خطا نوح خطواته نحو المخبز، ببطء وثقل، يظهر على وجهه الشحوب وتحيط عيناه الخضراوين الداكنتان هالات سوداء.
تظلل بشرته الحنطية وفكه الحاد لحية خفيفة فاحمة، وشعر مموج. قميصه الرمادي مكوي بعناية مع بنطال واسع مستقيم.
فتح باب المخبز ملقيًا التحية: السلام عليكم.
استقبلته رائحة الخبز الطازج ودفء المكان.
صوبت عيناه نحو مسنة تتحدث مع البائعة، بدت ودودة وهي تقترب من البائعة هامسة بابتسامة مرحة: ابني يحب هذا النوع كثيرًا، اشتقت إليه، إنه...
شرعت تتحدث بعفوية مع البائعة معتزة بابنها.
رمق نوح هذا المشهد بابتسامة شاحبة ووجهه يلين.
ترددت بعقله فكرة مكسورة: لو كانت هنا... ربما ستكون بعمرها، وجمالها.
زفر أنفاسًا ساخنة قبل أن ينطق بطلبه سريعًا وينتظر.
يراوده شعور بالاطمئنان نحوها كأنها بقايا دفء من عالم رحل،لطالما كان يمتلك هذا الحنين للعجائز.
أخذ الخبز وخرج، وحين كاد أن يسرع بالسير اصطدمت به طفلة صغيرة كانت تجري وارتدت للخلف قليلاً، تبدو بالخامسة من عمرها، رفعت رأسها وبادلته ابتسامة طفولية صادقة، وسرعان ما التفتت للوراء ثم اختبأت خلفه دون تفسير، ألجمته الصدمة للحظة، رمقها بنظرة جانبية، ثم استدرك سريعًا ونزل لمستواها سائلاً: ماذا تفعلين؟ أين أهلك؟
افترّ ثغرها عن ابتسامة متحمسة وهي تهمس كمن يتحدث بسر: ألقيت حصى على ظهر أخي وهربت، هو لم يرني.
ثم ارتسمت على شفتيها ضحكة مكتومة، ارتفع حاجباه وتملكته الدهشة بالكامل.
كيف لطفلة أن تثق بي بهذه السرعة؟!
ثم تزعج أخاها وتهرب؟
وضع يده على قلبه الذي تسارع دون سبب واضح،وابتلع ريقه بصعوبة.
نهض على الفور حين سمع صوتًا ينادي الطفلة ويقترب، أردف الشاب مستنكراً: تبا، ابتعدي عن الرجل!
إلا أن الطفلة اختفت خلفه مجددًا تقول بصوت عالٍ: لست هنا.
– اعتذر عن الإزعاج، قالها الشاب بحرج.
– لا عليك.
ثم باغت الطفلة بحملها من خصرها ووضعها على كتفه : أمسكتكِ، أيتها المدللة المزعجة، كدتِ تضيعين.
ترافقت كلماته مع شعور نوح بضيق أنفاسه بينما كان يراقبهم بصمت. شاهد الطفلة تضحك وهي تتحرك محاولة النزول.
– أنزلني، لن ألعب معك مجددًا.
أخفض رأسه هائمًا بأفكاره المتضاربة وهو يفرك يديه بتوتر.
– أنا خائفة.
عاد للواقع مركزًا عليهما حين سمع كلامها.
كانت تقف بجوار أخيها ترفض السير.
ابتسم الشاب ونزل ليوازي طولها قائلًا: هكذا إذاً؟ أخبرتك سأبقى بجوارك، لن يؤلمك الطبيب، أعدك.
حين رأى العبوس والتردد على محياها تنهد مردفًا: "وسنشتري تلك اللعبة".
ابتسمت باتساع ثم أمسكت يده ،تسير ببطء تارة ،وتقفز مسرعة تارة أخرى.
لا يدرك كم بقي متجمدًا مكانه وهو يشد على كتفه الأيمن باستمرار وينظم أنفاسه، وعيناه ترمقان الطفلة أو لا ترمقانها، إلى أن اختفت.
عقد حاجبيه وهمس بصوت خافت :بنت.
****
وصل للبيت، قرع الجرس، فُتح الباب فقابله وجه ماجد العابس وحاجباه المعقودان: أين كنت بالله؟ كل هذا لأجل الخبز؟
رفع الخبز أمام وجهه قائلاً بجمود: لا شيء، اشتريت الخبز الذي طلبته وعدت.
– نوح! لا تكذب، أين كنت؟
تلاقيا حاجباه وشد على كتفه الأيمن قائلاً بنبرة تحمل الحدة: ألا تتوقف عن التوبيخ؟
أجابه بالحدة ذاتها: هل تسمي هذا توبيخًا الآن؟ وتنسى أهمالك واستهتارك طوال الوقت؟ حتى مع محاولاتي لا تزال الطفل المدلل.
تسارع نبضات نوح وراوده ذلك الصداع المزعج.
ألقى الخبز على الطاولة ودخل إلى الحمام، فتح الصنبور وغسل وجهه جيدًا متجنبًا النظر إلى المرآة، تمسك بالحوض يحاول استعادة توازنه.
خرج أخيرًا، بدأ بإعداد الإفطار دون أن ينبس بحرف، ثم جلس يأكل مع ماجد بصمت ثقيل إلا من عصره لأسفل معدته بقوة وأنينه المكبوت الذي يتقن إخفاءه.
كعادة المدخنين بعد الإفطار، أشعل ماجد سيجارته، ينفث دخانها في الهواء، وعقله غائب في مكان آخر.
كان نوح يرمقه بنفور واستياء من تلك الرائحة.
اطرق برأسه ورمش عدة مرات. ذكريات كثيرة تغزو عقله لا يود تذكرها، لكنها تفرض نفسها أمام عينيه، بصور متداخلة وعشوائية: صراخ والدته باسمه، إمساك والده بيده كأن هذه الحركة ستحميه... من ذاك الحادث، بكاؤه وطلبه المستميت لوالديه، احتضان ماجد له.
ابتلع تلك الذكريات بعقله ودفع كلماته بشعور من الإحباط بعد تردد طويل: لماذا ماجد؟
– ماذا؟
تنهد وأكمل بصوت شاحب: أعني... لماذا بعد وفاتهما، أنت تعلم أنهما لن يسمحا لك بهذا السم وأيضًا تصرف...
قاطعه ماجد بانفعال مفاجئ وهو يقبض على يديه: أغلق الموضوع حالًا!
احتدت عينيه أكثر وقال من بين أسنانه: أخبرتك لا تذكرهما أمامي، ولا تتدخل في شؤوني، سأفعل ما أريد أنا ولن تحاسبني.
– لكن، لماذا تفعل كل هذا؟!
أشاح بوجهه واستنشق من سيجارة متجاهلًا الرد.
****
– هل أوصلك بطريقي؟
– لا، سأذهب بمفردي، إنها قريبة.
أومأ له وغادر، وبعد دقائق خرج نوح أيضًا.
أول يوم له في كلية الطب.
– كم أمقت هذه الكلية وأمقت الطب وأمقت معدلي.
كيف حصلت على معدل قبول الطب؟ هل يكره الإنسان تفوقه؟ أنا أفعل، لكن هكذا الحياة.
دخل حرم الجامعة يمشي بلا اكتراث، يتأمل المكان والطلاب حوله بعين شاردة.
تسمّر فجأة وشخصت عيناه لوهلة حين لاحظ ذاك الشاب الذي ما إن رآه حتى تشبثت قدماه بالأرض أيضًا.
شاب طويل نوعًا ما، لديه عينان واسعة قمحية تحمل دفءً مريحًا ولحية مهذبة بنية وبشرة سمراء، بالرغم من دفء تلك العينين إلا أنها حملت حدة مختلفة.
وقف نوح صامتًا يراقب بعينين جامدتين وكأن لا شيء يعنيه،
ولكن في داخله، شيء ما كان ينهار بهدوء، بادله الشاب نفس النظرات الباردة.
أما نوح فخانه لسانه وسأل بما أراد قلبه هامسًا: عمير؟
•••••
رأيكم بالفصل الاول ؟
السرد والاحداث؟
الشخصيات ؟
malak