المهدوية

المهدوية

27 0

طُوِيَ آخرُ دُونَمٍ لطريقِ الموصلِ الرئيسيِّ تحتَ عجلاتِ الشاحنةِ، تلكَ المُخصَّصةِ لنقلِ الخضرواتِ والمَحاصيلِ الزراعيةِ التي تحتاجُ التعرُّضَ إلى التهويةِ، وقد استُبدِلَتْ حُمولتُها بالعوائلِ النازحةِ.

احتضنتْ سماءُ مدينةِ الكاظميةِ المُقدَّسةِ ضيوفَها القادمينَ ببعضِ النسماتِ الحَزيرانيةِ ليستنشقوا هواءَ بغدادَ اللطيفَ رغمَ وُجْدِ الجوِّ.

كانَت الحَرارة مُرتفعـة و الرطوبة خَانقة، تعرق جبين اسر بغزارة سائحًا بحبات العرق على تقيحات بشرتهِ و بثورها الدُهنية فأصابته الحكـة و اخذ بحك خَده..

قطعة جلد رقيقة و متعبة اقتلعت بأضافرهِ فنزف الدم.. لم يلحظها لأنشغاله بالحك في حين رأتها سماء و مسحتها بكم قميصها الطويل

- لا تلمس بشرتك.. الا ترى قدر حساسيتها!

- انها تَحـُـك

اومئت بصبر :- افهمك، جميعنا نشعر بما تشعر بسبب الامراض و لكن تحمل كي لا يزيد الأمر سوءًا

قال و هو يحك اكثر :- لا تُحتمل

امسكت بكلتا يديه و منعتهُ بحزم امومي : كفى!!

ظلت تمسكهما حتى هدأ، كان هذا نتيجةً للأمراضِ الجِلديّةِ والمعويةِ التي أصابتْ أهلَ قريتِه .. هم جميعًا بين مصاب بالجرب او البهاق او الاكزيما،الا إن اسر كان حساس حد اصابته بكلها، لنقل بانهُ تشوه جزئيًا .

ومع التقدُّمِ في الشوارعِ العامةِ وبينَ البيوتِ الشعبيةِ، انتابَ الفتى شعورُ فضولٍ وتشوُّقٍ لرؤيةِ العاصمةِ وأهلِها لأوَّلِ مرَّةٍ في حياتِه، فمدَّ رأسَهُ من بينِ القضبانِ الفسيحةِ للمركبةِ السائرةِ.

صفعتْ وجههُ حفنةُ رياحٍ عاليةٍ، فأطبقَ جفونهُ تلقائيًّا حمايةً من دخولِ الأتربةِ، وسمعَ دقّاتِ جَرَسٍ تُشبهُ دقّاتِ نواقيسِ الكنائسِ، تزامُنًا مع ضربِ الرياحِ لوجهِه المتعَب.

فتحَ عينيهِ على مَهَلٍ حين أحسَّ بخفوتِ الريحِ... وانقشعَ الظلامُ ليحلَّ محلَّهُ بريقٌ ذهبيٌّ حين قابلتْ عينا‌هُ العسليّتانِ ذهبَ القُبَّتينِ والمناراتِ الفاخرةِ أمامَه.

كأنَّ ساعةَ المنارةِ تدقُّ على قلبِه، مُصدرةً لحنًا يُشعرُه بعدمِ الغُربةِ عن المكانِ!

عادتْ موجةُ رياحٍ أقوى لتدخلَ بينَ خُصلاتِ شعرِه الحِنّائي، ومالتْهُ... كتمايُلِ البريقِ الذي اكتسحَ حدقتَيْهِ! مسحورًا بطهارةِ السماءِ فوقَ تلكَ القُبّةِ، وبالصوتِ الذي يهزُّ المدى، لا الجرسَ...

وهذهِ المرّةُ لم يُغمِضْ عينيهِ، لم يستطعْ أن يطرُفَ مهما علتِ الريحُ... أحسَّ أنَّ أيَّ رمشةٍ ستسرقُ منه لحظةَ جمالٍ لن تتكرَّر.

صوتُ القارئِ من مئذنةِ المسجدِ يتصادمُ مع صوتِ الهواءِ العشوائيِّ في أُذنَيْه، وبالكادِ تمكَّنَ من سماعِ جُزءٍ يقول... وبمُنتهى التهجُّدِ والخشوعِ:

"أهلًا بعبدٍ... جاءني وقلبُهُ مَلِيءٌ بغيري!"

طالَهُ شعورُ سكينةٍ مع كلِّ دندنةٍ يسمعُها،

وإنْ كانتْ مُشوَّشةً!

او غيرَ مفهومةٍ لعقلِه الذي لا يستطيعُ ترجمةَ كلِّ كلمةٍ عربيةٍ.. إلا أنّ هذه المقطوعةَ الصغيرةَ التي وصلتْهُ بدتْ كافيةً لوجدانِه أن يستشعرَ الترحابَ السماويَّ.

. .

وبرُويَّةٍ، تلاشتْ تلكَ الدُّجْنَةُ الداكنةُ للَّونٍ أشدَّ انفتاحًا، تنبئةً باقترابِ تألُّقِ قِنديلَةِ الفضاءِ، حملَ القارئُ حنجرتَهُ الخاشعةَ، وراحَ يُؤذِّنُ بصوتٍ أعلى، ملأَ صدرَهُ الأزقّةَ العتيقةَ والشعبيةَ لـ"الكاظميةِ".

وحينَ وصلَ الشهادةَ الثالثةَ، سكنتِ العجلاتُ، ورَكنَ السائقُ شاحنتهُ جانبًا، لتنزلَ العوائلُ النازحةُ إلى الرصيفِ، وتبدأَ مسيرتَهم إلى صحنِ مرقدِ من يُلقَّبُ بـ"حارسِ بغدادَ".

على الضلوعِ حقائبُهمُ الثقيلةُ وتعبُ الطريقِ، البعضُ لم يستوعبْ بعدُ أنَّهُ وصلَ بأمانٍ... أو إلى الأمانِ!! لا زالتْ عيونُ من لا يعرفونَ إلى أينَ أتَوا مُرتعبةً، وقلوبُهم ترتجفُ من القصصِ المشوَّهةِ التي سمعوها عن هذهِ الطائفةِ... إلا أنَّ الكبارَ قادوهم بثقةٍ، لكونِهم أصحابَ تجارِبَ وخبرةٍ، وقد سبقَ وجرَّبوا كثيرًا حتى عرفوا أن لا ملجأَ ولا أرضَ أسلمَ وأأمنَ من هذهِ المقابرِ والمراقدِ.

أوقفَهم رجالُ الأمنِ في العتبةِ، لكونِ النِّساءِ على سُفورٍ!!

أهدَوْهُنَّ العباءاتِ، ودخلوا إلى الصحنِ الكاظميِّ ليجلسوا في الساحةِ خارجَ المسجدِ الذي كانَ مكتظًّا بالمُصلّينَ.

مرّتْ دقائقُ، أُريقَتْ ثوانيها في تأمُّلِ الهدوءِ الذي عادَ لهم، بعد أنْ ظنُّوا أنهم لن يروْهُ مجدّدًا - إلا بعدَ فترةٍ طويلةٍ - كما يحدثُ في كلِّ الحروبِ. ناسينَ أنَّهم في العراقِ (حيثُ لا يطولُ الأمرُ حتى يعودَ الأمانُ بسرعةٍ).

تنفَّسوا الصعداءَ وتمنَّوا أنْ تكونَ هذهِ حقًّا هي النهايةُ، لا فخًّا للأمانِ.

وبعدَ الصلاةِ، حضرَ المسؤولونَ والمعمَّمونَ، ومعهم بعضُ رجالِ العامةِ، والذين بدا عليهمُ الثراءُ الفاحشُ والتواضعُ الدينيُّ...

أخبرهم مسؤولو العتبةِ أنَّ هؤلاءِ الرجالَ سيفتتحونَ لهم مواكبَهمُ الحُسينيةَ والمهدويةَ...

ثم راحَ كلُّ رجلٍ يأخذُ عائلةً.

فأخذَ عائلةَ أسرٍ رجلٌ مُسنٌّ، اشتعلَ الشَّيبُ في لحيتِه، يضعُ الوشاحَ الأخضرَ على رأسِه (سيّدٌ)، ويرتدي نظّاراتٍ طبيةً كبيرةَ العدسةِ، ضعيفُ النظرِ إلى حدٍّ مُحرِجٍ، فقد اشتبهَ بينهم كثيرًا... يشكو من مرضِ السكريِّ الذي أضعفَ بصرَه.

نعم، إنَّهُ مُعتلُّ الصحّةِ، لكنَّهُ سيظهرُ في القصةِ - من وجهةِ نظرِ أسرٍ - كجبلٍ يُستندُ عليه، ومُساعدٍ لا يخذلُ.

قال السيّدُ لعائلةٍ أُخرى:

"تَعالُوا ويّانه، إنتو همينه عمو!"

فسألتْ رَزانُ - زوجةُ مروانَ - بنبرةٍ تلونتْ بالأدبِ:

"المكان يوسّع تاخذون عائلتين؟"

أجابَها السيّدُ بحساباتٍ فيها من الصحّةِ ما فيها من المبالغةِ:

"إي يابه إي تِكفي، مهدويتنه تلفي العراق كلّه!!"

. .

اوقف احدى سيارات الفوتون ( سيارة اجرة جماعية متوسطة الحجم ) و ركب بافراد العائلتين واللتان كانتا احدهما ايزيدية عربية والاخرى مسيحية تركمانية، مما يعني لأسر و سماء انهم سيكونون المسيح الوحيدين، وهذا مالم يعتادوا عليه لأنهم كانوا محاطين بأبناء دينهم وقوميتهم في منطقتهم،

انتابهم احساس بالغربة و الضعف ممزوج بالشكر على النجاة ..

طول الطريق، كانت عيونهم تنظر من النافذة للفراغ وتذكر فراغ نينوى في لحظات شرودٍ كهذه، حتى للفراغ الذي هناك امتلئوا شوقاً !!

" وليدي يم الاستدارة نازل !! "

ايقظهم من شرودهم صوت السيد ..

نظرا اسر وسماء ليد الرجل و هي تشير للسائق ان يصف قرب المكان المنشود..

و بانت المهدوية بكبر حجمها و سعة مساحتها واضحة للعيان و العابرين بالسبارات.. تملك مساحة شاسعـة قد بُلطت نصفٌ منها وزُرع نصفٌ أخر وتفرقت بنايتها عن بعض، قاعتان طويلتان تزيدان على خمسين متر وكل قاعة من طابقين تفصل بينهما غرف الخدم وسور من الشَجر ..

لاحظا اسر و سماء لافتـة كبيرة وضعت قرب السياج الذي يحيط بالبناية، خُط عليها اسم المكان، اسمٌ خاطَ بعضً من جراحات الغربـة التي استشعراها وارجع لمعة اعينهما

"آسر انظر للاسم.. مَهدويةَ مَريم الكُبرى!! اُمنا العذراء ! "

"رأيت!!، ذكرني بكنيسة مريم في منطقة الساعـة!!"

كانا يتحدثان بلغتهما و يؤشران بأيديهما، و كان هناك محل حلويات قريب اللافتة حيث اشارا ففهم السيد لبسًا و سأل اخاهما

"شيردون الاطفال، بنفسهم شيء نجيبلهم"

مروان: لا لا .. بيحكو عن الكتابة .. اسم الام مريم.. المكان باسمها

الرجل ( بتفهم و ود ) : اهااا.. المهدوية باسم السيدة فاطمة الزهراء مو السيدة مريم سلام الله عليهن.. رسول الله چان يكول عن بنته " هي وﷲ مريم الكُبرى" .

توقفت السيارة، و ما ان نزل نصف الضيوف الا و خرج من المهدوية شباب ثلاثينيون يرحبون بهم و يساعدونهم بحمل امتعتهم و ادخالها .

اسر و سماء يجلسان في اخر مقعد.. وكانت نورا تنام على قدم اسر بعمق، حاولا ايقاظها لكن التعب فتك بها فلم تستجب البتة

فرغت السيارة الا منهم.. هم مشغولون بالطفلة و من بالخارج مشدوه بالاغراض.

السيد : اعرفكم يابه.. ذوله ولدي خُدام المهدوية .. علي الاكبر،. علي الصديق، علي الفاروق، علي الكرار.. و هذا ابن اختي ميرزا.. كلهم بخدمتكم

شاب 1 : الحمد لله على سلامتكم اخوان

سماء : نوني.. اويغن نورا اويغان!

اسر : اويان نوروش.. بزى قاياتتتن!!

تيم(طفل ايزيدي) : بابا ما اجه معنا.. هوي غاح ع القـُشلة و ما غجع

شاب 2 : احنه كلنا ابائك حبيبي!!

شاب 3 : عبد المهدي افتحلي الباب

رزان : گُچ قالدير.. چابوق دوشمك

السائق : يلا يا عمو يمتى تنزلون ؟

سمع احد الشباب قول السائق فمد رأسه للسيارة يتقصى الوضع و رأى الحال فسارع بالصعود للمساعدة

" عنك بابا ! "

قال و نفذ بنفس اللحظة.. حمل الطفلة بين يديه و سارع بالخروج من السيارة الضيقـة

كانت لحظة سريعـة في زمنـه.. لحظـة عملية و خالية من اي استشعار.. خلافا لأسر الذي تباطئ الزمن عنده و تحول لمشهد في فلم هندي صب فيه مخزونه من احتياطي المشاعر المدخرة للأعطاء لمن يستحق..

لحظة خاطفة اوقعت قلب الصبي.

كانت السيارة شبه معتمة، الا من اضائه مصباح سقفها الخافت و بعض الاضواء المنبعثة من داخل المهدوية.. لكن حين دخل هذا الشاب انار المدار حوله.

هالتهُ قويـة و كارزميتهُ جذابـة بطريقة عفوية لا متقصدة .. لم يلمح اسر ملامح الوجه بدقة، مع هذا فقد استشعر بالجمال دون الدليل عليه .

افلت حبل التعجب حين عاد عقله به لخط الواقع و سارع بتحليل موقعـه الذكوري امام ذكر اخر بوجود الفتاة التي يحبها

فنظر لسماء ليحقق في وضعها .. شك انها اعجبت بالاكبر فما من فتاة تستطيع تخطي رجل كهذا و ان كان مازال طيفٍ و خيال او ظلٍ في ظلام .

لم يحصل اسر على جواب.. بدت الفتاة غامضة و تركز بنظراتها على اسر كأنهما فكرا بذات الطريقة لكنها سبقته بالتحقيقات .

هو لم يفهم.. او لنقل فهم لكنه لم يملك الجرأة ان يسلم لأستنتاجـه، احس ان هناك لسعة غيرة داخل محدقيها و مال الى ان تفسير كهذا جاء من باب المغالطة فلمَ قد تشعر بالغيرة عليه و هي لا تحبه .

لعلها كانت نظرة حرص!، من يدري بِمَ خطبت عيونها العميقـة

همت بالنزول مضيفة بنبرة متأسية : تحتاج مراجعة لطبيب العيون.. انها تلتمع بلا سبب. هذا تنبيء بامراض توسع المدامع!!

.

.

.

.

.

.

اجتمعوا بصالة الرجال جالسين و كان السيد يعلمهم بتعاليم المعيشة في هيئته الدينية هذه..

"عدنا ايام بالسنة ح يصير بيها ازدحام عليكم مثل مواسم المشاية وايام المواليد والوفايات.. بس مثل ماتشوفون القاعات واسعة وتكفيكم واكو بعد غرف خدم تكدرون تستغلوها.. هاي قاعة الرجال وهذيج قاعة النساء.. الافضل تنفصلون و ممنوع تشغلون اغاني بالمهدوية او تسون اي محرم اسلامي "

كان اسر يجلس امام ذاك الشاب الذي حمل نورا و اواها الى فراشها، ينظر اليه بتأمل لملامحه التي باتت واضحة الان في هذه الانارة القوبة

يركز مع خاله منصتًا، ملامح بادي عليها السكينة والسلام، التناسق في لونه دقيق و عجيب.. كان بشرته قد ضبطت بيد احترافية لتصل لدرجة من الاسمرار يتلائم من الاخضرار العشبي في حدقيتيه.

حواجبه كثـة و رموشه طويلة .. خصلات شعره و لحيته التي تنمو بعفوية و دون تحديد ، دِقةُ اصابعهِ الطويلة و سلاسة تحركهن في ادارة حبات المسبحة.. كلها تفاصيل هادئة شدهت الفتى.

