_تلك سابقة_

_تلك سابقة_

17 0

_إيـڤـا _

.

.

منذُ اليومِ الـّذي رأيتـُها فيهِ، حينَ نظرت إليّ ولمعت عينيها كقرصي شمسٍ بفعلٍ الشعاع الذهبي الساقطِ من النوافذِ لنجم الشتاء، وقد شعرتُ بأنّ دخولهَا الفصلَ كانَ بمثابةِ إنذارٍ من اقتحامِ مخيلتي وافكاري وعقلي كل ليلة.

خطرٌ يتعيّنُ عليّ الحذرَ منهُ، ولا أنكِرُ أبدًا بأنني أحسستُ بعاصفةِ تجذبني نحوها، لكنني استأتُ من هذا الشعورِ بشدة، لربـّما هو محضُ فضولٍ نحوها، حبّ استكشاف، لكنني سئمتُ مكوثها في جوف جمجمتيَ المحتلة...

وليلَتها جفُلَ قلبي وارتجفَت أعصابي ثم راحت تهدُرُ في خدرٍ اجتاح جسدي في ثوانٍ. رحتُ أحدقُ في السقف الذي ارتسمَت عليهِ خطوطُ صفراءَ أضحت وسط الظلام كنيرانٍ صديقة، إذ أنه بفعل إضاءة باحة بعض المنازل المقابلة لنا، كانت غرفتي تضيء بوهجٍ ذهبي خافت ذكرني مجددًا بلون عينيها...

نهضتُ وفركتُ عينيّ من التصاقهما ببعضٍ، وانزعجتُ كثيرًا من التفكير بها، وأنا على موعدٍ مع رحلتنا في الغد.

رحلةٌ شهرية تقدمها الجامعة لجميعِ الفئاتِ والأعمار في مؤسستنا التعليمية، جامعة رود آيلند_فرع خليج ناراجانسيت، وهذه السنة سنقوم بزيارة المعالم الوطنية الأثرية في الولاية ومن ثم نختتمها بصلاة القداس في كنسية عمانوئيل.

كانت لورديانا برفقةِ مجموعتنَا في الباص، ولم تخلُ الرفقة طبعـًا من بعض الأغاني والنكات والمزاحات الثقيلة من لوكاس الذي يثير الانتباه دائمـًا ويحاولُ سرقةَ الأضواء قدرَ الإمكانِ طالما يستطيعُ ذلك وهو الآنَ مفعمٌ بالشباب.

لم يكن يجلسُ في مقعدهِ كما نحنُ، بل يقف جالسـًا على مسند إحداهم، ويدفقُ نشاطاته الحماسية، فنصفقُ معهُ ونغني معهُ. حتى ما إذا انتبه إلى الصامتة التي تجلسُ في المقعد الإفرادي في الباص، حاول مضايقتها بسحبِ سماعة الأذنُ خاصتها فقط كي تنتبه له!

تصرفٌ أرعنٌ ومتهورٌ مع ناشئة حديثة بيننا ينسجُ حولها الغموض درعـًا متينًا لا يتزعزع. كانت تسنِدُ شفتيها على اصابعها عند حافة النافذةِ عندما سحب لوكاس السماعة، وللعجبِ نظرت إليه ثم ابتسمت بهدوء قائلة:

_ ماذا تريد؟

_ شاركينا بعضًا من الحديثِ عزيزتي، لما تبقين نفسك منعزلة دائمًا؟

أغمضت عينيها بابتسامةٍ ودودةٍ ثم دارَ بينهما حديثُ نبهنا جميعـًا إلى مدى ضآلة عقلية لوكاس امامها:

_ أمتأكدٌ أنكَ قلقٌ بشأنِ انعزاليتي، أم أنه بسبب سقوط نجمك الذي خبى أمامي من دون الجميع؟

_ بربك أنا وسيم لا تنكري ذلك، ألم تنجذبي إلي ولو قليلاً؟

_ بصراحة لا. ودعني أذكرك بأن جمال الوجه زائل ما لم يكن مزينًا بعقليةٍ رزنة.

_ ربما معك حق، قد اكون تعودتُ على استحواذ انتباه الجميع، لكنني بالفعلٍ كذلك، يجدونَ في الصفاتِ المرحة.

_ معك حق، ربما. لكن ليس انتباهي، فمعك الأمر يختلف، تبدو كالمهووس بي، بما أنك لاحظتَ أنني كثيرة الانعزال، وذلك ان دل على شيء، فأنت شديد التركيز بشؤوني.

_ ووو!, تشه! على رسلك يا فتاة، ولم قد أركز في شؤونك؟ الجميع هنا لربما لحظ ذلك، أهذا جزاء المودة نحوك؟

_ آه بشأنِ ذلك، دعني أنصحك بألا تحاول توليد أي شرارة لأي شيء بيننا، ففي جميع الأحوال ستحرقك. والآن أعطني سماعتي من فضلك.

مدت يدها لهُ، ولأولِ مرةٍ في حياتي أجدُ لوكاس مستسلمـًا لكل ما قالت، ولم يقاوم تعبير وجهه المندهش واليائس والمبتئس في ذات الوقت حين أعطاها السماعة، وأدخلتها في أذنها ثم عاودت تجاهل الجميعِ نحوَ النافذة.

استطاع لوكاس بمرحهِ وحركاته الهزلية، والكثير من المزاح والعلاقات، استحواذ انظار الجميع، بينما سبقتهُ لورديانا بأشواط وحطمت رقمه بالصمت وحسب، وصارت محور حديث وفضول الجميع في غضون يومٍ واحد.

.

.......

كنا في داخل قصر برايكرز، وهو احد قصور عائلة ڤاندربلت الشهيرة، التي برزت في العقد السابع من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، اذ سمي بالعصر المذهـّب.

وبينما نتنقل بين الغرف برفقة الدليل السياحي، لحظتُ اهتمام لورديانا بإحدى اللوحات التي بدت ربما للعائلة المالكة. تأملتُها كيفَ تبدو من الخلف، بمعطفها الجلدي البني الطويل، وبنطالها الجينز الغامق وبلوزتها البنية الغامقة.

هل غيرت قصة شعرها؟، كان شعرها من الخلف قد انتظم بأقواسٍ قصيرة صغيرة، وقد حلقت الجزء السفلي تمامًا وبدى رأسها من الخلف لرجلٍ حقيقي، وفكرتُ لثانية متهورة مجنونة أنها مثيرة بحق. ورباه! لا أعرف مدى البلاهة والسخافة الذين جراني إليها للوقوفِ بجانبها!

نظرتُ للوحةِ ولم تكن تسترعي ولو ذرة من اهتمامي، بقدر قصة شعر لورديانا. كانت ترفعُ شعرها كلهُ وقد تمردت خصلةً منهُ فوقَ جبينها، ورأيتُ المسافةَ الفاصلةَ فوقَ الأذنِ وقد حلقتها بشكلٍ صافٍ ودقيق.

عيناها الملتهبتين أصرتا على تأمل اللوحة عوضًا عن النظر إلي، ثم شعرتُ فجأة بأنني أسمع صوتها، وذلك ما جذب اهتمامي على نحوٍ مفاجىء حين قالت:

_ هل كنتِ تعلمينَ أن عائلة ڤاندربلت هم الأغنى بعد روكفلر؟ قـُدِّرت ثروتهم بحوالي 167 مليار دولار!

لم أعرف ما أفعله فقد بدوتُ حمقاءَ أمام معلوماتها العامة،

وانا التي عاشت طفولتها في ولاية رود آيلاند بينما أتت هي إليها بالأمسِ فقط. ولحظتها اسعفتني ذاكرتي في حالة الطوارئ هذه لأتحدث عن بعضٍ من اعمالهم الخيرية، بالإضافة لبناء جامعة فاندربيلت. فأضافت معلومة أخرى فاتني العلم بشأنها:

_ توسعت أعمالهم في مختلف أنواع الصناعة بدءًا من شركات الشحن والسكك الحديدية.

ثم التفتُ إلى الدليل السياحي ومجموعتنا التي اختفت من الصالة العامة، وقلت:

_ أظن أن علينا اللحاق بهم.

_ لا أظن ذلك، إذا وددتِ اذهبي، أنا سأتجول بمفردي لبعض الوقت.

ولا أعرف من أين خطرت لي هذه الفكرة المضحكة، فسألتها:

_ حسنٌ، هل يمكنني مرافقتك؟ أعني، لقد مللتُ حقـًا من اتباع " القطيع " اذا فهمتِ ما ألمحُ إليه.

وابتسمت لي وعندئذٍ رأيتُ غمازتيها تحفِرانِ خدها. فقط للعلم، فأنا أعاني رهابـًا من كل ما هو ميت، ويوم عرفتُ انها مجموعة خلايا ميتة لعضلة ميتة، خفتُ كثيرًا. أعرفُ أنه رهابٌ سخيف، ولكن الأمر ليس بيدي. إلا أنني وقعتُ لغمازتيها، وعضة شفتيها، وانيابها التي صفت بجانب اسنانها،

فبدت كمصاصة دماءٍ خالدة من العصر الفكتوري. وتبـًا لجنوني حين رغبتُ في تقبيلها هنا أمام أعين الراحلين الشاهدين في هذه اللوحة!

أخذتني في جولة داخل القصر، وبشيءٍ من الحيل التي أججت استغرابي استطاعت اقناع الحرس بفتح بعض الغرف الممنوعة. وحمدتُ الله ان جولتي المدهشة برفقتها قد أثمرت، حيثُ رأيت الزخرفة والنقوش الدقيقة في الرخام، بالإضافة للمفروشات الأنتيك والسجاد الخام، وبعضُ التحف.

وكلما غلبني الحماس رأيت شفتيها تميلان لي بإعجاب.. فتآكلني الجنون دفعة واحدة حين اندفعتُ نحوها وأمسكتُ برأسها ثم قبلتُها بعنف!

وبلحظة شهقتُ مندهشة من تصرفي، بحق ڤاندربيلت! مالذي فعلته؟ الفتاة....قد تكونُ مستقيمة، وقصة شعرها الغريبة ليس من الضرورة بأن توحي أنها سحاقية وما شابه، ربما تحب هذا الاسلوب وحسب، رباه ماذا فعلت؟!

_ لورديانا....أ....أنا آسفةٌ حقـًا، لا أعرفُ ما دهاني؟ أنا اعتذر لك من قلبي، ارجوك سامحيني، أنا.....

_ هل ظننتِ بأنني سحاقية؟

ما اجفلني ليس سؤالها، بل طريقتها في قول ذلك. فللعجب العجاب كانت هادئة جدًا ولم تكن نبرتها توحي بأي استنكار لفعلتي ولم تكن مستحبة في ذات الوقت، كانت مزيجـًا من الاستجواب والاستهجان! الكثير من الغموض كان يلف اسلوبها في ذلك، مما صعب علي مهمة منحها جوابـًا لائقـًا لا يفسد للود قضية ويبقينا في الرجاء الصالح.

لا أدري هل كانت تبتسم؟ هل أعجبها ذلك؟ المشكلة أنني مستقيمة ولدي حبيب بالفعل؛ لوكاس، ومن المقرر لنا الخطبة والزواج بعد انتهاء الدراسة حيث تقررت حياتنا قبل اربع سنوات.

ابتلعت ريقها وقمتُ بالمثل حين توترتُ ولم أقدم جوابـًا يطفىءُ ثورة تلك النظرة الغريبة في وهج عينيها. وقبل ان تغادرني مسحت احمر شفاهي من شفتيها وقالت:

_ هيا، لنغادر قبل افتقاد وجودنا في القطيع.

مزحةٌ لطيفة في محاولة ألطف لتلطيف الجو! لكنني بقيتُ عالقة في توتري لساعات اثناء الرحلة. وختامها مسكٌ في كنيسة ايمانويل....

دخلنا القاعة مواصلين التحديق في ابداع تصميمها الذي مزج بين الجدار البني الغامق، وانابيب آلة الآرغن الذهبية على كلا الجانبين بانتظام مدهش وسارٌ للنظر، والأرضية الخشبية الغامقة المصقولة قد فـُرِشَت بالسجاد الأحمر..

وحين أُغلـِقت الأبواب، انسلّ نورٌ قوي من النافذة التي تقع على ارتفاع خلفَ المذبح، وكانت مزخرفة بقطعٍ ملونة من الزجاج بمختلف الألوان كقوس قزح....

اظلمّ المكان وازداد الدفءُ وسقط شعاع النور الملون فوق وجوهنا، وعندها أغمضتُ عينيّ فأحسستُ بدفءِ تلك القبلة يتسلل إلى روحي... ولوهلة أجبرني ذلك الشعور على الالتفات للخلف، لتقع عيناي على أجمل وأجلّ منظرٍ أراهُ في حياتي.

كان الشعاع ينير بشرتها اللامعة، وقد أغمضت عينيها مستمتعة بالهدوء الذي يغمر الغرفة، والصلاة التي تتلى من القس... بدت لورديانا، وكأنها روحٌ نقية خُلِقت من أركان هذه الغرفة المقدسة...

وحين توقف صوت القس عن التلاوة وتساءل عمن يود استكمال صلاة القداس...

_ سأكملها!

والتفتنا جميعـًا للخلف حيث كانت تقفُ بعيدًا عن التجمع بمسافة. وعندها، انبلج جفنيها كاشفـَين عن شمسيهما، فغاص خافقي في جوف معدتي حين أحالت نظرتها عن القس، وصوبتها نحوي أنا!

كانت حادة، معنية، وذات مقصدٍ مبهم لم أعرف كنهه.

مشت بيننا وانفلق التجمهر لأجل هيبتها وكيانها الساحر ثم صعدت المنبر وشرعتْ بالعزف على البيانو، والغناء بصوتٍ خيالي جعلنا نسافر عبر الزمن إلى العصر الفكتوري... كان ساحرًا وملائكيّا يأسر السمعَ والإحساس، ويمزج بين القوة واللين في الوقت ذاته. وحين غنت هذا المقطع:

_ قبلتك الشافية لن تبارح فؤادي...

وستزيلُ ما يقضُ مضجعي في الظلام...

لتكنْ روحك آخر ما يلامس نبضي....

وأي صعابٍ سأكون قادرة على هزيمتها..

اخترقتني نظرتها من بين الجميع، وراح صوتها يصبح أشد وقعـًا وتأثيرًا علي، فصار نبضي يخفق في معدتي.

خرجنا لاحقًا بعد الصلاة متجهين إلى الحافلات، فخففتُ من خطواتي عمدًا لأن تلحق بي من كانت تمشي ببطءٍ خلفي. وعندما وصلت إلي التفتُ نحوها ونهرتها بحدة وفضاضة..

_ ما كان ذلك التصرف الأرعن بحق السماء؟

_ ماذا؟ لا أفهم؟

_ بالطبع تفهمينني، مقطع الأغنية الذي تحدث عن القبلة، لقد صوبتِ انظاركِ نحوي مباشرة، ماذا عنيتِ بذلك؟

ألقت لورديانا نظرة فاحصة سريعة على المحيط ثم سحبتني إلى ركن ذو جدار نباتي سميك جدًا حيث لا يرى أحدهم شيئًا، وتأكدت من ألا يتبعنا أحدهم ثم....

انجرفت نحوي وقبلتني بجنون ولذة لم أستشعرها في حياتي بشفتي أحدهم إلا معها، امتصت شفتي العليا ببراعة ثم راحت تلتهم السفلى بجوعٍ ونهم حتى تأوهت في فمي، وأجبرت حواسي على الاستسلام.

كانت القبلة رائعة، حنونة، دافئة، وبرية روضت أستقامتي فصفعتها!

للحق انزعـَجـَت مني بشدة، لكنني على الأقل أوضحتُ وجهة نظري، ربما بطريقة سيئة غير أنها توقف المرء عند حده. نظرت إلي فشددتُ لهجتي المهددة حين زفرتُ بين اسناني:

_ تبـًا أيتها المنحرفة! إياكِ وفعلُ ذلك ثانية وإلا فضحتكْ!

فعليـًا هي من يمكنها فضيحتي لأنني انا من ترك الانطباع الاول في القصر سابقـًا هذا اليوم، لكنني حتمـًا لم أشجع تكراره. وابتعدتُ عنها وانا امسح شفتي باشمئزاز... ولا أفهم السبب، لكنني انتظرتُ صعودها الحافلة بفارغ الصبر، إلا أنها تحركت من دونها، وسمعتُ بأنها انضمت لحافلة أخرى.

فأحسستُ بغصة في قلبي الذي حزن لأنني لم استطِع توديعها قبل عطلة الهالوين... وهكذا انقضى اليوم ما بين لوم قلبي على خضوعه الاول وعتاب عقلي على تصرفه الأهوج حين ضربتها.

.

.

.

يتبع~~~~

.

.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

جحيم لورديانا: نجم الشتاء | The Winter Star

المؤلف lordian
2025/09/29 مكتملة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة