عيد البربارة

عيد البربارة

44 0

بقلم أسر :-

ذات يوم دِيسمبري كانت كراملُس بابهَى حُلتها!!

اشرطة ورق مُلون تدلت في الاعلى ممدوةً بين اعمدة الانارة تتراقص مع الرياح في الشوارع العامة وبين الازقةِ الشعبية الضيقة وحتى على ابواب البيوت،..

لحق بيَ الاطفال وانطلقتْ مسيرتنا المتجهة الى كنيسة القديسة بربارة، حيث ثلث اهالي القرية مجتمعين هناك للصلاة سوياً والاحتفال بهذا العيد

اطفال العرب بداؤا يتغنون بما كنا نتغناه في العابنا القديمة ايام صغرنا ليُعلمون الاطفال التركمان الذين يشبهوني في صغري حين لم اكن اعرف اي مفردة عربية ولكن الفضل لأصدقائي وكثرة علاقاتي حتى اتقنت نصفها..

-غزالة غزلوكي بالماي دعبلوكي

قاعدة على الشط قاعدة تمشط..-

-طوط طوط طواطة

مرت الحجي خياطة

نشروها بالجريدة

جابت عمبة جديدة

-لاابو المال ولاابو الدولة

ولاابو فراش المابي بـو*٪

يُحبذ عدم مـُسائلتنا عن اي شيء مما نقوله..

لا عن معنى مانقول ولاعن مصدره،، فنحن حرفياً لا نعرف اي شيء، وجل الامر اننا سمعنا بعض الاطفال يتغنون بها وكررنا ورائهم بلاعلم او فهم.. هذه قصة جميع الاطفال مع هذه الاهازيج..

وقتها كنت احسبه كلاماً بلامعنى لكني حين كبرت اكتشفت ان بعضه يحتوي على تلميحات اباحية للاسف!!، انها مؤامرة حيكت على طفولتنا البريئة... امضينا الدرب الى الصلاة بالكنيسة بأهازيج اباحية وعقل لايفقه شيئاً عن دنس مايقول!!

لم تخمد ضجتنا الا حين دخلنا ساحة الكنيسة..

دير وضريح شفيعتنا الشهيدة مارت بربارة؛ حيث يستقر على رابية من روابي سهل نينوى الجَميل..

الروائح الروحانيـة المكثفة للبخور تنتشر الى اقصى ساحة الكنيسة تشعرنا بمقدار القدسية في المكان والارواح الصالحة الحاظرة فيه من القديسون الشافعون والاباء الدومينيكان لمباركة الناس المجتمعين ليعايدوا بعضهم البعض..

فور دخولنا باحة الكنيسة تفرق الأطفال راكضين الى البالونات وموائد الطعام التي تقف عندها النساء يعطين للزوار صحن العيد، حلاوة القمح المهروس.. تيمناً بسهل القمح الذي لجأت اليه القديسة... وهناك مع النسوة وجدت امي مع زوحة اخي التان خرجتا قبلي من البيت بصحبة اخي ولكني لا اراه معهن..

اقتربت كغريب وقلت : عيد بربارا سعيد ليبارك الرب ببناته

ابتسمت امي لمشاكستي لها وردت المعايدة ثم سألتها عن مروان فأخبرتني انه في داخل الكنيسة يعمد ابنه الرضيع..

لم ارد تفويت حدث مهم كهذا فأسرعت لألحق على تعميد ابن اخي لكن نداء الوالدة ارجعني..

"بني اسر خذ هذه التبرعات وسلمها للقس"

عدت واخذت من يدها الممدوة ذالك المبلغ وكان كبيراً لحد ما فسحبت ديناراً الى جيبي

كنت اقنع نفسي ايامها ان هذه اجرة خدماتي لاسرقة !، كنت حقيراً، اخدم كل الناس مجاناً واريد اجرً من امي وابي..

عبرت السلم الحجري ودفعت باب الكنيسة فسقط النور الذهبي المنبعث من النشرات الكهربائية ومصابيح الانارة على وجهي يحمل بريقً تلألئ داخل محدقيَّ..

وقابلتني صفوف من المقاعد الخشبية يفصل بينها ممر ينتهي عند المذبح حيث وقف اخي ينتظر دوره في التعميد فقد كان هناك خمسة اباء غيره جاءوا لذات السبب يقدمون اطفالهم للقس ويقيم طقس الغطاس للصغار بلين وتريث.. مشيت اليهما واذ بيد لم انتبه لها تخرج من المقاعد وتسحبني للجلوس

"عيد برباره مبارك"

قالوها ثلاثتهم وهم يتناولون يدي للمصافحة بينهم.. رفاقي اعضاء الجوقة! فرحت كثيراً برؤيتهم وضاعفت الترحيب

"جويل!! ، بنيامين!! ، شعيا!!، اهلااااً بكم.. عيدٌ سعيد، لتنلكم شفاعة القديسة!!"

قال جويل وكان متوتراً بعض الشيء: آسر لااشعر اني جاهز الحضور كبير.. ماذا ان اخطأنا في نوتة.. انظر الى هذان مذ اتينا وهما يحبطانني.. ادفعني انت

"لِمَ تفعلان به هذا؟..مؤكد تشعران بالغيرة فلا حنجرة تصدر صوت المزمار مثله، لاتهتم لأمرهما جويل، انت الأفضل فينا"

اسمعتهم محاضرة لأجل الاستعداد لترتيل الترنيمات، لم اكن قائد الفرقة الا ان الجميع كان ينتظر كلمتي لثقتهم بأصالة وعرق موهبتي الصوتي واذني الموسيقية.. لنقل اني اشبه بمُستشار لوجستي في هذه الجوقة، بل وفي كل محطات حياتي كان هذا منوالي وموالي..

انقضى الطابور الواقف امام اخي فقمت وقاموا الرفاق معي لنحضر طقس التعميد، طقس الولادة الثانية لكل مسيحي و اعتناقهِ الدين رسمياً..

حمل القس الصغير وادخل اقدامه في صحن الغطاس ثم ملىء كف يده بالماء وسكبه على رأس الوليد ليجهزه نفسياً للغطس فلا يرتعب.. كان منتصف ديسمبر والماء دافىء لكن الطفل عاري تماماً ولم يستطع الكف عن البكاء بسبب برد كراملس..

رق قلبي عليه، ولكن هكذا هي الحياة؛ في الولادة الاولى تتألم الوالدات وفي الولادة الثانية نتألم نحن!!

غطسه القس ثلاث غطسات مسمياً كل غطسة بأسم احد الاقانيم ثم اعطاه للراهبة التي كانت تنتظر وبين يديها الملائة فلفته ودفئته..

اتى القس بقلادة الصليب التي تبقى معنا حتى نموت وقلدها في عنقه اللامع والملتصق بأكتافه من شدة صغره!

جاءت زوحة اخي من الخارج واقتربت الى مروان الذي اخذ الصغير من الراهبة لنبارك لهما ثم يذهبان للجلوس عند المقاعد في حين وقفنا نحن قرب المذبح نستعد لبدء ترانيمنا فقد اوشك الحضور ان يكتمل..

قال شعيا قائد الجوقة شيئاً وهو يشير الى كتاب النوتات الموسيقية والتراتيل السريانية الذي اجتمعنا حوله

"طلب الكاهن مني ان نرفع هذه النوتة اليوم كما في الترنيمة الـ -"

وما عدتُ أُصغي لما يُقال...

كاد قلبي أن يتوقف حين مرت بجانبي، تجاوزتني بهدوء، وابتسامة تلمع على شفتيها. نظرت في عيني مباشرة، ثم حرّكت رأسها بخفة وكأنها ترحب بي، دون أن تنطق بكلمة تقطع بها تجمعي معي الفتيان..

ومع ذلك، شعرت أنها خاطبت روحي بصمتها و قطعتني عنهم .

مرت بثقة وسكينة... لكنها لم تكن تدرك أنها اجتاحت قلبي كعاصفة!

يقول التعليم المسيحي إن "الله محبة"، وهذا الإعلان يتردد في كل مكان.

لكنني لم أفهم الحب إلا عندما نظرت إليها... هي الحب بعينه.

الرب يدعوني إليها، والعباد يبعدونني عنها بأسمه!

ركعتْ أمام الصليب الكبير، عند الزاوية، تبتهل...

الا ان بصري لم يكن إلى الصليب، بل إليها وحدها.

كنت أنجذب للنور، لكنني لم أعد أدري إن كان النور في وجهها أم أن عيني أطفأت كل ضوء آخر سواها!

كل ما حولي تلاشى، حتى الوجوه، لم أرَ إلا وجهها.

عيناها مغمضتان، رمشاها الطويلان يلامسان خديها الناعمين، وشفتيها مرسومتان بإتقان كأنهما خُلقتا للصلوات...

شعرها الكستنائي الفاتح، الذي يشبه شعري لكنه أجمل، كل شيء على وجهها... أجمل.

حول عنقها الرقيق، صليب صغير يتأرجح، ويدان متشابكتان لا تنفصلان، كأنهما تخشيان الانفصال، كأنهما تصليان معًا.

لو وضعتَ يدك على قلبها، لسمعت الحب يُتلى فيه بصوت صلاة مقدسة.. فإن كانت قدّيسة، فهي قُدّست بالحب..

يداها مشبوكتان بالصليب الذي يلتف حول عنقها الرقيق.. و يداي تتعرقان بل وتحترقان لأنهما لاتتشابكان حول خصرها وتصليان به..

لو تمسك قلبي بين يديها وتصلي بالحب لتقدست صلاتها اكثر فأنها مُعلقة عليه منذ سنين.. سنين طويلة وقلبي مدمى بحبها لاتختلف عن خشبة الصليب التي تدمت بدماء الرب في ذاك اليوم.

ولكني لن اجعلها الهة فألهي قريب دائماً ولايتركني اما هي فحتى الان و الفارق بيننا مترين لااكثر احس بأنها في طرف العالم الاخر.. بعيدة جداً!.. هذه الصلاة التي تتمتم بها وتقربها للرب هي مايبعدها عني وعن كل الفتيان..

ايها الرب الكريم هلا اعطيتنا امتك هذه فأنها لاتعطيني نفسها؟

"اسر أ فهمت؟" سأل بنيامين وهو يشدُ على ساعدي

"نعم نعم!!" ركزت معهم لدقيقة ثم عادت عيناي تستقصي تلك الزاوية لتعيد التلصص.. كانت خالية منها.. تفحصت المقاعد باحثا..

ورأيتها امامي في الصف الاول تجلس بين والدينا..

واختها الصغيرة في حجر والدي وامهاتنا قرب ابوينا.. مع مروان وزوجته وابنهما.

تجمعت كل العائلة امامي يبتسمون فبادلتهم.. ولكن عيناي تغوصان في وجهها دون الجميع.

النُّورُ أنتِ، وغَيرُكِ الظَّلْماءُ

‏فتَبَسَّمي كي تُشرِقَ الأضواءُ

‏جَفَّتْ ينابيعُ الوِصال، فأمْطري،

‏واسقي الهوىٰ، أنتِ السَّما، والماءُ

‏يا آيةً في الحُسْنِ ليس كمثلِها

‏خُلُقًا وخَلْقًا في النِّسا- حَسناءُ

‏البدرُ أنتِ، ومَن سِواكِ كواكبٌ،

‏والغَيثُ أنتِ، ومَن سِواكِ غُثاءُ

.

.

.

ثم القى القس كلمته السابقة لبدء الترانيم فتنظم الكل في مكانه واصطف رُباعيُنا عند المذبح استعدادً للترتيل..لا الة موسيقية بين ايدينا، الالات في حناجرنا، اصواتنا تتجمع مصدرة لحنً لايحتاج لتنغيم..

وبعد ان انهتينا من الترتيل خطب القس بالناس وباركهم وأدوا الصلوات وكان هناك ترنيمة ختام الا انها لجوقة الفتيات، والتي كانت سماء تقودها فصار ختامها مسكً..

وكانت الكنيسة قد وعدت الفريق الذي يرتل المزامير كلها بشكل صحيح بهدية العيد.. في حين كان فريقي يتمنى ان يخطئن بشيء انا صليت لأجل ان تنال الهدية ودعوت الأم مريم لأن تحنو عليهن وتدندن ولو قليلاً مع دويهن..

تلك لحظة لن انساها ابداً.. حين قبل الرب دعوتي و اسمعني صوت العذارى من الجنة في حناجر بنات ادم هؤلاء!!

وحصلت هي على الهدية والمباركة من الاباء وحصلت انا على ابتسامتها وهي تتلفت بلطف تشاركني فرحة فوزها و تتأكد من مشاعري حيال خسارتي و فوزها ..

حين يحضر الحب الحقيقي ، تتراجع كل المشاعر.. الخزي من الخسارات و الفخر بالمفازات.

بعدها خرج الناس للساحة من جديد.. و تسنى لي اخيرا ان افلت من فريقي الذي لايتركني.. أقتربت لأسلم على عائلة عمي والتي كانت تلقب بأسمها "ابا سماء وام سماء".. كان والدها لطيف جداً ولكن مافائدة اللطف وهو لايعطيني ابنتـه!.

-مرحباً سماوي كيف حالك؟

قلت وامتدت يدي خلف اذني تحك شيءٍ لاادري ماهو،، هذه كانت عادتي عندما اتوتر او اخجل..

انا لااخجل غالباً لكني لاادري لِمَ ينتابني هذا الادب فجأة حين اقف بين يديها.. اشعر بالضعف كشخصية الكارتون تلك اين كان اسمه.. حازوقة او هيكاب!! .. انه من الفايكنغ! يروض تناين! لكنه معتوه تماماً امام ايسترد!

-اهلاً اخي اسر !!

-عيد مبارك.. سأذهب لمدينة الملاهي، هل تودين مرافقتي مع نورا؟

نظرت لوالدها فاومئ موافقاً ومسح على شعري

"انتبه لأختيك بني اسر"

-امرك يا عم !!

امسكت نورا بيدي من اليمين وبيد سماء من اليسار وتمشينا فصادفتنا عضوات جوقتها

- سماء الى اين؟ لا زال الحفل ببدايته

- الى الالعاب.. سأذهب واعود مع اخي اسر الا ترافقننا؟

وافقن ووجدت نفسي اسير وخلفي صف نساء.. عشر خطوات وسمعت معاكسة من بنيامين و جويل وهما يقفان بمنتصف الطريق كقاطعي طرق!

بنيامين: لن يتحدث معنا بعد اليوم.. تلاحقه اربع ليگزز

جويل: لو التقطنا لك صورة لأصبحت مميز

قلت : لاتلتقطوا ارجـ-

وقاطعتني احدى الفتيات : "نحن لسنا سيارات كما اننا لانلاحقه.. بل هو حارس يعمل على حمايتنا فيأخذنا ويعيدنا للمنتزه"

كانت تتكلم بسن مكسور وصوت طريف لكني لاادري لِمَ شعرت بشعور الممسحة حين يمسحون بها الأرض

ثم قالت سماء لها وهي تدافع عني: انه لايعمل حارسً.. انه اخيي!!

دمعتي اوشكت على الخروج لكني تماسكت كالرجال!

اقترب شعيا ورحب بالفتيات مبتسماً ليس وكأنه كان يدعو قبل قليل ليخسرن.. بعد ان اجتمعنا كلنا دعوتهم لمرافقتنا فوافقوا ومشينا بتأنيٍ حتى تجاوزنا ساحة الكنيسة وتجمعات الناس وعبرنا البوابة

هتف بنيامن: اول من يصل ندفع ثمن كل مايلعب من عيدياتينا !!

لم ينهي جملته بعد ورموا الاحذية و هم يضحكون بحماس فينطلق السباق على طريق القرية المُبلط بالاسفلت الرمادي والذي تمتد على جانبية الكثير من البيوت والاشجار الا انه شبه فارغ لتواجد الاهالي بالكنيسة..

اما انا ففضلت البقاء مع سماء التي لم تشارك لأنها لاتستطيع ترك نورا، التي كانت تسير بيننا وتمسك بأيدي كلانا.. ورغم انه ذات الطريق لكن من كان في سننا سلكه بتسرع وسباق وتحدي في حين سلكناه نحن كناضجين، كعائلة واحدة!! .. كأبوين يصحبان طفلهما.. اذا كنا نُسير نورا خطوتان ونرفعها في الثالثة ملاعبةً فتضحك هي و نفرح بفرحها..

"اسغ، سماء، ماذا تلبتما من ابانا الذي في السماوات هديةً في هذا اليوم" قالت نورا تسأل بظرافة تشبه وجهها الابيض الدائري

سماء:"لقد طلبت ان تشفى امي! "

قلت: وانا ايضاً تمنيت الشفاء لوالدتكما

كانت العمة تعاني من مشاكل في الاعصاب الناقلة ووهن في العظام، صحتها تزداد سوءً مع مضي الايام ورغم ان هذه لم تكن امنيتي الحقيقية الا اني اتمنى حقاً ان تشفى ولايمس الحزن قلب سماء..

نظرت سماء الي وسألتني: وماذا تمنيت لنفسك؟

عيناي كانت تقول "تمنيتك!!" ولكن لساني قال شيء اخر.. تلا الاكاذيب بكل ثقـة

"تمنيت من السيد المسيح ان يجمعني بأكثر شخصٍ يُحبه!!"

سماء : ان تلتقي بحبيب الرب !.. يالها من امنية جميلة!! سأخذها

- " قبانم " (١)

.

.

.

.

.

.

.

.

- اتحبها؟

قال جويل وهو يدفع جسده واقفاً على الارجوحة قرب ارجوحتي التي امضيت عليها دقيقة جالساً دون حراك وانا اتأملها تدور راكبة على دمية الحصان في ساحة الاحصنة امامي..

"انت تعرف قول الكنيسة الاشورية"

- مع هذا فهناك الكثير من المسيح الذين تزوجوا ابناء عمومتهم بالعراق فتقاليد الشرق الاوسط لاتعد هذا النوع زنا محارم..

- ثم نبذهم مجتمعهم!!

- الجهلاء فقط من ينبذون.. المثقفون والدارسون للأنجيل سيتقبلون فهم يعرفون ان لانص واحد يحرم زواج ابناء العم او الخال

- ولا نص يسمح!!

- ولكن هناك الكثير من الامثلة العملية في العهد القديم عن زواج الانبياء بابناء عمومتهم كأبينا يعقوب والاب ابراهيم و-

- وفي العهد الجديد بشارة متى الثالثة عشر قالت عن ابناء وبنات عمومة اليسوع انهم اخوة!

- أ اتحاول اقناع نفسك بنص واحد مقابل مئات النصوص او اقناعي

- هذه قناعة الكنيسة الاشورية!! اتريد مناقشة الاسقف والقساسة والاباء.. اذهب الى دهوك وتحدث معهم

- وما لنا و لهم؟ هل يعشقون بنات عمهم مثلك... انا اريد مساعدتك ياصديقي!!

- عائلتي لن تقتنع.. حتى سماء لن تقتنع.. حتى ان اقتنعت فهي لاتريد ان تنبذ من المجتمع... انت تعلم كم اننا قلة مستضعفة في هذا البلد الاسلامي.. ليس من الذكاء ان تفعل مايجعب مجتمعك المفتت هذا ينفر منك!.. الوحدة ضعف يااخي والجمع موجع.. وقد اخترت الألم على الضعف

سمعنا نداء بنيامين لجويل فتوقف عن دفع نفسه وقال بثقة:- اتقول انك تفكر بنسيانها!! هه

تباطئت ارجحة الحبال فقفز الى الأرض ليذهب لبنيامين وقال وهو يعطيني ظهره "وحياة امنا العذراء لو ترى نفسك حين تنظر لها فسترى انها لن تخرج من عينك ولو بعد مئة عام"

ارعدت السماء و تنحى طرفي اليها اناظر الغيوم تقترب لتهطل بعد ان تتجمع.. صوت الرعد عاد واغمضت عيناي مستأنساً بطربه..

"هيا ياميكال هيا"

جاء ملك الرعد.. سيأتي ميكال في اي لحظة..

انهما مقربان لبعضيهما حتى ان الشتاء بكون ناقصاً ان جاء احدهما دون الاخر..

تمتمت صلاة بصدق داخل قلبي، اطلب من الرب ان يحييني علاقةً كالتي بينهما..

احب القوة!!

المُسالِمة!!

الرعد قوي لكنه لايؤذي احداً غالباً

انه اقوى ظواهر السماء.. السماء حيث السلام..

اتمنى ان ترعد حين اموت..

لااريد ان ارقد الأرض الراكدة الخطرة الا والسماء الامنة تهتز..

اتمنى ان يكون هذا اخر صوتٍ اسمعه في حياتي.

صوتُ " الهزيم "

__________

(1) قبانم كلمة موصلية لاتركمانية ولاعربية تعني فدوة الك/الج

__________

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

= بعد بضعة اشهر =

" اسر تعال معي لنخبز كعكة المكعبات!"

قلت لها اني لااعرف لكنها اصرت ان تعلمني، دخلنا المطبخ بعدها وسلمنا على العمة التي كانت تَشغَل الموغد لاعداد الطعام فوقفنا عند الطاولة واخرجتُ انا المعدات من خزانة الاطباق والقدور واتت هي بالمواد من الثلاجة

نظرت للأشياء تقول اسم كل واحدة لتتأكد من عدم نقص شيء

" انابيب الكيس للتزين، كؤوس، خلاط، بيض، دقيق، زيت، حليب، مسحوق الكاكاو للكريما، فانيلا.. ماذا بعد؟"

قالت بعد ان انتبهت لغيابه : اين السكر؟

جاءت نورا تركض ببهجة مفرطة بعد ان سمعت صوتنا وعانقت قدماي : انا السكر انا السكر.. دعوني اخبز الكعكة معكما

قالت سماء "لاتريدين العمل معنا تريدين اكل عجينة الكعكة"

وقالت امها وهي تخرج من المطبخ وتأخذها معها

"ستصابين بأمراض في القالون"

بقينا وحدنا بالمطبخ.. مما جعل تركيزي يزداد على كل كلمة تقولها وكل فعل تفعله.. اللحظات التي نبقى فيها بمفردنا لايمكن ان تُنسى

لم انسى بعدها ابداً كيف اعد الكعك!!

بل واصبحت اخبزها في بيتي كلما اشتقت لها

رائحة المواد حين تمتزج صارت تذكرني بها

...

كان التيار الكهربائي الوطني يتقطع بشكل جنوني يومها

يصل لـربع ساعة ثم ينطئ خمس دقائق

لم تحتج كعكتنا الا لنصف ساعة في الفرن الكهربائي لكن وبسبب هذا الخلل تأخر الأمر

حل الغروب وحان وقت عودتي لبيتي..

فودعت عمي وعائلته ومضيت..

بين شارع واخر كانت تنتشر اشباه البحيرات بسبب امطار الشتاء التي هطلت منذ ايام..

مما جعلني اسلك طرق اطول اكثر جفافً وامناً بعيدة عن اعمدة المحولات الكهربائية المكشوفة واسلاكها الثقيلة الممتدة من الاعلى الى قدم العمود..

حين وصلت الى البيت لم اجد سيارة ابي امام حائطنا مما جعلني استغرب لأنه يكون في البيت بعد الغروب دائماً..

سحبت مفاتيح البيت المدفون في تراب سندانة الشُجيرة المركونة قرب الباب وادرت القفل لأدخل

"لقد عُدت،... امي الم يعد ابي بعد؟ "

رفعت صوتي متكلماً ريثما انحنيت اخلع حذائي والذي يحتاج لجلسة طويلة للخلاص مني فقد كبرت قدمي عليه ولكني اعتز به ولاارغب بتبديله لأن سماء اهدتني اياه في عيد ميلادي الماضي..

جاءت رزان زوجة اخي الى ممر المدخل وقالت قبل ان اخلع الثاني : انت هنا اسر!!.. كنت اظنك في المشفى مع عميك و والديك؟

استغربت : ماذا؟

- لايبدو انك تعلم؟... اتصل العم وقال لوالدك ان محولة بيته انفجرت واصابت العمة بصعقة كهربائية.. ذهب والديك للمشفى.. من الجيد انك غادرت المنزل قبل الانفجار!!

جفلت مما سمعت، احسست ان رأسي يدور من هول الصدمة وسألت بتخبط وتوتر : متى حصل هذا وماذا عن الفتيات؟

رزان: معهم في المشفى!!

فتحت الباب وخرجت راكضاً

احدى قدمي عارية والحذاء بيدي.. لااجد وقتاً لارتدائه ولا تركيزً لرميه، كل عقلي يركز في العدو تجاه مشفى القرية و سلك اقصر الطرق اليه..

عبرت ساحة المشفى وانفتح الباب الزجاجي فوقفت في ساحة الطوارئ اتلفت يميناً وشمالاً بحثاً عنهم..

لم ارى منهم احداً فأقتربت لموظفة الاستقبال وسألته "هل استقبلتم اليوم اي حالة صعق كهربائي"

-حالة واحدة.. تم نقلها لقسم الجملة العصبية!! في الطابق الثالث

ركضت على الدرج المركون في الزاوية النائية وكا ن شبه مهجور لأن الجميع يسقلون المصعد.. تجاوزت الطابق الثاني ونصف درج الثالث وتوقفت حين امحتها تجلس منعزلة على الدرجات في النصف الثاني وصوت نشيجها المكتوم ينبعث من رأسها المخبئ بين ركبتيها

" سماووي "

قلت اسمها بلهفة وشوق واسرعت لتجاوز الست درجات التي تفصلنا بمجرد ان رفعت هي وجهها المبلل على صوتي كنت قد وصلت وانحنيت لأعيد ظمه لصدري

- انتِ بخير.. شكراً للرب!!

قالت والشهقات تُقطع صوتها وقلبها : امي يااسر- امي ليسـ-ت بخير !.. قـ-ال الطبيب انها لن- لن تسير مجدداً

- لاتبكي روحي فداك وفدا امك.. ليس كل مايقوله الاطباء صحيحً، ستشفى بأذنِ ﷲ

سمحتْ ليداها ان تمتد خلف ظهري وتعانقها بكل قوتها.. لاادري اكانت تتشبث بي او بكلماتي وهي تغرق في تلك المصيبة التي حلت عليها..

اغمضت عيني براحة ممزوجة بالحزن.. كانت اول مرة تتقارب اجسادنا لهذا الحد، كانت اول مرة اشم عنقها فيها.. رغم ان رائحتها زكية وجميلة حتى من بعيد الا انني في ذاك العناق احسست اني استنشقت ريح الجنة..

كنت مستاءً من نفسي ان اغوى واغرم واتعاشق في يوم اسود كهذا و لكني اكتشف اني احبها ذاك الحب القوي الذي يبقى في اتعس الظروف ولايهتم لتلون الايام..

لعل جَويل محق!!

يلزمُني مئة عام لأخراجها من عيني!

بعد ذاك اليوم مرننا بفترة محنة شديدة بسبب مرض العمة.. وكانا ابي وعمي يدوران بين الاطباء سوياً لأجل التحاليل وايجاد طبيب واحد يقول لنا ان هناك امل بأن تعود للسير فيجري العملية.. لكن لاطبيب بكراملس اعطانا مُرادنا

وذات يوم قرر والدي وعمي الذهاب الى مشفى تخصصي يقع في عاصمة المحافظة في حي 17 تموز للجانب الايمن للموصل فقد مدحه الكثير من الناس و شحنونا بدفعة امل واقعية ان العلاج سيكون هناك فقرر ابائنا اخذ التحاليل والذهاب وحدهم اولاً لمعرفة الاحوال ثم العودة لأخذ العمة..

قال والدي وهو يوصي اخي مروان قبل ان يغادر في ذاك الصباح

"اعتني بالمنزل في غيابي وانتبه لأسر و اختيك سماء ونورا.. لن نتأخر بالعودة سنعود مساء هذا اليوم!! "

حل المساء ولم يعد ابي..

واتصلنا عليه ولم يرد..

وحل المساء الثاني، والثالث، والرابع..

ثم بدأت اخبار الموصل تنتشر في القرية وان الوضع ليس امناً هناك

وذات مساء.. كانت كل بيوت كراملس تستمع النشرة الاخبارية بصوت المُقدم المُهندم ذو الصوت الثقيل كالأخبار التي ينقلها..

-وقد صرح محافظ الموصل اثيل النجيفي بالأمس قائلاً "لاوجود لأي مسلحين في الموصل او أطرافها" واكد أن السلطات الأمنية (قيادة العمليات الثلاثية) فرضت حظر التجوال فيها كـ "فعل احترازي" في هذه المدينة التي تشكل عاصمة محافظـة نينوى..

وها نحن اليوم نصحو على خبر دخول قوات تابعة لتنظيم الارهاب الى غرب الموصل على الساحل الايمن في مناطق مشيرفة و17 تموز والهرمات وحي التنك وحي العريبي وحي الزهراء وحي التحرير. وقد قتل 12 شخصاً وأصيب العشرات بجروح في هجمات بسيارات مفخخة واشتباكات مسلحة داخل وحول المدينة، كما صرح التنظيم انه اختطف واسر بعض الجرحى واردفنا بهوياتهم.. "

تجمعت عائلتنا حول التلفاز الصغير تستمع الى الاخبار وتنتظر عرض وجوه القتلى والمخطوفين وهوياتهم او اسمائهم في النشرة..

اصطفت صور الرجال في جدول افقي وعمودي..

صاحت نسائنا وفتياتنا باكيات حين رأين ابي وعمي،

تراطمت انفاسي في بعضها وشعرت ان الهواء اصبح اثقل في صدري....

ابي، اسيرٌ لدى التنظيم، صليت وبكيت كثيراً في تلك الايام كي يعود

اتصلوا بنا وطلبوا مبلغ خيالي مقابل تحريره

باع مروان كل غرض في البيتين وذهب النسوة ليؤمن الفدية..

لم يُبقي شيء حتى الفراش.. كنا نجلس على البلاط

اخر ماابتعناه هو تلك الاغطية التي لم يستخدمها اي احد و كنا ندخرها للضيوف.. كنا نحسب حساب للزوار في بيتنا و لا نقرب ما احضرناه بأسمهم..

منزلنا الذي كان يتحسب لأستقبال الضيوف هجره اهله بالنهاية.. و ارواحنا التي كانت تستعد لأستقبال الغرباء في دارنا خرجت مطرودة مجبورة من دارها..

طلب التنظيم تسلمه بتحويل الكتروني.. اخذوه ولكن ابائنا لم يعودوا !

يئسوا اهلي بعدها وقالوا انهم قُتلو ولكني لاازال احس ان ابي على قيد الحياة!!.. واؤمن بأحساسي تماماً

تلا سقوط الجانب الايسر من الموصل بيد الارهابين سبعة ايام عِجاف اعلن التنظيم فيها سيطرته على كل الموارد والطرق في الساحل فقطع الماء عن قضاء الحمدانية الذي يتكون من قريتنا وقرية بخديدا..

انذاك كان تموز!! ، فتِكَ بنا العطش، كنا نشرب من مياه الابار والاجواف القذرة الملوثـة، تلك الجراثيم، التي رضخنا ان تدخل مـُعدَنا كي لانموت عطشاً ماازال اراها في كوابيسي..

بالنظر فقط للون الماء الأصفر والمليء بالتراب والدود وشتى انواع الحشرات الحية والميتة ستعلم انك في رهان مع الحياة.. رهان ستخسر فيه آين كان خيارك

فما كانت الخيارات المتاحـة سوى ان تشرب وتموت بأمراض معويـة او ان تمتنع وتموت عطشاً..

صلبونا مثل اليسوع و اعطشونا مثل الحسين!

اخترنا الشرب، ثم انقسمنا لنصفين حسب مناعتنا

ذوي المناعة الضعيفـة اصيبوا بأمراض معويـة وسرطانات المعدة وماتوا اثرها جميعاً

وذوي المناعـة القويـة اصيبوا بأمراض جلديـة نهشت جلدهم حكاً وبثوراً وبُهاقً وجربً.

امي كانت من ذوي المناعة الضعيفة.. توفيت هناك ودفناها في ساحة كنيسة القديسة بربارة التي احبتها كثيراً

ثم جاء التنظيم وهد الدير وساوى القبور حتى فقدت موقع قبرها الدقيق،

وكأنَ ضياعات العُمر لاتَكفي لنضيعَ عن بعضنا بعد الموت ياامي!

- End pov Asr -

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

بقلم الكاتب/ pov: umalroaiat ;

هتف ناقوس الكنيسة بصوت مُنذِر وبلغة الاجراص الغامضة التي تقشعر لها الجلود والتَي لايُترجمُها الا من اجتباهُ ﷲ.. فيتزاحم الناس على ندائه هاربين من صوته الى البعيد الا واحدًا منهم انطلق في اتجاه مخالف لوجهات لواذهم.. انطلق لا ينقذ لا ليلجىء ، بل ليبحث و يساعد.

والناقوس يُلحن كلماته بين ايقاع الضربات.

"اهلُ الدُنيا.. خَلو الدُنيا

رِفقاً رفقا... مهلاً مهلا

إنَّ المَولى، صَمدٌ يبقىٰ

حقاً حقا.. صِدقاً صِدقا"

وبعيداً عن صوتـه، عميقاً بأغوارٌ دُجنِ الليلِ والغاب، تتموج ظفيرتها الشقراء مع الرياح التَي تُسابقها وهي تركض بتَخبط.. توشك على الوقوع باكية منهارة ولكن الخوف مما ورائها يدفعها للتَقدم..

حافية، واقدامها تنزف مما دخل بين اصابعها من اخشابٍ واشواكِ في هذا العراء.. تتَلفتُ مع كل خطوة للأمام مئة التفاتة للوراء لتتأكد ان لااحد منهم ورائها..

في احدى الألتفاتات ، قُبض عليها احدهم من الامام كانه ظهر من العدم.. امسكت بعضديها اياديه قوية لتوقفها.. لم تعد تسمع صوت نبض لها.. بتلك الثانية التي وقغت بها بين يديه.

من حسن الحظ ان صوته الخافت سبق عيونها واتاها بالامان المنشود.. قال بلغته التركمانية

"سما-وي، توقف قلبـ-ـي وانا ابحث عنـ-كِ.. اين ذهبتِ؟ "

التقت اعينهما وهما يلهثان.. فعادت نبضاتها حين رأت وجههُ "آسر!!.. اختي نورا ضائعة.. كنت ابحث عنها و ولكن-"

انتبه لقدميها الحافية والمجروحة فخلع حذائه

"بحق الرب!! فقدتِ حذائكِ وفقدتِ نورا!!"

"ارتدي" ردد بين لهاثه

ادرجت قدميها في الحذاء وهي تردف جملتها بغصة "ولكن رأيتهم.. عناصر التنظيم وصلوا الى هنا.. وصلوا الى كراملس، مُخيفين!! .. اين نورا.. انا خائفة"

"نعم، انتشر الخبر بالقرية..

لاتخافي، سأجد نورا والحقك..

اذهبي الى الكنيسة.. ستجدين اخي مروان ويتجهز للرحيل"

ولم تكن سماوي من هاويات دراما (لن اتركك).. فتركت الفتى وهربت فور ان ختم كلامه وهي واثقة تمام الثقة انه سيدبر امره ويعيد اختها..

