أما نوح فخانه لسانه وسأل بما أراد قلبه هامسًا:
_عمير؟
ابتسم عمير بخفة، كمن اصطدم بشيء دافئ في ذاكرته... ثم تراجع، قبل أن يعبس مجددًا وهو ينطق بنبرة خالية من أي شعور:
_نعم، عمير.
ثم أكمل سيره دون أي كلمة إضافية، وعقله يردد ذاك الوعد الطفولي: "سنبقى معًا حتى ندخل نفس الجامعة."
شيء في قلبه ضحك على هذا الوعد الساذج، الذي تحقق دون إرادة أي منهما وفي ظروف مغايرة تمامًا، وشيء آخر جُرح.
اختفى عمير في الزحام، بينما نوح بقي واجمًا وصدره يتشنج من الداخل، وعيناه تلين وتلمع بشيء دفين، بعد أن تأكد من ابتعاده.
ثقل رأسه وانخفض قليلاً بدوامة سوداء من الماضي، تغوص عيناه بفراغ لانهاية له.
قبض يداه بقسوة حتى ابيضّت مفاصله، وأطفأ الدفء من نظراته، بصوت خفيض لكنه مختنق بغضب مجروح نطق لنفسه:
_لماذا من بين الجميع عمير؟ لا يهمني، أنا...
أنا لا أثق بأحد، فكيف كنت سخيفًا لأضع آمالًا عليه؟
افتر ثغره عن شيء يشبه الضحك، أو اعتراف متعب:
_هذا مضحك، حتى والديّ لم يتذكّراني، بل نسياني تمامًا.
فبأي حق ألومه هو؟
شدّ على كتفه باستمرار.
رغم كلامه أبى عقله إلا أن يغوص بتلك الذكرى:
[قبل بضعة سنين بساحة المدرسة
_لماذا تغيّرت؟ لماذا لم أعد أعرفك؟ إن أردت أن تبتعد، أو تنهي هذه المهزلة فقط أخبرني.
أنا لم أعد أهتم، لكن لن أقبل أن تعاملني بهذه الطريقة!
_ما الذي تقول؟ عمير؟ أنا لم أتغير، أنت لا تفهم، أنا، لم أقل...]
تجاهل تلك الذكرى المقيتة ودخل القاعة، جلس محاولًا التركيز على المحاضرة.
بعد انتهائها سار متجهًا للمكتبة.
رمق الطلاب حوله ونبس لنفسه بحزم:
_ليس لدي وقت للصداقة والترهات، لدي دراسة وأهداف يجب أن أحققها.
لم يمشِ بضع خطوات إلا وباغته رأسه بألم حاد وانقباض خفيف في معدته.
تجعد حاجباه بشدة وهو همس:
_رأسي سينفجر، أحتاج النوم.
مشى بخطى بطيئة مغالبًا أنينه، اشترى زجاجة ماء وجلس على إحدى المقاعد بقاعة الطعام، أخرج دواءً مسكنًا وتجرعه مع كوب الماء، لم ينتظر مفعول الدواء، بل عاد للمكتبة على عجل كأن شيئًا لم يكن.
*****
وصل إلى البيت أخيرًا بعد يوم طويل في الجامعة، ألقى بجسده المنهك على الأريكة وأغمض عينيه لدقائق.
نبس متذمرًا:
_هل علي أن أطهو الآن؟
نهض بتثاقل وبدأ يبحث عن شيء يعدّه، فتح الخزانة فرأى ما جعل نبضه يتسارع وعينيه تضيقان:
دقيق الشعير.
أطبق بكفه على كتفه دون توقف، دفع الشعير بحركة حادة، ثم أخذ نفسًا عميقًا، وبدأ بإعداد الطعام إلى أن انتهى.
ما إن أكل بضع لقيمات حتى تلاشت رغبته في الطعام،
كل شيء أمامه أصبح ضبابيًا، وجفونه تتثاقل، رمش عدة مرات في محاولة لتوضيح الصورة، وكل لحظة يزداد التشوش.
حاول النهوض إلى سريره، لكن جسده ترنح قليلاً، فامتدت يده تتشبث بالأريكة، خرج صوته واهيًا:
_ما الذي يحدث لي؟
توازن جسده قليلاً فغيّر وجهته للمغسلة، غسل وجهه مستجمعًا قواه ومشيحًا بوجهه عن المرآة.
بقي جامدًا للحظات، تلاه صوته المتذمر:
_بالله، ما جسد العجائز هذا الذي أملكه؟
حانت منه التفاتة لغرفة المعيشة، للمكتبة الفارغة بالتحديد.
مزيج من المشاعر المتناقضة جعله يشعر بالاختناق.
وقف أمام المكتبة يتأمل رفوفها الخشبية السوداء،
يغلفها الغبار المتراكم من كل جانب،
مرر إبهامه على سطحها فارتسم الغبار على طرف إصبعه،
ابتسامة باهتة لاحت على شفتيه هامسًا:
_كانت مرتبة وأنيقة ذات يوم... ومليئة بالكتب، ومليئة... بالحياة.
أخفض بصره واستند بجبينه على طرف الرف.
_كنت... سعيدًا.
أعاده الألم المزرِي في المكتبة لذاك اليوم.
[خرج نوح ذو العشرة أعوام من غرفته يفرك عينيه نصف المغمضتين، ويدعك أصابعه بين يديه المرتجفتين،
نادى وعينيه تبحث عنه:
_ماجد، أنا خائف...
قطع كلامه متسمّرًا بمكانه واختفى النعاس من عينيه بمجرد أن لمح ماجد،
كان يفرغ الكتب بأكياس كبيرة، يلقيها بإهمال وسرعة، كمن يهرب
من شيءٍ ما...
هرول نحوه وقلبه يخفق، أمسك ذراعه وقال بانفعال:
_ماذا تفعل؟
هذه لأمي، وأبي!
سحب يده بحدة نابسًا بسخرية:
_حقًا؟ لم أكن أعلم، اذهب عني!
تراجع خطوة ولمعت عيناه بالدموع، ثم سرعان ما اقترب مجددًا واندفع نحو الكيس يحتضن مجموعة من الكتب وهو يهز رأسه بانفعال قائلاً:
_لا، لا تأخذهم، أمي ستحزن!
أجابه بحدة:
_أنت لم تلمسها منذ عودتك، والآن أصبحت تريدها؟!
أردف من بين أسنانه وهو يقبض على يده:
_والديك متوفّيان، أعطني الكتب الآن!
وحين لم يجد إجابة انتزعها منه وأكمل عمله.
تناثرت دموع نوح هامسًا بشفاه مرتجفة:
_أخي؟
أطلق تنهيدة عميقة، ثم شدّ على كتفيّ أخيه الصغير وأمال رأسه لليمين قليلاً.
نطق كلماته وهو يحاول صنع ابتسامة صغيرة:
_اسمع، أنا أحاول كظم غيظي لأجلك، لكي لا أخيفك، لذا لا تضغط عليّ.
ما أفعله لأجل مصلحتنا جميعًا، نحن لا نستخدم هذه الكتب، هي فقط...
قاطعه باستنكار:
_لا، أنا أريد...
_لا تقاطعني!
كنت أقول، هذه الكتب هي مجرد غصة في حلوقنا، تبقى لتذكرني كم أن حياتي شنيعة وتعيسة، تذكرني بجرح قديم...
أخفض رأسه قليلاً وأكمل:
_يجب أن ننسى ونكمل طريقنا، أتفهم؟
هل ستبقى عالقًا بمكانك تبكي وتنوح كالجبناء؟!
هذا صعب علي ايضًا، لكن يجب أن نتخلص من آثار الماضي،
أنا في الثانية والعشرين من عمري، نوح! بالكاد تخرجت،
لكن الآن، لا أعرف...
هل أركز على عملي الجديد؟ هل يكفينا الراتب أصلاً؟
أم أركز على تربيتك ومصاريفك؟ أم أعيش حياتي كشاب بمقتبل العمر؟
أنا تعبت... بينما كنت نائمًا لشهرين كنت أتعثر بالديون هنا وهناك لكي أدفع تكاليف علاجك.
لا تزد همومي بتصرفاتك،إفهم اني الوحيد الذي يرعاك ويعرف مصلحتك في هذا العالم ،لذا انصت لكلامي جيدًا.
تجمد وجهه الصغير واتسعت عيناه، يحاول استيعاب ما قيل...
هو يعاني من الديون بسبب علاجي؟
هل يتعب أخي ويغضب بسببي؟!
ضغطت كفه الصغيرة على صدره، كأنه يحاول كبح شيء ثقيل يتقافز بداخله،
امتدت يده دون وعي ليمسك بقميص أخيه من الأسفل ويتلعثم بصوت خافت:
_أنا، آسف... لم أقصد.
_لا عليك، فقط عد لغرفتك الآن.
كسر الهدوء فجأة وقع قرع الجرس، استقام ماجد ذاهبًا ليفتح الباب.
راقبه نوح بصمت ورأى عيناه تجحظ ما إن فتح الباب،
ثم نطق بصوت خافت ونبرة حادة ومتوترة:
_ماذا تفعل هنا؟ لدي طفل الآن أيها الغبي، أتريد أن تحرجني أمامه؟
تنقلت نظراته بين أخيه وكيس الكتب بقلق، لم يعد مركزًا بحوارهما، فعقله يلحّ عليه ليقوم بشيء،
رفع يده عدة مرات وأنزلها بسرعة وهو يراقب ماجد بأنفاس سريعة، وفي حين غرة أخذ كتابًا عشوائيًا من الكيس وركض لغرفته وقلبه يرتجف بصخب.]
أعاده إلى الواقع نغزات قوية بصدره ومعدته، كأن أحشائه تتمزق،
تجعد وجهه ألمًا والصداع ينخر رأسه.
تنقل بين السرير والأريكة عدة مرات بأنفاس متقطعة، لا يستطيع الثبات بمكان لقسوة الألم، يده تتعرق وترتجف بشدة.
انكمش محتضنًا نفسه:
_برد، برد!
انتقل الارتجاف لجسده بالكامل وابتلت خصلات من شعره بالعرق رغم حرارة الجو. اعتاد أن يزول الألم بعد مدة فلم يفكر باستشارة طبيب، أما الآن الأنهاك والوجع بلغ مبلغه والمسكّن لم يعد يفعل شيئًا، فقرر الذهاب للمستشفى.
استقل سيارة أجرة، زاد شعوره بالضيق ما إن ركب ، مع كل نفس كان يحاول السيطرة على نخزات القلق والتوتر التي تتربص به، يفضح وجهه الجامد وبروده الظاهري صوت قلبه المتسارع، مع كل صوت محرك أو اندفاع السيارة بسبب مطب.
ما إن وصل لموظف الاستقبال حتى دفع كلماته بصعوبة وأنفاس لاهثة:
_معدتي تتمزق أو تحترق... لم أعد أحتمل... برد!
سأله الموظف بضعة أسئلة، ثم اتصل بالتمريض فورًا فقد لاحظ سوء حالته وأرسلوه لقسم الطوارئ.
تمدد على السرير وجهه يزداد عبوسًا وشحوبًا، بعد التقييم الأولي لحالته.
أدخل له الممرض أنبوبًا وريديًا دقيقًا في ذراعه، من خلاله بدأ تدفق محلول يحتوي أدوية مسكنة، كيس المحلول معلق بجانبه على حامل معدني.
جفونه بدأت تثقل ببطء، يفتح عينيه ويغلقهما بصعوبة، الألم يتراجع تدريجيًا، وخدر دافئ يسري في جسده، الأصوات من حوله تتداخل وتبتعد، تلتقط عيناه حركة شفاه الممرضين، لكن لا تصل أذناه إلا بفتات كلمات.
الخيط بين الواقع والخيال بدأ يذوب، وفي غشاوة النعاس لمح ظل امرأة، لم يستطع تبين ملامحها، لكن شيء في قلبه تذكر يومًا مشابهًا.
نبس بصوت لا يُسمع وابتسامة واسعة على محياه:
_خالتي... هل عدتِ؟
••••
رأيكم بالفصل الثاني؟
malak