" سَاهل الدَهر ما ذَل لكَ قُعودهُ
و لاتُخاطرِ بشيءٍ رجاءَ اكثرَ مِنه..
و إياكَ أن تَجمحَ بِكَ مَطيةَ اللجاج "
- مِن وَصايا الامام علي لأبنه الحسَن صل ﷲ عليهما.
.
.
.
.
.
.
.
.
________
بَادئ ذِي بَدء، عَلَّه لن يكونَ ملائماً ان تَحظى روايةٌ عَشوائية كهذهِ بمُقدمة "وطنية" ولكن لامُناص مِن القَول ان مُفترق الطريق كان في تلك الساحـة..
فهلُمَّ نَردُ النبضَ الى تشرين الراقدة منذ سنوات ولاتزال بأنتظار من ينظر في حالتها مدققاً ليُعيدَ معنىً لحيواتٍ ضاعت سُداً، وان كانت هذه انطلاقة باردة كبرودة الجو وقتها لكن مؤكد ستغلي الدماء ريثَ استذكارِ تلك الساحة التي اختلط فيها الدم البارد المتخثر بجمود مع الماء الساخِن... وحَيثُ كانت اطارات السيارات فَي طَرف المُحتجين تُحرق بسِلمية!! وحَيثُ الجَيش الوطني الذي يُتداول ان غاية وجوده حماية الشَعب كان يَضربُ بيدٍ لاتقلُ صلادة عَن جيوشُ الغُزاة!!..
و الأن لنُنَّحي ونعزل الشعب والجَيش جانباً قليلاً ونَرى خَيمـةُ بطلنا الحزينة التي تتوسط حشد الساحة وضحكاتهم السعيدة ببرنامجً كوميدي مدسوس بمؤامراتِ الساسَات لخائِن خارج البلاد..
شق الزحمة شابٌ يُلثم وجههُ بوشَاحٍ سُومَري او كما يسمونه "شِماغ"، يرتدي سترة من الكتان الازرَق نُقِشَ على ظَهرها نقشُ هِلال ونجمة يتوسطان خطين افقييَّن يلتفان حول السُترة من الامام للخلف..
تشابه هذه السترة علم قوميتيه.
تجاوز المندس الذي كان مسؤولاً عن شاشة العَرض في السَاحـة بعد ان رمق الشاشة بعينيه البراقتين، ففُصلت الأشارة عن الجِهاز جَراء نظرات حُزنـه المُبارك ليحتار المندس بأمرها..
تمشى بين عتمة الخيام، وبخار النيران الموقدة امام كل خيمة اخذ يلاحقه اينما ذهب، الى ان وَصل.. الىٰ خَيمـة مَنصوبـة في قلبِ مُعسكر الاحتجاج، وكأنها خيمة كبير القوم!! ..
ازاحَ قطعة القماش عند المدخل ودَلف للنور والدفىء الذي فيها، والذي يُعاكس ظلام وبَرد الليل الذي كان يتجول فيه..
نشرة المصابيح الكهربائية المُعلقة عند ستار الخيمة تضيء بألوان خضراء وحمراء وصفراء في عتمة المكان فامتزجت الالوان ببعضها مع الظل لتعطي اضاءة فريدة وجو انتيكا غامضٍ وعتيق..
وفي الظلال هناك.. يتمدد جسداً بتعب على الحصير ويتوسد يده معطياً ظهره لمن دخل..
ليقترب الدخيل، ويقول بلهجةٍ عامية تبدو طفولية وظريفة على لسانه الغريب عنها مهما اتقن قواعدها وتعطي السامع شعوراً بالآمان والسلام مهما كان مايسمعه مرعبً!!
"اوَّبي !! ..
البارحة بليل، حرقوا خيام المتظاهرين بالنجف!!"
قال لينبىء الاخر الذي كان واثقا انه من المحال ان ينام في اوضاع كهذه..
لم يحرك ساكناً، ظلَ ساكتًا مهمومًا للحظات ثم اعترف بصوتٍ ضعيف "ادري!!"
-"من وين تدري مو قاطعين النت!"
-"ميثم گال لي"
انزعج الملثم من الاسم المذكور بل وشعر ان لأحرفه يدً تمتد لعنقه فتخنقه و يدٌ اخرى ترمي سبع جمرات في قلبه كأن الشيطان يرجم الملاك.. حتى انه احس بلسعٍ حقيقي بالحر في رأسه وصدره..
خلع لثامه وسترته غير مكترثٍ لبرودة الجو بعد ان غلى دمه من ذكر المدعو ميثم، القى بالوشاح والسترة على الكراسي واخذ يدور في المكان واضعاً كفيه على جوانب خصره وراح يتشكى منه بكل غيظ
"خـر١ ع ميثم وع الساعة الشفتو فيها، يدري كُل شي ومايحكيلنا بس اليعجبه، تعرف شنو يعني حرقوها وهم نايمين!! يعني بعد مايردون يهددون ويخوفون الشعب ليرجع، خلاص يردون يصفونه"
ثم بدء يهلوس بلغته من شدة غضبه بالسب والشتم الذي لم يشئ ان يُسمعه لأوبي لكون الاخر لايرضى ان يُساء لميثم هذا..
"يكيلدي كازاب نليت بولسون-"
اراد المواصلة لولا ان اوبي قاطعه بندائه الضعيف
" أسِـر !! "
كان هذا اسمه و كفى بالاسم دليلاً..
هدء ليسمع الاسير بين يَديـه في تلك الزاوية، التفت وكانت عيونه محمرة
"كوبست بالجثث الشفناها البارحة، تعال نام يمي.. "
تذكر اسر وجوه المحتجين المشوهة واصاباتهم بالرصاص المطاطي والقنابل الدخانية و سكب الماء الساخن عليهم من قبل القوات وكيف احتار مع اوبي بأسعافهم وكم خافوا عليهم
ثم كيف ارتقى البعض بين يديهم بالفعل، كان منظرً مهولاً وصَدمة لاتُتَخطى خاصةً لأوبي الذي لم يسبق وان رأى الموت بهذا القُرب،.. والقسوة!!
زفر بتعب متنهداً
"ترا انا مو طفل، انا كبرت ونفسيتي مضطربة اكثر منك!! و هم جاي اشوفهم واحد واحد من انام"
"بس تعال، حتلو تضوجني افرح بيك.. "
اقترب أسر اليه وتمدد لينام قربه بل وتوسد صدره، استنشق اوبي رائحة شعره المتلون بلون الذهب الداكن حتى ملىء صدره منها حد ارتفاعه..
ثم فرغه رويداً رويداً بهدوء وتأني وكأن ذرات الهواء كانت تتأخر بالخروج لوجود نقطة تفتيش في الطريق وقلبه وقف لسحب عبق اسر وطرح انفاسِ الحياة..
يسمع اسر نبضات هذا القلب الحازم وعدم انتظامها..
-قلبك يدق بضعف، مثل الصيصان الصفرا قبل ماتموت!
:-احداث هالاسبوع ووجوه الموتى ماشوفتني النوم.. هسه مو انام يمك اصير زين
لم يقتنع اسر، ولاحتى اوبي!!.. فهو يعلم ان حالته تسوء.. لكنه يريد البقاء صلباً جلداً ريثما تمر هذه الايام، فهم اسر مايريد صديقه فجاراه وحاول اقناعه بكذبة نفسه حين قال "وانا همات رجليه طاحو من التفرفر.. تعبت وكون انام"
حَنّ اوبي للماضي وقال وهو يذكر كل مرة اكثرا التجوال فيها حتى المتهما اقدامهما: تذكر من چنا صغار؟
سأله اسر وهو يذكر كل شيء لكنه يريد ان يعرف اي جزء يقصده اوبي: شلون كنا؟
اجاب ببيت من قَصيدة شِعريـة يختصُر فَقر وفراغ المَاضي وزحمة وخيبة المُستقبل.
چنا مرتاحين ،
ماندري الخبُز ياهو اليجيبـه ...
بطرگ لعب الشوارع،
لاسياسـة ولاچكارة ولاحبيبـة
أسر: يلا انته تجاوبني بشعر وانا اجاوبك بأغنية!!
همهم اوبي فغنى أسر له اغنية تُشبه الحاضر الذي هُما فيه الان مما جعل هذه اللحظة تبدو وكأنها قادمة من المُستقبل، وكأن روح أحدهم تغنيها من هُناك ومن قوة شعوره وصلت الى عقل أسر هُنا ليختارها من بين كُل الاغاني..
ولامُناص من القَول ولامبالغة أن نذكر انَ حنجرتهُ قوية وجيدة لدرجة انه يُقلد اصوات الألات الموسيقية لا البشر فقط، كان صوته عذبً ومطمئناً انسى اوبي الضغط الذي كان فيه..
تتزكر..
شو كان عنا احلااام
يحكو عنا الناس شو مجانين!
تزكُر،
شو كان حلو نيسااان
والبرد بأول تشرين
ترجع الايام ياالله شو عبالي
عيد اللي كان لو ليلة من الليالي
دلف احدهم الى الخيمة وحين رئاهما أطلق ضحكةً وصوب كلمـة بقوس المُزاح ولم يكن أسر ليُفوت ان يستفزه كل نفسٍ خافتٍ يصدر من هذا الدخيل لا ان يسمع منه صوتاً!!
"اللي بخيم النجف احتركوا بالدنيا وبخيم بغداد ح يحترگون دنيا واخرة مو؟ "
اعتدل اسر بجلسته وقال بشيء من الاستهجان والنفور : "محد حَ يحترق دنيا واخرة غيرك!!.. ناس بعمر الورد راحت غدر، تذكرهم وتضحك!! شنو من ضمير عندك!"
ضحك ميثم وقال مستهزئاً ليتجاوز غضب أسر بمزاح فهو يعلم جيداً ان الجد لن يودي بهما الا الى المزيد من الحزازيات والمُشاحنات: ياعيني ونظر عيني منين لي ضمير واني كل يوميه چافت على خيمة العرسان اخرب الاجواء، يلا تعذرني اليوم هم ح اخذ الحبيب منك رايدينه
رمقه اسر بنظرةِ مقتٍ شديد لم يكن قادراً ان يخفيها ويتصنع الود او الضحك لما يلقيه ميثم من تفاهات فأسر يملك شخصيةً عفوية وصادقة جداً لاتكذب بماتشعر، استفسر اوبي من ميثم بعد ان اعتدل وجلس
- وين تردوني!!
- الشباب بردت عزيمتهم اصعد المنصة اقرالهم شي ثورهم، المن حاطينك شاعر وخابص الدنيا.. يلاا تحرك
قال ميثم كلماته ثم خرج من الخيمة، تنهد اوبي واستقام ليُنفذ، كمااخذ بيد اسر وجره ليقوم معه.. اخذ الوشاح المُلقى على الكرسي واعاد تلثيم وجه أسر ليسأل الاخر بضجر ريثما يخرجان من الخيمة..
"عَجل ليش انا تلثمني وماتلثم روحك!!"
اجابه ولم يكن جادً البتة "عن لاتنحسد"
لم يقتنع أسر بالجواب، شرد ذهنه مفكراً ريثما ينظر لأوبي وهو يسير امامه مبتعداً عنه ومما لم يستطع تجاهله هو شعوره ان هذه الخطوات لم تكن مُقتصرة على البُعد النظري والجسدي فحسب
بل كان يُحس بقدر وقوعها الحقيقي و الحرفي بين روحيهما.
وظهرُ اوَّبي الذي كان سندً لأسر في كُل الشدائد تلاشىء بين الحشود والثوار الذين رحبو به بحفاوة واخذوه لينقلوه من الاجواء الحنينة والعطوفة التي كانت في الخَيمة الى أحاديثه الجادة والحَصيفـة معهم وكأنهُ تحول لشخصٍ اخر، زعيم قومي او من شابه، شخصٌ لايمدُ بصلة لذاك المُكتئب الضعيف الذي كان يغوصُ في الكوابيس قَبل مَجيء أسر..
ارتقى سلم المَنصة و بدا لأثر قدمهِ صَدىً عاليً اخفت صوت العالم اجمع، و كأن الوجود رّكز فقط على خطواتِه - خطوةً خطوة -
كل ما خَطًّ من خطواتٍ مادية و ماورائيـة
و حين برز وَجهه للنور فوق خشبة المنصة عَلّت اصوات الهُتاف المليوني ضَاجّـة بدويٍ حماسي، بحناجِر الثوار المتشوقين للارتواء من بحر قصائده العِصامية وكلماتهِا الملسوعَة بحرارةِ صَحراء عُمره و حِمم اغوارِ قَلبِهِ .
. .
"يا قاهرَ الكفرِ مهما ارتدَّ صائلهُ
لا الضيمَ ترضى ولا بالجرح تعترفُ
تألق الشعر ألحاناً مرفرفةً
لما رأى جندَك الأبطال قد عزفوا
يا أيها الشعر مهلاً فالعراقُ لهُ
من البطولاتِ شأنٌ فوقَ ما تصفُ
هو العراقُ عراقَ الدينِ ديدنه
أن يجعلَ النصرَ ينبوعاً ويرتَشفُ
مضمارهُ النصرُ والإيمانُ رائدهُ
يكبو ولكنه في ساعةٍ يقفُ
برجٌ من العزمِ لما ماجَ ساحلُه
سعت إليه شعوب الأرض تغترفُ
يا قاهرَ الكفرِ علِّمها بأن لنا
ديناً عن المللِ العوجاءِ يختلفُ.. "
- سفر الحوالي.
------------------------
#يتبع..
lilo