تقدم هو يبحث عن الفتاة الاخرى بملامح وجه جدية ومسترجلة تجعله يبدو اكبر من سنه!!

وصل الى شجرة شاهقة فتسلقها لياخذ جولة استطلاعية ويعاين المكان.. رأى من بعيد سيارات التنظيم تقترب وقد علقوا عليها رايةً سوداء تتمايل مع الريح... لم يخف ابن الرابعة عشرَ عاماً حين رأهم ولكن مااخافه هو اقتراب نورا الصغيرة اليهم من طريق اخر !

اتسعت عيناه واوشكتا على الخروج من محدقيه

حين رأى ان طرقهم اوشكت على التقاطع والالتقاء ببعض.. نزل من الشجرة بحركات بهلاونية قد علمته اياها الغريزة تواً حتى حط على الارض وانطلق راكضاً في طريق خفيٍ ثالث قاصداً طريق نورا..

يتلو الف صلاة في كل خطوة ويدعو ويتوسل بربـه "يامُخَّلص يايسوع نَجِينا"

وكما كانت تتموج ظفيرة سماوي قبل قليل على ظهرها هاهو سلسالُ صَليب آسر يتموج الأن على صَدرِه..

تعثر بقضيب معدني و وقع على وجهه.. نظر للقضيب المجوف و بسرعة بديهة فائقة خطرت في ذهنه فكرة.. فكرة تحتاج الى جرأة كبيرة و موهبة جبارة.

و كما اعطى الثقة لرفاقه و اقنعهم بقوة حناجرهم ها هو يقنع نفسه..

اخذ بالقضيب و وقف واضعاً احدى الفوهتين على فمه، و قبل ان ينبس بكلمة استذكر كل صوت الة قلده و ومضت في خيالاته لحظة من عالم الغيب احس بها ان هناك اصابع تلامس تفاحة ادم خاصته..

بايمانه المسيحي، ظن ان تلك اليد هي يد المسيح و ان الله اودع في حنجرته كل الالحان و الاصوات العظيمة و قدرة تقليد النبرات و الالات

ذاك العالم الصوتي الرائغ المترنح على اوتار جهل و صمت عالمنا رضي بأسر دخيلا اليه..

راح لسانه يتحرك بعذوبة يتنقل بين الاسنان و الحلق و السقف، يمسح داخل فاهه بأحترافية تفوق احترافيات السن العالمين بمسح ما هو خارج افواهها

كان قويا لدرجة ان اللغات تتأوه متعبة منه و من قدرته عليه كأنه ينتمي لكل القوميات و كأن كل نساء الارض حملته في رحمها و دندنت لروحه بلهجاتها..

" الجيش العراقي و قوات البيشمرگـة يحاوطون المنطقة.. الى كل المتجاوزين على القانون.. ارفعوا الراية البيضاء و لكم الامان!! "

ارفق تمويهه الخادع باصوات اسلحة الحرب، كلاب بوليسية، جهاز الانذار، حركة عجلات، بنادق، دوي رجال و امتزاج الكلمات الكردية بالهوسات العربية..

غير اتقانه فمحال ان يشك السامع لحظة واحدة ان كل هذه الضوضاء تصدر من شخص واحد..

توقفت سيارات التنظيم للحظات تستقصي و تتأكد بل و حتى رفعوا مكبراتهم و اسمعوه رداً .. لم يخف رغم التهديد بالذبح و عاد يبحث عن نورا تاركا اياهم في حيرة و ردود لم تتلقى رد..

_____

وَصلت سماوي الى الكَنيسة

حيث تجمع الناس ووصلت شاحنات نقل النازحين واصطفت بمجموعات متقاطعة.. وقفت هي بين معمعة الراكبين والراكضين والجالسين على الطريق يبكون ويُسحبون.. تتلفت وتبحث عن باقي افراد عائلتها، لمحت شابً يُشبه آسر يقف مع زوجته ورضيعه وقربهم عجوز تجلس على كرسي متحرك فركضت لهم وعانقت العجوز وهي تبكي "امييي"

انتشلتها الزوجة بعنف وصاحت بوجهها

"اين كنتِ واين آسر؟"

"يبحث عن نورا.. نورا ضائعـة! "

"الا يمكنك حفظ طفلة في العاشرة؟ لِمَ لم تنتبهي لها..ماذا سنفعل الأن؟ نريد ان نغادر.. هل نتركهما خلفنا؟ "

"لا، ارجوك لننتظر قليلاً !! "

"انا لم اعد استطيع تحمل هؤلاء الطائشين يامروان، جد لهم حلاً ان وصلنا لبغداد سالمين"

جَفلت سماء وتوجهت لمروان الذي بدا لايقل استهجانً عن زوجته " يامروان، لِمَ سنذهب الى بغداد؟ أليست اربيل اقرب.. دعنا نذهب الى اربيل مع هؤلاء الناس"

مروان: اين نسكن في اربيل؟ انبقى بالشوارع ام خيم النازحين التي لاتقي من برد او حر؟ الا ترين ان ابني مريض ولن يتحمل مناخ كهذا.. الشيعة يفتحون مواكبهم كسكن مجاني في بغداد، العيش في الحُسينية بمفردنا افضل من مخيم النازحين وازدحاماتـه.. ان مرض واحد عدى الف"

" الا تزال تثق بالمسلمين؟ "

" المسلمون في بغداد مختلفون!! "

"اليس امير هؤلاء يدعى ابا بكر البغدادي... البغدادي!!"

"نحن ذاهبون الى من اميرهم علي لا ابابكر!!"

"ونوري المالكي الذي امر الجيش ان ينسحب ويترك اراضينا للتنظبم من اميره!! كل المسلمين سواء افهم!! يريدون تصفيتنا من البلاد..يريدونه بلد عربي اسلامي فقط!!.. خذنا لكردستان"

"نحن تركمان.. كردستان للكرد، العاصمة للجميع!!"

"الطريق طويل الى بغداد.. ماذا ان قطعوه قبل ان نصل؟ "

"على العكس، يفكرون بقطع الطريق لأربيل لأنها الاقرب والجميع يفكر بالنزوح اليها.. هي فكرة مألوفة فهي هدفهم.."

ماذا ان انقسموا وقطعوا كل الطرق؟ "

"لاتتطيري بنا"

"اتطير؟؟.. انا اعطيك كل الاحتمالات كي لانقع بمصيبة.. لعل الامر لايهمك لأنك ستُقتل وترتاح ولكن نحن النساء سيبقوننا للحياة والخدمة والبيع والذل.. سيجبروننا على تغير الدين حتى، سنَخسرُ الدنيا والاخرة... سنموت الف مرة!! "

رفعت صوتها بأنفعال و توتر.. كانت صرخة خوف وعدم ضبط نفس من هول القادم لكنه وبسبب شخصيته الناقصة شعر انه صياح قلة ادب وعدم احترام له

صفع وجهها صفعة قوية كانت كافية لتوقعها ارضاً

صاح من هنا "لاترفعي صوتك علي!!"

وصاحا من هناك

نورا:"اختي سمااء!!"

اسر:"ماذا فعلت؟؟"

اقتربا اسر ونورا راكضان و انشغلت سماوي بفرحة عودتهما عن الخد الذي كوته ارتفاع حرارته وبدا وكأن نارً اشتعلت فيه من شدة حمرته..

فتحت يديها للعناق لتلج نورا الى صدرها وقرفص اسر قربها ليطمئن.. عانقت اختها وذرفت دموع الفرح

"هل انتِ بخير؟ اين ذهبتِ وتركتني؟ لاتبتعدي عني مجدداً.. كدت اموت ندماً"

- لاتبكِ.. انا اسفـة

"شكراً لك يااسر شكراً لانك اعدتها"

آسر: لاتبكِ هيا.. سنغادر الان ونذهب لمكان ائمن.. كل شيء سيكون بخير.. فقط اسمعي كلامي

سماء: سامعة

جذبها من ساعدها واسندها لتقوم.. قادها الى الشاحنة بعد ان مرر نظرةً سهط لأخيه جزاء تلك الصفعة

ساعدها للصعود مع نورا ثم دفع كرسي والدتها وبلا اي كبرياء وبكل عملية وعفوية قال له

"ماذا؟ استبقى واقفً هنا حتى يأتوا!! ألن تساعد"

تقدم الاكبر المتكبر "ابتعد!!"

نقل المقعدة الى الشاحنة ثم كرسيها بعدها بمفرده وصعد ليرتب وضعها.. نظر اسر لروان وشابك يديه كما شابكهن لسماء ونورا لتصعد هي الاخرى للشاحنة المرتفعة..

صعدت ثم اخذ نظرة اخيرة للكنيسة.. والى بستان الساحة الذي تحول الى مقبرة. ترتفع فوق تلال قبور الموتى احجار رخامية كتب عليها اسماء الراقدين..

لاح امام عيني اسر اسم المرأة التي انجبته لهذه الحياة القاسية، منقوش على قطعة رخام !!

رسم الأبن الصليب على صدره وجبينه وقد صلى اخر صلاة وودع سيدته، ثم ادار عيونه الحزينة وركب الشاحنة، لتنطلق بعد صعوده..

عيونه العسلية ظلت متعلقة على الكنيسة والديار، تودع الضاحية بحزن عميق ومع كل مترٍ تبتعد فيه الشاحنة عن القرية بدأ يرى تفاصيل جديدة لم يلاحظها حين عاش داخل المشهد.. وحتى التفاصيل القديمة التي يعرفها لم تكن بالاعتيادية التي كانت عليها دوماً.. اختلفت! اصبحت اجمل، كأنها تزينت لموعد الوداع..

اغصان الاشجار تتمايل وكأنها تلوح مودعـة و داعية بالسلامة والامن في الطريق فبدل رش الماء على دربهم رمت بعضً من ورقياتها، رياح حزيران الحارة تصدر حفيفاً خفيفً كما لو انه نحيب لطفلةٍ صغيرة.. كصغر قريتهم و اجوائها الطيبة.

نحيب اخر اقتحم السكون و امتزج مع نحيب الطبيعة!!

ايقظ صوت الفتاة اسر من شروده..

عطف عليها و مد يده يسحبها من الجلوس امامه للجلوس قربه..

" ابكي هنا!! "

- هنا - يقصد على كتفـه

عانقت ذراعه ووضعت خدها المتورم من الصفعة على كتفه مواصلة مأتم النشيج المكتومة ذاك..

"أ ارتل لك؟ الستِ تُحبين صوتي! ، هيا اهدئي لتسمعي!!"

قال يحاول التخفيف عنها بشغلها بشيء تحبه..

لامزاج لها لأي شيء ولكنها لاتقدر على افشال محاولاته.. فشعور الخيبة الذي سيعتريه سيزيدها هماً لأن قلبيهما مرتبطان ببعض،

سحبت الرشح من أنفها لتهدء وتسمع صوته الذي يبث السكينة في قلبها دائماً..

رتل لها نَشيد عربي بلهجةٍ سهلة وخفيفة على لسانه التركماني..

"يَسوع نئىٰ بِربارا

ومن بين الكِل اختارا

ومن بين الكِل اختار

علمها كيف تصلي

وتنسى عبادة الحجارة

و.. -"

سكت ينتظر منها ان تكمل وتشارك ولو قليلاً..

كررت بعده بصوتها المبحوح "وتنسى عبادة الحجارة"

اسر:"بربارا حبت يسوع.. وضوت ئدام وجو شموع"

كررت سماء بتعبٍ وحنان وهي تنظر لوجه اسر المضيء ببهجته وقوة نفسيته خلافاً لوجهها الذي اذبله الخوف والحزن.. كررت وهي تحس ان بربارا اضائت الشموع في وجه اسر لاوجه اليسوع..

"وضوت ئدام وجو _ شموع"

_______

.

.

.

#يتبع..

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

اسر اوبي

المؤلف lilo
2025/08/28 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة