ـــــ
امام بيتِ الصَبي الأول يتقافزُ اطفالُ المنطقة مراوغين دخولاً وخروجً بين تجمعات الكبار، يتغنون بأهزوجة قديمة، لايحفظونَ الكثير منها كونها تعود للغة غيرَ خاصتهم، فيكتفون بترديد القليل الذي حفظوه، ليضحكَ الكبار على طرافةِ ترديداتهم الهوجاء « هاشلي برباره ، هاشلي برباره »
فَتحَ باب المنزل و سَمح لأقدامهِ ان تسحبه خارجً..
فتىً ترفٌ و وسيم ، ببادرة تنمُ عن اللطف و الطيبة ساعدَ الاطفال و اكمل مانقصَ غنوتهم مرتلاً بصوت حيويٍ مُحبب
"هاشلي بِرباره .. والملوك محتارة
اصنامك كسرتيها، اصنامي ماتخليها
هاشلي بِربارة .. جينا جينا زيارة "
التموا حولهُ ببهجة و حُبور ، يكررون اخر ما قاله
“هاشلي برباره جينا جينا زياره“.. ليقود بعدها ذاك الجمع بحيوية اكبر و لحنَ غناءٍ اكثر نظاماً وعذوبة بأتجاه مركز الاحتفال القريب حيث ترقد البِربارة ..
و بدا على وجوه السادة الكبار امارات مطمئنة بأن يقود و يرافق صِغارهم هذا الصبي، رغم كونهُ في سن طيشٍ و مراهقـة.. الا ان الواضح انه نال ثقة اهل القرية بحسن سيرتـه و صُلح خُلقِه.. بل ان الاباء كانوا يدفعون بأطفالهم اليه لينالوا شيئًا من قبس نوره..
.
وبيتُ الصبي الثاني لم يمر بهِ العيد لكنه لم يقل صخبً عن تلك القرية، يبدو كفُندقٍ من شدةِ كبره وكثرةِ غُرفه وناسِه وانسابه وضيوفه، عائلة كَبيرة لدرجة ان عددهم مجهول لبطلنا الذي شاء القدر ان يُلصقَ بهِ لقب "اليتيم" مِن دونهم جميعاً،
يتيم الام الذي حظى بأربع " امهات " كما اخبرهُ والده ان يناديهن، برُغم انهن لايمدن للامومة والحنان او التربية بِصلة، لم يكن يتيمنا العزيز برتبة الاخ الأكبر المحترم او الأصغر المُدلل لتتحسن حياته بعد خسارته لأمه، هو لايعرف تسلسله حتى ولكنه يعرف انه شقيق ايوب الأصغر.
ايوب!!
الرقيب الأقرب لعمره والذي تشارك معه بعض السنوات في المدرسـة حتى تخرج منها، كان ايوب متسلطً بتصريحٍ رسمي من الوالد، فبما ان الاكبر قد هَرِم والاعداد ازدادت في العائلة فلم يعد قادراً على مراقبة هذا الكَم لذا فقد سلط الاخوة الكبار اباءً على من يصغرونهم.
وها هو ايوب يسحب ورقةً انشغلت بها الانامل الذهبية ويتفحصها لتعلو وجهه امارات عدم رضا ولكنه حاول ضبط نفسه قدر الامكان ممرراً على مسامع الأصغر كلام مُبطّن
"اوبي!، احنه شحچينا، شنو حُكم الرسم؟"
اعتلت علامات الاستغراب وجه الرسام.. كان مُتفاجئاً ليس من ضبط ايوب له و لخطائه على غفلة .. بل مما فعل!، فقد ظن انه شفي من هذا الأدمان الفني .
اخذ الورقة و تمعّنُ فيها
"شنو هاي؟ هم رجعت رسمت عيون!"
ناوله ايوب نظرة باردة فعاد يبرر له
" بالغلط جنت صافن .. ايدي وحدها شخبطت "
تنهد ايوب وبدا انه قد مل من هذا العُذر
"دوم تنسى روحك؟، مااكدر بعد اظم السالفة راح اگول لأبويه"
ضحك اوبي بتوتر ، قد اعتراه بعض الخوف ولكنه حاول اخفائه " ترا تايب بس باقية الاثار، لاتگوله يروح يچويني بلاذنب و تبقى بذمتك"
" ايووب يمه تعال انزل اكل "
سمعا نداءً والدة ايوب فقال قبل ان يلبيها ويخرج من الغرفة "لعد احرگها يلا، وحط ببالك هاي اخر مرة اسكت"
نوى اوبي ان يطيع الامر، بحث في طاولته.. اراد ان يعثر على لون الصبغ المَاجيك ليلطخ به العيون المرسومة بقلم حِبر الجاف الأزرق ليمحيها قبل ان تُحرق، بحث حتى عَجز من فوضى طاولته الصغيرة والتي من الواضح انها تحتاج الى ترتيب مُلِح بالنظر لكلِ ما تبعثر فوقها من اشياء عشوائية.. كُتب دراسية، قُرطاس متنوع، مسابح القلائد ذو الخرزات، سجادة صلاة، المصحفُ المُقدس، كُتب الصِحاح، بعض مجلات القصص المصورة الهادفة التي اقتناها بحُجة ان القصة دينية وبحقيقة ان الرسم جَذبه .
لطالما احب الرسم، و لطالما ابدع فيه ابداعً يَفوق سِنه.. و لكنهُ دائمًا ما كان يُحرِّق كل تُحفه بعد اتمامها.. كي يُنقذ يداهُ من الحَرق كما يظن .. (حرق الرب لا حرق الأب!! فوالده غالبا مايجد سبب اخر ليكويه )
يردد قبل كُل عملية اعدام واجرام شرعي يرتكبها شيء مثل "انها مُجرد خطوط و خرابيش لاتستحق ان اخسر نفسي لأجلها، يااوراق اما ان تحرقيني او احرقك!"
وبِطبيعةِ الحَال سيكرر هذه الاقوال في رأسه لما بين يديه الان ريثما ينظر اليها بعد ان يئس من ايجاد قلم الصبغ وحصلت على بضع دقائق اضافية، ولكن...
هذه العيون الجديدة لم تسكت!!
كانت تفاصيلُها دقيقة وواضحة لدرجة ان يُحس المُعاين لها انها حية وتبادله النظرات، للعيون لُغة لايترجمها الا من يحبها، فهذا اوبي يشعر ان هناك شيء يُقال له لكنه لايدري ماهو بالضبط.. تُحدقان في عينيه الباردتين غير مكترثتان لمافيهما من ذبول، وتخترقان كل مابنتهُ سنين التربية ومبادئ العقيدة مِن جُدران وحواجز وأسوار حول ماوهب ﷲ له، تشعلان شعورً بدء يتصاعُد لعينيه و يكتسح نظراتهما فيملئهما نشوة، يشتهي ان لاتغيب هذه العيون عن ناظريه ابداً و ان يطيل النظر فيها وفي جمالها حتى يغفو بِسلامها ..
بدا متخبط الافكار، من جهة لايصدُق بأنَ موهبته تحسنت وتطورت لهذه الدرجة وأن يديه انتجتا هذا العمل المُتقن ومن جِهة اخرى يشعر انهُ انتزعها من اغوارِ اغواره وانها كانت ازلية في داخله ولطالما رأها في خيالاته،.. وأن تلك الفكرة التي تكون في ذهن الفنان وتستغرق سنين لتولد كما يراها بقلبه او قد لاتخرج مطلقاً ولا يُلقاها الا ذو حظٍ عظيم قد ولِدت اليوم منه.
فإن كانَا القلمُ و الوَرقة حَديثين فهذهِ العُيون قديمَـة.. اقدمُ مِن يديهِ حتى!!
بعد ان فُتن تماماً بها قرر ان بتشجع ويرتكب هذا الذنب الجَسيم الا وهو الأحتفاظ بها. ولكن اين!
سُكان الدار ٣٧ نسمة.. لو حرك كل فرد شيئين من الاغراض فسينفضون البيت نفضًا في عشر دقائق.
"أوَّبي، صباو العشا ماتجي يلا؟! "
جذبه الصوت المبحوح من كثرة التدخين و نظر لصاحبه ، كان شابً طويلاً نحيفاً يبدو من اتراب ايوب او ممن يقاربونه.. ولكن وجه اوبي تهلل لرؤيته خلافاً لما كان عليه من كَدرٍ مع ايوب.. استبشر واثقاً ان الحل جاء
"عُثماان، مااريد اكل.. خل احجيلك شغلة تعال-"
قال الاصغر وقد اقترب لباب الغرفة الذي يقف عنده عُثمان هذا
وكان عثمان مندفعاً ومُدافعاً عن اوبي بشكل مبالغ حتى قاطعه سائلاً :: "ماتريد تاكل ليش؟ هم سمعنك نسوان عمي فد حچاية .. اذا مايرندك تاكل منهن هسه اجيبلك احسن اكل من برا وناكل گدامهن"
اومىء اوبي نافياً بيئس لمن كان يحسبه الضالَ الوحيد في هذه العشيرة، لكنه رغم ظنه كان ايضاً يحبه حبًا اتباعيا اطاعي لعطف الاكبر الشديد عليه ولم يكن لعثمان سبب لهذا العطف سوى يُتم اوبي.
قال مقدمًا لهُ الورقة المطبقّـة ::
"لا لا، مو هيج عثمان، هذولي اُمهاتي عيب اعاندهن، بس اسمعني مو هاي سالفتي..
هالورقة مااريد واحد يشوفها اريدك تظملياها عندك بالبيت.. انته عندك غرفة وحدك وخصوصية تگدر تسويها صح ؟! "
اخذ عثمان الورقة ولم يفتحها
"شبيها مخدرات خو مامخدرات؟"
"رسمة.. استعزيتها ح ابقيها بس فترة على ما امل منها واحرگها بعدين"
فتحها عثمان ورأها فضحك ضحكة ساخرة ، قال وهو يدسها في جيبه مازجً المدح بالسخرية بأسلوبٍ عجيب يتميز به وحده:
" عبالي رسمة خَلاَّعية كيفت، لا هاي ماتفيدني ماتنظم.. انا ظماتي چبيرة، هاي راح اعرضها باطار كريستال 150x100 "
مازال اسلوبه هذا مفلحً في الترويح عن اوبي.. رفع حاجبه و قال ممازحًا "اي ﷲ يستر منك انته، چماله جايتنا جامعة"
لكن رد عثمان بدا جديا.. حين طق اصبعاً بعد اصبع ليصدرا صوت لحنٍ هز معه رقبته وراسه "ووحدي، وغير مدينة، ولك الا العب جولة ولك."
ابتسم اوبي بخُبث "هاا زين گوتلي حتى اروح افتن لعمي"
انطلق اوبي بشقاوة فركض خلفه الأكبر ونزلا على الدرج بطريقة متهورة وخطرة الا انها مرت بسلام لانهما معتادان على هذا الركض ربما.. تمكن عثمان من القبض على اوبي وحشر فمه في اذنه يحاول تهديده وترهيبه تارة واقناعه وترغيبه تارة ريث محاولات الاصغر ان يُفلت وهو يرفض كل شيء
"والله افتن عليك اذا ماانطيتني وعد تعتزل طيحان الحظ"
"شعليك بيه وجه الچوب! اخلص من العِگل تطلعلي الفروخ دور؟! "
"راح يفصلوك من العشيرة اذا شوهت سمعتهم واني المصبرني عليها انته.. ما ح اتهاون وياك يلا اوعدني"
يتحاوران بمرح و ضحك رغم ان في كلامهما الكثير من الجِد فقد كان عثمان حقاً هو الوحيد الذي يُصبّر ويواسي اوبي على الخِناق الذي يتلقاه من الذكور والعقربة التي يتلقاها من النسوة.. انتهت المماطلة بفوز الصغير ورِضوخِ عثمان واعطائه كلمة.. ثم صفعه على رقبته من الخلف لما بدر منه من مشاكسة وسحبه الى مضيف الرجال لينظما الى وليمة العشاء..
وبالكاد عثرا على مكان بين زحمة الاطفال والشباب، و كان هذا المكان المشئوم قرب ايوب ففهما انهما لن يستطيعا القاء نكتة سرية على كل كلمة يسمعانها من الكِبار و يُئولان الجو من جادٍ لهزلي كي لا يشي بهما ايوب او يزعجهما بالأستشراف المُبالَغ!
و في خضم الاحاديث بين الاباء وصلوا فجأة لنقطة قال عندها والد اوبي: عمي عثماان!، انت وين طلع قبولك؟
اجاب عثمان بصوت فخور قد لا يصدرُ من حُنجرة من اتى بمعدل 101 : علوم مالية بالبصرة
استنكر والد اوبي وقال لأخيه
"بس البصرة بعيدة لو يترك هَـ سنة ويعيد تقديم؟! "
نقز عثمان نقزةً متهورة بالكاد تمكن اوبي من كتم تبسمه عليها و على القوانين التي اصدرت لتوها "لا عمو وين بعيدة.. هياتها براس الشارع، بعدين صدراو قانون جديد اليترك اول سنة جامعة مايرجع بعد"
تمتم الاصغر بصوت منخفض تعمد ان لايسمعه احد غير عثمان رغم ان اسلوب الكلام مطويٌ بالتوجه لغيره: بويه هذا چذاب لا قانون و لا بطيخ بس يريد يديح
قرصه عثمان بفخذه فضحك ضحكة مكتومة ويستمر الاخر حتى انتبه لهما ايوب واستهجن مكتوماً من تلك الحركات والقرصات..
والد عثمان (بهدوء و حكمة) : خليها ياخويه بعيدة ولاقريبة، انا خفت علي يطلع نجف لو كربلا!
والد اوبي( بنصح و اصرار) : هوه لو عايد السادس وي اخوه ايوب چان ماشلنالهم هَم حتلو راحو لهيج مدن، بس استعجل يريد يطلع من السادس، ادري هي الـ68 هم تنحسب مُعدل ياابني انته شبيك! لو عايد ومطلع شي اعلى
عثمان: اعذرني عمي تعبت، مااكدر اقره بعد
تدخل ايوب: انته تعبان تعبان.. غير تحصل نتيجة يعني هسع هاي كليتك منيلها تعيين! بعد تعب 16 سنة دراسة تالي ماتتوظف هيج زين؟ اتعب وعيد السادس وطلع طب حتى تتعين وترتاح.
عثمان:اشكرك على نصايحك حبيبي ايوب بس اني مااتحمل اگابل الوجوه الصفره.. اذا اشوف واحد مريض اتمرض وياه، غيره اذا على الفلوس تدرون بيه رجال شاغول وعندي طرق غير الشهادة اطلع منها لگمة الحلال!
انضم طرف خامس من العائلة الى الحوار
"هي مو على المكاسب بس، على الراحة هم.. يعني اليطلع مليون جوا الشمس يكدر يطلعه وهو گاعد على المكيف"
طرف سادس كان ضميره اكثر صحوةً ربما :: " ترا الطب مو شغلة سهلة والها ناسها واليصير طبيب وهو مو كدها ارواح الناس برگبته، انا من طلعت 95 بالسادس جنت اكدر اروح معهد تخدير بس ماقدمت لأن السكري يخلي ايدي ترجف، خفت على الناس اغلط بشيء ورحت معهد نفط فلا تطلبون من الكل يروح طب.. كل مهنة و الهه ناسها. "
طرف سابع وثامن سجلو دخولً ناريً بترك ما امام صحونهم واكل رأي الطرف السابق..
وطال هذا الحديث الذي يطول في كل بيت عراقي مُذ اوقفوا توظيف كل الاختصاصات في البلد عدا الطب وصار الناس يدرسون عبثاً ولا لأجل مُستقبل مضمون، يستمع اوبي وهو يفكر في كلامهم وارائهم جميعاً وخلاصة القول انه فهم ان التوظيف ينال الاختصاصات البقية ان كان لك علاقات قوية ووسائط كبيرة، تركزت الفكرة في رأسه وكأي انسان يتكيف مع وضع الحياة العام قرر ان يتكيف مع هذا الحال ويسعى لتكوين الكثير من العلاقات رغم انه كان اكثر شخصٍ مُنعزلٍ وانطوائيٍ في البلاد ربما.
علهُ كان قرار صحيح و الخطاء هو الأصوات التي علت بنفور "حرام.. حرام"
فتذكّر انه يعيش في عائلة متدينة وانه لم يأتي بالانطواء الا من طبيعة تربيتهم التي ترفض ان يقيموا العلاقات مع السارقين والشاربين والسبابين و و و .. وبما ان اغلب الشعب على هذه السجايا فسيكونون عائلة انطوائية مؤكد.. وهذا يفسر كثرتهم ايضاً، ليستأنسوا ببعضهم وبمن يشبه افكارهم!!..
وهنا تقول النبوءة ان أوَّبي لايمد للاُنس بِصلة..
° °
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
وبعد العشاء خرجا اوبي وعثمان من البيت ليخففا الأزدحام واتخذا لهما مجلساً على الدرجات عند عتبة الدار وتحت نجوم الليل واضاءة مصباح باب الشارع تحدثا تفصيلاً.. عن كل شيء تقريباً
و مر من بين تلك الاحاديث المتنوعة سؤال عثمان الذي سلب لُب اوبي .
عُثمان: اييه شخبار الشِعر بعدك تكتب لو تبت؟
وعند هذا السؤال كان ايوب قد اقترب للباب بنية الخروج لكنه توقف قليلاً ليستمع خلسة للجواب
اوبي: بحثت زين وطلع حلال اذا مابي حچي جنسي
وضع عثمان السيجارة في فمه و تكلم ملقنا الاخر بنبرة باردة ريثما يمتزج صوته مع جدح القداحة : "صلوات، طلع اكو شيء نحبه حلال.. يلا لعد سمعني.. تدري!! احس بالأنتماء للتكتبه اكثر من ذوله الشعراء الكباريه المدري شيهوجسون "
حين يطلب عثمان قصيدة من اوبي فالامر اشبه بوقفة لأخذ رشفة من كأس على مائدة الحزن ثم العودة لساحة الحفل.. لابد ان يُعتم الجو البشوش قليلاً مهما كانت السهرة مليحة ومنبسطة الاسارير.. و لكن كالرشفة الاولى من النبيذ التي لاتؤثر ولاتُسكِر فأن هذه الرشفة لاتدعو للنكد البتة فالشعر هو مايجعل الاحزان مؤنسة..
اخذ فاصل زمني بسيط من الصمت ، حاول به تذكر واختيار شيء
ثم قرأ بصوتٍ متأنٍ ومتريث، صوت مرتاح و بعيد عن التسرع كأن العالم كله ينتظر كلمة منه.. انشد بحُنجرةٍ متصبرة على طول النفس الحامل لثقل ذالك الاحساس والكلمات
. .
" ادفع بالبلـم..
ماادري بي غرگان
و المردي انكسر
والروجه خانگتـه.
وبديرة مناجل سِنبلة انحطيت
حصدوني وخضار الطيش ماشفتـه.
وصدگت الرمل بي تكشخ الصحراء
ماادري الأبل كل حول ساحگتـه.
وصبرت على الجرح حد ماخذاني الشيب
وتحملت السنين وضگت ماضگتـه.(١)"
.
.
هلل عثمان بصدق وقد اخذ به التأثر كل مأخذ وشعر ان هذه الابيات يجب ان يقولها هو.. انها تنتمي له. انها تختصر حياته!!، وكان ليعترض ان يسمع اوبي الصغير يكتب عن المشيب لولا انه يعرف انهما يتشاركان نمط الحياة نفسه، الذي يجعل المرء يشيب بأي عمر كان ولاينتظر خمسين عام..
ومازاده تأثراً هو صوت اوبي الحزين والمتحسر ريث القاء كلماته..
"روحي جوه قصايدك اوَّبي مو جوه جسمي "
مهما كانت كلمات عثمان بسيطة فهي تعني الكثير لاوَّبي، فعثمان هو الداعم والمعجب الاول لفنون اوبي ولااقوال تذكر غير هذا لوصف قدر الاعجاب والتعلق الكبير المتبادل بينهما.
ابتسم بعد ان اطراه واخرج من جيبه علبة السجائر "بس انته على هذا الحچي حالتك امر من حالي وراح تزودها عليه"
سحب عثمان سيجارة جديدة واشعلها ريثما زين وجهه بأبتسامة بريئة نقية ثم اعطى اخرى لاوبي
"اشرب صارت تلوگ لك"
اخذها اوبي و استعد ليشعلها، كانت هذه مرته الاولى والتي قُبِلَّت بالفشل بسبب اندفاع ايوب وهو مغتاض ومنفعل حد ان اوبي جفل من النبرة الحادة واللهجة الشديدة التي كلم بها مع عُثمان..
ولم يكن عثمان وقحًا او مجنوناً لدرجة ان يكون على قناعة بان افعاله هذه صحيحة فيدافع عن نفسه امام كلام ايوب، كان عاقلاً وفاهماً ان مايقوم به خاطىء لكن كيف نصفه؟!.. انه يطبع مع الخطاء للحصول على الراحة كما يطبع العرب مع اسرائيل لابقاء بلدانهم امنة..
فعثمان لا يبرر، ولا ينكر ، بل يعترف بالخطاء ، لكنه يسمح لنفسه بارتكابه بحثًا عن نوع من الراحة المؤقتة أو التنفيس، مع إدراكه الكامل أنه لا يُفترض به أن يفعل ذلك، فيُشبه من يُبرم صلحًا داخليًا مع الذنب، لا لأنّه مقتنع به، بل لأنه تعب من المقاومة.
وهذه الحالة أحيانًا تندرج ضمن ما يُعرف في علم النفس الأخلاقي بـ:"الاستسلام الأخلاقي" أو "اللامبالاة الأخلاقية الجزئية" وقد تُمثّل أيضًا شكلًا من أشكال "الضعف الإرادي" وهو أن يعرف المرء ما هو الصواب، لكنه لا يفعله لأنه يُريد راحة لحظية.
حين يرى عثمان ان الاخطاء صغيرة سيدعو رفاقه لها ببادرة اريد اسعادهم و راحتهم ، هنا تكمن المفارقة في هذه النفسيات انهم عرفوا الصواب و لم يفعلوه و اختاروا السعادة و حب الذات على تأديبها بكامل عقلهم ثم جروا نفس القرار لمن يحبونهم دون ان يعوا ،
لأن الشخص الذي يحب نفسهُ بطريقة مُضرة فكذالك سيحب احبابه بنفس الطريقة ..
كان التدخين بنظر عثمان خطاء صغير لذا دعا اوبي اليه و ها هو بين قبضتي ايوب فأعتذر بتواضع يناسب ضعف ارادته..
لم يهتم عثمان و كان باردًا لكن اوبي احترق نارًا لأجله.. كان يرفض ان يرى احدًا يزعجه او يتجاوز عليه
ايوب لم يكن يبحث عن اعتذار بقدر مايبحث عن المزيد من الزلل والاخطاء للبلبلة والفضائح..
"عثمان انته مبين عليك تريد تطلع عن الطريق وتريد تجره لهالجاهل وياك...اليوم تشربه جگاير باچر شترشبه؟"
عثمان: ماعندي شي ويه اخوك اكعد ويانه وراقب اذا ترتاح
"لا، ياريت انته تخفف جيه لأن كلنا ندري جياتك كلها علموده"
عثمان: من هاي العين قبل هاي
اوبي:"شبيك ايوب صدگ تحچي؟ شنو هاي دا تطـرده اذا منتبه لروحـ-"
عثمان: اوبي سد الموضوع
ابتسم ايوب بسخرية وقال لأوبي: لا مااطرده، دا اريحه!! شعنده جاي مو هيه ديرة مناجل؟..ليش انحطه سنبلة بنصنه ونظلمه مثلك يامسكين!!
هُظِم اوبي لأن ايوب سخر من ابياته الشعرية وسكت و الان انقلبت الادوار و غار عثمان على صغيره. لم يحتمل حين استُهزِء باوبي فواجه ايوب بنبرة اقوى مما سبق و مزجها بشيء من السخرية ليجعل غضبع يبدوا تافهًا
"والله على هاي الهوسة السويتها تكول لزمتنا ندخن مارجوانا مو اوسكار ابو الخمسمية... حچيت هواي وابد مالها داعي.. اعتذار واعتذرنه وسرسحتنه ورضينه بعد شتريد؟
لو اله تضحك على اوبي ونصفگلك"
"هوه يضحك على روحـه بخرابيطه هاي"
عثمان:"مشاعر هاي مالك دخل بيها"
"اذا صدگ يهمك امره چان علمته الرجال كلمة مو قصايد الله يكولون عنها ((يقولون مالايفعلون)) ماچان شجعته يكتب هالخرط"
عثمان: ترا موتتنه اجيت على جگايري رحت على اشعاره.. شتريد لخاطر الله
رفع اوبي من الياخة الخلفية لمؤخرة رقبته ودفعه للدخول
"طُب انته الثاني يلا طُب.. هذا اخوك مايرتاح اليوم الا يطلعك عربانة عندي و دافع بيك حتى يذب طيحان حظك كله براسي.. "
فيسكت اوبي ويمضيان ليتركا ايوب في الشارع يستشيط بنار الغيظ من عثمان ومن بروده، فهو حقاً كماقال عثمان.. يريد ان يبدو عثمان هو السبب في اي اعوجاج يصدر من اوبي.. وليس حباً باوبي ولكنه فقط يريد اثبات انهم متربين في عائلتهم خلافاً لعائلة عمه التي لايهتم لها البتة..
صعدا عثمان واوبي لغرفته فوجدا الاطفال قلبوها رأساً على عقب بهرجهم ومرجهم ورغم ان الفوضى كانت واضحة للعيان الا ان اوبي صرف النظر عما كان معتادً عليه في تجمعات كهذه وانتبه لشيءٍ جديد وهو اياديهم الممتلئة بالسكاكر والحلوى والاشباس والعصائر
امسك احدى الصغيرات وسألها
"هاي منو نطاكم هلكد فلوس ومشترين المحل كله؟"
قالت بلسان طفولي واسنان لبنية وقع نصفها
"مااترينا واحد بالتارع اطانا"
ردد اوبي مستغرب: واحد بالشارع نطاكم؟
اومئت بنعم واخرجت من جيوبها السكاكر لتقدمها لهما : دال انطو لغيردم همات
اخذا السكاكر وكان على اغلفتها اوراق ملصوقة فعلما من المكاتيب من هوية المُعطي
عثمان: ذوله الشيعة.. عدهم مولد الظاهر
تمتم اوبي متوعداً: هذا كُميل ليش ماجابلي شي انا اعلمه
عثمان:منو كـُميل؟
-صديقي
-منهم؟
-اي
-ايوب يدري عندك صديق شيعي ويقبل بي و انا ابن عمك مايقبل تماشيني!! وسفه
-لويدري ذبحني ع القبلة ووزعني ثواب
- وانته شعدك تمشي وياهم مو جنت تتنرفز اذا واحد يحلف بغير الله كدامك
تمدد اوبي على كومة الوسائد والاغطية التي كومها الاطفال كجبل يمارسون عليه تداريب التسلق استعدداً لفتح البلدان خلف حصاروست فكانت كلما وصلت مسيرة الفاتحين الصغار له مد يده لجيوبهم و سلبهم حلواهم... لحقه عثمان وتمدد قربه ليتحدثا مبتدئان السهرة بكميل
اوبي:- هوه بس هاي السلبية بي، الباقي كله زين.. لايسب ولايلعن
عثمان:اي وشلون تعارفتو شو سولفلنه بالله
- العام سووا مسابقة قرأنية والمدرسة اختارتنه احنه نشارك، اكو واحد يقرء احسن مني بعائلتنه؟
-لا وين اكو..
-هوه احسن، غلبني وتصادقنا ورا جدال ع القراءات، اني عصبي ومزاجي و انطوائي محد يتحملني تدري، مدري شعجب كميل متحمل
- انطوائي؟!.. ليش ماتوسع علاقاتك؟ يفيدوك!! ماسمعت الحچي اليوم ع العشا؟
-مو كالو حرام واسطات وكون كل واحد يعوفها ورا الله
-حرام عليمن، هوه حقي.. اني دارس وتعبان ١٦ سنة وحقي اتوظف، شلون احصل حقي ماحد اله دخل..
ثم تكلم عثمان كثيراً حتى اقنع اوبي بعدم حرمة الواسطة.. وتسامرا طويلاً حديث بعد حديث.. ضحكة بعد اخرى وقصيدة تتلو قصيدة، وبدل الدخان والسگائر سهرا على الحلوى والسكاكر..
"شو طلعلي الرسمة خل اشوفها بعد مرة"
"شموتتني بهاي العيون هم لو ذابتلك سحر مو هيج.. هاك استلم"
اخرج عثمان الورقة من جيبه للمرة السابعة في تلك السهرة ولكن اوبي جعل هذه المرة مختلفة فلم يتاملها فقط بل قبلهما عينً عين..
وشمهما!!، في الوقت الذي كانتا فيه بلارائحة فكيف ان امتلئتا برائحة الغربة والحريق والدمع والدم!
"افييش"
عثمان: هههاها، خويه انته كتلك الجفاف فرد مرة اذا مالگينالك چارة منا لسنة يجوز نلگالك وي ذوله اليتزوجون رسمات الكارتون
تجاهل اوبي خفة دم عثمان وقال بكل جد وهو ينظر للورقة "عثمان حباب ديربالك عليها"
يوصيهِ بَاطلاً، فالحَق ان يوصي نفسهُ فيهما
لم يستطع اوبي مواصلة السهر، تثائب بنعاسٍ شديد عند منتصف حكايا عثمان، والذي كان يتصفح الهاتف وينتظر رد الاخر.. نظر له ورأه يغط في النوم وقد تردى رأسه على كتفه فسكت وتابع لعبه بالهاتف
وبمجرد ان اغمض الاخر عينيه حتى سحبته الاحلام
الاحلام التي كانت ترتبط بواقعٍ حل في مكان اخر و اختلط الماضي بالمستقبل في معناها.. حيث كان الفتيان يصفقون، يرقصون رقصةً عسكرية في ساحة بستان توزعت فيها الطاولات والكراسي والبالونات والنشرات للاحتفال ويتغنون بغنوة غجرية... اغنية غريبة عن مسامع اوبي لم يستطع فهم كلماتها
"هاشلي برباره مع بنات الحارة
عرفتا من عينيها ومن لمسة ايديها
ومن هيدي الاسواره"
سمع ضحكـة جذبته من دون كل اصوات الفرح تلك
والتفت لمصدر الصوت ليرى صاحب الثغر وهو يبتعد عن زُحام الساحة ويهرول الى بناية ترتفع على رابية خضراء يقود لها سُلمٍ حجري بهندسة معمارية عتيقة ولاتشبه الهندسة الاسلامية..
لمح الصليب وعرف انها كنيسة
كانت حجارتها ذهبية في الحُلم والنور ينبثق من داخلها ويتسرب من البوابة المفتوحة كأشعة قوية
و الفتى صاحب الضحكة يهرول على السلم بأتجاه النور والذهب
بدت هيئته اكثر وضوحً من باقي الناس الذين كانوا مشوشين ضبابي المعالم..
خشي اوبي على الفتى ان يدخل النور فيبقى محاطً بالاشباح لذا وبدون اي تفكير ركض اليه ليمسكه..
شعر ان محور الحلم والكون يدور حوله
امتدت يده واوشكت ان تلامس ظهر الأشقر الذي بات على قيد انملة من النور، ظن اوبي انه سينجح بأمساكـه فقد اقترب جداً!!
لكن صرخة هلعٍ افزعته واوقفته..
نظر خلفه للمحتفلين ورأى بعظهم يزحف بدمائه وبعض يجلس قرب الجثث يندبهم واخرون يصيحون متكلمين بلغة ما..
لايفهم حرفً مما يقولون لكن الاكيد انهم كانوا يحذرون من قدوم شيءٍ خطير ويشيرون الى النهر الذي كان يمر قرب ساحة البستان
رمق بطرفه مجرى النهر ورأه قد تحول للون احمر والرؤوس المقطعة تطفو فيه..
نفدت طاقته الروحية لم يستطع تحمل المزيد من هذه الرؤيا وافاق فزعاً من المنظر
ارتفع جسده بشهقة مما ارعب عثمان عليه
عثمان: اسم الله الرحمن
اوبي: بسم - الله
-بسم الله عليك ياروحي، اششفت؟ هم رجعلك الجاثوم؟
سكت لاهثاً مضطرباً لايدري مايقول فقد كان معروفاً في العائلة كثرة كوابيسه بسبب الجاثوم لكن الأمر كان مختلف اليوم، تمنى لو كان جاثومً فقد شعر ان مارأه حقيقة ستحصل قريباً.. رؤية للمستقبل! الا انه لم يعرف كيف يصيغ الحدث الخطير الذي حدثه في ايام الامان تلك
مسح عثمان عرق جبينه وقام قاصداً الخروج "خل اجيبلك ماي"
وكان عطشاً بحق فقد جف ريقه و تراكمت مرارة الخوف على السكاكر حادة الحلاوة
و فجاةً
فزع حين سمع اصوات تشبه العيار الناري في الشارع فقام يتجاوز الاطفال النائمين الذين يملئون الغرفة واسرع الى النافذة ليبعد الستائر ويرى
كانت مفرقعات والعاب نارية احتفالاً بالمولد
اغمض عينيه مرتاحً و تنهد..
ثم فتح النافذة ليستنشق بعض الهواء
هواء بغداد، والفجر المنعش يقترب
نظر للسماء ثم اخذ شهيقاً واغمض عينيه
رنت بأذنيه الضحكات التي سمعها في الحلم بوضوح
لم يسبق وان سمع صوتً انقى من هذا
كانت اخر ساعة من الثلث الاخير لليلة شعبانية صيفية.. ساعة استجابة الدعاء
فتح عيناه برجاء وعلق يديه بالسماء داعياً من كل قلبه بكلمات حفظها من كـُميـل
” الهٰي لا تِؤدبني بعقوبتِك
و لا تمكـُر بي في حيلتِك
مِن اينَ لي الخَيرُ يا ربِّ و لا يوجدُ الّا من عندك.. “ (٢)
.ــــــــــــــــــــــــــــــ
.
.
.
في عمارة سكنية اغلقت كل نوافذها الا واحدة يفوح من ظلامها دخان السگائر، وفي وقتٍ متأخر من الليل حيث ازداد عمق احاديث السمر و السهر، لم تكن وجوههما واضحة بالكامل الا اجزاء بسيطة مما لاحته انارة الشارع التي تخترق النافذة المفتوحة الماكثان تحتها..
اوبي: معقوله ميثم اثر عليه؟... صرت اخاف من نفسي كلما اصفن بعيونه !
يسأل ويتنهد بعيون حائرة ووجهٍ ذابل
رف قلب ابن عمه عليه..
: لحظة اوبي خل اراويك شي!
قام عثمان وقطع الحديث، انزل صندوق خشبي مهجوراً في زاوية فوق الخزانة وبدء يبحث عن شيء فيه ؟!
اوبي: ع شنو تدور.. تعال شوفلي چاره؟
قال عثمان وهو يبحث : انته ناسيها وانا ناسيها، ذاك اليوم لگيتها صدفة وتذكرت
-شنو؟
وجد عثمان مايبحث عنه واخرج الورقة التي امنّها اوبي عنده منذ سنين لكن كلاهما نسى امرها بعد تلك الليلة.. قدمها لأوبي وعاد للجلوس قربه
:تذكر هاي الرسمة؟
اخذها اوبي وتأملها بعيون متسعة.. صدمة بعد ان تذكرها و صدمتين حين رأى الشبه بينها و بين المستقبل
"عيونه!!"
اومىء عثمان: رسمته قبل ماتعرفه، ميثم ماله اي تأثير
بعد لحظات من التأمل قال بتهدج مهتدياً للحقيقة ببيت شعري
"اني احبك من قديم... صدق احساسي العظيم ! "
_______
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
#يتبع..
(١) للشاعر ولاء الفرطوسي .
(٢) دعاء ابي حمزة الثمالي .
(٣) الكلام الذي تحته خط التقاطات من المستقبل .
lilo