4-رماد الورقة

4-رماد الورقة

15 0

بضعة أيام انهمك فيها نوح بين دراسته وعمله في المكتبة. كان الضغط شديدًا عليه ليوازن بين صعوبة المواد الجديدة في الطب وبين انشغاله بوظيفته . وزاد الألم المتفرّق من معاناته، فكان يأخذ مسكّنًا ثم يكمل عمله، إلى أن تظهر نتائج الفحوصات.

خلال الدوام التقى بعمير عدة مرات، واكتشف أنه يدرس الطب أيضًا، لكن التجاهل كان سيد الموقف بينهما.

تمعّن الطبيب في الفحوصات بعد أن استلمها من نوح ثم قال بجدية:

ـ يبدو أنك تعاني من عدة مشاكل رغم صغر سنك، ولا يوجد سبب عضوي.

فرك نوح يديه قائلًا بنبرة هادئة:

ـ ما هو المرض بالضبط؟

ـ يبدو أنك تعاني من القولون العصبي، وتظهر عليك علامات الضغط النفسي المزمن.

تيبست عيناه وارتفع حاجباه لتلك الكلمة، إلا أن ملامحه عادت للجمود وهو يقول بصوت خاوٍ لا يناسب الموقف:

ـ مزمن؟ كيف؟ تقصد ليس له علاج؟!

ـ القولون له علاج يخفف الأعراض ويعلّمك التأقلم معه، لكن للأسف ليس له علاج نهائي. وهو اضطراب في وظيفة الأمعاء يسبب المغص والألم الشديد في البطن، إضافة لأعراض أخرى.

أما الضغط المزمن فهو لا يُعد مرضًا عضويًا، لكنه يسبب الصداع، والأرق، ودقات القلب السريعة، وغيرها.

والسبب أن الجسم بحالة تأهب مستمرة، ما يعني أن الشخص يعاني من ضغوط نفسية ومشاكل لفترة طويلة.

تردد صدى نبضات في جوفه وهو يسمع هذا الكلام. أفرغ صدره من هواء مكبوت كمن استسلم أو يئس لواقعه ثم سأل:

ـ وما علاج كلّ هذا؟

أجابه بعملية وجدية:

ـ بما أن الأمر وصل للقولون فهذا يعني أن جسدك لم يعد يستطيع التعامل مع القلق سوى بهذه الطريقة. لذا من جهتي سأصف لك بعض الأدوية للقولون، وأقدّم بعض النصائح لتلتزم بها، لكن من باب الأمانة أنصحك بزيارة أخصائي نفسي.

ما إن سمع آخر جملة حتى علا حاجباه مع حدة عينيه.

فهم الطبيب نظراته التي اعتاد عليها من المرضى، فقال:

ـ أتفهم قلقك ونظرتك السلبية للعلاج النفسي، لكنه ليس كما تعتقد... إنما تحتاج بضع جلسات ليساعدك الأخصائي بالتعامل مع الضغط والقلق، ومع الالتزام بتعليماتي ستتحسن سريعًا.

ـ لكن...

ـ وجب عليّ أن أنبّهك: إن الضغط المزمن إذا زاد عن حدّه، واستمر وضعك على حاله، فقد تصاب بضغط الدم الذي لا نملك له علاجًا ،إنما نحاول التأقلم والتعايش معه .

من المهم أن تعتني بصحتك، وإلا ماذا ستفعل بشيخوختك؟

على عكس الفراغ في عينيه، ارتفعت أشداقه بما يشبه الابتسامة قائلًا:

ـ أظنك ستشهدها بنفسك...أو لن يشهدها كلانا.

وأضاف في عقله: لن أمانع أبدًا.

عقد الطبيب حاجبيه بنظرة طويلة مردفًا:

ـ لمَ تقول هذا؟ هل تمرّ بشيء جعلك يائسًا هكذا؟

حين أبصر تجمد نوح ونظراته الخاوية، قال:

ـ إنه قرارك بكل الأحوال.

عاد نوح للمنزل ليعيد روتينه الممل، لكن عقله كان يتصارع بين التركيز أو التفكير بكلام الطبيب المقلق.

ـ هل أذهب؟ لا أعلم... هل لدي وقت أصلًا؟ أأستشير ماجد بالأمر أم أدعه لي؟

سخر من نفسه مردفًا:

ـ سيظنني مجنونًا، لا أعتقد أنه يؤمن بتلك الأمور.

رفع رأسه للسقف بعقدة حاجب:

ـ أذكر أني تحدثت مع معالج نفسي في طفولتي... كان لطيفًا، لكنه لم يفعل شيئًا سوى التحدث معي عن...

أخفض بصره، وهالة من الكآبة سرت بجسده متذكرًا الحادث والموت.

كان الطبيب يجهزه لهذا فحسب.

أزاح تلك الأفكار من عقله وعاد لدراسته.

****

ـ أأنت تهددني؟ أيها الوغد الخسيس! ألم ننتهِ من الأمر منذ زمن؟!

اجفل الجالس على الأريكة حين قاطع انغماسه بالدراسة دخول ماجد المفاجئ وصوته شبه الصارخ يتردد محدثًا شخصًا ما على الهاتف:

ـ اسمع وافهم ما سأقول جيدًا... نحن معًا في بركة الوحل. كلانا! والذي سيحدث بعدها سيكون لكلانا. أتفهم؟

أكمل كلامه وهو يسير ذهابًا وإيابًا بسرعة تنمّ عن توتره، وسبابته المرتجفة التي يرفعها كأنه يهدد شخصًا أمامه.

ـ حسنًا؟ أنا في البيت الآن، سنتحدث لاحقًا.

بقي نوح يحدجه بعين متسائلة:

ـ ما الذي يحدث؟ من هذا الذي يهددك؟!

جلس ماجد بجواره وقدماه تهتزان، لكنه قال بنبرة غاضبة:

ـ مجرد جبان تافه، لا تُلقِ له بالًا.

ثم طفق يحدق بالمكتبة الفارغة، ويبدو أن عقله بمكان آخر.

ـ مهلًا! ال... الورقة! أين هي؟!

قالها وعيناه ما تزالان مركزة على المكتبة، كأنه يحدث نفسه بعقل مشتت.

وقف بغتة وهرول لغرفته يبحث في الأدراج.

انتقل توتره تلقائيًا لنوح الذي تبعه محاولًا أن يفهم، إلا أنه وجده قد توقف عن البحث. وجهه ارتخى، تعلو شفتيه ابتسامة جانبية هامسًا بصوت مسموع:

ـ أحرقتها.

ـ أحرقتها؟!

ارتج جسده بالكامل، والتفت للسائل ينطق بنبرة مضطربة:

ـ ماذا تفعل هنا؟

ـ أنا أحاول أن أفهم ما الذي حدث لعقلك! تصرخ فجأة ثم تضحك! تقول كلمات غامضة... ما الأمر؟!

ـ ل... لا شيء، عمل.

لكن شبح ابتسامة ساخرة نبت على شفتي نوح وهو ينبس:

ـ أها، أنت أيضًا تخفي أسرارًا عن أخيك؟ من يجب أن يغضب الآن؟

رماه بنظرة صارمة، وخرج صوته متوترًا رغم تماسكه:

ـ ماذا تقول أنت؟! قلت إنها للعمل، ألا تفهم؟

ضحكات نوح المكتومة والمشككة استفزت أعصابه:

ـ كفّ عن السخرية، لا شيء مضحك! سأقتلك!

ـ حسنًا حسنًا، فهمنا سيد غامض.

أطلق تنهيدة مفرّغًا انفعاله، وتوجه للمطبخ يسأل نوح:

ـ أنا أتضور جوعًا، ماذا أعددت؟

بذات اللحظة التي رأى الطعام وسكب لنفسه.

ـ غريب، عدت باكرًا اليوم؟ هل هي إجازة أيضًا؟

ـ تقولها كأني أرتاح كل يوم! بالطبع، فلست أنت من يعمل من الصباح لليل.

عاد كلاهما للجلوس في غرفة المعيشة: الأول يدرس، والآخر يتناول طعامه.

ـ كيف هي الجامعة؟ هل تبلي جيدًا؟

ـ جيدة.

ـ أرني كتابك.

ـ ماذا؟

ـ الكتاب!

أخذ الكتاب وشرع بتصفحه. أمال رأسه وملامحه تشرق بشيء دفين، وتنقبض يداه هامسًا:

ـ جميل! ابذل جهدك، لن أقبل بأقل من التفوق.

اجعلني أفخر بك، لا تخذلني يا أخي.

ـ أحاول.

****

يوم طويل، معتاد، متكرر، لا شيء مهم.

ثم يعود لسريره ليعاني بضع ساعات من التفكير والأرق.

ذاك الفراغ الثقيل يخنقه كل يوم، ليضيف طعم المرارة لحياته.

ما إن يضع رأسه على الوسادة حتى تتدفق الأفكار لتنخر عقله دون رحمة:

ـ أشعر أن حياتي بلا هدف... أو معنى. أنام لأستيقظ، لأدرس، ثم أعمل... وتستمر الدوامة. ماذا بعد؟ حياة مليئة باللاشيء.

وها أنا أكتشف أني مصاب بمرض مزمن في هذا الجسد الهرم.

حاول التقاط انفاسه المختنقة وهو يردف:

_ماذا معنى الحياة لي؟ أي حياة هذه؟كم أبغص الليل، ذلك السواد الذي يحرض ذاكرتي على النواح،ويغرق مشاعري ويغرق مشاعري في عتمة أعمق من سواده .

ليت عقلي يسكت لساعة واحدة فقط، لأنام بلا أحمال يومية على ظهري... أو أنام للأبد. هذا مريح أكثر... ربما لي وللجميع.

بعد بضع ساعات يأذن له عقله أخيرًا بالنوم، ليستيقظ في اليوم التالي بالعينين المرهقتين نفسهما، والوجه الجامد ذاته.

نهض وغسل وجهه من النعاس. تحامل على شعوره بالضجر والنفور مما يفعله، وتوجه لخزانته. يُخرج قميصًا ويتفحصه بعناية. تجهم وجهه حين لاحظ بقعة ضئيلة على الكم، فألقاه وبحث عن غيره.

وأخيرًا استقر على قميص أبيض، تفحصه وقام بكيّه بعناية، وفوقه سترة سوداء خفيفة وبنطال مستقيم.

وقف أمام المرآة ودقق في ملامحه وصنع ابتسامة هادئة، أو شيئًا يشبهها.

ثم خرج بخطوات واثقة عازمًا الذهاب لذاك الأخصائي، مطمئنًا نفسه أنها بضع جلسات لن تؤثر على يومه.

ما إن دخل العيادة حتى بدأ يقبض على كتفه باستمرار ويتلفت، كأن ثقته تلاشت ببطء. كانت الردهة صغيرة بإضاءة دافئة ولوحات جميلة على الحائط توحي بأمان ودفء المكان.

على الجانب كراسٍ مريحة، وعلى الجانب الآخر يجلس موظف الاستقبال خلف منضدته. ينبثق من المكان أريج عذب يشبه عبق الزهور.

كل تلك العوامل لم تساهم في تخفيف تسارع قلبه، على عكس وجهه الذي يوحي بالثقة. تحدث مع الموظف ثم دخل المكتب ملقيًا التحية.

كان الطبيب جالسًا خلف مكتبه الخشبي بابتسامة رسمية استقبله.

جلس على الكرسي أمام الأخصائي، كرسي مريح مغطى بالقماش.

استجمع أنفاسه ورتب الكلمات بعقله عدة مرات لينطق بها.

في الواقع، منذ خروجه وهو يفكر بكلماته وما سيقوله. لكن وجود أخصائي عجوز خطّ الشيب أغلب شعره ولحيته، مع ابتسامته الهادئة، خفف وطأة التوتر قليلًا.

ـ جئت بنصيحة من طبيب. في الواقع... لا أعلم ماذا ستفعل بالضبط. لكنه أخبرني أني أعاني من القولون العصبي وضغط نفسي مزمن.

قال إن جسدي اعتاد التعامل مع القلق بهذه الطريقة، لذا... لا أعلم. أنا جئت لأن الأمر بات مزعجًا، فأنا أعاني من آلام جسدية مختلفة. هل تستطيع مساعدتي؟!

لاحظ قلقه فابتسم وقال محاولًا طمأنته:

ـ فهمت عليك، بالتأكيد سأساعدك بإذن الله. لا تقلق.

••••

رأيكم؟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

البراءة هي السبب (متوقفة مؤقتا)

المؤلف malak
2025/07/26 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة