العَالَم كَحَوضٍ مَلِيئٍ بالمَاء كَمحِيطٍ سَطحُه شَفَاف أَمَام أَلسِنَة الشَمس لَكِن لُّجَهُ قاتِم
وَ الإِنسَانُ كَتِلك الإِسفَنجَة الجَافَة فِي مَهدِه .. يَكونُ لَونُهَا فَاتِح لَا تَحمِل مِن شَوَائب الدُنيَا شَيئًا .. كَجَنِينٍ اِنبَثَق مِن رَحِم أمِه آنًا لَا يُجِيد سِوَى لغَة البُكَاء خَوفًا مِن نُور الشَمسِ كَونَهَا أَوَل مَشهَدٍ يُبصِرُه
وَ حِينَ نَرمِي الإِسفَنجَة فَوقَ المَاء نَلحَظُ غَرَقَهَا رُوَيدًا رُوَيدًا
يَبتَلِعُهَا دُجَى المُحِيط وَ يُطعِمُها مِن أَملَاحِه حَد الشَبَع لَكِنَه لَا يَعتِقهَا وَ يَبقَى ملتَفًا حَولَها
وَ ذَا حَالُ الجَنٍين لَا يبصِر سِوَى النُّور وَ هُو يَطفُو كَرِيشَة بَيضَاء لَا تَحمِلُ عَيبًا يَنظُر لِمَا حَولَه بِعَينَين رُشّت عَلَيهِما النُّجُوم .. لَن يُصَدِقك إِذَا مَا أخبَرتَه عَن سَوَاد العَالَم بَل سَيَقفِزُ دَاخِلَه مُنخَدِعًا بِبَرِيقِه وَ يَنسَى أَنّ بَرِيقَ النّجمَة لَا يتَوَاجَد سِوَى فِي حُلكَة اللّيل
وَ حِينَ يَغدُو كَبِيرًا رُوَيدًا رُوَيدًا سَتَتوَرَم وَجنَتَيه مِن فَائِضِ صَفَعاتِ حَقَائِق قَاع العَالَم وَ سَيَبقَى الجُحُوظ هُو مَلَامِح وَجهِه وَ سَيَختَنِق رَغمَ تَنفُسِه وَ سَيَشعُر بالإِمتِلَاءِ وَ الضَيَاع
فَمَهمَا حَاوَل التَقَيؤَ سَيَجِد نَفسَه يَبتَلعُ اِستِفرَاغَهُ وَ بَعضًا مِن الهَوَامِش وَ مَهمَا أَرَادَ رَسمَ الخَرِيطَة لِلخُرُوج فَهُو لَا يَمتَلِك المِصبَاح لِيبصِر الإِتِجَاه
وَ هُنا تتَضِح الصُورَة بِرَميِ الجَنِينِ فَوقَ حَوضِ مَاءٍ سَيَطفُو وَ كُلَما اِزدَاد حَجمُه وَ ثَقلَت أَكتَافُه يَغرَقُ اِتِبَاعًا
فَهَل الإِنسَان هُو الغَرِيق أَم المُغرِق ؟
هَل دُفِع أَم اِندَفَعَ ؟
هَل تَمّ طَليُهَ أَم طّلَى ؟
هَل سُكِبَ عَلَيهِ الحِبرُ أَم سَكَب ؟
هَل هُو القَتِيلُ أَم القَاتِل ؟
هَل هُو الفَرِيسَةُ أًم المُفتَرِس ؟
هَل هُو الجَرِيح أَم الجَرّاح ؟
هَل هُو المَيّت أَم المُمِيت ؟
هَل يُعقَل أَنّه لَا يُوجَد طَوقَ نَجَاة ؟
وَ أَمَامَ الوَاقِع .. الطَوقُ هُو نَفسُه مَن غَرَق ..
لَن يُنجِيه أحَد سِوى نَفسِه سَيُجبِر نَفسَهُ عَلَى قَطعِ نَفَسِهِ رَغمَ أَنّه كَان مَقطُوعا سَيرخِي دِفَاعَاتِه وَ يَضغَطُ عَلَى زِر الإِيقَافِ فِي عَقلِه لِيُوهِم العَالَم أَنّه غَدَى مَاءً فَيَطفُو مِن جَدِيد نَحو الأَعلَى وَ مَا قَطَعَه لِثَوَانِي يَستَعِيدُه لِسَنَوات فَهُو لَن يُجبَر عَلَى تَنَفسِ الغَرَق سَطحًا .. بَل أَصبَح النَاجِي
وَ هنَا يُدرِك أَنّ الجِبَال التِي كَانَت فَوقَ أَكتَافِه هِي قُيُودُه وَ مِرسَاتُه .. أَنّ وَرَقَته البَيضَاء مَاكَان يَجِب كِتَابَتها بالحِبرِ إِنما بالرَصَاص لِيسهَل مَحوُها لَكِن النّدم لَيسَ رَايَة النَصر
بَل الرَايَة البَيضَاء ..
الحِبرُ الأَسوَد الذِي خَط بٍه يُمكِن أَن يَسكُبَه كَامِلًا عَلَى وَرَقتِه لِتَغدُو فَاحِمَة وَ يَصنَع حِبرًا مِن أَلسِنة الشَمسِ مُشِعًا يَخُط بِه مِن جَدِيد فَلَا تَنسَى أَنّ بَرِيقَ النّجمَة لَا يَتَواجَد سِوَى فِي حُلكَة اللّيل
إِذَا كَانَت نِهَايَة الطَرِيق مَسدُودَة اِهدِمه ثُم شَكِل جِسرًا بِحطَامِه
أَبهِر العَالَم بِفَنّ سِبَاحَتك .. بِقوَة تَجدِيفِك لِلوُصُول إِلى جَزِيرَة الرَاحَة
فَسكَانُها نُدُر وَ الأَغلَبِيَة جُثَث فَوقَ المُحِيط