يَا لِسَذَاجَتِي المُفْرِطَةِ، كَأَنَّمَا كُنتُ طَائِرًا سُجِنَ طَوِيلًا فِي قَفَصٍ ضَيِّقٍ، ثُمَّ مَا إِنْ فُتِحَ لَهُ الْبَابُ حَتَّى انْدَفَعَ بِجُنُونٍ نَحْوَ السَّمَاءِ، يَرْفْرِفُ بِجَنَاحَيْهِ بِلَا هُدًى، غَيْرَ عَابِئٍ بِالرِّيَاحِ وَلَا بِالْعَوَائِقِ الَّتِي تَنْتَظِرُ سُقُوطَهُ.
هَكَذَا كُنتُ لَحْظَةَ لَامَسَتْ أَنَامِلِي الْوَرَقَ، أَكْتُبُ بِانْدِفَاعٍ كَأَنَّنِي أُفْرِغُ سَيْلًا جَارِفًا ظَلَّ مُحْتَجَزًا خَلْفَ سُدُودِ الصَّمْتِ.
أُدْرِكُ جَيِّدًا أَنَّ الْمُعْتَادَ هُوَ أَنْ يُخَصِّصَ الْكُتَّابُ الْبِدَايَاتِ بِتَحْذِيرَاتٍ وَتَنْوِيهَاتٍ، لَكِنَّنِي، وَقَدْ تَمَلَّكَنِي الْغُرُورُ الطَّائِشُ، ظَنَنْتُ أَنَّ الْغُمُوضَ زِينَةٌ تَكْفِي لِإِضْفَاءِ السِّحْرِ دُونَ حَاجَةٍ إِلَى تِلْكَ الْقُيُودِ.
وَالْآنَ، إِذْ أَعُودُ إِلَى رُشْدِي، أَرَى بِوُضُوحٍ كَمْ كُنتُ وَاهِمَةً فِي اعْتِقَادِي، فَلَيْسَ كُلُّ إِبْهَامٍ لُغْزًا، وَلَيْسَ كُلُّ صَمْتٍ يَحْمِلُ حِكْمَةً.
قَدْ يَظُنُّ الْبَعْضُ أَنَّنِي أَضَعُ نَفْسِي فِي كِفَّةٍ وَاحِدَةٍ مَعَ الْكُتَّابِ الْعِظَامِ، وَلَكِنْ وَاهِمٌ مَنْ يَظُنُّ ذَلِكَ، فَأَنَا لَسْتُ إِلَّا عَابِرًا فِي هَذَا الْبَحْرِ الْمُتَلَاطِمِ مِنَ الْكَلِمَاتِ، أُبْحِرُ بِسَفِينَتِي الْهَشَّةِ، مُتَسَلِّحَةً بِالْإِصْرَارِ وَحْدَهُ.
لَا أَدَّعِي أَنَّ رِوَايَتِي سَتَكُونُ خَالِيَةً مِنَ الشَّوَائِبِ، فَالْعُيُوبُ ظِلَالُ الْكَمَالِ، غَيْرَ أَنَّنِي أَسْعَى، بِقَدْرِ مَا أَمْلِكُ مِنْ شَغَفٍ وَجُنُونٍ، إِلَى أَنْ أَنْحَتَهَا بِحُرُوفٍ لَا تَشُوبُهَا الْهَشَاشَةُ.
لِهَذَا، رَأَيْتُ أَنْ أُضِيفَ هَذَا الْفَاصِلَ، لِيَكُونَ بُوصْلَةً لِلْقَارِئِ، يُوَضِّحُ طَبِيعَةَ الرِّحْلَةِ الَّتِي هُوَ مُقْبِلٌ عَلَيْهَا، وَالْقَوَاعِدَ الَّتِي يَجِبُ احْتِرَامُهَا، لِأَنَّ بَعْضَ الطُّرُقِ لَا تَحْتَمِلُ السَّيْرَ فِيهَا دُونَ خَرِيطَةٍ، وَبَعْضَ الْأَبْوَابِ، إِنْ لَمْ يُفْتَحْهَا الْمَرْءُ بِحَذَرٍ، قَدْ تُفْضِي بِهِ إِلَى مَتَاهَاتٍ لَا مَخْرَجَ مِنْهَا.
"ظِلالُ الدّاتورا"
ليست مُجَرَّدَ حِكايةٍ تُسْرَدُ، بل مَتاهةٌ مِنَ الظِّلالِ حَيثُ تَتَشابَكُ الخُيوطُ بَيْنَ الجَريمَةِ والنَّفْسِ، بَيْنَ الحُبِّ والخَطَرِ، بَيْنَ الحَقيقَةِ والسَّرابِ.
تَنْتَمي الرِّوايَةُ إلى عالَمِ الغُموضِ، حَيثُ تَتَناثَرُ الألْغازُ كَقِطَعِ زُجاجٍ مُهَشَّمَةٍ، لا تَكْتَمِلُ صورَتُها إلّا حينَ تَنْزِفُ الحَقيقَةُ.
وَهيَ في ذاتِها إثارةٌ مُتَقَدِّةٌ، كُلُّ خُطْوَةٍ فيها مَحْفوفَةٌ بِالتَّرَقُّبِ، كُلُّ هَمْسَةٍ قد تَكونُ مِفْتاحًا لِنَجاةٍ أو هَلاكٍ.
أمّا الجَانِبُ النَّفْسِيُّ، فَهُوَ قَلْبُ الرِّوايَةِ النّابِضُ، حَيثُ تَتَراقَصُ دَوافِعُ الشَّخْصِيّاتِ بَيْنَ ضَوْءٍ خافِتٍ وَظَلامٍ زاحِفٍ، بَيْنَما تَتَجَلّى الرُّومانْسِيَّةُ المُظْلِمَةُ كَزَهْرَةِ داتورا مَسْمُومَةٍ، عَبِيرُها فِتْنَةٌ، وَسُمُّها قَدَرٌ مَحْتُومٌ.
وَفي أعْماقِ هذِهِ المَتاهَةِ، تَمْتَدُّ خُيوطُ الرِّوايَةِ البُوليسِيَّةِ، حَيْثُ يَسيرُ التَّحْقِيقُ عَلى حَدِّ السَّيْفِ، وَتَتَكَشَّفُ الحَقائِقُ كَأوْراقٍ مُحْتَرِقَةٍ، تُخْفي تَحْتَ رَمادِها سِرًّا أعمقَ مِمّا يَبْدو.
أوَّلًا، أُقَدِّمُ اعتِذاري عَنْ هَذا التَّدَخُّلِ المُفاجِئِ، لَكِنَّني أَشْعُرُ بِواجِبِي أنْ أُطْلِعَكُمْ عَلى أَمْرٍ قد يَطرَأُ على الفَصْلِ الأَوَّلِ، فَبَعْدَما تَعَمَّقْتُ في رُؤْيايَ، تَبَيَّنَ لي أَنَّ إلينور لَيْسَتْ تِلْكَ الفَتاةَ الشَّقْراءَ الَّتي سَبَقَ وَأَوْرَدْتُها، بَلْ هِيَ فَتاةٌ سَمْراءُ، تَتَراقَصُ ضَفائِرُها المُجَعَّدَةُ كَأَمْواجِ لَيْلٍ مُتَمَرِّدٍ، وَتَسْكُنُ عَيْناها البُنْدُقِيَّتانِ كَأَثَرِ نَجْمٍ تَوارَى خَلْفَ غَيْمَةٍ.
فَاعْذِروني عَلى هَذا الزَّلَلِ، وَأَعِدُكُمْ أَنْ لا أُفْلِتَ خَيْطَ التَّفاصِيلِ مِرارًا.
أَمَّا في الفُصولِ القادِمَةِ، فَسَتَمْتَدُّ يَدي بِبَعْضِ التَّعْدِيلاتِ، فَكُلَّما كَتَبْتُ فَصْلًا، تَشَكَّلَ سَرْدِي كَالنَّصْلِ الَّذي يَصْقُلُهُ الحَدَّادُ، يَقْتَرِبُ مِنَ الإتْقانِ، وَإِنْ كانَ ما زالَ يَحْتاجُ إلى لَمَساتٍ أُخْرى لِتَكُونَ كَلِماتُهُ كَحَريرِ اللَّيْلِ وَحِدَّةِ السِّهامِ في آنٍ.
وَإِذْ أُدْرِكُ الآنَ أَنَّ الحَرَكاتِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ زِينَةٍ، بَلْ نَبْضٌ يُحْيي نَغْمَةَ المَعْنى وَيَسْتَجْلِي غُموضَ العِبارةِ، أَعِدُكُمْ أَنْ أُحاوِلَ أَنْ أَجْعَلَ التَّشْكيلَ رُوحًا مُلازِمَةً لِكُلِّ جُمْلَةٍ، كَيْ تَكونَ الألْفاظُ بَيِّنَةً، وَالمَعاني كَمَاءٍ صافٍ لا يَشُوبُهُ تَعْكيرٌ.
هَا أنَذَا أَضَعُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ القَواعِدَ الَّتِي سَتُشَكِّلُ نَبْضَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، لا كَأَسْوَارٍ تُقَيِّدُ، بَلْ كَمَعالِمَ تُنِيرُ الطَّرِيقَ فِي هَذِهِ المَتَاهَةِ السَّرْدِيَّةِ.
أَوَّلًا: أَكْبَرُ مَا يُثِيرُ نُفُورِي هُوَ التَّمْيِيزُ العُنْصُرِيُّ، فَالكَلِمَاتُ الَّتِي أَنْسُجُهَا لَا تَعْرِفُ الحُدُودَ، وَالْحِكَايَاتُ التِي أَبْنِيهَا تُشْبِهُ العَالَمَ بِنَسِيجِهِ المُتَشَعِّبِ، أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ فِي صُفُوفِ شَخْصِيَّاتِي جُذُورًا مُخْتَلِفَةً، فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا لَهَا أَرْضُهَا الَّتِي نَبَتَتْ مِنْهَا، وَسَمَاؤُهَا التِي تَرْفَعُهَا. أَتَدْرُونَ مَا يَشُقُّ عَلَيَّ أَكْثَرَ عِنْدَ تَصْمِيمِ شَخْصِيَّةٍ؟ لَيْسَ اسْمَهَا وَلَا مَلامِحُهَا، بَلْ أَصْلُهَا وَهَوِيَّتُهَا! قَدْ يَبْتَسِمُ أَحَدُكُمْ سُخْرِيَةً، وَلَكِنَّنِي أُقَدِّسُ الثَّقَافَاتِ وَأُفَكِّكُ أَعْرَافَهَا وَأَسْبُرُ تَقَالِيدَهَا، فَكَيْفَ لِي أَنْ أُهْمِلَ أَمْرًا تَشْكَّلَتْ مِنْهُ هُوِيَّةُ الأُمَمِ؟
ثَانِيًا: قَدْ تَتَعَثَّرُ خُطَايَ فِي نَشْرِ الفُصُولِ، فَلَا عَجَبَ، فَأَنَا مَازِلْتُ أُبْحِرُ فِي خِضَمِّ دِرَاسَتِي، وَلَكِنْ لا تَسْأَلُونِي عَنْ عُمُرِي، فَلَنْ أَقُولَ، لِأَنَّنِي أَعْرِفُ أَنَّ العُقُولَ تُحَاكِمُ الأَعْمَارَ قَبْلَ الأَقْلَامِ، وَأَنَّ البَعْضَ سَيَسْتَصْغِرُ قَدْرَ الكَلِمَاتِ بِقِيَاسِهَا عَلَى السِّنِّ. فَلْيَكْفِكُمْ أَنَّنِي جَزَائِرِيَّةٌ وَهْرَانِيَّةٌ، تَحْمِلُ مَدِينَتُهَا فِي صَدْرِهَا كَالأَسْطُورَةِ التِي لَا تَزُولُ.
ثَالِثًا: لَا تَحْرِقُوا الرِّوَايَةَ، فَكُلُّ كَلِمَةٍ فِيهَا شَظِيَّةٌ مِنْ لُغْزٍ، وَكُلُّ جُمْلَةٍ مِفْتَاحٌ لِبَابٍ مُوصَدٍ، وَحَتَّى إِذَا تَمَّتِ الرِّوَايَةُ، فَلَا تُفْشُوا سِرَّهَا، فَالأَسْرَارُ الَّتِي تَنْطَلِقُ مِنْ الأَفْوَاهِ تُصْبِحُ ظِلَالًا خَافِتَةً لِمَا كَانَ يُلْهِبُ العُقُولَ وَيَخْطِفُ الأَنْفَاسَ.
رَابِعًا: لِكُلِّ شَيْءٍ ثَمَنٌ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَحْمِلُ فِي جُعْبَتِهَا لَحَظَاتٍ لَا تُلَائِمُ الجَمِيعَ، فَهُنَاكَ مِنَ المَشَاهِدِ مَا يُثِيرُ القَلَقَ وَيُوقِظُ جِرَاحًا غَائِرَةً، مِنْ مَآسٍ نَفْسِيَّةٍ وَعَاطِفِيَّةٍ، وَمِنْ دِمَاءٍ تُرْسَمُ بِهَا خَرَائِطُ الخَطَايَا، فَإِنْ كَانَتْ قُلُوبُكُمْ هَشَّةً أَمَامَ هَذِهِ الصُّوَرِ، فَإِنِّي أُشَفِقُ عَلَيْكُمْ مِنَ الغَوْصِ فِي هَذِهِ العُمْقِ
خَامِسًا؟ أَمَا مِنْ قَانُونٍ خَامِسٍ؟ أَمْ تَرَانِي قَدْ نَسِيتُهُ؟ أَوْ لَعَلَّهُ يُخْتَزَلُ فِي جُمْلَةٍ لَمْ تُكْتَبْ بَعْدُ، فَالحَرُوفُ تَسْبِقُنِي وَأَنَا أُطَارِدُهَا.
وَأَخِيرًا، هَذَا الجُزْءُ سَيَظَلُّ شَاهِدًا، كَمَا الوَقْتُ يَنْحَتُ الأَحْلَامَ عَلى جُدْرَانِ الذَّاكِرَةِ. فَإِذَا كَانَتِ الرِّوَايَةُ الآنَ قَدْ بَلَغَتْ مِئَةَ مُشَاهَدَةٍ، فَإِنِّي أُؤْمِنُ أَنَّ يَوْمًا مَا، سَأَتَطَلَّعُ إِلَى هَذِهِ الكَلِمَاتِ وَقَدْ تَخَطَّتِ المِئَةَ أَلْفٍ، وَأَكْثَرُ، فَالأَحْلَامُ، إِنْ صَانَهَا العَزْمُ، لَا تَبْقَى أَحْلَامًا.
وَالأَهَمُّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ:
لِتَسْتَمْتِعُوا بِهَذِهِ الرِّحْلَةِ، فَهِيَ الأُولَى، وَلَكِنَّهَا لَنْ تَكُونَ الأَخِيرَةَ. وَتَذَكَّرُوا، تَرْكُ تَعْلِيقٍ صَغِيرٍ فِي طَيَّاتِ الفُصُولِ، قَدْ يَكُونُ كَمَسْحَةِ نُورٍ تُضِيءُ دَرْبًا مَازَالَ فِي بَدَايَتِهِ.