ثم غطاء الرأس الملتف حول راسه كان مختلفً عما يرتديه السيد وابنائه.. انهم يرتدون الاخضر ( الغترة ) و هو يرتدي الوطني ( الشماغ )

تسائل اسر أليس الاخضر رمزا لعائلتهم النبوية و اليس هو من العائلة لمَ لايرتديـه ؟!

اطال اسر تأمُلهُ حتى استشعر الشاب نظراتهِ فأنتبه لتركيزه بالوشاح ..

اشار له ان يقترب فأقترب اسر ، خلعه عن رأسه وسأل اسر ناويا الباسه اياه: عجبك شماغي!!

رفض اسر بتحفظ وحياء لكن الشاب لم يستمع له واخذ يلفه ويرتبه على رأسه ، و قال الشاب بأبتسامة وديعـة :- شسمك انته؟

- اسغ

- اسر ! ..

- اي!!

فرغ من لف الغطاء و هندمته فقال بنبرة مرحة : ايبااخ شنو هاي عمي طالع تخبل.. عربي اصلي

ابتسم اسر و سكت.. و تأمل الشاب وجه الاصغر المليء بالتقيحات الجلدية المأساوية محافظا على ادب النظرات و لم يسمح لعيونه ان تبدي شفقته كي لا يتحسس الفتى..

قال الشاب مادحً اسر بأسلوب متحفظ و متدرج بالحوار كمقدمة للدخول في الموضوع :- اسر شنو هالجمال البيك.. و منيلك هالعيون الحلوة

سكت بحيرة، لا يعرف كيف يرد المدح.. او ربما يعرف لكن سعادته بالمدح انسته الرد فحتى شكرا لم يقلها رغم انها لاتحتاج معرفة..

استرسل الشاب بعد ان كسب بسمة الاصغر و روضه : بس خسارة هيج بشرتك تعبانة.. هذا مرض جلدي صحيح عمو ؟!

اومئ اسر بتقبل : كلنا مرضنا من قطعوا الدواعش علينا الماي

- : بلي جاي اشوف التعب بيكم.. بس انته حيل متأذي و لازم تتعالج بسرعة حتى ما تتسرطن الخلايا يروح يصير بيك سرطان بالجلد لو بالدم لا سمح الله.. "

سكت اسر بلا حيلة.. لا مال لديه للعلاج، انه مكلف جدًا!!

استرسل ميرزا بعطف شديد و ابتسامة متأملة : "فشنو رأيك نروح اني وياك هسه لبيتي و انطيك علاج من طب اهل البيت "

رفع اسر كتفيه بجهلٍ و اخلاء مسؤولية ، لايؤمن بأهل البيت و لا يملك سبب لرفض المعونة

قال دافعا القرار للأكبر : التشوفه مناسب!!

السيد : اي خالي ميرزا گوم اخذه هسه دام ام البنين موجودة حتى تسوي الوصفة هيه باديها الخضرة.. باجر اخذها للنجف و تظل وحدك

قال ميرزا باحراج من الحضور :- خالي هم كلت اسم الوالدة ارجووك !!

سأل اسر بفضول ورغبة تعارف:

"اسمك ميغزا ! .. ايش معناه؟"

لم يحصل على جوابٍ شافي فقد قال المهووس بالتجرد من كيانه وذِكر هدف حياتـه

"سميني عبد الحجة لو عبد المهدي "

اسر : منو الحجة وليش تعبده مو انتم تعبدون ﷲ!

" لا، احنه مجوس نعبد قبور "

قال بسخرية اضحكت ابناء خاله..

نهرهم السيد فلم يكن يتقبل المزاح بالدين..

و اعطى اجابةً اوضح لأسر "ميرزا تسمية للي ينحدر نسله من الامام علي بس من طرف الام مو الاب.. وعبد الحجة يعني عبودية الخدمة مو عبودية الربانية.. يعني خادم الحجة...

الحجة هو امام الزمان المهدي محمد ابن الحسن العسكري. "

و كما يفعل الشيعة عند مرور ذكر الامام فقد فعل هءلاء المهدويين. ارتفعت الايادي و وضعت على الرؤوس داعين

- عجل الله فرجه الشريف -

استشعر مروان بشعور الوحدة و القوة و التكاتف حين رأى تناسقهم العجيب بالتحرك و الدعاء.. كأنهم جنود منظمـة و مدربـة على اداء التحية.

اقشعر جسده من الهيبة رغم هدوئهم الساحـر و عدم فعلهم لشيء مخيف او باعث للرهبـة.

.

.

.

خرج أسر وميرزا من بوابة "المهدوية" و كان الهواء ناعمًا كأنّه يُنقّي الصدر. الشوارع شبه خالية، وبعض النوافذ لا تزال مضاءة بخفوت، كأنّها ترقب خطاهم من بعيد. الأزقة ضيقة، بعضها يتلوى مثل تعاويذ، والمصابيح القديمة تبعث نورًا شاحبًا متقطعًا، لا يكفي إلا بالكاد لرؤية الطريق.

الهدوء كان مطبقًا، لا يُسمع سوى خشخشة أوراق شجرة جافة تهتز بريح الفجر، وصوت خطواتهما على الأرض الإسفلتية المكسوة بالغبار..

شعر اسر براحة غريبة، كأن شيئًا ما غُسل من قلبه، نظراته تمشي خلف ميرزا، خطواته خفيفة..

لكن فجأة، قطع السكون صوتٌ مفاجئ حاد، نباح طويل مجنون، وكأنّه خُلق من فزعٍ صرف.. كلب كبير خرج من ظلّ حائط خلفهم، شعره منفوش، بنيّ داكن يلمع تحته لحمٌ وعظم، عيناه تلمعان بضوء الموت، وأسنانه صفراء متكسّرة، مبللة بلعاب يسيل على شدقيه.

نقز الاصغر من مكانه، صدره انكمش كأن قلبه نزل على ركبتيه،.. تلقائيا بلا اي توجيه ارادي تحرك جسده حاملا اياه للهرب

لكن امسك ميرزا بيده و ثبته..

لم يتحرّك الاكبر . وقف بثبات، جسده مستقيم، عيناه على الكلب، وجهه خالٍ من أي توتر، لا سُباب، لا دفاع، فقط سكون هادئ يشبه الجبال.

و كنصيحة اولية قال " لا تركض، يركض وراك"

ثم سحب اسر و برر له فعلة الكلب كي لا يترك له مجال ليعتل مزاجه بظنون ان هناك كائنات تحاول ايذائه اذ قال بأبتسامة : " هاي ام.. خايفة على جهالها "

واصل المشي، ببطء ثابت، دون استعجال. الكلب ظل يزمجر، ثم تراجع خطوتين، وانسحب ببطء للظل كما ظهر.. ليعود قرب كلاب صغار و يتضح انه كما قال ميرزا... أُم !!

واصلا طريقهما، وأسر خلفه يمشي في صمت، لم يعد ينظر للخلف. أصوات الهدوء عادت تدريجيًا، وكأن ما حدث لم يكن.

كف ميرزا لا يزال يحتوي كفه الصغير.. يشعره بالاحتواء الكامل و الحنان المذيب لقسوة الايام..

أول خيوط الضوء الزهري تتسلل من فوق قبب الكاظمية، تلون السماء بأطياف هادئة كأنها تبشر بيوم دافئ. الشوارع حولهم بدأت تستيقظ ببطء، بائع خبز يفتح دكّانه، وصوت راديو بائع الماء طر من الحي المجاور يمتزج بالبائع الجوال للاجبان قادم من مكان ما بعشوائية شعبية .

"دبة ماي ارو خمسمية.. دبة ماي ارو خمسمية"

"جبن عرب الف و نص.. كيمر كيمر "

ظهر بيت ميرزا عند منعطف الشارع، بناء أنيق من طابقين بواجهة من الحجر الأبيض المصقول، وحديقة أمامية صغيرة تزينها أضواء أرضية ناعمة. الباب الحديدي الخارجي مطلي بلونٍ رمادي غامق، محاط بكاميرا مراقبة ومصباحين جانبيين مضائين بضوء ذهبي دافئ. نوافذ الطابق العلوي كانت مغلقة بستائر بيضاء ثقيلة، لكن هناك ضوء خافت ينساب من خلفها.

عندما اقتربا، انفتح الباب الخارجي بهدوء قبل أن يطرقاه، وظهرت امرأة بعباءة داكنة وملامح دافئة، وقفت في عتبة الباب تبتسم بنعاس وطمأنينة.

- "هله يمّه هله بيك " قالتها بصوت منخفض وهي تفتح ذراعيها فعانقها ميرزا .

شعر اسر بشيء من الدفء ينزلق إلى صدره مع تلك الكلمات، اشتاق لهذا الترحيب من والدته و استقبالها له، اشتاق ان يسمع ما قالت العجوز بصوت امه.

دخلوا من البوابة إلى الساحة الأمامية المفروشة ببلاط حديث، وزرع جانبي مرتب يحوي ورداً مشذّباً ونعناعاً تفوح رائحته مع نسيم الفجر..

الخق ان رائحة النعناع تملئ بيت ميرزا طوال الوقت لا الفجر فقط..

كان الباب الداخلي زجاجي بإطار خشبي، ينفتح على ردهة واسعة ذات أرضية لامعة، مكسوة برخام أبيض رمادي. الإنارة داخلية موزعة بدقة، أضواء سقفية خافتة، ولمبات حائطية دافئة تعطي شعورًا بالفخامة والهدوء.

الصالون الأول كان مفتوحًا على الطرمة، أثاثه حديث بلون كحلي وذهبي، الأرضية مزينة بسجاد إيراني فاخر، والجدران معلّق عليها لوحات فنّية ونقوش آيات بخط عريق..

رائحة الشاي انبعثت من جهة المطبخ المفتوح، وتسللت إلى أنف أسر كأنها دعوة للراحة.

أشارت السيدة نحو الكنبة :

- "اكعد حبوبة .. ارتاح، أنته تعبان."

خلع ميرزا معطفه و وضعُه على المشجب القريب، ثم اقترب الى والدته يهمس بشيء في أذنها، فأومأت برأسها ونظرت إلى أسر بنظرة أمّ تفهم ما لا يُقال.

جلس أسر ببطء، عيونه تتأمل المكان و الجو الجديد، وصدره بدأ يهدأ أخيرًا.

لا كلاب، لا ظلمة، لا ارهاب، لا خوف قطع الطريق الذي كان يملئ قلبه قبل ست ساعات ..

فقط نور ناعم، وأم حنونة..

و صوتٌ 'حلواجيٌ' يرتل دعاء مريح

دعاء تبثه قناة دينية تظهر كلماته مع صور زهور و طيور و مناظر طبيعية على شاشة التلفاز ..

"اللَّهُمَّ يا مَنْ دَلَعَ لِسانَ الصَّباحِ بِنُطْقِ تَبَلُّجِهِ،

وَسَرَّحَ قِطَعَ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ بِغَياهِبِ تَلَجْلُجِهِ،

وَأَتْقَنَ صُنْعَ الْفَلَكِ الدَّوَّارِ فِي مَقادِيرِ تَبَرُّجِهِ،

وَشَعْشَعَ ضِياءَ الشَّمْسِ بِنُورِ تَأَجُّجِهِ، "

ابتسمت والدة ميرزا لأسر بلطف وهي تضع كأس الماء على الطاولة أمامه، ثم قالت إلى ابنها:

- "يمّه، ريگ الوليد... وأنا أروح أجهّز الخلطة."

-" لا ستي ما تتعبو نفسكم.. انا بس جيت اخذ الدوا و اغوح "

ثم التفتت إلى أسر، قائلة بنبرة الجدات الدافئة، كأنها تكلّمه من قلب أم، لا غريبة.. و تكلمت ببصيرة عالية و مبدية برأي واثق كأنها تعرف اسر منذ اعوام :

- "لا تتكلف مننا حبوبه.. إنت مبين خوش وليد، خلينه هم نكسب بيك اجر و هم نربحك! ..

إن شاء الله راح نداوي جلدك مثل ما داوَوا أهل البيت عليهم السلام ناس مثل حالتك، وما راح تبقى عندك حسرة، بإذن الله.. "

غادرت بخطى هادئة الى غرفتها المجاورة، وهي تهمس بذكرٍ ما دون ان يسمعها أحد.

ذهب ميرزا ليعدّ ما طلبته والدته.. و بقي أسر يجلس وحيداً على الأريكة الوثيرة، يتأمل الديكور الهادئ المحيط به..

مرت دقائق خافتة، صمتها مملوء بالسكينة،

و من دون قصد وجد الفتى نفسه يتابع تلك الكلمات التي تتحرك في الشاشة.. يتابعها بتركيز، معجبٌ بقدر بلاغة النص و عذوبة المعنى..

"وَافْتَحِ اللَّهُمَّ لَنا مَصارِيعَ الصَّباحِ بِمَفاتِيحِ الرَّحْمَةِ وَالْفَلاحِ،

وَأَلْبِسْنِي اللَّهُمَّ مِنْ أَفْضَلِ خِلَعِ الْهِدايَةِ وَالصَّلاحِ،

وَاغْرِسِ اللَّهُمَّ بِعَظَمَتِكَ فِي شِرْبِ جَنانِي يَنابِيعَ الْخُشُوعِ،

وَأَجْرِ اللَّهُمَّ لِهَيْبَتِكَ مِنْ آمَاقِي زَفَراتِ الدُّمُوعِ،

وَأَدِّبِ اللَّهُمَّ نَزَقَ الْخُرْقِ مِنِّي بِأَزِمَّةِ الْقُنُوعِ، "

مع كل كلمة يسمعها تدخل من النافذة نسمات باردة تحمل رائحة النعناع الذي زرعه ميرزا و تفتح رئات اسر لعوالم جديدة من الانفاس التي لايشوبها شائبة..

جسده يتنفس الهواء و روحه تتنفس الكلمات، هذه راحة غير معهودة او مكررة، احس بلا مبالغة انه كان ميتً و عاد للحياة.. نائما في لحد و استيقظ..

انها مرته الاولى.. اول مرة يشعر فيها..

بالـ.. صباح

و اليقظة !! .

. .

عادت السيدة تحمل صينية صغيرة فوقها قارورة زجاجية، وعاء فخاري، وبعض الأعشاب المجففة بعناية.

جلست أمام الفتى ، وضعت الصينية على الطاولة، وأشارت إلى الوعاء الفخاري:

- "هاي ابني، خلطة تورثناها جيل بعد جيل، مذكورة بكتبنا، بيها أسرار من طب النبي وأمير المؤمنين وفاطمة الزهراء عليهم السلام. بيها قسط هندي، وسدر، وزيت الحبة السوداء، وشويه ماي ورد المقروء عليه."

ثم أشارت إلى القارورة الزجاجية :

- "وهذا زيت مغلي بورق السدر، ضايغيله نوى تمر مطحون، كان الإمام الصادق عليه السلام ينصح بيه للي عنده أمراض جلدية!! ."

كانت عيناها تلمعان بفخر المعرفة، وتكلمها فيه ثقة العلماء:

- " المواد كدامك.. هذا مو سحر.. هذا ايمان.. أهل البيت، ما كانوا يخلّون مريض إلا وشافوه، من اي مذهب او دين كان "

سكتت لحظة، ثم اقتربت بهدوء، ومدّت أصابعها للوصفة الطبية و تمررها على يد اسر.. تتحسس بشرة الفتى المتأذية برفق، وقالت:

- "اليوم نبدأ. بس لازم كل يوم قبل تنام، أدهن هالمناطق، وأقرالك دعاء الفاتحة وزيارة الإمام الحسين، وإذا عندك يقين... راح تشوف الفرق."

كان أسر يحدّق فيها بصمت، عيونه تلمع من أثر الاحترام العميق، وشيء بداخله بدأ يتحرك... شيء يشبه الإيمان، لكنه مبلّل بالاستغراب.

" فَبِئْسَ الْمَطِيَّةُ الَّتِي امْتَطَتْ نَفْسِي مِنْ هَواها،

فَواهاً لَها لِما سَوَّلَتْ لَها ظُنُونُها وَمُناها،

وَتَبّاً لَها لِجُرْأَتِها عَلَى سَيِّدِهَا وَمَوْلاها،

إِلَهِي قَرَعْتُ بابَ رَحْمَتِكَ بِيَدِ رَجَائِي،

وَهَرَبْتُ إِلَيْكَ لاجِئاً مِنْ فَرْطِ أَهْوَائِي،.. "

كانت السيدة صريحة و واسعة الصدر.. عفوية و شجاعة بطيبة لاتمانع ان تفتح المواضيع الجارحة و الحساسة برقة و حنان

فأنسابت كلماتها على اذن اسر كصديقـة حنونة

" وكتكم و جيلكم هذا صعب ياحبوبه..

مهوس بجمال المظاهر

و يعيبون على كل اجگم

اما البشعين او المريضين مثلك فمعيار الجمال طلعهم من قائمة البشر اصلاً..

لأن معيار الجمال الجديد.. مو انساني و ما عنده رحمة!!

ينظرون للعادي انه شاذ عن المجتمع.. و ينبذوه "

قال اسر يقصد الشذوذ الجنسي

" و الشاذ الحقيقي.. يقبلوه !!

صاروا يقدسون الغريب و يستحقرون العادي..

و الحالات الشاذة هي الجمال العام .. "

قالت السبدة تقصد الشذوذ بالمظاهر : وحده من بنات الجوارين سوت وجهها مثل اللعابات و اخواتها يشجعنها و كومه ولد دكت بابها ، رغم وجهها مو مال انسان.. مال لعبة "

شكى اسر بطريقة تبطن قضية داخل قضية.. كلامه دقيق و يحتاج تفكيك، لم يصرح بوضوح من يقصد تاركا لنفسه ثغرة للتهرب ان ضغط عليه احد بالاعتراف..

" كلش حريصين دعاة الشواذ و الغرابة انو يطلعو باحسن شكل و مظهر و اقوى جسم و اطيب وجه ..

لأنو الجمال ورقة معروفة مقبولة مايرفضها احد.. جاي تُقدم و وياها درزن اشياء غريبة مجهولة و مرفوضة "

اضاف بنبرة ممتعظة : يلعبون النفس.. شوهوا الجمال بجمالهم الشاذ و المزيف

و بالطبع لم تفهم الجدة كل ما ثرثر به من غموض .. لكنها اجابت بعفوية على اخر ماقاله : "حبوبة ما يصير تكره واحد غلطان، لأنه ما ضارك.. ضار نفسه .. و انته بكراهينك ح ترهق نفسك ع بشر ما يستاهل "

تنهد اسر و وسع صدره طاردا الكراهية للحظات ، انه يغضب لكنه لايحقد

: بس همه ضارينه.. خلقولنه معيار يمشي علينه كلنا.. معيار جديد غلافة ثقافة و باطنه همجية .. معيار دكتتاوري عجبني او ما عجبني ح اتقيم بي ، منو انته حتى تقيمني و تعلمني شنو الحلو و شنو البشع و شنو المقبول و شنو المرفوض!

هذا الوصلوله مو من انجاز عظيم بالفكر و الذوق .. بالعكس فكرتهم فاشلة و اغبى الاذكياء و اقل الذواقيين يهز ايده مستهزء بيها .. وصلوله بالغش و المكر و الكيد

غضبي عليهم علامة رفض مو علامة حقد.."

نصحته السيدة بصوت تلون بالحكمة و الورع

" حتلو ضروك وسع صدرك و فهمهم.. و اشرح للناس شسووا .. اذا بقيت غضبان ما حتكدر تشرح للعالم اذيتهم، بس المروقين يعرفون يرون القصة عدل "

نظرة في عينيه تغيرت اثر كلامها التربوي ، اومئ بلا حيلة : حكيك صح ستي.. ادعيلي ربنا يصبرني و يطفي ناري

" إِلَهِي هذِهِ أَزِمَّةُ نَفْسِي عَقَلْتُها بِعِقالِ مَشِيئَتِكَ،

وَهذِهِ أَعْباءُ ذُنُوبِي دَرَأْتُها بِعَفْوِكَ وَرَحْمَتِكَ،

وَهذِهِ أَهْوائِي الْمُضِلَّةُ وَكَلْتُها إِلَى جَنابِ لُطْفِكَ وَرَأْفَتِكَ،

فَاجْعَلِ اللَّهُمَّ صَباحِي هذَا نازِلاً عَلَيَّ بِضِياءِ الْهُدَى،

وَبِالسَّلامَةِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيا "

دخل ميرزا بهدوء، يحمل صينية الفطور، ورائحة مربى العسل و القيمر و الخبز تغلّف جو المطبخ.

لم يكن دخوله مفاجئًا، بل بدا وكأنه لحظة محسوبة في جدول الأقدار.

كان يسمع منذ دقائق، صوتهما ينساب من قلب المجلس كأن البيت بلا جدران... أو كأن الكلام أثقل من أن يُحبس.

فهم هذا المستمع معنى الحديث و بواطنه اكثر من طرفي الحوار..

وقف للحظة على العتبة، لم يَقُل شيئًا. فقط نظر إلى أسر.

فتى بعمر الزهر، يتحدث من بين طبقات الجلد المتعب، عن قضايا لا يعرفها إلا من قرأ ما وراء السطور وتكوّم في صدره وجع السنين.

كان ينظر اليه نظرة لا تُشبه نظرات الشفقة، بل كانت أقرب لانبهار رجل وجد ضالّته.

هناك نوعان من التنشئة..

تنشئة على سبيل النجاة.. و اخرى على التطور

حين نشئ اطفال الشرق الاوسط بالطريقة الاولة، لينحو من الحروب،. من الجوع، من ضرب اهلهم.. كانوا اطفال الغرب ينشاؤن بالطريقة الثانية.. يطورون من افكار ابائهم القذرة

ماذا ان نشئ اطفال الصالحون بالطريقة الثانية.. ماذا ان تطوروا و حملنا عنهم هم النجاة

و لو طفل واحد على الاقل!

سنحصل على صوت يجابه الخطاب الغربي!!

ميرزا و منذ نعومة اضافره اراد ان ينشئ اطفاله نشئة كهذه.. لكن الاقدار ابت ان ينال ذرية!

و اكن اليوم بأسر، احس ان حلمه الذي مات منذ سنين عاد ينبض بضعف.

يريد ان يُنشئ اسر هذه التنشئة المراعية و الداعمـة.. خصوصا بعد ان وجد فيه افكار نسخً لأفكاره.

اسر لم يتحدث بشكل مباشر لكن ميرزا فهم ان فحواه كانت عن الشذوذ، تشويه الذوق العام، التسلط على الجمال و استغلاله، القبول المشوب بالمرفوضات، وجود حكومة ظل تحاول تحريك بيادق العالم

اسر لم يعد عملا دينيا يكسب منه ميرزا بعض الحسنات... لقد صار مسؤولية دنيويا!!

في عيون ميرزا.. هذا الولد لم يكن مجرد نازح يجب احتوائه... بل مشروع مقاومـة .

اقترب اليعما و جلس واضعا الفطور امام الطاولة يدعوعما للاكل باسلوب حيوي و خفيف..

تشكره اسر و سمت الجدة ثم اكلوا سويا..

. .

قال ميرزا بادئا مشروعه بأبتسامة ابوية :- اسوري عموو انته شگد عمرك؟

اجابه بعفوية :- كملت اغبعطش

رفع ميرزا عينيه مازحًا : - يعني رايح ثالث؟ لو انته من اليحبون يتأخرون؟

سارع بالحواب بنبرة عزة صافية خالية من الغرور :- لا، انا شاطغ، الاول ع الصف!!

ضخم ميرزا صوته بفخر :- عفية ابني السبع .. حتى اسجلك بالمدرسة الاداوم بيها.. هيه مال متميزين مثلك

انبسط وجه اسر انبساطة تلائم من افتقد الاخبار السعيدة و غابت عنه منذ شهور :- صدق والله يعني اغجع ادغس.. و وي المتميزين؟!

- اي صدك و لاتستكثرها و تتعجب .. انته المدارس و النجاح يدورون عليك

سكت اسر للحظة بذهول ثم شكر الرجل بحرارة.. تذكر سماء و نورا بعدها، و طلب من ميرزا ان يسجلهما ايضا في مدرسة ما ان قدر على هذا..

" عبد الحجة اقدغ اطلب منك طلب.. بنات عمي همين سجلهن بفد مدغسة.. هنه اشطغ مني "

طمئنه ميرزا ان الامر بسيط و سيحصل كما يريد..

و استرسلا بالاحاديث، قصة بعد اخرى، ليتعارفوا اكثر و كانت عيون ميرزا تلتمع كأن النجوم تسقط فيها مع كل كلمة تسقط على مسامعه من فم اسر..

بعد الفطور، وقف عند باب البيت و بيده علبة الدواء

تقول الجدة موصية بتذكير اخير.

" مو تنسى حبوبة ، كل يوم بليل اقرا الزيارة و ادهن بي و نام.. اسبوع اسبوعين تطيب ان شاء الله.. هذا الك و لاهلك حتى تطيبون كلكم.. اذا خلص عود ارجعلي "

فيجيب اسر بحرص : حاضغ ستي

جعل ميرزا نبرته خفيفة كمزاخ لكن كلماته كانت صادقة : اكيد حفظت الطريق للمهدوية .. ما تريدني اجي وياك؟!

اسر ( بثقة و لطف ) : اي والله حفظته.. قغيب.. خذ غاحتك استاذ و نام انته سهغان تجهزلنا المهدوية و تعبان

ابتسم ميرزا لمراعاة اسر فقال بصوت طري و مرتاح

" تمام.. الله وياك "

اقترب يسلم عليه مودعا و قبلّ خده ، بلا قرف او اشئمزاز من تلك البقع و التقيحات الجلدية..

قَبلّ خدهُ بشفاهٍ غارِسة، و انبتَ على وجههِ كافورً و سَاهجان.

تجمّدت اللحظة داخل اسر، لطالما مدح الناس جماله و احبوه لهذا الجمال و لطالما سأل نفسه أسيجد من يودهُ لو تشوه ؟! ام سينصذم بتخلي الجميع عنه؟!

احابه ميرزا الأن على سؤال السنين.

لم تكن قبلة

كانت اعترافًا ضمنيًا أنه لا يزال يُؤخذ بالحسبان،

و أنّ هذا الجسد الذي نُبذ ولمسته الأعين باشمئزاز..

يُقبل اليوم بشفاه رجلٍ كامل، واعٍ، نقيّ... دون تردّد، دون إحسانٍ متصنّع، دون رحمةٍ تنزل من أعلى،

بل بقبولٍ أفقي، عادل، إنساني.

احب اسر هذه القبلة و لم يحسلها خطاءً، احبها لأنه هو الاخر - بروحه المحاربة - رأى انها نسفت شيء من معتقدات الفساد..

لازال لايعرف ماهو و الموقف اضخم من الاختصار برسالة، لكن مؤكد انه يعني شيئاً

خصوصاً لما كان يهذي به قبل قليل حول معايير الجمال و القبول و الرفض..

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

#يتبع.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

اسر اوبي

المؤلف lilo
2025/08/28 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة