِ عَقلِه ..
سَيُحَاوِل شَدّ خُيُوطِ الرِواية وَ تَتَبُع الخُطُوات الحَقِيقِية لِلرّاوي
سَيَدرُس أَسَالِيب كُتّابٍ غَيرُه .. سَيُحقِقُ في المَشَاهِد بِصَرامَة
سَيَدرُس سُلُوكِيَات الشَخصِيات كُلّ عَلى حِدة ..
سَيُنبِش فِي مَشَاعِرهم وَ يَتعَلم التَميِيز بَينَهم ..
سَيُدرِك عُمقَ الصِفات وَ إِمتِداداتِها ..
سَيُصَور أَنوَاع السَردِ بِعدَسةِ ذِهنِه وَ يُصَوبُ بِمُسَدَس حِذقِه نَحو بَصَمات الكُتّاب المُختَلفَة فِي السَرد ..
سَيَلحَظ الفَرقَ بَين السَردِ المُشَوق وَ السَرد العَتِيق ..
سَيُشّبِع نَفسَه بالكَلِمَات الجَديدَة وَ المَعانِي الحدِيثَة ..
سَيُدّون فِي كُراسَتِه كَيف وَصَف الرّاوي مَشَاعِر شَخصِيَاتِه ، كَيف بَعثَر الغُمُوض عَلى فُصُولِه ، كَيفَ كَتَب مَشَاهِد القِتَال و مُواكَبَة فُنُون القِتَال مَع زَمَنِية السَرد
سَيُدّون حَول كَيفِية إِبتِكار مَخلُوقات خَيالِية ، كَيف سُكِبت نَبَضَاتٌ عَلى التَفاصِيل وَ الأَحاسِيس ، كَيفَ دَاعَبت رَوائِح الرِوايَة رِيَاح الوَاقِع ، كَيف حُدّد عَالَمٌ لَا نِهَايَة لَه
سَيُصبِح الكِتَاب مَدرَسَة بَين يَدَيه ..
يَدخُلُه مُتَعلِما وَ يَخرُج مِنه مُطَّوَرًا ..
الكَاتِب المُبدِع لَا يَهتَم بكَمِية المَشَاهِد فِي فَصلِه ، لَا يَهتَم بِكِتَابَة الأَشيَاء الجَدِيدَة دَومًا ..
يَستَطيعُ أَن يَجعَل مِن المَألُوف شَيئًا غَيرَ إِعتِيَادي ..
سَيَغرَق وَ يُغْرِقكَ فِي المَشهَد ..
سَيَعصِر قَلَمَه لِيَنال مَشهَده وَمَضَات مِن الحَياة ..
سَيُكسِب الرَوائِح رِياحًا تُشعِر القَارِئ مِن وَصفِها وَ كَأنّها عالِقَة فِي أَنفِه
سَيَبُث المَشَاعِر فِي صَدر مَن يَقرَأ .. سَيَمنَحُها أَصوَاتًا لِتُسمَع وَ وَخَزاتٍ لِيُشعَر بِها
سَيَنثُر بَين الرّوابِط وَ العَلاقَات قُوة أَو هَشَاشة كَما يَشاء .. يتَفرّد وَ يَتعَمقُ فِيها بإِتِزان وَ مَنطِق .. سَيُنبِت لِلقَارِئ جِذعًا فِي شجَرةِ العَلَاقاتِ للِشَخصِيات لِيُحسِسه بِالإِنتِمَاء ..
سَيُبرِز التَفَاصِيل وَ يُغّطِيها بِرِداء التَخَفِي فِي الوَقتِ آنِه
سَيَمنحُها مَظْهرَ التَبَعثُر وَ خَلفَ الكَوالِيس هِي مُترَابِطَة بِشَبكَةٍ شَفافَة مَتِينَة
يُوهِمُك بِأَنّ أًوراقَه الرَّابِحة كُلُها فَوقَ الطَاوِلَة وَ يَخدَعُك بِوَضعِ المَفَاتِيح عَلى رَاحَة يَدِك ..
يُجِيد اللَعِب بأًوتَارِك وَ مَتَى يَصعَقُك لِتذَكُر جُمَلٍ ظَنَنتها تَافِهَة ..
يَعرِف لِمن يُلبِس الأَقنِعة وَ مَتى يَقرَع جَرَس إِنتِهاءِ التَمثِيل
تَذَّكر .. أَنّ كُلّ مَا يَخُطُّه الكَاتِب المَاهرُ هُو مُهِم