هل أنا ابن عاق؟

هل أنا ابن عاق؟

20 0

_مهلًا، رنيم...

تخلل صوته بعض التردد، لم تكن نبرته باردة كما اعتادت سماعها، بل نبرة أكثر دفئًا، أقل ثباتًا.

التفتت ناحيته ونظرت له بهدوء مترقبة حديثه، وقد لاحظت إمساكه بهدية صغيرة مغلفة بعناية، لم تتعب نفسها في التفكير أنها قد تكون لها، فهذا كان بعيد المنال كما تظن هي.

وضع عِمران كفه على مؤخرة رقبته، قائلًا بتوتر خفيف، فهو لم يعتد على مدح أحد أو التعامل بلطف مع شقيقته:

_أبليتِ حسنًا اليوم، فخور بك.

وقفت الأخرى مصدومة مما سمعت؛ هل ما وصل أذنيها هو صوت شقيقها حقًا؟ هل كلمات ثناء كهذه تخرج من شفتي عِمران؟

ظنت أنها تتخيل، وكادت تعود لعملها، لولا أنه تابع حديثه وهو يمد الهدية الصغيرة لها:

_لم أعرف ماذا أحضر لك، فأنا أجهل ذوقك، اعذريني.

فرغ فاها من الصدمة، وهي تمسك الهدية وتقول بنبرة غير مصدقة:

_لي؟

أومأ وهو يشيح بنظره بعيدًا عنها، فهو يكره العاطفة أو التصرف بها، لذا كان دائمًا يبدو باردًا حادًّا أو متهكمًا ساخرًا.

علتها ابتسامة، وملأ قلبها الحُبور، واحتضنت شقيقها بعفوية جعلت الآخر مصدومًا خجلًا من تصرفها المفاجئ، لكنه شعر بدفء العائلة التي فارقها لسنوات طويلة.

1

ابتسم بهدوء، ومسح على ظهر أخته بكفه مرارًا وتكرارًا، كأنه يقول «آسف، سأحاول أن أكون أخًا جيدًا».

لم يقاطع تلك اللحظة الدافئة سوى رائحة احتراق العشاء التي داعبت أنفه، ليبتعد عن أخته متسائلًا بنبرته الهادئة:

_هل وضعتِ شيئًا على النار؟

شهقت بصدمة وقد اتسعت حدقتاها وركضت بسرعة إلى المطبخ، ثم رفعت القدر من على النار ووضعته على الرُخامة، وهي تنظر بحسرة لعشائهم الذي أفسدته.

دخل شقيقها المطبخ فقالت معتذرة:

_سأعد عشاءً آخر حالًا.

نظر لها لوهلة، ثم أومأ بهدوء وقال ذاهبًا لغرفة والدته:

_سأذهب لأمي. (غادر)

تنهدت قائلة بيأس:

_لن يتغير، إنها طباعه... هادئ، صامت، بارد، هذا هو عِمران. (ابتسمت برضى) لكنه أخي!

نظرت إلى الهدية راغبة في فتحها، فقد تملكها الفضول تجاهها، لكنها منعت نفسها من ذلك، فالآخران ينتظران الطعام.

غسلت القدر جيدًا ثم نشّفته بمنشفة نظيفة، ووضعته جانبًا.

قطعت اللحم لقطع صغيرة، وفعلت كذلك بالخضار، ثم وضعتهم في القدر مع الماء والتوابل اللازمة، ثم وضعت القدر على النار ليُطهى.

•••

في الجهة الأخرى من المنزل...

سلّم عِمران على والدته، مقبِّلًا رأسها ويدها باحترام، ثم جلس قبالتها، فسألته عن يومه وقضيته، فأجابها باختصار كعادته، ظنًّا منه أنه بهذه الطريقة يطمئنها، لكنها كانت تقلق عليه أكثر عندما لا يخبرها بتفاصيل القضية؛ تخاف أن يصيبه مكروه، أن يُؤذى، أن تفقده كما فقدت أباه، كان قلبها مفطورًا على ابنها الذي تحمّل عبء الاعتناء بعائلته في سن الثامنة عشرة.

سألها عِمران بصوت هادئ مفكر وقد ذهب ذهنه بعيدا لبرهة:

_أماه، هل حملتُ المسؤولية بشكل خاطئ؟

نظرت له دون أن تفهم مغزى سؤاله، ففسر بهدوء:

_أقصد... هل أنا شخص لا يُعتمد عليه؟ هل أنا أخ سيء؟ أو ابن عاق؟

انفعلت والدته من كلماته الأخيرة وقالت بنبرة مؤنبة:

_لا تقل كلامًا كهذا يا بني! لست عاقًا، بل ابن صالح، بارٌّ بأمه.

تابعت مطمئنة له:

_لو كنت عاقًا لتركتنا وذهبت بحثًا عن رزق لك وحدك، لكنك تعمل ليل نهار لأجلنا، فأي عقوق هذا؟

_لكني أشعر أني لا أعطيكِ حقكِ، لا أهتم بكِ كما يجب. (قبض على يديه بقوة)

_حاشا لله ذلك يا بني. (وضعت يدها على يديه مطمئنة) أنا فخورة بك جدًّا.

كان سيتحدث، لولا صوت خطوات قادمة أعقبها ظهور رنيم مع العشاء، وضعته على الطاولة، في حين ساعد عِمران والدته على الجلوس، وباشروا الأكل بصمت.

•••

بعد العشاء...

استأذنت الأم لتنام، في حين ذهبت رنيم لجلي الصحون، ولحقها عِمران، الذي كانت لديه تساؤلات تجاه القضية.

_هل لك أن تجيبيني على سؤالي؟

سألها بنبرة استجوابية، فنظرت له باستغراب لوهلة قبل أن تجيبه:

_أبشر.

وعى سبب علامات الاستغراب على وجهها، فتابع بنبرة أقل استجوابًا وأكثر هدوءًا واتزانًا:

_ألكِ أن تخبريني كيف حللتما اللغز منذ البداية؟

أومأت بهدوء، وأخذت تسرد له ما جرى منذ البداية حتى لحظة معرفتهما لأسماء المجرمين الثلاثة، دون أن تتوقف عن عملها.

_حسنًا، وكيف علمتما بأن سراج هو اسم مستعار، وأن صاحبه هو خائن؟

ابتسمت وتابعت تقصّ عليه:

«عودة للوراء»

_أشعر أننا غفلنا عن أمر ما. (قالت لين بريبة)

_وما هو؟ (تساءلت الأخرى)

هزّت لين كتفيها بمعنى (لا أعلم)، فشردت الفتاتان تفكران فيما نسيَتاه، لتقول رنيم بعد تفكير استمر لدقائق:

_لين، لمَ لا نجرب نقع الكتاب كاملًا في عصير الليمون؟ ربما هناك كلمات مخفية أخرى.

نظرت لها لين قليلًا قبل أن تقول بقلق:

_أخشى أن نفسده.

_أممم... حسنًا، ما رأيك أن نمرر القطنة على كل الصفحات؟ أنا من اليمين وأنتِ من اليسار، هكذا نستغل الوقت.

أومأت لها الأخرى، وباشرتا العمل، وقد لاحظتا وجود بعض الكلمات التي أخذت تظهر واحدة تلو الأخرى... وما إن أكملتا الأمر حتى تصفحتا الكتاب لتقرآ ما كُتب، فإذا به:

(نحن ثلاث: أنا كوثر، وحاتم الأمين على خزنة الأموال المسروقة، وسالم الشرطي المتنكر بهوية مزيفة وهي سراج)

تبادلتا النظرات، وتابعتا قراءة الجمل المتقطعة على مدار الصفحات:

(هذا الكتاب هو تعبير عن ندمي تجاه جريمتي التي ارتكبتها، لكن لن يتركني رفيقاي حيّة إن أعلمتُ الشرطة بشيء؛ لذا أرجو أن تكون الشرطة ذكية كفاية لحل لغزي الذي تعبت في كتابته).

_هذا آخر ما كُتب. (قالت لين وهي تقلب باقي الصفحات الفارغة)

علّقت رنيم على كلمات الكتاب بتوجس:

_أليس الأفضل أن نخبر الشرطة؟

أومأت الأخرى:

_سأرسل التفاصيل لـ لادن، وسيتدبر هو باقي الأمر.

«عودة للحاضر»

أنهت رنيم حديثها قائلة:

_ثم أرسلت لين رسالة لشقيقها، تخبره ما وصلنا إليه.

علّق عِمران بابتسامة هادئة:

_لذا ابتكر خدعة جهاز التتبع داخل المستندات... محقق مخادع.

سألته رنيم بتردد بعد أن أنهت عملها والتفتت إليه:

_هل لي بسؤال؟

أومأ بهدوء، فتابعت:

_لمَ تركتَ المجرم طليقًا في البداية؟

تفاجأ من سؤالها وعلّق:

_وكيف علمتِ؟

_اتصل لادن بلين وأخبرها بذلك بعد أن أعلمه المفتش.

_لا يترك شيئًا إلا أخبر به أخته. (قال متهكمًا)

زمت الأخرى شفتيها بعدم رضا، فهي تحب الثقة المتبادلة بين الأخوين، فتبسم بعفوية عندما لاحظ علامات أخته المؤنبة، وردّ على سؤالها:

_أردت التأكد من حقيقته فقط، فلم يكن لدي دليل ضده وقتها، هذا كل شيء.

ثم نظر إلى الهدية وسألها ببرود أخفى تحته بعص الاهتمام:

_هل فتحتِها؟

نفت، فاستغرب، لكنها فسرت بسرعة:

_أردت فتحها بعد أن أنهي عملي، سأفتحها الآن.

اقتربت من الهدية، وأخذت تفتحها بحرص، مما جعل شقيقها يستغرب حرصها على الغلاف أيضًا.

بعد أن أزالت غلافها، فتحت الصندوق الصغير بترقب لتتفاجأ بما فيه، في حين نظر لها شقيقها منتظرًا رأيها.

كانت الهدية عبارة عن قلادة ذهبية بسيطة نُقش عليها اسمها.

ابتسمت بسعادة وهي ترتديها، ثم سألته بعفوية:

_ما رأيك؟

_أنيقة! (ابتسم بهدوء)

1

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وهكذا انتهى الجزء الثاني من سلسلة ثنائي العدالة

أراكم في الجزء الثالث قريبا أيها المحققون🫣

وبالمناسبة، لا زلت بانتظار آرائكم في الفصل وفي الرواية أيضا👈🏻👉🏻

1

ما رأيكم بالقضية؟

العلاقات الأخوية؟

1

تصرف عمران الأخير؟

دور لين ورنيم؟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

في الضوء

المؤلف البروء
2025/08/29 مكتملة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة