تثق بها جدا!

تثق بها جدا!

17 0

_اكتشفتَ الأمر إذا، لستَ بالغباء الذي توقعته (تهكم عِمران وهو ينظر بنظرات باردة تجاه الرجل أمامه) على كُلٍ، هذا ليس غريبا على مُخترق اختَرق نظام أجهزة الأمن وخدعهم بتنكره، أو ربما حقيقته، أليس كذلك يا سيد سِراج، لا بل سَالِم... أحد أفراد شرطة الحراسة الداخلية؟

1

_ما الذي تهذي به أيها المحقق، من سراج أو سالم هذا؟ (سأل ساخرا)

لم يجبه عِمران لوهلة وتحرك في الغرفة ذهابا وإيابا واضعا يديه في جيبه ليخفي هاتفه الذي اتصل به بلادن:

_لا أمانع من إخبارك ما استنتجته يا سيد... لنقل أنني لم أكن مقتنعا باختراق نظام الأمن وسرقة المستندات، لكن فكرة التنكر كانت مقنعة بنسبة كبيرة، لذا أمرت بعض الرجال الثقاة بمراقبة المكان خفية.

تابع متهكما:

_ازدادت حيرتي شيئا فشيئا تجاه الأمر، لكن كل شيء انكشف لحظة رؤيتك... لا بد أنك تعلم أن الشرطة لا تهتم إن وجدت شخصا غير مألوف في المكان إذا خرج من المبنى، لكنها لن تسمح لأي شخص غريب ما لم يكن مشتبها به أو مجرما بالدخول؛ لذا شككت أن أحدهم إما تنكر بهيئة شرطي وإما أن شرطيا خائنا يوجد داخل المركز.

1

علق الآخر ساخرا:

_ثم تبعتني إلى هنا لتعلم الحقيقة؟ وكيف اكتشفت أني قدتك هنا عمدا؟

هز الآخر كتفيه بملل وقال بنبرة هادئة واثقة:

_وقعت في الفخ ببساطة، لم أتوقع ذلك، لكني رؤيتك مزيلا لتنكرك أثبت أنك علمت بأمر جهاز التتبع الذي ألصقته بملابسك الخارجية، وكونك بدلتها ولكن الإشارة أوصلتني إلى هنا يعني أن الملابس وضعتها هنا عمدا.

صفق الآخر وضحك ساخرا في حين كانت ملامح عِمران جامدة وهو يواصل كلامه:

_والآن هل ستعترف بأنك من سرقت المستندات وشاركت في عملية السرقة وقتلت المرأة التي كانت معك؟

1

_لم لا؟  لن يسمعنا أحد على أي حال (قال بخبث وهو يرفع سلاحه تجاه الذي لم تهتز أركانه) نعم، أنا سالم من الحراسة الداخلية، وأنا من سرق المستندات وشاركت في عملية السرقة قبل عامين، ولكن ما أخطأت في استنتاجه حضرة المحقق هو أنني لست قاتل كوثر، إنما قاتِلها هو حاتم، ولكن لا تتعب نفسك في البحث عنه، فقد قتلته بعد أن قتلها، وسأتخلص منك كما تخلصت منهما

(قهقه بصوت عالٍ وكاد أن يطلق على المحقق الأعزل الذي لا حول ولا قوة له لولا تلك الرصاصة التي مرت جانبه كتهديد وتحذير، التفت عِمران ليرى صاحبها ليتفاجأ بالمفتش تعلوه نظرات حازمة حادة لم تعهد عليه )

1

_سيدي المفتش!

ابتسم الآخر مجيبا دون أن يبعد عينيه أو سلاحه عن المجرم:

_من الخطر أن تأتي وحدك لمواجهة مجرم يا بني.(تابع جادا بعينين تكادان تثقبان المتهم)  لا تظن أنني غفلت عن أمرك يا سالم، ربما لم أعلم أنك أحد السارقين الثلاث إلا الآن، لكنك نسيت شيئا، فرغم تنكرك المتقن، واختراقك اكمرات المراقبة، إلا أنك كنت بين أيدينا طوال وقت سرقتك للمستندات التي ذهب لادن لاستعادتها بالفعل (أنهى كلماته بابتسامة واثقة)

_كيف!  (أطلق المجرم سؤاله مصدوما وقد تبدلت كل ملامح السخرية إلى صدمة ومحاولة الحفاظ على هدوئه)

_في كل مستند وضعنا جهاز تتبع صغير لا يمكن الانتباه له، وكنا نتتبع جميع حركاتك منذ اللحظة التي سرقت فيها المستندات حتى اللحظة التي عدت تراقبنا دون المستندات، ربما لم نعرف أنك ذات الشخص وقتها، ولكن (نظر لعمران)  لدينا داهية استطاع اكتشاف خدعتك.

تابع بحدة:

_والآن ها قد انتهت حفلة التنكر، ارمِ سلاحك!

لم يهتم الآخر للتهديد الذي وصله من المفتش بل أطلق في لحظة غير متوقعة رصاصة أصابت قدم المفتش إصابة ليست بقاتلة لكنها جعتله يفقد توازنه ليجثو متألما، اقترب منه عِمران بسرعة ليطمئن عليه فابتسم له الآخر وقال:

_ حان دورك

أعطى عِمران السلاح ليتردد لوهلة قبل أن يصيح به المفتش:

_توكل على الله

تسمر جسده لثوان ثم سمى وكبر وصوب وأطلق بيد مرتعشة لتخترق تلك الطلقة النقطة المميتة في رأس المجرم أودته صريعا.

وقف المحقق مشدوها ينظر بعينين مصدومتين للجثة الهامدة بلا حراك ولسان حاله يردد:

_هل فعلت الصواب؟ 

_نعم، القاتل يقتل، هذا ما نص عليه ديننا.

1

في هذه اللحظة دخل أفراد الشرطة المكان ورفعوا الجثة، في حين ساعد بعضهم المفتش في المشي بسبب إصابته.

وقف عِمران شارد الذهن، هذا ما يصاب به في كل مرة يطلق على أحد، يشغل باله سؤال واحد يكاد يعصف به (هل فعلت الصواب؟)

لم يفقه من شروده سوى تربيتة على كتفه كان مصدرها لادن الذي كان ذاهبا في طريقه لمركز الشرطة لتسليم المستندات

.

_أحسنت صنعا يا عِمران، يبدو أنني لن أصل لمستوى ذكائك مهما عملت.

نظر له الآخر بعنين باردتين واكتفى بالصمت، لم يجد ما يقوله، فهون عليه لادن بكلماته:

_أتعلم؟ ربما يبدو الأمر قاسيا أن تقتل شخصا بيديك، لكن لا سبيل للقصاص غير ذلك، القاتل يُقتل.

تابع وقد حلت ابتسامة هادئة على شفتيه وهو يدفع عِمران بهدوء ليخرجا من المكان:

_لقد أبيلت بلاءً حسنا، اكتشفت القاتل وحدك دون الاحتياج لذلك الكتاب، أنت رائع!

ظهرت علامات تعجب طفيفة إثر إطراء لادن، فقد كان يراه منافسا له دائما، لم يره كعدو، بل كزميل ينافسه.

ابتسامة خاطفة مرت على شفتي عِمران، اختفت سريعا كعادته في إخفاء مشاعره، ولكن هل يخفى تفصيل كهذا على لادن عاشق التفاصيل؟

1

٠٠٠•••٠٠٠•••٠٠٠

ليلاً، في مركز الشرطة... جلس المحققان والمفتش، كلٌّ منهم يلقي بسؤاله على الآخر.

_فهمت كل شيء في هذه القضية إلا أمرين! (قال لادن بشرود ثم استفاق متابعًا) ما هدفه من كل ذلك؟ لم قتل؟ ولم سرق؟

_دوافعه مجهولة حتى الآن. (رد المفتش بهدوء)

وقبل أن يطرح لادن سؤالًا آخر سبقه عِمران بسؤاله:

_إن وضعتم أجهزة تتبع في المستندات، لمَ لمْ تخبرنا منذ البداية أيها المفتش؟

أجاب الآخر مبتسمًا:

_لا وجود لأجهزة التتبع المزعومة، كانت خطته.

(أشار لـ لادن)

عقد عِمران حاجبيه:

_وكيف علمتما أنه الشرطي سالم متنكّرًا؟

وقف زميله المحقق ثم سار واستقر جانب النافذة ينظر من خلالها في حين يجيبه على تساؤله:

_لا أعلم التفاصيل، لكن اتصلت بي أختي وأخبرتني أنها وجدت معلومات أخرى داخل الكتاب، مفادها أن المدعو سراج هو ذاته سالم، أحد أفراد المسؤولين عن حراسة المستندات المهمة.

_تثق بها جدًّا؟ حتى أنك لم تتأكد من الأمر! (علّق عِمران متهكما)

_لم لا؟ إنها أختي بعد كل شيء (ثقبه بنظرة باردة)

1

_لا أعلم، ربما يبدو الأمر غريبًا لي.

_غريب؟

_نعم. (أجاب بهدوء)

صمت لادن قليلًا وقال وهو يهمّ بالمغادرة:

_إن كان هذا ما اعتدت عليه فغَيّره، ما لم تثق بأختك فلا أحد يستحق الثقة، سلامٌ على الدنيا بما فيها إن كانت علاقة الأخ بأخته باردة.

كانت كلماته قاسية لشخص هشّ المشاعر، لكنها كانت مجرّد وخزات بالنسبة لعِمران، الذي لطالما وصف نفسه باللا مبالي، ليس افتخارًا بل احتقارًا لذاته.

لم يفقه من شروده سوى بضع كلمات من لادن خرجت من شفتين مذكِّرتين:

_رنيم أيضًا ساعدت في هذه القضية، تستحق مكافأة. (ثم غادر)

حملق عِمران في الفراغ أمامه مفكرًا في كلمات لادن القليلة، ربما أوقظت بعض مشاعره النائمة، فبعد وفاة والده تحمّل على عاتقه مسؤولية أمه المقعدة وأخته الصغرى، كان يرى أنه لا بد له من تصنُّع القوة والشدة حتى لا يفلت منه زمام الأمور، لكنه لم يدر حتى هذه اللحظة أن ما فعله سبّب جدارًا حاجزًا بينه وبين أخته التي هي في أمسّ الحاجة لسند يشدّ عضدها.

ربت المفتش على كتفه ثم غادر لمنزله، فقد كان يومًا مرهقًا بحق.

خلت الغرفة من الأنفاس، عدا أنفاس عِمران المكتومة تارة، والمتدفقة تارة أخرى، شارداً بذهنه، تمر عليه ذكريات قديمة، مواقف كثيرة، من بينها ذكرى مشوشة لموت والده!

1

٠٠٠•••٠٠٠•••٠٠٠

عاد لادن للمنزل وبيده بعض الأكياس التي فور أن رأتها لين، أخذت تحوم وتدور حول شقيقها لتعرف محتواها، فضحك على فعلها وأردف:

_هدايا لكاتبتي الصغيرة، عسى أن تعجبها.

اتسعت حدقتاها وسألته بسرعة:

_ما هي؟

مدّ لها الأكياس وقال:

_انظري بنفسك.

جلست في منتصف الصالة تفتح الأكياس، وهو يراقبها مع والديهما اللذَين شعرا بعودة ابنهما فأتيا ليطمئنا عليه.

كانت الهدية عبارة عن بعض الحلويات، والكتب الجديدة التي كانت ترغب بشرائها منذ فترة...

كادت تطير لرؤيتها، بدت كطفل صغير أُعطي قطعة حلوى.

احتضنت شقيقها بقوة وهي تشكره من أعماق قلبها... لم يكن أخًا فقط، كان سندًا، وخِلًّا، وصديقًا، وروحًا صادقة في اهتمامها.

تعلقت به منذ طفولتها، كانت تراه الحائط الذي تستند إليه، والحصن الذي تحتمي بين أحضانه من صفعات الحياة المؤلمة، ونسمات الهواء الباردة التي تأتي بعد موجة حر مؤذية.

لم يختلف حبّه لها عن حبّها له، فقد كان يكنّ لها من الحب ما يزن أحدًا في حجمه، ويثق بها ثقة الشخص بنفسه، ويعطف عليها عطف الكبير على الصغير، كان مقتديًا بقول المصطفى ﷺ: "واستوصوا بالنساء خيرًا."

بعد عناق طويل... ابتعدت لين والسعادة تغمر قلبها ولسانها يردد عبارات الشكر والامتنان فقط، في حين كانت ابتسامة هادئة تعلو محيا شقيقها، وهو يرى سرورها بهديته التي كان قلقًا ألا تنال رضاها.

تبادل والداهما النظرات الفخورة بعلاقة ابنيهما الوطيدة، ثم قالت الأم بابتسامتها الحنون:

_سأعد لكما عشاءً لذيذًا مكافأةً لكما عما بذلتماه اليوم!

وتابع عنها زوجها موافقًا:

_والله إني لفخور بكما جدا، وأحمد الله أن رزقني بكما وجعلكما لي بارين.

نظر لادن ولين لبعضهما بسعادة، ثم تقدما وقبّلا رأسيْ والديهما وشكراهما على هذه الثقة.

1

٠٠٠•••٠٠٠•••٠٠٠

من جهة أخرى، بعد أن غادرت لين منزل رنيم، ذهبت الأخرى لتعدّ العشاء كما اعتادت، كانت سعيدة بقضاء الوقت مع لين، فمنذ بدء العطلة الصيفية لم تعودا تلتقيان كثيرًا.

وضعت العشاء على النار، ثم ذهبت لغرفة والدتها، قبّلت جبينها وجلست لجوارها:

_أمي، هل تحتاجين شيئًا؟

_سلامتك بنيّتي، هل استمتعتِ اليوم؟

أومأت رنيم مبتسمة، وهي تسرد لأمها ما جرى، وكيف أنهما ساهمتا في حل قضية حقيقية، وما كانت سعيدة لأجله أنها ساعدت عِمران بطريقة غير مباشرة في هذه القضية؛ فرغم الحاجز الذي يضعه شقيقها بينهما، إلا أنها تكنّ له الكثير من الاحترام والحب.

أنهت حديثها بابتسامة حزينة:

_لين محظوظة بـ لادن صدقًا.

ربتت والدتها على يدها بهدوء، وقالت بدفء وحنان:

_إن عِمران يحاول أن يكون أبًا وأخًا لك يا رنيم، لكنه مشغول بعمله.

قالت رنيم بنبرة معترضة، وكأن كلمات والدتها فتحت لها جرحًا جديدًا:

_لكن... ماذا عن لين؟ شقيقها مشغول أيضًا طوال الوقت، ولكن علاقتهما قوية، لا أحسدهما، حاشا لله ذلك، بل أتمنى دوام هذا الوفاق بينهما، ولكني... فقط أريد أن يهتم بي عِمران ولو قليلًا!

وقبل أن تقول الأم أي شيء، سمعتا صوت باب المنزل يُفتح، وصوت خطوات تقترب، فقالت رنيم متنهدة:

_لقد عاد، سأذهب لأكمل إعداد العشاء إذن.

استأذنت من والدتها التي أشفقت على حال ابنتها.

التقت بشقيقها في الصالة التي تنتصف منزلهم الصغير، فحيّته باحترام ورسمية دون أن ترفع عينيها تجاهه حتى.

همّت بالذهاب إلى المطبخ لتكمل طبخ العشاء، لولا حديثه بصوت لا يكاد يُسمع:

_مهلًا، رنيم...

1

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

انتهى الفصل🤭

الأحد القادم سنودع هذا الجزء😶

على كل حال، ما رأيكم بالفصل؟

الشخصيات؟

شخصية عمران؟

علاقة لادن ولين؟

ما توقعاتكم لكلمات عمران التي يريد قولها لأخته؟

بما أنكم وصلتم إلى هنا صوتوا للفصل وضعو متابعة🤭

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

في الضوء

المؤلف البروء
2025/08/29 مكتملة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة