_نظرة_

_نظرة_

18 0

_الـكـاتـب_

انتهى كلّ شـَيءٍ بالنـّسبةِ لها، حينَ فاضَ بها جحيمُ العدوّ الـّذي انتزَعَ كلّ خـِصالِ البـَراءةِ عندَما انتـَشـَلَ مـِنها آدميـّتها.

فٱستـَحالَ الجمرُ المتـّـقد في صدرِها إلى عاصـِفةٍ جليديةٍ جمـّدَتِ الأحَاسيسَ، واستكانت العبرةُ بينَ جـِفنـَيها لـِتـَنسابَ من زاويةٍ حزينةٍ تشبهُ ركنَ الغُرفةِ ذاكَ الـّذي تصدّعَ جدارَهُ بعضَ الشّيء.

وعندَ هذهِ النقطةِ، بدا لها الكونَ الشـّاسِعَ ضيـّقَ الأفُقِ، ولا يتـّسعُ لـِشرارتِ قلبـِها المشحونُ بآلامٍ تكفي لعمرٍ كامل.

تلاشـَت مغرياتُ الغرقِ في السـّهَوات واللهوِ ببعضِ مقتـَنـَياتِ الماضي في عَقلِها، عندما صخَبَ رنينُ المنبـّه الذي لم يُزعزعَ سُكونـَها قيدِ انملة، إذ مالت ناظرةً إليه لثوانٍ، ثم عاودَتِ الالتِفاتَ للسقفِ المُزيـّنِ بالثريا، تُرى كم حبة خرزٍ احتاجت هذه الثريا؟ وأي ثقل تتحمل الآن قبل أن تسقطَ نهاياتها المسننة لتفقأ عينيها وتثقب ثغرها وتقتلها بحركة سريعة بسيطة؟!

لا فائدة من التساؤل فلن تسقط يومـًا، فالثريا هذه تحملُ وزنَ بشرًا كاملًا لشدةِ ثباتها. وابتسمَتْ لمجردِ الفكرةِ المجنونةِ الّتي طرأت في بالها للتو! لكنها نفضت عن رأسها كل تلك الأفكار حين قررت النهوض والاستعداد ليومٍ حافلٍ بالجامعة، التعارف، المحاضرات، والكثير من شباب هذا الجيل المنحط والسطحي!

حملت حقيبتها ومفاتيح السيارة الكحلية التي كانت تنتظر في الكراج، وانطلقت بها إلى حيث ينبض شباب المستقبل!

في قسم العلوم التكنولوجية، وتحديدًا المرحلة الأخيرة، فإن الصخب في هذه المجموعة مشابه لذلك الذي لدى مراهقي الثانوية العامة تقريبـًا بسبب شدة الاختلاط خلال السنوات المنصرمة، ليصبح الانفتاح كل للآخر أشد وأكثر ثقة.

والتي تمثلت في شباب يرمون بالكرة كل للآخر داخل القاعة، ومزاح بعضهم الآخر بسرقة كتاب أحداهن لتجري خلفه، وبعض من القبل المتبادلة مع الفتيات. إحداهن مع برنسيسة الدفعة، او لنقل الجامعة كلها،

إيڤـا.....

كانت تملك مسحة من الجمال الاستوائي ببشرة لاحها السمار طفيفـًا، وأسرب النمش الخفيف في بريق بشرتها التي خلت من مستحضرات التجميل والمبالغة كما هو الحال لدى بعضهن، وقد تناقضت السمرة المكتسبة مع زرقة عينيها، وبياض القواطع البارز من تحت ندى شفتيها اللتان انفغرتا مع الصمت المطبق حين خيم على جو القاعة بدخول لورديانا....

يقدر طولها بمتر وسبعون تقريبـًا، ويعزى هذا الطول الفارع لجينات والدها الذي أورثها وهج عينيه الحاد بالإضافة لحاجبين كثيفين منسابين تلامسهما رموشـًا ساهبة شديدة السواد. شفاهها الطبيعية الرفيعة الممتلئة الحواف تلائمت ومنحنيات عظام فكها ووجنتيها البارزين، مع أنف مدبب متعالٍ.

ورغم ان صفاتها شديدة الأنوثة إلا أن ملامحها بشكلٍ عام امتازت بمسحة رجولية مع طولها ذاك وقصة شعرها القصيرة الصبيانية.

حتى أن هندامها الوقور لم يتشابه في شيء والأسمال الغريبة التي يرتديها الطلاب هنا في هذا الشتاء، إذ يبدين الفتيات افخاذًا ممتلئة بارتداء سروايل فوقها سترة من الفرو مثلًا او سواه، ولا الشباب الذين تظهر عضلات غالبيتهم من تحت كنزاتهم التي تنحتها.

بدت لورديانا وكأنها من حقبة الثورة الصناعية بارتدائها للمعاطف الطويلة في الشتاء والألوان الغامقة، إذ تحلت بمعطف رمادي غامق ذو تصميم وخياطة نادرة، فوق كنزة سوداء طويلة العنق وبنطالٍ رياضي حالك مع جزمة طويلة.

أخرس حضورها المتفرجون حين دخلت بهدوء وبوجه اكتستحه علامات الكآبة الشديدة والعذاب، كمن يحتضر ورمت بحقيبتها فوق الطاولة ثم جلست خلفها منهمكة بتصفح الهاتف.

_ هيي! أليسَ منَ الضـّرورةِ التعريفُ عن نفسـِكِ أولًا؟

ولم تعر ذرة مبالاة لسؤاله الذي تبخر ما أن نهرته زميلته السمراء الداكنة بوني

_ هش! لا تتدخل يا لوكاس، دعها وشأنها.

وكتعبير عن مظهره الأحمق الذي يحاول فرض نفسه وجذب الانتباه السخيف، التفتت إليه بعيون حادة، ثم هدأت جفونها حين حملقت في زميلتها الاستوائية القابعة خلفها،

ومدت يدها للمصافحة، قائلة

_ لورديانـا.....

نظرت إيفا إلى يدِها لبرهةٍ ثم بادلتها وقد تكهربَ جسدُها بعضَ الشيءِ مِن نظـَراتِ الاهتمامِ المألوفةِ هذهْ، والتي تحصـُدها يوميـًا بمعدل مئة في المئة اعجابـًا بجمالها المنمش. لكن عيني هذه كانتا هادئتين مما صعبتْ مهمةَ غرورِ ايفا بجمالـِها واندثرتِ الثقةُ بالنفسِ، فصافحتها بود واستغراب قائلة:

_ إيڤـا، تشرفت...

وابتسمت ذات الشعر القصير التي ركزت النظر في عينيها وكأنها قاتلًا أصاب الهدف. وحينها دخلت الاستاذة معرفة عن نفسها كبدايتهم للعام الجديد ونهاية الحياة الجامعية التي أنهكت ( بعضهم ) من الدراسة. ولاحقـًا انتبهت لوجود الضيفة فقالت:

_ وأودّ الترحيبَ بالآنسةِ لورديانا معنا هذه السنة، إذ انتقلت من جامعتها إلى هنا مؤخرًا، لأسبابِ شخصيةِ لن أخوضَ فيها.

وضحكت ببلاهة كتعبير عن عدم نيتها للإزعاج بينما يكاد فضولها يقتلها لمعرفة السبب، فنطق لوكاس من الخلف قائلًا

_ لا أظن ان اسمها يلائمها، تبدو كرجل أكثر منها كأنثى، لذا تتشرف إدارة مجموعتنا الشعبية بمنحها اسم لورديان.

وضحك مع رفاقه وبادله الآخرون، حتى الذي كان يكتمها احترامـًا لهدوء الضيفة قد انفجر ضاحكـًا، وعندما نهرته الاستاذة، قاطعتها لورديانا بلباقة ورفعت صوتها دون الحياد عن وجه استاذتها:

_ أرحب بهذا الاسم، وفي الواقع اود اقتصاره أكثر.

وعندها التفتت إليه وقد اشرأب عنقه من نظرتها الثاقبة حين قالت بإيجاز :

_ لورد، وإياكم وتغييره!

من لا يعرفها يجهل ماهيتها، لذا كان السكوت حلٌ مؤقت حتى الاعتياد عليها لاحقـًا ومن ثم يمكنهم التصرف بشأنها كما يحلو لهم.

دائمـًا ما كان الفضول والتساؤل يغلب الاساتذة بشأن انتقالها إلى جامعة متواضعة كهذه. رغم ان اساليبها في التعامل مع كل شيء، اوحت وبوضوح أنها شخصيةٌ انتقائية، فما الذي ابتدر إلى ذهنها عندما صاحبت قدميها إلى جامعة عادية كهذه؟

أناس لا يترافقون واللباقة، ولا الترحيب بوجودها كان مزينـًا بأيٍ من مبادرات التعاطف والصداقة او حتى الزمالة! مبدئهم في الحياة ( نعيش لأنفسنا وقطيعنا)، لدرجة أنها كانت تجلسُ منعزلة عن باقي أفراد المجتمع على طاولة طعام جانبية في الكافيتيريا.

واكتفى الجميع بالابتعاد عنها والانشغال بأمورهم الشخصية،

عدا أن نظراتها كانت تلمح إيفا بين الفينة والأخرى مخترقة الجموع بإرادة صلبة تأبى الإنزياح عن هدفها.

وذات يومٍ التفتت ذات الشفاه الغليظة الداكنة بوني إلى إيفا وقالت :

_ لم ينقضنا سوى غرابة الأطوار!

وعندها أصابت لورد عينيها بسهمٍ ثاقب أجبرها على السكوت والاستغراب يأكل عقلها، فازدردت ريقها بتوتر، وكرد فعلٍ متهور نهضت إيفا واتجهت نحو طاولة لورد، ثم صفعت الطاولة بكلتا يديها لإثارة انتباهها الجليدي! وتوقفت الشوكة امام فمها وعينيها حين رمقتا يدي إيفا بتساؤل لتقول الأخيرة بصوت عالٍ:

_ كفي عن التحديق بصديقتي فأنت تضايقينها، ولاداعي لإبراز نزعة الغموض الذي يحيط بك والتفاخر وكأن أحدهم يخشاك هنا!

اجتذب الموقف انتباه جميع الطلاب هناك، منهم من كان يخشى هدوء لورد فعلا ومنهم يتفرج لمجرد الفضول وبداخله شرارة خوف فعلي منها، ويحاول عدم اظهاره.

ساد الصمت لبرهة قبل ان ترفع لورد عينيها إلى ايفا ثم تناولت مافي شوكتها، وراحت تمضع بهدوء قبل ان تقول:

_ لا داعي لانفعالك اللامبرر فقط لسرقة الأضواء التي أحيلت منك إلى غيرك! وأيضـًا، أنا لا اظن ولا أبرز تلك الصفة، بل انهم يخشونني فعلًا، وإلا لما تركني أحدهم أجلس بمفردي هنا دون أن يبادر ولو بتحية!، وثالثـًا.....

ابتلعت اللقمة ثم تناولت قدح المشروب وارتشفت منه محدقة في عينيها بثبات لا يتزعزع قيد شعرة، حين نبست:

_ لا داعي لتوتر صديقتك، فلم أكن أقصدها بنظراتي، بل قصدتك أنتِ!

في أحوالٍ أخرى كانت سترد على ذلك، لكن هدوء لورد ونبرتها الدقيقة اللهجة، ألجما ايفا عن الرد واستغربت الأمر. فاندهش الجمهور المتطفل من ردة فعلها التي تمثلت بهز رأسها بعدم إدراك، ثم مغادرة الكافيتيريا برفقة صديقاتها.

ابتسمت لورد في نفسها، ثم التفتت للبقية قائلة:

_ انتهى العرض يا سادة!

وغادرت الطاولة حاملة صينيتها باتجاه ارفف التخزين ثم تركتها وخرجت من المطعم.

.

.

.

.

يتبع~~~~~

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

جحيم لورديانا: نجم الشتاء | The Winter Star

المؤلف lordian
2025/09/29 مكتملة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة