قضية خاصة

قضية خاصة

26 0

على عجل... ارتدى بذلته الرسمية وكاد يهم بالمغادرة لولا صوت شقيقته وهي تفرك عينيها قائلة:

_إلى أين تذهب في هذا الصباح الباكر؟

عندما رآها شعر كأنه مجرم أمسك به الشرطة للتو، لكنه تدارك الموقف:

_لدي قضية مهمة.

فتحت عيناها على مصرعيهما وقالت بنشاط:

_زودني بها!

1

احتج متوترا:

_آسف كاتبتي الصغيرة، لكنها قضية سرية للغاية، لا يمكن لأحد خارج أفراد معينين من الشرطة الاطلاع عليها.

قذفته بنظرات مرتابة ثم التفت بجسدها عائدة لغرفتها فحاول إيقافها بقوله: 

_سأصنع لك قضية صعبة عندما أعود.

_قضاياك سهلة للغاية (ردت دون اكتراث وغادرت)

تنهد ولم يناقشها، فلا وقت لديه لذلك الآن، قرر إرضاءها عند عودته، فالقضية لا تحتمل التأجيل.

خرج مسرعا وركب سيارته وانطلق نحو مركز الشرطة.

دخل وحي الحاضرين ثم جلس معلقا عما يجري:

_كيف حدث ذلك؟  عادة تكون المستندات المهمة محمية جيدا!

_العلم عند الله، لم نجد بصمات على الخزنة.

جلس عِمران مسندا ظهره على الكرسي ورافعا إحدى قدميه على الأخرى مفكرا، في حين وقف لادن وأخذ يدور داخل الغرفة منحيا بظهره قليلا وواضعا مشيرته وإبهامه على ذقنه مفكرا وهو يسير في الغرفة ذهابا وإيابا. 

1

*****

من جهة أخرى كانت لِين تتصفح هاتفها بملل حتى أتاها اتصال من إحدى صديقاتها:

_وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، تفضلي، أوه حقا؟!  (تفاجأت)  يبدو هذا ممتعا، لكن...(عبست)  أخي ليس هنا، سأرى أبي إن كان موجودا سأطلب منه إيصالي لمنزلك، انتظريني (أردفت محذرة)  إياك والبدء دوني!  (ابتسمت)  حسنا مع السلامة.

2

أغلقت الهاتف

***

بخطوات سريعة متحمسة ذهب للمطبخ لتجد والدتها هناك فسألتها:

_هل أبي هنا؟

_نعم، في غرفة النوم، هل تحتاجين شيئا؟ (قالت دون إبعاد ناظرها عن الخضار التي تقطعها)

_في الحقيقة (توترت) رنيم حصلت على كتاب مليء بالألغاز والقضايا واقترحت علي أن نحله معا.

1

ضحكت والدتها قائلة:

_أليست الفتاة التي جعلتها تعشق حل الألغاز بسبب حديثك المتكرر عنها؟

عبست قائلة:

_لست أنا فقط، فشقيقها محقق أيضا.

_شقيقها؟ 

_نعم (أكدت)  اسمه عِمران، سألت لادن عنه ذات مرة، قال أنهما في ذات المركز.

1

أومأت والدتها بتفهم فتابعت باستعجال:

_سأذهب لأخبر أبي...

توجهت بسرعة نحو الغرفة وطرقت ليسمح والدها لها بالدخول، دخلت وسلمت عليه مقبلة جبينه وخديه، ثم شابكت يديها خلف ظهرها قائلة بتودد:

_أبي، هل أنت متفرغ الآن؟

رد وهو يرتب الأوراق التي على مكتبه:

_خيرا بُنيتي؟

_في الحقيقة...  (شرحت له ما أخبرت به أمها للتو واختتمت بقولها)  فإن لم تكن مشغولا، هل يمكنك أخذي لمنزل صديقتي؟ 

أزال نظارته الطبية بعد أن رتب الأوراق ثم نظر لابنته متفحصا إياها وهي عادته اعتاد عليها منذ صغره أن يتفحص كل شيء حوله فهو شرطي سابق وقد ورث ابنيه هذا الحماس تجاه القضايا منه.

_هل أنهيت دراستك؟ ونظفتِ المنزل؟

_نعم نعم!

_وهل نشرتِ الغسيل؟  وكويتِ الملابس؟

_طبعا! (قالت بعبوس)

ضحك وقال:

_حسنا إذا، جهزي نفسك.

وعندما همت بالمغادرة سألها بعد أن لمع بذهنه هذا السؤال:

_صحيح، أليس من غير اللائق الذهاب في هذا الوقت من اليوم؟

نفت بسرعة وعللت:

_رنيم مع أمها فقط في المنزل، وهي من طلبت مني القدوم لشعورها بالملل، فأنت تعرف أن والدها قد توفاه الله قبل أعوام ولم يبقَ لهما سوى عِمران الذي حاله كحال أي محقق، كل يوم قضية.

أومأ متفهما فاستأذنت وغادرت تجهز نفسها، أما هو فبدل ملابسه فعليه الذهاب لعمله الجديد وهو العمل كبائع في سوق للمواد الغذائية أو ما نسميه في عصرنا الحالي «السوبر ماركت».

جلس في غرفة الجلوس منتظرا ابنته لتجهز وفي حين ذلك أتت زوجته بكوب من القهوة قائلة بحنان:

_لين تتأخر في تجهيز نفسها عادة، لذا اشرب قهوتك بتأني.

أومأ لها وابتسم قائلا وهو يقرب كوب القهوة من شفتيه مستعدا ليرتشف رشفة صغيرة:

_بدأت تكبر، لم تعد لين الصغيرة التي كنت أراها تلعب بألعاب الشرطة.

ابتسمت هي بدورها وارتشفت من القهوة مؤكدة على كلماته:

1

_معك حق.

****

في مركز الشرطة...

كانت الأوضاع متوترة إلى حد كبير، الخوف من المجهول يملأ صدر المفتش نَبِيه، الحيرة تعلو ملامح لادن، قناع من البرود كان عِمران يخفي تحته قلق كبير.

وجه لادن سؤاله للمفتش عندما خلت الغرفة من جميع عناصر الشرطة عداه وعِمران:

_ما طبيعة المستندات المسروقة؟

لم يجب المفتش لوهلة فقد شرد بذهنه بعيدا، أو ربما تظاهر بذلك حتى يتهرب من الإجابة، لكن الصوت الجدي الذي أطلقه عِمران كان كفيلا بجعله يستسلم لهما ويخبرهما بالأمر قائلا بتوجس مخافة أن يسمعهم أحد:

_إنها صور وتقارير لقضية سرقة مصرفية مع أسماء المشتبه بهم.

ابتلع لادن ريقه بصعوبة محاولا استيعاب حجم المشكلة التي وقعوا بها في حين لم ينزع عِمران القناع البارد من وجهه لكن قبضته المشدودة كانت كفيلة بكشف التوتر الذي كان يخفيه داخله.

••••

اقتحمت أشعة الشمس المكان لتضيء الغرفة الصامتة، إلا من حركة خفيفة خارجًا تمكّن ثلاثتهم من ملاحظتها.

شعروا بأحدهم يراقبهم من بعيد، فتحرك لادن بخطوات سريعة ليرى، لكنه لم يجد أحدًا فعاد لهما نافيًا برأسه:

_أظنه مجرد وهم.

قال ذلك غير مقتنع به، فهو متأكد أن هناك من يراقبهم متخفيًا عن الأنظار.

عقد حاجبيه وسأل المفتش:

_ألم تُصوّر كاميرات المراقبة من اقتحم المكان؟

أجابه وهو يلقي بجسده على الأريكة بيأس:

_تم اختراق نظام الأمن وتعطيل جميع الكاميرات في المكان.

_ألم يُلاحظ أحد دخول غريب إلى المركز؟ (تساءل لادن)

_نفى الجميع رؤيتهم لأي دخول غريب.

أتاهما صوت المحقق الثاني بنبرة هادئة حملت القليل من السخرية:

_يبدو أنه أحد أفرادنا، حضرة المفتش.

علق لادن على كلماته بابتسامة هادئة وقال باحترام:

_أحترم استنتاجك أيها المحقق عِمران، لكن ضع في احتمالاتك أن سارقًا اخترق جهاز الأمن وسرق مستندات بهذه الأهمية، فلن يستصعب أمرًا كالتنكر وتزوير هويته لهوية ضابط في الشرطة.

أومأ عِمران مقتنعًا بكلامه ولم يعلّق، واكتفى بالدخول داخل دوامة عقله الهوجاء التي تعصف به من الداخل رغم هدوئه الفطري من الخارج...

تساءل لادن مجددًا، فقد كان من عادته عدم ترك سؤال واحد معلّقًا دون إجابة:

_هل تذكر أيًّا من المشتبه بهم، سيدي المفتش؟

_ليس تمامًا (حك رأسه متذكّرًا) أذكر أنهم كانوا تسعة مشتبهين، في حين أن السارقين ثلاثة.

_ماذا عن أجسادهم؟ جنسهم؟ من هذا القبيل...

_رجل ضخم وآخران نحيلان، أحدهما أنثى تم العثور عليها مقتولة في شقتها بعد الحادثة بأيام، ولكن... (تنهد) لم نجد أي شيء يدل على من كان معها في السرقة، سوى رسالة اعتراف كتبتها بخط يدها.

_وكيف عرفتم أنه بخط يدها، وليس القاتل من كتب ذلك؟

_قارنا الخط ببعض مذكراتها التي وجدناها هناك، كما أن بصماتها وحدها وُجدت على القلم والورقة.

كان سيسأل مجددًا، لولا سؤال عِمران الموجز:

_ما فحوى الرسالة؟

_كلمات قصيرة ومبهمة، بخط يدها كتبت (في الضوء)

قال لادن ساخرًا:

_لم تكتب ألغازًا؟ أليس الأسهل كتابة الأسماء؟ (تابع متهكمًا) هل يظن المجرمون أن الشرطة تعدّهم مظلومين عند موتهم؟

علق عِمران على كلماته الأولى بقوله:

_لو كتبت الأسماء، لمسحها القاتل ببساطة، لكن لغزًا كهذا لن يهتم به القاتل، تحديدًا لو كتبته قبل موتها.

نظر له لثوانٍ، فأكمل عنه المفتش، معلقًا على كلمات لادن الثانية:

_مهمتنا هي معرفة الحقيقة، وإمساك المجرمين، وإن أجرموا في حق مجرمين أمثالهم.

تنهد عندما رد الآخران على كلماته بحزم، فهو يكره أن يساعد مجرمًا وإن كان ميتًا، ولكن الأمر ليس بيده على أية حال.

•••

في منزل صغير، في أحد الأحياء السكنية التي تعج بالسكان، تجلس لين برفقة صديقتها تفتحان ملف الألغاز وتحلان لغزًا فآخر، وفي حين ذلك مرّ عليهما لغز جديد لكن الغريب أنه كان أقصر مما يتخيله العقل:

_في الضوء!  (قالتها لين بتعجب خالطته الحيرة)

تبادلت النظرات مع رنيم في صمت مفكرتين، قبل أن تقول رنيم متذكرة:

_أشعر أني قرأتها في كتاب ما، كتاب يتحدث عن عملية سرقة، ندم أحدهما وترك رسالة مشفرة للشرطة، لا أذكر التفاصيل تماما، فقد قرأتها بسرعة.

نظرت لها لين باهتمام تحثها على المتابعة، فتابعت محبطة:

_لكني نسيت اسم الكتاب والأحداث التالية

.

انتاب لين الإحباط بسبب رد صديقتها، لكنها ابتسمت وأمسكت هاتفها بخفة، وأشارت لصديقتها بالتزام الصمت لوهلة، ثم اتصلت بشقيقها تطلب مساعدته، متناسية كونه في قضية مهمة.

•••

كان لادن ينظر خلال النافذة بشرود، قبل أن يوقظه صوت رنين هاتفه، فاستأذن وخرج ليرد على المكالمة.

عبر الهاتف...

_السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، محققي الذكي، أحتاج مساعدتك.

_وعليك السلام، خيرًا لين؟ (قال مستعجلًا)

أجابت بتذمر:

_أأنت مشغول؟

_تقريبًا (رد بهدوء) لكن أخبريني بما لديك.

_أحاول حل لغز، إنها مقولة وردت في كتاب ما، لكننا لا نعلم اسم الكتاب.

تنهد الآخر وقال:

_وما المقولة؟

_في الضوء!

تفاجأ لادن فقد سمع هذه العبارة قبل لحظات، إنها رسالة الاحتضار!

لم يعلق على ما قالته أخته للتو، بل لم يجب نداءاتها التي تكررت قلقًا عندما لم يجبها، لم يفق إلا بعد أن سمع صوتها المهزوز القلق:

_أين أنت؟ ما الذي جرى؟

ابتسم معتذرًا:

_آسف، شردت قليلًا، إذا، هل أنت متأكدة من وجود هذه العبارة في كتاب ما؟

_نعم (قالت بارتياب) ما الأمر؟

_أشكركِ ليلي، أنتِ منقذتي دائمًا، عليّ الإغلاق الآن.

كاد يغلق الخط، لولا قولها بتذمر:

_لم تخبرني بحل اللغز!

_لم أحله بعد (ضحك بخفة) عندما أحله سأخبركِ حتمًا!

أغلق، وقد اعتلت سعادة وغمر قلبه الأمل مجددًا لحل هذه القضية، فربما معرفتهم بقاتل تلك المرأة يجعلهم يصلون لسارق المستندات.

دخل إلى الغرفة حيث رفيقيه وسأل المفتش بحماس:

_سيدي، هل وجدتم أي كتاب أدبي أو رواية في منزل الضحية؟

أجاب متذكرًا:

_نعم، وجدنا كتابًا بعنوان «في الضوء»  (تابع مستنكرا)  كرسالة الضحية، لكن لا أعتقد أنه يهمنا، لذا تركناه.

ــــــــــــ ــــــــــــ ــــــــــــ ــــــــــــ ــــــــــــ

انتهى الفصل 🍒🧊

كيف كان أيها المحققون؟ 🌝

1

ما رأيكم في تطور الشخصيات؟

1

ما توقعاتكم للفصل القادم؟

شاركوني تعليقاتكم فبها أستمر🔥

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

في الضوء

المؤلف البروء
2025/08/29 مكتملة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة