تحقيق و غرام

تحقيق و غرام

16 0

المحقق يكشف الأسرار، و القلب يخبئ الألغاز."

.

.

.

.

كاسيان

كانت السَّماءُ رَماديَّةَ اللَّونِ، كأنَّها لَوحةٌ زَيتِيَّةٌ كُتِبَتْ على سَطْحِها نُبُوءَةٌ.

رياحٌ باردةٌ تُعصِفُ بنوافذِ السَّيَّارةِ الَّتي قُدْتُها بنفسي بسُرعةٍ، وكأنَّ عَجَلاتِها تَخُطُّ طَريقًا في سِباقٍ مع الزَّمنِ.

عندما تَلَقَّيْتُ المُكالَمَةَ عن الجَريمةِ، كُنتُ مع إيزيل في الحَديقةِ؛ هادِئةً ومُبتَسِمَةً، على عَكْسِ تِلكَ العاصِفَةِ الَّتي تُحاصِرُني الآنَ مِنَ الخارِجِ والدَّاخِلِ.

"في دارِ البَلَدِيَّةِ؟!"

كَرَّرْتُ العِبارَةَ لنَفْسي، ولَم أستَطِعْ مَنْعَ تِلكَ الأَفْكارِ الَّتي تَسَلَّلَتْ مِثْلَ لُصوصٍ في لَيْلَةٍ شَتَوِيَّةٍ.

ما الَّذي يُمْكِنُ أنْ يَدْفَعَ سِياسِيًّا بِحَجْمِ "جوناثان كروفورد" إلى المَوتِ؟

وَصَلْتُ إلى المَوقِعِ.

دارُ البَلَدِيَّةِ، ذَلِكَ المَبْنَى الَّذي بَدا كَقَلْعَةٍ قَديمَةٍ تَحْمِلُ قِصَصًا مَنْسِيَّةً في أَحْجارِها.

واجِهَتُهُ الكُبْرَى المَلِيئَةُ بالأَعْمِدَةِ الرُّخامِيَّةِ لَمْ تُخْفِ رَهْبَةَ الدَّاخِلِ، حَيْثُ كانَتِ الشُّرْطَةُ تُحاصِرُ المَكانَ كأنَّها جَيْشٌ يُحاوِلُ صَدَّ عَدُوٍّ مَجْهُولٍ.

عِندَما دَخَلْتُ، كانَ أَوَّلَ ما لَفَتَ نَظَري هو الغُرْفَةُ.

"غُرْفَةُ الاجْتِماعَاتِ رَقْمَ ٣"،

هَكَذا كُتِبَ على لَوْحَةٍ صَغيرَةٍ مُعَلَّقَةٍ بِجانِبِ البَابِ الخَشَبِيِّ.

دَفَعْتُ البَابَ بِبُطْءٍ، وكأنَّني أَفْتَحُ كِتابًا يَرْوِي قِصَّةً كابُوسِيَّةً.

الغُرْفَةُ كانَتْ غارِقَةً في ظِلالٍ قاتِمَةٍ، رَغْمَ أنَّ النَّافِذَةَ الكَبِيرَةَ تَسْمَحُ بِدُخُولِ الضَّوْءِ.

طاوِلَةٌ طَوِيلَةٌ تَتَوَسَّطُ المَكانَ، عَلَيْها كُوبُ قَهْوَةٍ نِصْفُ مُمتَلِئٍ، وكأنَّ الضَّحِيَّةَ كانَ يَنْتَظِرُ زائِرًا لَنْ يَأْتيَ أَبَدًا.

الكَراسِيُّ مُصْطَفَّةٌ حَوْلَ الطَّاوِلَةِ كَجُنُودٍ مَهْزُومِينَ في ساحَةِ مَعْرَكَةٍ.

في الزَّاوِيَةِ اليُمْنَى، كانَ الجَسَدُ مُعَلَّقًا.

جوناثان كروفورد، السِّياسِيُّ المَرْمُوقُ، الَّذِي لَطالَما زَيَّنَتْ صورَتُهُ الصَّفَحاتِ الأُولَى للصُّحُفِ، الآنَ يُطارِدُ مَشْهَدًا مُخْتَلِفًا.

حَبْلٌ مَشْدُودٌ يُطَوِّقُ عُنُقَهُ، وطَرَفُهُ الآخَرُ مُعَلَّقٌ بِثُرَيَّا السَّقْفِ، الَّتي بَدَتْ كَعَنْكَبُوتٍ عِمْلاقٍ قَبَضَ عَلَى فَرِيسَتِهِ.

قُرْبَ قَدَمَيْهِ، كُرْسِيٌّ خَشَبِيٌّ مَقْلُوبٌ.

مَشْهَدٌ كِلاسِيكِيٌّ لِلِانْتِحارِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟

لَكِنَّ شَيْئًا في داخِلِي لَمْ يَتَقَبَّلْ هَذِهِ البَساطَةَ.

"ماذا أَفْعَلُ هُنا؟"

سَأَلْتُ نَفْسِي، وأَنَا أَقْتَرِبُ بِحَذَرٍ، مُراقِبًا كُلَّ التَّفاصيلِ:

أَصابِعُهُ كانَتْ مُرْتَخِيَةً، لَكِنْ هُناكَ كَدَماتٌ غَرِيبَةٌ على راحَتَيْهِ.

الحَبْلُ كانَ جَدِيدًا جِدًّا، وكأنَّهُ خَرَجَ لِلتَّوِّ مِنْ عُلْبَةٍ مُغْلَقَةٍ.

أَزْرارُ قَمِيصِهِ كانَتْ مُغْلَقَةً حَتَّى النِّهَايَةِ، وهو أَمْرٌ غَيْرُ مُعْتادٍ لِرَجُلٍ مِثْلَ كروفورد.

سِياسِيٌّ ناجِحٌ، غَنِيٌّ، وَلَهُ زَوْجَةٌ جَمِيلَةٌ، ومَشَارِيعُ قَيْدَ التَّنْفِيذِ...

فَكَّرْتُ.

لِماذا يَنْتَحِرُ رَجُلٌ كَهَذا؟

أَمْ أَنَّهُ لَمْ يَنْتَحِرْ؟

بَيْنَما كُنْتُ أُدَوِّنُ مُلاحَظاتِي وأَغْرَقُ في تَفاصيلِ المَشْهَدِ، سَمِعْتُ صَوْتَ خُطُواتٍ خَلْفِي.

كانَتْ خُطُواتٌ واثِقَةٌ، بَطِيئَةٌ، لَكِنَّها تَحْمِلُ ثِقْلًا غَرِيبًا.

اسْتَدَرْتُ لِأَرَى امْرَأَةً تَرْتَدِي بَدْلَةً سَوْداءَ، شَعْرُها مَرْبُوطٌ بِإِحْكامٍ، ومَلامِحُ وَجْهِها تَنْطِقُ بِالبُرُودِ.

"ٱلْمُحَقِّقُ كَاسْيَانُ كَارْتَرْ؟"

قَالَتْ بِصَوْتٍ ثَابِتٍ، كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَسْأَلُ بَلْ تُؤَكِّدُ حَقِيقَةً لَا جِدَالَ فِيهَا.

"نَعَمْ."

أَجَبْتُ دُونَ أَنْ أَرْفَعَ عَيْنَيَّ عَنِ ٱلْجَسَدِ ٱلْمُعَلَّقِ أَمَامِي.

"كُلُورَا رُوسُو، إِحْدَى ٱلْمُشْرِفِينَ عَلَى هَذِهِ ٱلْقَضِيَّةِ. سَمِعْتُ ٱلْكَثِيرَ عَنْكَ."

ٱرْتَسَمَتْ عَلَى شَفَتَيَّ ٱبْتِسَامَةٌ خَفِيفَةٌ، وَقُلْتُ بِنَبْرَةٍ لَا تَخْلُو مِنَ ٱلدُّعَابَةِ:

"آمُلُ أَنْ يَكُونَ مَا سَمِعْتِهِ جَيِّدًا... أَوْ عَلَى ٱلْأَقَلِّ مُثِيرًا لِلْإِعْجَابِ."

وَلَكِنَّهَا لَمْ تُجَارِنِي فِي مُزَاحِي، بَلْ ٱقْتَرَبَتْ مِنَ ٱلطَّاوِلَةِ، وَبَدَأَتْ تَتَفَحَّصُ ٱلْمَكَانَ بِعَيْنَيْنِ مُتَمَرِّسَتَيْنِ. يَبْدُو أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ ٱلنَّوْعِ ٱلَّذِي يُفْرِطُ فِي ٱلِٱبْتِسَامِ، وَلَا يُؤْمِنُ بِٱلنِّكَاتِ إِلَّا إِذَا كَانَتْ مَكْتُوبَةً فِي تَقَارِيرِ ٱلشُّرْطَةِ.

"هَلْ لَدَيْكَ أَيُّ فَرَضِيَّاتٍ؟"

سَأَلَتْ بِنَبْرَةٍ جَافَّةٍ، كَأَنَّهَا تُجْرِي ٱسْتِجْوَابًا رَسْمِيًّا.

"حَتَّى ٱلْآنَ؟ مُجَرَّدُ تَسَاؤُلَاتٍ أَكْثَرَ مِنْ فَرَضِيَّاتٍ. لِمَاذَا سِيَاسِيٌّ مِثْلُهُ يُنْهِي حَيَاتَهُ بِهَذِهِ ٱلطَّرِيقَةِ؟ وَلِمَاذَا يَخْتَارُ دَارَ ٱلْبَلَدِيَّةِ تَحْدِيدًا؟ هَذَا ٱلْمَكَانُ لَيْسَ شَخْصِيًّا."

رَدَّتْ بِبُرُودٍ يُحَاكِي لَوْنَ ٱلسَّمَاءِ فِي ٱلْخَارِجِ:

"رُبَّمَا أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهَا رِسَالَةً سِيَاسِيَّةً. بَعْضُ ٱلنَّاسِ يَمُوتُونَ لِكَيْ يَتَحَدَّثَ عَنْهُمُ ٱلْآخَرُونَ."

"أَوْ رُبَّمَا لِأَنَّ أَحَدَهُمْ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهَا تَبْدُو كَذَلِكَ."

قُلْتُ ذَلِكَ وَأَنَا أُرَاقِبُ مَلَامِحَهَا، بَاحِثًا فِي تَقَاطِيعِ وَجْهِهَا عَنْ أَيِّ إِشَارَةٍ تُوحِي بِأَنَّهَا تُخْفِي أَكْثَرَ مِمَّا تُظْهِرُ.

وَلَكِنَّهَا لَمْ تُجِبْ، بَلْ ٱسْتَمَرَّتْ فِي فَحْصِ ٱلْغُرْفَةِ مَعِي، وَعَيْنَاهَا تَتَحَرَّكَانِ كَسَيْفَيْنِ يُنْقِّبَانِ فِي ٱلْهَوَاءِ عَنْ حَقِيقَةٍ مَدْفُونَةٍ بَيْنَ ٱلظِّلَالِ.

فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ، وَبَيْنَمَا كُنْتُ أَتَحَرَّكُ حَوْلَ ٱلطَّاوِلَةِ، لَاحَظْتُ شَيْئًا غَرِيبًا تَحْتَهَا.

وَرَقَةٌ صَغِيرَةٌ، مَطْوِيَّةٌ بِإِحْكَامٍ، وَمُلْتَصِقَةٌ بِأَسْفَلِ سَطْحِ ٱلْمَكْتَبِ بِشَرِيطٍ لَاصِقٍ شَفَّافٍ، كَأَنَّهَا كَانَتْ تُخْفِي نَفْسَهَا عَنْ ٱلزَّمَنِ.

ٱنْخَفَضْتُ قَلِيلًا وَسَحَبْتُهَا بِحَذَرٍ، ثُمَّ فَتَحْتُهَا بِبُطْءٍ شَدِيدٍ، وَكَأَنَّنِي أُزِيحُ ٱلسِّتَارَ عَنْ سِرٍّ قَدِيمٍ دَفَنَهُ ٱلظَّلَامُ.

عَلَى ٱلْوَرَقَةِ ٱمْتَدَّتْ رُمُوزٌ غَرِيبَةٌ، دَوَائِرُ وَنِقَاطٌ وَخُطُوطٌ، كَأَنَّهَا مَكْتُوبَةٌ بِلُغَةٍ نَسِيَهَا ٱلْبَشَرُ.

تَأَمَّلْتُهَا بِعُمْقٍ، وَبَيْنَ ٱلسُّطُورِ ٱلْمَجْهُولَةِ، شَعَرْتُ بِتِلْكَ ٱلرَّجْفَةِ ٱلْبَارِدَةِ تَزْحَفُ عَلَى عَمُودِي ٱلْفِقْرِيِّ.

"رِسَالَةٌ مُشَفَّرَةٌ..."

نَطَقْتُهَا، وَأَنَا أَنْظُرُ نَحْوَ كُلُورَا، وَعَلَى وَجْهِي ٱلِٱبْتِسَامَةُ ٱلَّتِي يَفْهَمُهَا كُلُّ مُحَقِّقٍ جَيِّدٍ... ٱلْأَلْغَازُ تَبْدَأُ هُنَا.

-.--/.-../-.--/.-../--..--///-.../.-../.-///--.-/--/.-./--..--///.-/--../..../.-./-///.-/.-../.-/--.-/-../.-/.-./--..--///.--///..-./-.--///-.-../.-..///.-/.-../..-/-../.-/.-../-.-.-/--..--///-/.../.-/--.-/-.-/-///.-/.-../.-/--.-/-./..-/-.-.-///.--///.-/.-../.-/-./..../.-/.-.///.-/.-../-.../-../.-/-.--/-.-.-///..../-./.-/--..--///..-./-.--///-../.-/.-.///----/-.-/--/-/..../.-///.-/.-../-..-/-.-/.-/-.--/.-/--..--///----/-.--/--.///-.-/.-../--/-.-.-///-./-.-/--.-/-///--.-/-.../.-..///..-/--.-/-../--..--///----/--.-/-///.-/.-../-.-/.-./-.--/--.-///.-..-/.-../.--.-///.-/.-../-./..../.-/-.--/-.-.-///--..--///.-/.-../.-.-./----/.---/-.--/.-/-///--/-.-/-/.--/-.../-.-.-///..-./-.--///--./-../.--.-///.-/.-../--/.-./.-/-.--/.-/--..--///--/-.///-.--/..-./..../--/..../.-/--..--///.../-.--/-./--.-/--..///.-./.--/----/.-///--.-/-.../.-..///.-/-.///-/--../-.../.-..///..-./-.--///.-/.-../--../.--/.-/-.--/.

قُلتُ، وأنا أَنْظُرُ إلى كِلُورا

"هَلْ تَتَعَامَلِينَ مَعَ هَذَا النَّوْعِ عَادَةً؟"

"أَحْيَانًا. لَكِنْ هَذِهِ... تَبْدُو مُعَقَّدَةً."

"إِنَّهَا شِفْرَةُ مُورْسِ الدَّوْلِيَّةُ."

قُلتُ بَعْدَمَا تَأَمَّلْتُ الرُّمُوزَ قَلِيلًا.

"لَكِنْ يَبْدُو أَنَّهَا لَيْسَتْ مُورْسَ فَحَسْبُ... رُبَّمَا تَمَّ تَعْدِيلُهَا."

بَيْنَمَا كُنْتُ أُقَلِّبُ الوَرَقَةَ بَيْنَ يَدَيَّ، شَعَرْتُ بِثِقَلِ المَعْنَى الَّذِي تَحْمِلُهُ تِلْكَ الرُّمُوزُ.

كُلُّ دَائِرَةٍ وَنُقْطَةٍ كَانَتْ تَشْبِهُ حَلَقَةً فِي سِلْسِلَةٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الأَلْغَازِ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى مِفْتَاحٍ لِفَكِّهَا.

هَلِ الجَانِي يَسْخَرُ مِنَّا؟

تَسَاءَلْتُ دَاخِلِيًّا، وَأَنَا أُرَاقِبُ رُمُوزَ الرِّسَالَةِ الَّتِي بَدَتْ وَكَأَنَّهَا تَتَحَدَّانِي شَخْصِيًّا.

نَظَرْتُ إِلَى كِلُورا، الَّتِي بَدَتْ ثَابِتَةً كَتِمْثَالٍ مِنَ الرُّخَامِ.

لَا إِنْفِعَالَاتٍ، لَا عَلَامَاتٍ لِلْقَلَقِ.

فَقَطْ ذَاكَ البُرُودُ الَّذِي جَعَلَهَا أَشْبَهَ بِمَاكِينَةٍ مُصَمَّمَةٍ لِلْعَمَلِ تَحْتَ الضَّغْطِ.

"سَنَحْتَاجُ إِلَى خَبِيرٍ."

قُلتُ وَأَنَا أَضَعُ الوَرَقَةَ عَلَى الطَّاوِلَةِ.

"لَدَيْكَ شَخْصٌ فِي ذِهْنِكَ؟"

سَأَلَتْ، وَنَبْرَتُهَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ إِطَارِ المِهَنِيَّةِ.

"مَارْكُوسُ كُولِينْزْ. مُحَلِّلُ شِفْرَاتٍ وَمُبَرْمِجٌ بَارِعٌ، وَلَا يَخَافُ مِنَ التَّحَدِّيَاتِ."

أَخْرَجْتُ هَاتِفِي وَطَلَبْتُ رَقْمَهُ.

رَنَّ الهَاتِفُ مَرَّةً... مَرَّتَيْنِ، قَبْلَ أَنْ يَرُدَّ بِصَوْتِهِ المَرِحِ المُعْتَادِ.

"كَاسِيَان! لَمْ أَرَكَ مُنْذُ فَتْرَةٍ. كَيْفَ تَسِيرُ الأُمُورُ فِي عَالَمِ الجَرَائِمِ؟"

"مَارْكُوسُ، لَا وَقْتَ لِلْمُزَاحِ. لَدَيَّ رِسَالَةٌ مُشَفَّرَةٌ تَحْتَاجُ إِلَى عَبْقَرِيَّتِكَ."

"رِسَالَةٌ؟ مَا مَدَى تَعْقِيدِهَا؟"

"شِفْرَةُ مُورْسَ، لَكِنَّ هُنَاكَ شَيْئًا غَيْرَ تَقْلِيدِيٍّ فِيهَا. قَدْ تَكُونُ مُشَفَّرَةً دَاخِلَ التَّشْفِيرِ نَفْسِهِ."

سَمِعْتُهُ يُطْلِقُ صَفِيرًا طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ يَقُولَ:

"هَذَا يَبْدُو مُثِيرًا. أَرْسِلْ لِي صُورَةً وَاضِحَةً وَسَأَبْدَأُ العَمَلَ فَوْرًا. لَكِن..."

"لَكِنْ مَاذَا؟"

"سَتَحْتَاجُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ عَلَى الأَقَلِّ. إِذَا كَانَ الجَانِي عَبْقَرِيًّا كَمَا تَصِفُهُ، فَهَذَا سَيَأْخُذُ وَقْتًا."

تَنَهَّدْتُ وَأَنَا أُغْمِضُ عَيْنَيَّ لِلَحْظَةٍ.

"ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ؟! لَدَيْنَا قَاتِلٌ يُخَطِّطُ لِلْخُطْوَةِ التَّالِيَةِ. الوَقْتُ لَيْسَ فِي صَالِحِنَا."

"أَفْهَمُ ذَلِكَ، لَكِنْ لَا مُعْجِزَاتٍ هُنَا، كَاسِيَان. سَأَبْذُلُ قُصَارَى جُهْدِي."

"أَعْتَمِدُ عَلَيْكَ، مَارْكُوس."

أَنْهَيْتُ المُكَالَمَةَ مَعَ مَارْكُوس وَأَعَدْتُ الهَاتِفَ إِلَى جَيْبِي.

نَظَرْتُ إِلَى السَّاعَةِ... التَّاسِعَةُ صَبَاحًا.

شَعَرْتُ بِوَخْزٍ خَفِيفٍ فِي صَدْرِي حِينَ تَذَكَّرْتُ إِيزِيلْ.

تَرَكْتُهَا وَحْدَهَا اللَّيْلَةَ المَاضِيَةَ فِي الحَدِيقَةِ، وَعُدْتُ مُبَاشَرَةً إِلَى مَوْقِعِ الجَرِيمَةِ.

لَا بُدَّ أَنَّهَا قَلِقَةٌ الآن.

"كِلُورا."

التَفَتُّ إِلَيْهَا، وَنَبْرَتِي كَانَتْ أَقَلَّ حِدَّةً هَذِهِ المَرَّةَ.

"مَاذَا هُنَاكَ؟"

"اتَّصِلِي بِزَوْجَتِي، إِيزِيلْ. أَخْبِرِيهَا أَنَّنِي بِخَيْرٍ، وَأَنَّنِي سَأَعُودُ قَرِيبًا. لَا أُرِيدُهَا أَنْ تَقْلَقَ."

تَجَمَّدَتْ مَلَامِحُهَا لِلَحْظَةٍ، كَمَا لَوْ أَنَّ كَلِمَةَ "زَوْجَتِي" لَمْ تَتَّسِقْ مَعَ الصُّورَةِ الَّتِي كَوَّنَتْهَا عَنِّي.

"لَدَيْكَ زَوْجَةٌ؟"

قَالَتْ بِنَبْرَةٍ حَمَلَتْ مِزَاجًا غَامِضًا بَيْنَ الدَّهْشَةِ وَعَدَمِ التَّصْدِيقِ.

"نَعَمْ، وَلِلأَسَفِ، لَدَيْهَا عَادَةٌ مُقْلِقَةٌ: الاِنْتِظَارُ دُونَ نَوْمٍ حَتَّى أَعُودَ، فَلْتَتَّصِلِي بِهَا."

أَوْمَأَتْ دُونَ تَعْلِيقٍ، وَأَخْرَجَتْ هَاتِفَهَا لِتُجْرِي المُكَالَمَةَ.

"دَعْنَا نَبْدَأْ."

قُلْتُ وَأَنَا أَخْلَعُ مِعْطَفِي وَأَجْلِسُ أَمَامَ الطَّاوِلَةِ فِي غُرْفَةِ الِاجْتِمَاعَاتِ.

١. السِّكْرِتِيرُ الشَّخْصِيُّ لِلضَّحِيَّةِ

كَانَ أَوَّلَ مَنْ اسْتَجْوَبْنَاهُ هُوَ "أَنْدْرُو مِيلْزُ"، السِّكْرِتِيرُ الشَّخْصِيُّ لِلضَّحِيَّةِ.

كَانَ شَابًّا نَحِيلًا، بِالكَادِ يَبْلُغُ الثَّلَاثِينَ مِنَ العُمْرِ.

بَدَتْ عَلَيْهِ عَلَامَاتُ القَلَقِ، وَيَدَاهُ لَمْ تَتَوَقَّفَا عَنِ العَبَثِ بِرِبْطَةِ عُنُقِهِ.

"كَيْفَ كَانَتْ عَلاَقَتُكَ مَعَ السَّيِّدِ كْرُوفُورْد؟"

سَأَلْتُ، وَعَيْنَايَ تُرَاقِبَانِ كُلَّ حَرَكَةٍ تَصْدُرُ مِنْهُ.

"كَانَتْ... مِهْنِيَّةً."

أَجَابَ بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ.

"مِهْنِيَّةٌ؟ أَلَيْسَ صَحِيحًا أَنَّهُ كَانَ يُعَامِلُكَ بِشَكْلٍ سَيِّئٍ؟"

ارْتَبَكَ لُهْلَةً، ثُمَّ قَالَ:

"لَمْ يَكُنْ سَيِّئًا، فَقَطْ... مُتَطَلِّبًا جِدًّا. وَلَكِنَّ هَذَا طَبِيعِيٌّ لِشَخْصٍ فِي مَنْصِبِهِ."

"هَلْ كَانَ لَدَيْكَ أَيُّ مُشْكِلَاتٍ شَخْصِيَّةٍ مَعَهُ؟"

"لَا، بِالطَّبْعِ لَا."

وَلَكِنَّ نَظَرَاتِهِ كَانَتْ تَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ.

٢. زَوْجَةُ الضَّحِيَّةِ

كَانَتِ السَّيِّدَةُ "فِيكْتُورْيَا كْرُوفُورْد" التَّالِيَةَ.

دَخَلَتِ الغُرْفَةَ بِكِبْرِيَاءِ مُصْطَنَعٍ، عَيْنَاهَا تَحْكِيَانِ قِصَّةَ تَعَبٍ وَأَلَمٍ دَفِينٍ.

"هَلْ لَاحَظْتِ أَيَّ شَيْءٍ غَيْرِ طَبِيعِيٍّ فِي سُلُوكِ زَوْجِكِ مُؤَخَّرًا؟"

سَأَلْتُهَا بِلُطْفٍ، مُحَاوِلًا كَسْبَ ثِقَتِهَا.

"كَانَ دَائِمَ الِانْشِغَالِ. بِالكَادِ نَتَحَدَّثُ."

"هَلْ كَانَتْ عِلَاقَتُكُمَا جَيِّدَةً؟"

تَرَدَّدَتْ، ثُمَّ قَالَتْ:

"جُونَاثَانْ لَمْ يَكُنْ زَوْجًا مِثَالِيًّا، وَلَكِنَّنَا كُنَّا نُحَاوِلُ."

"سَمِعْتُ أَنَّ هُنَاكَ مُشْكِلَاتٍ... خِيَانَاتٍ؟"

صَمَتَتْ، وَلَكِنَّ دُمُوعَهَا الَّتِي ذَرَفَتْ كَانَتْ كَافِيَةً لِلْإِجَابَةِ.

٣. المُحَامِي الشَّخْصِيُّ لِلضَّحِيَّةِ

أَمَّا المُحَامِي "جْرِيجْ تِيلَرْ"، فَكَانَ مُخْتَلِفًا تَمَامًا.

رَجُلٌ فِي مُنْتَصَفِ الأَرْبَعِينَاتِ، بَدَتْ عَلَيْهِ عَلَامَاتُ الذَّكَاءِ الحَادِّ وَالدَّهَاءِ.

"هَلْ كَانَ لَدَيْكَ أَيُّ مُشْكِلَاتٍ مَعَ كْرُوفُورْد؟"

"مُشْكِلَاتٌ؟ لَا. وَلَكِنَّنِي لَنْ أُنْكِرَ أَنَّهُ كَانَ يَضْغَطُ عَلَيَّ كَثِيرًا."

"يَضْغَطُ؟ كَيْفَ؟"

"أَحْيَانًا كَانَ يُهَدِّدُنِي. كَانَ يَعْرِفُ الكَثِيرَ عَنْ حَيَاتِي الشَّخْصِيَّةِ، وَكَانَ يَسْتَخْدِمُ ذَلِكَ كَوَرَقَةِ ضَغْطٍ."

أَنْهَيْتُ التَّحْقِيقَ، وَبَيْنَمَا كُنْتُ أُرَاجِعُ مُلَاحَظَاتِي، رَنَّ هَاتِفِي. كَانَ المُتَّصِلُ طَبِيبَ المُشْرَحَةِ.

"كَارْتَرْ، عَلَيْكَ الحُضُورُ فَوْرًا."

"لِمَاذَا؟ مَاذَا وَجَدْتَ؟"

"هُنَاكَ وَرْدَةُ دَاتُورَا فِي أُذُنِ الضَّحِيَّةِ."

شَعَرْتُ بِقَلْبِي يَتَوَقَّفُ لِلَحْظَةٍ.

وَرْدَةُ الدَّاتُورَا؟

كَيْفَ وَصَلَتْ إِلَى هُنَاكَ؟ وَمَنْ وَضَعَهَا؟

النَّبَأُ الَّذِي وَصَلَنِي مِنْ طَبِيبِ المُشْرَحَةِ كَانَ كَافِيًا لِقَلْبِ كُلِّ الِافْتِرَاضَاتِ الَّتِي دَارَتْ فِي ذِهْنِي.

غادَرْتُ دارَ البَلَدِيَّةِ، تارِكًا كُلُورا تُكْمِلُ تَحْلِيلَ الأَدِلَّةِ الَّتِي كَانَتْ لَدَيْنَا حَتَّى الآنَ.

قادَتْنِي السَّيَّارَةُ إِلَى مَرْكَزِ الشُّرْطَةِ، حَيْثُ كَانَ يَنْتَظِرُنِي اجْتِمَاعٌ مَعَ زُمَلَائِي.

كُنْتُ بِحَاجَةٍ لِفَهْمِ الْخَلْفِيَّةِ الْكَامِلَةِ عَنِ الضَّحِيَّةِ وَاسْتِجْوَابِ الْمُشْتَبَهِ بِهِمْ.

عِنْدَمَا وَصَلْتُ، قَابَلْتُ الْمُحَقِّقَ رِيتْشَارْدَ هَايْنْزَ، الَّذِي كَانَ دَائِمًا يَبْدُو وَكَأَنَّهُ يَحْمِلُ عَلَى كَتِفَيْهِ عِبْءَ العَالَمِ بِأَسْرِهِ.

"كَارْتَرْ، جَيِّدٌ أَنَّكَ هُنَا. لَدَيْنَا قَائِمَةٌ مُبْدَئِيَّةٌ بِالْمُشْتَبَهِينَ."

وُرودُ الدَّاتُورَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ زَهْرَةٍ، إِنَّهَا تَوْقِيعُ قَاتِلٍ.

"مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُرْسِلَ رِسَالَةً كَهَذِهِ؟"

تَسَاءَلْتُ وَأَنَا أَشُقُّ طَرِيقِي بِسُرْعَةٍ نَحْوَ مَرْكَزِ التَّحْقِيقِ، حَيْثُ كَانَ يَنْتَظِرُنِي فَصْلٌ جَدِيدٌ مِنَ الأَلْغَازِ.

عِنْدَمَا وَصَلْتُ، كَانَتْ كُلُورَا بِالفِعْلِ فِي انْتِظَارِنَا، عَيْنَانِ بَارِدَتَانِ كَمَا هُمَا، وَكَأَنَّهُمَا مِرْآتَانِ تَعْكِسَانِ الحَقَائِقَ دُونَ أَنْ تُعَبِّرَا عَنْ أَيِّ مَشَاعِرَ.

"هَلْ هَذَا صَحِيحٌ؟"

سَأَلْتُهَا وَأَنَا أَدْخُلُ الغُرْفَةَ حَيْثُ كَانَ الفَرِيقُ مُجْتَمِعًا.

"نَعَمْ. الدَّاتُورَا."

قَالَتْ، وَهِيَ تَرْفَعُ كِيسَ الأَدِلَّةِ الَّذِي يَحْتَوِي عَلَى الوَرْدَةِ الَّتِي أَحْضَرَتْهَا مِنْ طَبِيبِ المَشْرَحَةِ بَعْدَمَا أَنْهَتْ تَحَقُّقَهَا بِالبَلَدِيَّةِ وَعَادَتْ إِلَى مَرْكَزِ الشُّرْطَةِ.

حَدَّقْتُ فِيهَا طَوِيلًا، كَمَا لَوْ أَنَّنِي أُحَاوِلُ اسْتِخْلَاصَ المَعْنَى الخَفِيِّ مِنْ تِلْكَ القِطْعَةِ النَّبَاتِيَّةِ الَّتِي لَا تَنْتَمِي لِمَسْرَحِ الجَرِيمَةِ.

"الدَّاتُورَا لَيْسَتْ زَهْرَةً عَادِيَّةً، إِنَّهَا رَمْزٌ. وَرِسَائِلُهَا لَا تَكُونُ عَشْوَائِيَّةً أَبَدًا."

"هَلْ تَعْرِفُ مَا يَعْنِيهِ هَذَا؟"

سَأَلَتْ كُلُورَا.

"يَعْنِي أَنَّنَا أَمَامَ قَاتِلٍ يُرِيدُ أَنْ يَتْرُكَ بَصْمَتَهُ، وَيُرِيدُنَا أَنْ نَعْرِفَ أَنَّهُ هُنَا."

قُلْتُ وَأَنَا أَقْتَرِبُ مِنَ الطَّاوِلَةِ.

كَانَ لَدَيْنَا الآْنَ أَدِلَّةٌ جَدِيدَةٌ تَجْعَلُ فِكْرَةَ الِانْتِحَارِ وَاهِيَةً.

الوَرْدَةُ نَفْسُهَا بَدَتْ وَكَأَنَّهَا وُضِعَتْ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ دَاخِلَ أُذُنِ الضَّحِيَّةِ.

هَلْ كَانَتْ عَلَامَةً عَلَى شَيْءٍ شَخْصِيٍّ؟

أَمْ أَنَّهَا مُجَرَّدُ تَوْقِيعِ قَاتِلٍ مُتَسَلْسِلٍ بَدَأَ رِحْلَتَهُ لِلتَّوِّ؟

رَفَعْتُ الوَرْدَةَ أَمَامَ الضَّوْءِ، مُرَاقِبًا كُلَّ ثَنِيَّةٍ وَكُلَّ انْحِنَاءٍ فِي بَتَلَاتِهَا.

"هَلْ تَعْرِفِينَ، كُلُورَا؟ هَذِهِ الزَّهْرَةُ شَدِيدَةُ السُّمِّيَّةِ. قَطْرَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ مُسْتَخْلَصِهَا قَدْ تَكُونُ كَافِيَةً لِقَتْلِ شَخْصٍ بَالِغٍ."

"إِذًا، القَاتِلُ يَعْلَمُ تَمَامًا مَاذَا يَفْعَلُ."

"أَكْثَرَ مِمَّا نَتَصَوَّرُ."

وَلَكِنْ لِمَاذَا كُرُوفُورْد؟

كَانَ السِّيَاسِيُّ جُونَاثَان كُرُوفُورْد وَاحِدًا مِنْ أَكْثَرِ الشَّخْصِيَّاتِ نُفُوذًا فِي المَدِينَةِ. غَنِيٌّ، ذُو عَلَاقَاتٍ وَاسِعَةٍ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مَلَاكًا.

خِلَالَ تَحْقِيقِنَا الأَوَّلِيِّ، اكْتَشَفْنَا أَنَّ لَدَيْهِ قَائِمَةً طَوِيلَةً مِنَ الأَعْدَاءِ:

فَضَائِحُ شَخْصِيَّةٌ:

عَلَاقَاتُهُ المُتَعَدِّدَةُ خَارِجَ إِطَارِ الزَّوَاجِ.

عَدَاوَاتٌ سِيَاسِيَّةٌ:

كَانَ يَسْتَخْدِمُ نُفُوذَهُ لِإِسْكَاتِ مُنْتَقِدِيهِ، سَوَاءً بِالمَالِ أَوْ بِالتَّهْدِيدِ.

ضَغْطٌ عَلَى شُرَكَائِهِ:

تَعَامَلَ بِقَسْوَةٍ مَعَ المُقَرَّبِينَ مِنْهُ، بِمَا فِي ذَلِكَ سِكْرِتِيرُهُ وَمُحَامِيهِ.

"أَتَعْرِفِينَ، كُلُورَا؟"

قُلْتُ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى لَوْحِ الأَدِلَّةِ، حَيْثُ رُسِمَتْ خَرِيطَةُ عَلَاقَاتِ كُرُوفُورْد.

"أَحْيَانًا، الشَّخْصُ الَّذِي يَحْمِلُ الكَثِيرَ مِنَ الأَسْرَارِ هُوَ الشَّخْصُ الَّذِي يَمُوتُ مُحَاطًا بِهَا."

"وَأَحْيَانًا، تَكُونُ تِلْكَ الأَسْرَارُ هِيَ السَّبَبَ فِي قَتْلِهِ."

أَجَابَتْ.

كَانَ عَلَيْنَا اسْتِجْوَابُ المُشْتَبَهِ بِهِمْ مُجَدَّدًا، وَلَكِنْ هَذِهِ المَرَّةَ فِي ضَوْءِ الأَدِلَّةِ الجَدِيدَةِ.

1. أَنْدْرُو مِيلْز (السِّكْرِتِيرُ)

"أَنْدْرُو، هَلْ تَعْرِفُ أَيَّ شَيْءٍ عَنْ وُرُودِ الدَّاتُورَا؟"

"الدَّاتُورَا؟ لَا... لَا أَعْلَمُ عَنْهَا شَيْئًا."

قَالَ وَهُوَ يُحَاوِلُ التَّظَاهُرَ بِالهُدُوءِ، وَلَكِنَّ عَيْنَيْهِ خَانَتَاهُ.

2. فِيكْتُورْيَا كُرُوفُورْد (الزَّوْجَةُ)

"فِيكْتُورْيَا، هَلْ تَعْرِفِينَ شَيْئًا عَنْ وَرْدَةِ الدَّاتُورَا؟"

"لَا. لَمْ أَسْمَعْ بِهَا مِنْ قَبْلُ. مَاذَا تَعْنِي؟"

3. جِرِيج تِيلَر (المُحَامِي)

"جِرِيج، هَلْ سَبَقَ أَنْ سَمِعْتَ عَنِ الدَّاتُورَا؟"

"لَا. وَلَكِنْ يَبْدُو أَنَّهَا زَهْرَةٌ مُهِمَّةٌ لِلْجَانِي، أَلَيْسَ كَذَلِك؟"

بينما كُنَّا نُنْهِـي الجولةَ الثانيةَ من الاستجواباتِ، جاءَ اتِّصالٌ آخرُ من طبيبِ المشرحةِ.

"كارتر، لدينا تَطَوُّرٌ جديدٌ."

"لا تُخْبِريني أنَّ هناكَ زهرةً أُخرى."

"ليس زهرةً، لكن وجدنا مُسْتَخْلَصَ الدَّاتورا في مَعِدَتِهِ. يَبْدو أنَّ الجاني أرادَ قتلهُ بسُمِّ الزهرةِ أيضاً، لكنَّ الخنقَ كانَ الإجراءَ النهائيَّ."

الآن أصبحَ لدينا صورةٌ أكثرُ وضوحًا:

1. الضحيةُ تمَّ تَسْمِيمُهُ أوَّلًا بمستخلصِ الدَّاتورا.

2. الجاني خَنَقَهُ لاحقًا ليبدوَ الأمرُ وكأنَّهُ انتحارٌ.

3. تَرَكَ الزهرةَ كَرِسالةٍ وتَوْقِيعٍ شخصيٍّ.

"إذًا، نحنُ لسنا أمامَ قاتلٍ عاديٍّ. نحنُ أمامَ شخصٍ ذكيٍّ للغايةِ، ولهُ أسبابهُ الخاصةُ."

قُلتُ لكُلُورا، التي بَدَتْ لأوَّلِ مَرَّةٍ مُهْتَمَّةً بما أقولُ.

"والأهمُّ، أنَّهُ لن يتوقَّفَ هنا."

"بالتأكيدِ لا."

وَقَفْتُ بجانبِ لوحِ الأدلةِ، أَضَعُ يدي على مَكْتَبي الصغيرِ الذي تَراكَمَتْ عليه الأوراقُ.

كانَ الجوُّ في الغرفةِ مشحونًا، لكنَّهُ لم يكنْ بالثِّقَلِ الذي كنتُ أتوقَّعُهُ.

كُلُورا، ببُرُودِها المُعتادِ، كانتْ تَقِفُ بجانبي، تَنْظُرُ إلى الصورِ المُثَبَّتَةِ على اللوحةِ، تُحَلِّلُ كلَّ شيءٍ بِنَظَرَاتِها الزَّرْقاءِ الحادَّةِ.

لماذا أشعرُ دائمًا أنَّها تَعْلَمُ أكثرَ ممَّا تقولُ؟

تلكَ النَّظْرَةُ تَجْعَلُنِي أشكُّ حتَّى في استنتاجاتِي.

قُلتُ بهدوءٍ مُحَاوِلًا كَسْرَ الصَّمْتِ:

"ما رأيُكِ في هذه العُقْدَةِ البَحْرِيَّةِ، كُلُورا؟"

نَظَرَتْ إليَّ بِنِصْفِ ابتسامةٍ باردةٍ، وهيَ تَعْقِدُ ذِرَاعَيْها:

"حسنًا، من الواضحِ أنَّ الضحيَّةَ لم يَرْبِطْها بنفسِهِ. عُقْدَةٌ بهذا التَّعْقِيدِ تحتاجُ إلى مَهَارَةٍ. هل كانَ جُونَاثَان بَحَّارًا في حياتِهِ السَّابقةِ ولم نعلمْ؟"

ابتسمتُ ابتسامةً خفيفةً، مُتَجَاهِلًا سُخْرِيَتَهَا:

"مُمتازٌ. إذن، لو لم يكنْ بَحَّارًا، فمنَ الممكنِ أنَّ القاتلَ كانَ كذلكَ. هذا يَجْعَلُنَا نُعِيدُ التَّفْكِيرَ في قائمةِ المُشْتَبَهِ بهم."

كُلُورا أَشَارَتْ إلى صورةِ الكدماتِ التي وُجِدَتْ على مِعْصَمَيْ الضَّحِيَّةِ، وَقالتْ:

"ما رأيُكَ في هذه العلاماتِ؟ تَبْدُو وكأنَّها تُشِيرُ إلى مُقاومةٍ."

أومأتُ مُوافِقًا، ثمَّ أَجَبْتُ:

"لكنْ لا تَنْسِي، هذه ليستْ مُجَرَّدَ مُقاوَمَةٍ. شَكْلُ الكدماتِ يُشِيرُ إلى أنَّ يَدَيْهِ كانَتا مُقَيَّدَتَيْنِ. وإنْ كانَ مُقَيَّدًا، فلا يُمْكِنُ أنْ يكونَ شَنَقَ نَفْسَهُ."

صوتُ أَفْكَارِي يَتَدَاخَلُ معَ صَمْتِ الغرفةِ.

كيفَ لم يُلاحِظِ الآخرونَ هذا؟

أمْ أنَّهُمْ رأَوْا ما أرادوا رؤيتَهُ؟

كانتْ كُلُورا صَامِتَةً لفترةٍ قبلَ أنْ تَسْأَلَ:

"وماذا عن تلكَ الزهرةِ التي وَجَدْتُمُوها في أُذُنِهِ؟ هل لديكَ نَظَرِيَّةٌ؟"

أَجَبْتُها، مُحَاوِلًا إخفاءَ ارتباكِي:

"دَاتُورَا ليستْ مُجَرَّدَ زَهْرَةٍ عاديَّةٍ، كما تَعْلَمِينَ. وُجُودُهَا هنا ليسَ صُدْفَةً. منْ يَضَعُ زَهْرَةً سَامَّةً داخلَ أُذُنِ ضَحِيَّةٍ يُرِيدُ إيصالَ رِسَالَةٍ مُعَيَّنَةٍ. رُبَّما هو توقيعُ القاتلِ."

رَفَعَتْ حاجبَها وهيَ تُحَدِّقُ بي:

"توقيعُ قاتلٍ؟ تَبْدُو هذه كأنَّها حَبْكَةٌ في روايةٍ بوليسيَّةٍ رَخِيصةٍ، كَارْتَر."

ضَحِكْتُ بخِفَّةٍ، ثمَّ قُلتُ:

"رُبَّما. لكنَّكِ تَعْلَمِينَ أنَّ كلَّ قاتلٍ لهُ طريقتُهُ الخاصَّةُ. هذه الزهرةُ ليستْ مُجَرَّدَ إشارةٍ، إنَّها تَحَدٍّ."

أَشَرْتُ إلى الصورِ مُجَدَّدًا، مُحَاوِلًا تَجْمِيعَ الأدلَّةِ أمامَ عينيها:

"عُقْدَةٌ بَحْرِيَّةٌ، كدماتٌ تُشِيرُ إلى تَقْيِيدٍ، وزَهْرَةٌ سَامَّةٌ كإشارةٍ. هل يَبْدُو هذا كعملٍ انتحاريٍّ؟"

ابتسمتْ بِسُخْرِيَّةٍ، وأَجَابَتْ وهيَ تَضَعُ يدَها على خَصْرِها:

"لا، يَبْدُو كعملٍ احترافيٍّ. لكنْ إنْ كانَ قاتلُنَا بهذا الذَّكَاءِ، لماذا تَرَكَ هذه الإشاراتِ؟"

أَجَبْتُها، وأنا أَلْتَقِطُ مِعْطَفِي استعدادًا للمغادرةِ:

"لأنَّهُ يُرِيدُنَا أنْ نَجِدَهَا. هذه ليستْ جريمةً عاديَّةً. القاتلُ يُرِيدُ أنْ يَبْدَأَ لعبةً."

صوتُ أَفْكَارِي كانَ يَطْغَى علَيَّ:

لعبةٌ خَطِيرَةٌ.

لكنْ مَنْ؟

ولماذا؟

بينما كنتُ أَرْتَدِي مِعْطَفِي وأَتَّجِهُ نحوَ البابِ، التَفَتَتْ إليَّ كُلُورا وسَأَلَتْ بِلَهْجَةٍ جَادَّةٍ:

"إلى أينَ تذهبُ الآنَ؟"

قُلتُ، وأنا أَنْظُرُ إلى ساعَتِي:

"إلى المنزلِ. وَعَدْتُ زوجتي بأنَّني لنْ أَتَأَخَّرَ كثيرًا، وهذا كانَ كافيًا لقلقِها. سأَتْرُكُ لكِ مُتابَعَةَ التَّحْقِيقِ هنا."

تَفَاجَأَتْ لُهْلُوَةً، وعَيْنَاهَا اللَّامِعَتَانِ زَادَتَا حِدَّةً.

ابتسمتُ بخِفَّةٍ، وأَضَفْتُ:

"وأحيانًا أَشْعُرُ أنَّ الزَّوَاجَ تَحْقِيقٌ آخرُ بحدِّ ذاتِهِ."

هَزَّتْ رَأْسَهَا ببُطْءٍ، بينما كنتُ أُغَادِرُ، تَارِكًا خَلْفِي غُرْفَةً مَلِيئَةً بالأسرارِ.

.

.

.

.

إيزيل

كان لونُ السَّماءِ قد تلطَّخَ بالحِبْرِ الأسودِ، كأنَّ اللَّيلَ قد قرَّرَ أن يُخْفِيَ كُلَّ بَصِيصٍ مِنَ النُّورِ، حينَ غادَرَني كاسيانُ على عَجَلٍ مِنَ الحَديقَةِ.

وَقَفَ هُناكَ لِلَحْظَةٍ، عَيْناهُ العَسَلِيَّتانِ مُضْطَرِبَتانِ بِأفْكارٍ لَمْ أستَطِعْ فَكَّ شِيفْرَتِها، ثُمَّ استدارَ ورَحَلَ بِخُطُواتٍ ثَقِيلَةٍ تَجُرُّ خَلْفَها عِبْءَ العالَمِ.

عُدْتُ إلى المَنْزِلِ بِخُطُواتٍ مُتَباطِئَةٍ، تَتَرَدَّدُ أَصْداؤُها في الشَّوارِعِ الصَّامِتَةِ كَنَبَضاتِ قَلْبٍ قَلِقٍ.

رَغْمَ أنَّ كاسيانَ يُحَقِّقُ في العَدِيدِ مِنَ القَضايا، إلَّا أنَّ جَرائِمَ القَتْلِ دائِمًا ما تُلْقِي بِثِقْلِها عَلَيَّ.

لَيْسَتْ مُجَرَّدَ جَرائِمَ بِالنِّسْبَةِ لي؛ إنَّها أَشْباحٌ تَتَحَرَّكُ في الظِّلالِ، تَسْتَهْدِفُ مَن نُحِبُّهُمْ دونَ رَحْمَةٍ.

عِنْدَما فَتَحْتُ بابَ المَنْزِلِ، شَعَرْتُ بِصَقِيعِ الوِحْدَةِ يَحْتَضِنُنِي.

لَمْ أَخْلَعْ حَتَّى مِعْطَفِي؛ أَلْقَيْتُ بِجَسَدِيَ المُنْهَكِ عَلَى الأَرِيكَةِ وَكَأَنَّنِي أُحاوِلُ الفِرارَ مِنَ الأَفْكارِ الَّتي تَتَصارَعُ في رَأْسِي.

حاوَلْتُ النَّوْمَ، لَكِنَّ الأَرَقَ كانَ سَيِّدَ المَوْقِفِ.

أَفْكَارِي كانَتْ كَطُيُورٍ مَذْعُورَةٍ، تَحُومُ في رَأْسِي بلا تَوَقُّفٍ.

في مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ، استَسْلَمْتُ. قُمْتُ بِغَسْلِ الأَطْباقِ الَّتي تَرَكْتُها دونَ اهْتِمامٍ في النَّهارِ.

كُنْتُ أَفْرُكُها وَكَأَنَّنِي أُحاوِلُ أَنْ أُنَظِّفَ قَلْبِي مِنَ القَلَقِ.

الرَّابِعَةُ صَباحًا، وَلا يَزالُ النَّوْمُ بَعِيدًا عَنِّي.

اسْتَلْقَيْتُ عَلَى الأَرِيكَةِ، عَيْنايَ تُحَدِّقانِ في السَّقْفِ كَأَنَّهُ يَحْتَوِي عَلَى إِجابَةٍ لِكُلِّ ما يُقْلِقُنِي.

لا أَعْرِفُ مَتَى غَلَبَنِي النَّوْمُ، لَكِنَّ رَنِينَ الهاتِفِ كانَ كَصَرْخَةٍ مُزْعِجَةٍ في أُذُنِي.

اخْتَطَفْتُ نَظَرِي إلى السّاعَةِ... التَّاسِعَةُ صَباحًا.

رَقْمٌ مَجْهُولٌ يَظْهَرُ عَلَى الشَّاشَةِ.

رَفَعْتُ الهاتِفَ بِيَدٍ مُرْتَجِفَةٍ وَأَجَبْتُ.

"صَباحُ الخَيْرِ، هَلْ هذِهِ السَّيِّدَةُ دُوبْوا؟"

كانَ صَوْتُها هادِئًا وَبارِدًا، وَكَأَنَّها تَقْرَأُ مِنْ سيناريو مُعَدٍّ مُسْبَقًا.

"أنا كْلُورا، مُحَقِّقَةٌ تَعْمَلُ مَعَ السَّيِّدِ كاسيانَ. طَلَبَ مِنِّي أَنْ أَتَّصِلَ بِكِ وَأُطَمْئِنَكِ أَنَّهُ بِخَيْرٍ."

مِنْ لَهْجَتِها، استَنْتَجْتُ أَنَّها رُوسِيَّةٌ.

كانَتْ كَلِماتُها قَصِيرَةً، مُحَدَّدَةً، بِلا عاطِفَةٍ، لَكِنَّها حَمَلَتْ راحَةً غَرِيبَةً إلى قَلْبِي المُثْقَلِ.

شَكَرْتُها بِصَوْتٍ مُتَرَدِّدٍ، وَأَغْلَقْتُ الهاتِفَ. شَعَرْتُ بِراحَةٍ عابِرَةٍ، كَأَنَّنِي تَخَلَّصْتُ مِنْ نِصْفِ العِبْءِ، لَكِنَّ النِّصْفَ الآخَرَ ما زالَ قائِمًا.

ما زِلْتُ أُرِيدُ رُؤْيَةَ كاسيانَ... وَجْهًا لِوَجْهٍ.

عَيْنَيْهِ، صَوْتَهُ، وُجُودَهُ.

فَقَطْ حُضُورُهُ كافٍ لِطَمْأَنَةِ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ قَلْبِي المُضْطَرِبِ.

كانَتْ طَرَقاتُ البابِ كَهَمْسِ الرِّياحِ في لَيْلٍ هادِئٍ، لَكِنَّها حَمَلَتْ ثِقْلًا عاطِفِيًّا يَكْفِي لِإِيقاظِ قَلْبِي مِنْ سُباتِهِ المُضْطَرِبِ. هَرَعْتُ لِفَتْحِ البابِ، وَها هُوَ كاسيانُ يَقِفُ هُناكَ، وَجْهُهُ مُرْهَقٌ لَكِنَّ عَيْنَيْهِ العَسَلِيَّتَيْنِ تَلْمَعانِ بِلَمْحَةٍ مِنَ الهُدُوءِ الَّذي أَحْتاجُهُ بِشِدَّةٍ.

"أَخِيرًا أَتَيْتَ"،

قُلْتُ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ، لا أُرِيدُ أَنْ أَكْشِفَ عَنْ مَدَى اشْتِياقِي لِرُؤْيَتِهِ.

"آسِفٌ لِتَأَخُّرِي، كانَتْ لَيْلَةٌ وَصَباحٌ طَوِيلَيْنِ."

دَخَلَ المَنْزِلَ وَأَغْلَقَ البابَ خَلْفَهُ، وَكَأَنَّ حُضُورَهُ أَخْرَجَ الهَوَاءَ البارِدَ الَّذي عَشِّشَ في أَرْكانِ البَيْتِ طِوالَ اللَّيْلِ.

جَلَسْنا مَعًا، وَبَدَأَ كاسيانُ يَتَحَدَّثُ عَنِ الجَريمَةِ.

كانَ صَوْتُهُ هادِئًا لَكِنَّهُ مَشْحُونٌ بِالتَّوَتُّرِ الدَّاخِلِيِّ.

وَصَفَ لي تَفاصيلَ مَسْرَحِ الجَريمَةِ، الغُرْفَةَ، وَالرَّسائِلَ المُشَفَّرَةَ، وَالشُّكُوكَ الَّتي تَدُورُ حَوْلَ الشَّخْصِيَّاتِ المُخْتَلِفَةِ.

كُنْتُ أَسْتَمِعُ بِصَمْتٍ، أُراقِبُ وَجْهَهُ بِعِنايَةٍ. لَمْ أَكُنْ أَحْتاجُ إلى الكَلِماتِ؛ صَوْتُهُ وَحْدَهُ كانَ كافِيًا لِيَحْكِيَ لي كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى ما لَمْ يُقَلْ.

إِيزِيل، هَذِهِ القَضِيَّةُ... مُعَقَّدَةٌ بِشَكْلٍ لَا يُصَدَّقُ. كُلُّ دَلِيلٍ نَكْتَشِفُهُ يَفْتَحُ بَابًا جَدِيدًا مِنَ الغُمُوضِ بَدَلًا مِنْ إِغْلَاقِ وَاحِدٍ."

أَوْمَأْتُ بِرَأْسِي دُونَ أَنْ أَنْطِقَ.

أَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ لَهُ إِنَّنِي أَثِقُ بِقُدُرَاتِهِ، لَكِنَّهُ كَانَ بِحَاجَةٍ إِلَى مِسَاحَةٍ لِيُعَبِّرَ عَنْ تَوَتُّرِهِ.

"هَلْ أَنْتَ جَائِعٌ؟"

سَأَلْتُهُ فَجْأَةً.

"لَا، لَيْسَ كَثِيرًا."

لَكِنِّي تَجَاهَلْتُ إِجَابَتَهُ وَأَصْرَرْتُ.

"أَنْتَ تَحْتَاجُ إِلَى طَعَامٍ لِتُكْمِلَ يَوْمَكَ، مَهْمَا كُنْتَ مَشْغُولًا."

كَانَتِ السَّاعَةُ قَدْ تَجَاوَزَتْ مُنْتَصَفَ النَّهَارِ، وَأَرَدْتُ أَنْ أَكْسِرَ رُوتِينَ القَلَقِ الَّذِي تَمَلَّكَنِي مُنْذُ اللَّيْلَةِ المَاضِيَةِ.

أَعْدَدْتُ الفُطُورَ، وَحَرَصْتُ عَلَى أَنْ يَكُونَ بَسِيطًا وَلَكِنْ مُشْبِعًا.

جَلَسْنَا لِنَتَنَاوَلَ الطَّعَامَ، وَكَانَتْ لَحَظَاتٌ قَصِيرَةٌ مِنَ الهُدُوءِ وَسَطَ بَحْرٍ مِنَ التَّوَتُّرِ.

بَعْدَ انْتِهَائِنَا، أَصَرَّ كَاسِيَانُ عَلَى غَسْلِ الأَطْبَاقِ.

رَاقَبْتُهُ وَهُوَ يُنْهِي المُهِمَّةَ بِخِفَّةٍ وَدِقَّةٍ، وَكَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ طُقُوسِهِ لِلتَّخَلُّصِ مِنْ عِبْءِ التَّفْكِيرِ المُسْتَمِرِّ.

عَادَ بَعْدَهَا إِلَى الأَرِيكَةِ، يَحْمِلُ المُسْتَنَدَاتِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالقَضِيَّةِ، وَيَغْرَقُ فِيهَا كَأَنَّهُ يَغُوصُ فِي بَحْرٍ لَا نِهَايَةَ لَهُ.

كَانَ تَرْكِيزُهُ حَادًّا، وَعَيْنَاهُ تَتَحَرَّكَانِ بَيْنَ الأَسْطُرِ كَأَنَّهُمَا تُفَتِّشَانِ عَنْ خَيْطِ أَمَلٍ وَسَطَ كُلِّ هَذَا الغُمُوضِ.

أَمَّا أَنَا، فَقَدْ شَعَرْتُ أَنَّنِي بِحَاجَةٍ إِلَى لَحْظَةٍ خَاصَّةٍ بِي.

تَوَجَّهْتُ إِلَى الحَمَّامِ، المَاءُ الدَّافِئُ كَانَ يَنْسَابُ عَلَى جَسَدِي كَأَنَّهُ يَغْسِلُ كُلَّ أَفْكَارِي السَّلْبِيَّةِ، كُلَّ التَّعَبِ الَّذِي تَسَلَّلَ إِلَى عِظَامِي مُنْذُ اللَّيْلَةِ المَاضِيَةِ.

أَخَذْتُ نَفَسًا عَمِيقًا، مُحَاوِلَةً طَرْدَ كُلِّ مَشَاعِرِ القَلَقِ.

عِنْدَمَا خَرَجْتُ مِنَ الحَمَّامِ، كَانَ كَاسِيَانُ لَا يَزَالُ عَلَى الأَرِيكَةِ، مُسْتَغْرِقًا فِي أَوْرَاقِهِ.

بَدَا وَكَأَنَّ العَالَمَ بِأَسْرِهِ مُتَوَقِّفٌ بِالنِّسْبَةِ لَهُ، إِلَّا هَذِهِ القَضِيَّةَ.

لَكِنَّنِي شَعَرْتُ بِالرَّاحَةِ؛ فَقَطْ كَوْنُهُ هُنَا، فِي نَفْسِ الغُرْفَةِ، كَانَ كَافِيًا لِيَجْعَلَ قَلْبِي أَخَفَّ.

ارْتَدَيْتُ مَلَابِسِي بِسُرْعَةٍ، وَلَكِنْ أَفْكَارِي كَانَتْ تَسْبَحُ فِي بَحْرٍ مِنَ التَّسَاؤُلَاتِ.

هَلْ كَانَ وَاضِحًا فِي عَيْنَيَّ عِنْدَمَا فَتَحْتُ البَابَ كَمْ أَنَا كُنْتُ أَشْتَاقُ لَهُ؟

هَلْ لَاحَظَ فِي نَبْرَتِي ذَلِكَ التَّوَتُّرَ الطَّفِيفَ الَّذِي يَسْبِقُ لَحْظَةَ اللِّقَاءِ؟

كَانَتِ الأَسْئِلَةُ تَتَرَاكَمُ فِي رَأْسِي، وَلَا أَسْتَطِيعُ التَّخَلُّصَ مِنْهَا.

أَنَا أَعْرِفُ أَنَّنِي أَقْلَقُ عَلَيْهِ، فَهُوَ زَوْجِي وَهَذَا أَمْرٌ طَبِيعِيٌّ، وَلَكِنَّ الحَقِيقَةَ أَنَّنِي سَيِّئَةٌ فِي التَّعْبِيرِ عَنْ مَشَاعِرِي.

أُفَكِّرُ كَثِيرًا فِي هَذِهِ الأَشْيَاءِ وَأَجِدُ نَفْسِي عَاجِزَةً عَنْ قَوْلِ مَا يَشْعُرُ بِهِ قَلْبِي.

لَقَدْ كُنْتُ دَائِمًا كَذَلِكَ... لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُظْهِرَ حُبِّي، حَتَّى وَلَوْ لِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ.

ثُمَّ فَكَّرْتُ فِي شَيْءٍ آخَرَ، هَلْ كَانَ هُوَ لِيُعَبِّرَ عَنْ مَشَاعِرِهِ إِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ؟

تَذَكَّرْتُ فَجْأَةً أَمْرًا كُنْتُ قَدْ نَسِيتُهُ وَسَطَ الزِّحَامِ، تِلْكَ المُحَقِّقَةُ الَّتِي اتَّصَلَتْ بِي مُنْذُ قَلِيلٍ.

هَلْ كَانَ اسْمُهَا كْلُورَا؟

تَحَرَّكْتُ بِخِفَّةٍ نَحْوَ كَاسِيَانَ وَسَأَلْتُهُ، وَأَنَا فِي نَفْسِي أَتَسَاءَلُ: مَنْ تِلْكَ المُحَقِّقَةُ؟

"مَن تِلكَ الرُّوسِيَّةُ المُحَقِّقَةُ الَّتِي اتَّصَلَتْ بِي؟"

نَظَرَ إِلَيَّ كَاسِيَانُ لِلَحْظَةٍ وَكَأَنَّ السُّؤَالَ أَوْقَفَهُ، ثُمَّ قَالَ بِهُدُوءٍ مُعْتَادٍ:

"هَلْ تَقْصِدِينَ كْلُورَا رُوسُو؟ كَيْفَ عَرَفْتِ أَنَّهَا رُوسِيَّةٌ؟"

فَكَّرْتُ لِلَحْظَةٍ، لَكِنَّنِي لَمْ أَكُنْ أُرِيدُ أَنْ أَبْدُوَ فُضُولِيَّةً بِشَكْلٍ مُفْرِطٍ.

"أَحَدُ قُدُرَاتِي التَّافِهَةِ الْمَقْبُوعَةِ تَحْتَ الْأَرْضِ."

هَمَسَ لِنَفْسِه، مَعَ مُحَاوَلَةِ الِابْتِسَامِ خَجَلًا.

ثُمَّ أَرْدَفَ:

"إِنَّهَا فَتَاةٌ جَمِيلَةٌ... أَعْنِي عَيْنَيْهَا كَلَوْنِ السَّمَاءِ."

أَشَرت إِليْه بِزَرقاوَتي وَ أَجَبتُ بِنَبْرَةٍ تَحْمِلُ نَوْعًا مِنَ السُّخْرِيَةِ:

"أَنْتَ تَتَحَدَّثُ وَ كَأَنَّ حَدَقَتَيَّ لَيْسَ لَوْنُهُمَا أَزْرَقَ."

شَعَرْتُ بِشَيْءٍ غَرِيبٍ يَغْمُرُنِي، وَكَأَنَّ شَيْئًا مَا يَتَدَفَّقُ فِي دَاخِلِي فَجْأَةً.

"هَلْ زَوْجَتِي تَشْعُرُ بِالْغَيْرَةِ؟"

قَالَهَا وَهُوَ يَبْتَسِمُ وَكَأَنَّ النُّكْتَةَ قَدْ أَثَّرَتْ فِيَّ بِشَكْلٍ غَيْرِ مُبَاشِرٍ.

أُصِبْتُ بِشَيْءٍ مِنَ الدَّهْشَةِ.

"آخِرُ شَيْءٍ قَدْ أَفْعَلُهُ هُوَ الْغَيْرَةُ."

قُلْتُ فِي نَفْسِي، لَكِنَّنِي أَجَبْتُ بِشَكْلٍ سَرِيعٍ:

"لِمَاذَا وَجْهِي أَحْمَرُ الْآنَ؟"

بَدَأْتُ أَتَسَاءَلُ مَعَ نَفْسِي:

هَلْ يُعْقَلُ أَنَّنِي أَصْبَحْتُ أَغَارُ عَلَى رَأْسِ التِّلْفَازِ هَذَا؟

وَهَا هُوَ عَقْلُهُ الْمُرْهَقُ بِسَبَبِ التَّحْقِيقَاتِ فِي الْجَرَائِمِ يَظُنُّ أَنَّنِي أَشْعُرُ بِالْغَيْرَةِ عَلَيْهِ.

وَأَخَذْتُ وِسَادَةً قَرِيبَةً مِنِّي وَأَلْقَيْتُهَا عَلَيْهِ فَجْأَةً، مُحَاوِلَةً التَّخَلُّصَ مِنَ التَّوَتُّرِ الَّذِي رَاوَدَنِي، ثُمَّ سَارَعَ كَاسِيَانُ لِيُلْقِيَ وِسَادَةً أُخْرَى عَلَيَّ.

وَكَانَتْ بَدَايَةُ حَرْبِ الْوِسَادَاتِ الَّتِي لَا مَفَرَّ مِنْهَا.

سَقَطْتُ عَلَيْهِ بِالْخَطَإِ، وَبِسُرْعَةٍ شَدِيدَةٍ، شَعَرْتُ أَنَّنِي أَحْمَرُّ حَتَّى شُعَيْرَاتِ رَأْسِي، خَجِلْتُ بِشَكْلٍ لَا يُوصَفُ.

كَانَ الْمَوْقِفُ مُحْرِجًا لِلْغَايَةِ، خَاصَّةً وَأَنَّ وَجْنَتَيَّ احْمَرَتَا بِسُرْعَةٍ كَمَا لَوْ أَنَّنِي طَمَاطِمُ تَمَّ نُضْجُهَا فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ.

ابْتَسَمَ كَاسِيَانُ ابْتِسَامَةً مَاكِرَةً، ثُمَّ قَالَ وَهُوَ يُرَاقِبُنِي بِعَسَلِيَّتيه:

"هَلْ تَزَوَّجْتُ بِحَبَّةِ طَمَاطِمَ؟"

ثُمَّ أَضَافَ سَاخِرًا:

"كَمَا أَنَّ غَمَّازَتَيْكِ سَتَحْفِرَانِ وَجْنَتَيْكِ."

لَمْ أَسْتَطِعْ تَحَمُّلَ سَيْلِ السُّخْرِيَةِ، فَأَنَا لَمْ أَكُنْ أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ فِي مَوْضِعِ الضَّعْفِ أَمَامَهُ.

رَفَعْتُ عَيْنَيَّ وَقُلْتُ بِلَهْجَةٍ جَادَّةٍ:

"أَغْلِقْ فَمَكَ يَا رَأْسَ التِّلْفَازِ، لَيْسَ خَطَئِي أَنَّنِي وَقَعْتُ عَلَيْكَ، أَنْتَ مَنْ بَدَأَ السُّخْرِيَةَ أَوَّلًا."

ضَحِكَ كَاسِيَانُ ضَحْكَةً خَفِيفَةً قَبْلَ أَنْ يَقُولَ:

"رَأْسُ التِّلْفَازِ؟ لَقَبٌ جَيِّدٌ، لَكِنَّهُ لَا يُقَارَنُ بِوَجْهِ طَمَاطِمَ مِثْلِكِ."

حَاوَلْتُ أَنْ أَتَمَالَكَ نَفْسِي رَغْمَ أَنَّنِي كُنْتُ أُحِسُّ بِحَرَارَةِ الْوَجْنَتَيْنِ، لَكِنَّنِي لَمْ أَتَوَقَّفْ هُنَا. قُلْتُ لَهُ وَأَنَا أَبْتَسِمُ بِخُبْثٍ:

"كَمَا لَا تَتَجَرَّأْ وَتَتَحَدَّثْ عَنْ غَمَّازَتَيْنِ، يُقَالُ إِنَّهُمَا قُبْلَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ."

رَدَّ عَلَيَّ بِسُرْعَةٍ كَعَادَتِهِ، وَهُوَ يَخْتَبِئُ خَلْفَ ابْتِسَامَةٍ لَاذِعَةٍ:

"هَلْ أَنْتِ مُتَأَكِّدَةٌ؟ لِأَنَّنِي أَظُنُّهَا قُبْلَةٌ مِنَ الشَّيَاطِينِ، يَا جِنِّيَتِي الْمَاكِرَةَ."

""أتظنّينَ أنَّني لا أرى تِلكَ الغَمَّازَتَيْنِ الماكِرَيْنِ؟"

كانَت نَبرتُهُ تَحمِلُ شَيئًا مِنَ الاستِفزازِ الَّذي يُثيرُ الغَضَبَ وَالضَّحِكَ مَعًا.

"أعتَقِدُ أنَّكَ تُدرِكُ أنَّني أستَطِيعُ أنْ أَضْحَكَ على كُلِّ شَيءٍ، لكنْ لا تَتَجَرَّأْ على جَعلِي أَبدو مِثلَ طَماطِم!"

قُلتُها، وَأنا أَتَظَاهَرُ بأنَّني أَستَطِيعُ السَّيطَرَةَ على المَوقِفِ.

وَألقى الوِسادَةَ الَّتي كانَت في يَدِهِ نَحْوَ وَجهِي، وَكَأنَّنا عُدْنَا مُجَدَّدًا إلى "حَربِ الوِسادَاتِ"، ثُمَّ قالَ بِتَهَكُّمٍ:

"أنتِ طَماطِمُ، وَأَنا رَأسُ تِلفَازٍ، وَبِالمُناسَبَةِ... إذا كانَت الغَمَّازَاتُ قُبلَةً مِنَ المَلائِكَةِ، فَأَنا أَشُكُّ أنَّ هَؤُلاءِ المَلائِكَةَ هُم مَنْ سَيَضْحَكُونَ عَلَيكِ أَثناءَ فَترَةِ تَوَاجُدِكِ في الجَحِيمِ."

ضَحِكتُ بِدَورِي رَغمَ شُعُورِ الخَجَلِ الَّذي تَسَلَّلَ إلى قَلبِي.

"أَنتَ لا تَعرِفُ مَاذَا تَقولُ أَحيَانًا، كاسِيَانُ."

"أَعرِفُ تَمَامًا مَاذَا أَقولُ، لكِنَّنا هُنَا في تِلكَ اللَّحظَةِ الَّتي لا نَعرِفُ فِيهَا إذا كُنَّا نَضحَكُ أَمْ نَبكِي."

كانَ كُلُّ شَيءٍ حَولَنَا خَفِيفًا، كَمَا لَوْ أَنَّنا في عَالَمٍ مُوَازٍ حَيثُ الكَلِمَاتُ وَالسَّخرِيَةُ تَكُونُ هِيَ الَّتي تَسْتَوْلِي، لكِنَّني شَعَرتُ بِشَيءٍ مِنَ السُّكُونِ في دَاخِلِي، كَأنَّنا في مَكَانٍ آمِنٍ، بَعِيدٍ عَنْ كُلِّ مَا قَدْ يَحدُثُ في الخَارِجِ.

رَغْمَ أَنَّ الجَوَّ بَينَنَا كانَ خَفِيفًا، إِلَّا أَنَّني شَعَرتُ بِشَيءٍ مِنَ الخَوفِ حِينَ تَذَكَّرتُ تَعبِيرَاتِي غَيرَ المُتَوَقَّعَةِ.

تَوَقَّفتُ عَنْ الضَّحِكِ فَجْأَةً، وَقُلتُ لَهُ بِابتِسامَةٍ مُتَوَتِّرَةٍ:

"فَلتُوقِفْ عَنْ دُعَابَاتِكَ، لِأَنَّ الابتِسامَةَ شَقَّتْ فَمِي، أَخَافُ أَنْ يَحدُثَ خَلَلٌ بِشَفَتَيَّ أَوْ فَكِّي، وَفي هَذِهِ الحَالَةِ، أَنتَ مَنْ عَلَيكَ دَفعُ مَبلَغِ العَمَلِيَّاتِ التَّجمِيلِيَّةِ."

نَظَرتُ إِلَيهِ بِجِدِّيَّةٍ، وَأَنَا أَمزِجُهَا بِبَعضِ السَّخرِيَةِ المُبَطَّنَةِ.

لَمْ أَكُنْ مُتَأَكِّدَةً مَا إِذَا كُنتُ أُبَالِغُ في رَدِّ فِعلِي، لكِنْ مَنْ كَانَ يَعرِفُ؟

هَذَا الرَّجُلُ قَادِرٌ عَلَى دَفعِي إِلَى الجُنُونِ، حَتَّى في لَحَظَاتِ المَرحِ.

كَاسِيَانُ نَظَرَ إِلَيَّ بِعَينَيْهِ العَسَلِيَّتَيْنِ الَّتِي تَلمَعُ خَلفَ سَخرِيَةٍ مَكبُوتَةٍ، لكِنَّهُ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَنْ المُزَاحِ، بَلْ كَانَت ضَحِكَتُهُ تَنبَعِثُ مِنْ بَينِ شَفَتَيْهِ كَأَنَّهَا انفَجَرَتْ في لَحْظَةٍ مُفَاجِئَةٍ.

"آه، هَلْ تَعتَقِدِينَ أَنَّنِي سَأَدْفَعُ مِنْ أَجْلِ شَيءٍ مِثْلَ هَذَا؟ هَلْ يَظُنُّ أَحَدٌ أَنَّنِي أَحتَاجُ إِلَى حِسَابَاتٍ جَمَالِيَّةٍ؟"

نَعَمْ، هَذَا هُوَ كَاسِيَانُ.

لَا يُبَالِي، يَعتَقِدُ أَنَّ الحَيَاةَ مُجَرَّدُ نُكتَةٍ، حَتَّى وَإِنْ كَانَتِ الابتِسَامَةُ مِثلَ ابتِسَامَتِي قَدْ تَكُونُ كَافِيَةً لِإِحدَاثِ زِلزَالٍ صَغِيرٍ.

"أَنتَ لَنْ تَفهَمَ أَبَدًا!"

انفَجَرَتِ الكَلِمَاتُ مِنْ فَمِي، كَأَنَّهَا طَاقَةٌ مَكبُوتَةٌ حَاوَلتُ قَمعَهَا طِيلَةَ الوَقتِ.

"لَنْ تَفهَمَ مُعَانَاةَ الفَتَيَاتِ، عَلَينَا أَنْ نَبدُوَ مُتَألِّقَاتٍ في أَيِّ زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ، حَتَّى عِندَ النَّومِ. لِذَا لَا أُرِيدُ أَنْ أُفْسِدَ سِحرَ جَمَالِي بِحِسِّ دُعَابَتِكَ السَّخِيفِ الَّذِي يَقُودُنِي إِلَى الجُنُونِ!"

لَمْ أَكُنْ أُرِيدُ أَنْ أَبدُوَ مُتَوَتِّرَةً، لكِنَّ تِلكَ اللَّحظَةَ جَعَلَتنِي أَخرُجُ عَنْ صَوَابِي.

كَاسِيَانُ كَانَ يَجلِسُ أَمَامِي، يَتَأَمَّلُنِي وَكَأَنَّنِي أَتَحَدَّثُ بِلُغَةٍ لَا يَفهَمُهَا، ثُمَّ رَدَّ بِصَوتٍ هَادِئٍ، لكِنَّهُ يَحمِلُ سَخرِيَةً جَلِيَّةً في نَبرتِهِ:

"وَمَنْ قَالَ لَكِ أَنَّكِ جَمِيلَةٌ؟ هَلْ أَنتِ حَقًّا وَاثِقَةٌ مِنْ نَفسِكِ؟ رُبْعٌ مِنْ ثِقَتِكِ، وَسَأَحتَلُّ العَالَمَ!"

ابتَسَمَ لِي ابتِسَامَةً سَاخِرَةً.

كَانَ يَتَحدَّثُ وَكَأَنَّهُ يَقذِفُ كُرَةً نَارِيَّةً بَاتِّجَاهِي، وَأَنَا لَا أَستَطِيعُ رَدَّهَا إِلَّا بِالضَّحِكِ أَوْ الغَضَبِ.

حِينَ سَأَلتُهُ بِصَوتٍ خَافِتٍ:

"هَلْ تَعتَقِدُ أَنَّنِي جَمِيلَةٌ؟"

نَظَرَ إِلَيَّ كَاسِيَانُ لُوهْلَةٍ طَوِيلَةٍ، ثُمَّ أَخِيرًا، نَطَقَ شَفَتَاهُ، وَصَوتُهُ كَانَ هَادِئًا وَحَسَّاسًا، لكِنَّهُ مَحمُولٌ بِأَثَرٍ عَاطِفِيٍّ لَا أَستَطِيعُ تَجَاهُلَهُ.

"إِيزِيل..."

بِدَأَ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ، ثُمَّ رَفَعَ عَيْنَيْهِ لِيَلْتَقِيَ بِعَيْنَيَّ مُبَاشَرَةً، كَمَا لَوْ أَنَّهُ يُنْقِلُ لِي سِرًّا كَانَ فِي قَلْبِهِ مُنْذُ وَقْتٍ طَوِيلٍ.

"أَنْتِ لَسْتِ جَمِيلَةً فَقَطْ، أَنْتِ تَفُوقِينَ أَيَّ فِكْرَةٍ قَدْ أَمْلِكُهَا عَنِ الْجَمَالِ. الْجَمَالُ فِيكِ لَيْسَ مُجَرَّدَ مَلَامِحَ، بَلْ فِي كُلِّ مَا تَحْمِلِينَ مِنْ عُمْقٍ، فِي نَظَرَاتِكِ، فِي قُوَّتِكِ وَفِي ضَعْفِكِ، فِي تِلْكَ اللَّحَظَاتِ الَّتِي تُظْهِرِينَ فِيهَا نَفْسَكِ دُونَ قِنَاعٍ. أَتَعْلَمِينَ؟ الْجَمَالُ فِيكِ يُشْبِهُ فَصْلًا مِنْ كِتَابٍ قَدْ قَرَأْتُهُ مَرَّاتٍ عَدِيدَةً، وَكُلَّ مَرَّةٍ تَكْتَشِفِينَ فِيهِ تَفَاصِيلَ جَدِيدَةً تَجْعَلُنِي أَعِيشُ فِيهِ أَكْثَرَ."

أَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ لِثَوَانٍ، لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَصِفَ شُعُورِي، وَلَكِنَّ كَلِمَاتِ كَاسِيَانَ جَعَلَتْنِي أَشْعُرُ وَكَأَنَّنِي لَسْتُ فَقَطْ جَمِيلَةً فِي عَيْنَيْهِ، بَلْ شَعَرْتُ بِأَنَّنِي مُهِمَّةٌ، بِأَنِّي جُزْءٌ مِنْ شَيْءٍ أَعْمَقَ مِمَّا تَوَقَّعْتُ.

وَلَكِنْ كَانَ السُّؤَالُ فِي الْحَقِيقَةِ مُجَرَّدَ دُعَابَةٍ، شَيْءً أَرَدْتُ أَنْ أَفْعَلَهُ فَقَطْ لِأَرَاهُ مُرْتَبِكًا قَلِيلًا.

أَنَا أَعْرِفُ جَيِّدًا كَيْفَ أَبْدُو، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟

عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، لَقَدْ تَعَلَّمْتُ أَنْ أَكُونَ وَاثِقَةً بِنَفْسِي، أَنْ أُؤْمِنَ بِجَمَالِي دُونَ الْحَاجَةِ لِتَأْكِيدٍ مِنْ أَحَدٍ.

الْجَمَالُ لَيْسَ فَقَطْ مَا تَرَاهُ الْعُيُونُ، بَلْ هُوَ الْقُوَّةُ الَّتِي نَحْمِلُهَا فِي دَاخِلِنَا.

هَلْ كَانَ سُؤَالِي مُجَرَّدَ مَزْحَةٍ؟

رُبَّمَا... وَلَكِنْ مَنْ يَتَوَقَّعُ أَنَّنِي سَأَلْتُ هَذَا السُّؤَالَ وَهُوَ فِي ذِهْنِي شَيْءٌ آخَرُ؟

نَعَمْ، كَاسِيَانُ وَسِيمٌ، وَلَكِنْ هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ جَمَالُهُ أَكْثَرَ مِنْ مُجَرَّدِ الْمَلَامِحِ؟ لَا أَظُنُّ.

فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ، رُبَّمَا كَانَ عَلَيَّ أَنْ أَقُولَ لَهُ إِنَّنِي جَمِيلَةٌ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْمِزَاحِ.

أَنَا جَمِيلَةٌ، وَهَذَا لَيْسَ غُرُورًا.

لَقَدْ تَعَلَّمْتُ أَنْ أَكُونَ وَاثِقَةً، مَهْمَا كَانَتِ الظُّرُوفُ.

الْجَمِيعُ يُحِبُّ الْجَمَالَ، حَتَّى وَلَوْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِذَلِكَ.

كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّنِي سَأَسْتَطِيعُ أَنْ أَتْرُكَ انْطِبَاعًا، وَلَكِنَّنِي لَمْ أَتَوَقَّعْ أَنَّهُ سَيَشْعُرُ بِمَا كُنْتُ أُخْفِيهِ.

وَأَنَا أَيْضًا فَرِحَةٌ لِسَمَاعِ كَلِمَاتٍ كَهَذِهِ مِنْ كَاسِيَانَ، إِنَّهَا تُعْطِينِي طَاقَةً إِيجَابِيَّةً، وَنَاهِيكُمْ عَنِ الْفَرَاشَاتِ الَّتِي غَزَتْ بَطْنِي حَالِيًّا.

ابْتَسَمْتُ وَأَنَا أَتَكَلَّمُ وَأَخْتِمُ جُمْلَتِي بِهُدُوءٍ، مُتَعَمِّدَةً أَنْ أُضِيفَ لَهَا لَمْسَةً مِنَ الْغُمُوضِ وَالتَّهَكُّمِ فِي آنٍ وَاحِدٍ:

"أَوَّلًا: شُكْرًا جَزِيلًا عَلَى كَلِمَاتِكَ الْحُلْوَةِ كَالسُّكَّرِ، وَثَانِيًا: I'm just a girl in the world."

كُنْتُ أَعْرِفُ جَيِّدًا كَيْفَ سَيُؤَثِّرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَكَيْفَ سَيَشْعُرُ بِأَنَّنِي أُرْسِلُ لَهُ رِسَالَةً مَلِيئَةً بِالْغُمُوضِ وَالْغُرُورِ فِي نَفْسِ الْوَقْتِ.

إليك النص بعد إضافة الحركات لكل حرف وكلمة:

كُنتُ أَعرِفُ جَيِّدًا كَيفَ سَيُؤَثِّرُ ذٰلِكَ عَلَيهِ، وَكَيفَ سَيَشعُرُ بِأَنَّنِي أُرسِلُ لَهُ رِسَالَةً مَلِيئَةً بِالغُمُوضِ وَالغُرُورِ فِي نَفسِ الوَقتِ.

كَانَت هٰذِهِ الكَلِمَاتُ مُجَرَّدَ مُزحَةٍ بَسِيطَةٍ، وَلٰكِنَّ كَانَت تُثِيرُ شَيئًا فِي دَاخِلِهِ، شَيءً لَم يَكُن لِيُدرِكَهُ فِي البِدَايَةِ.

وَهَا هُوَ يُطلِقُ ضِحكَةً عَمِيقَةً، لَم يَكُن قَد تَوَقَّعَ هٰذِهِ الرُّدُودَ مِنِّي، وَكَانَ وَاضِحًا أَنَّهُ لَا يَستَطِيعُ التَّوَقُّفَ عَنِ الضَّحِكِ.

كَانَت ضِحكَتُهُ مِثلَ انفِجَارٍ مِنَ العَفَوِيَّةِ، وَكَأَنَّهَا تَعبِيرٌ عَنِ ارتِيَاحٍ أَو صَدمَةٍ، أَو رُبَّمَا مُجَرَّدُ إِعجَابٍ بِحَالَةِ الغُمُوضِ الَّتِي أَنشَأتُهَا فِي لَحظَةٍ.

"حَسَنًا، إِيزِيل... أَنتِ لَستِ فَقَط فَتَاةً فِي هٰذَا العَالَمِ، بَل فَتَاةٌ يُمكِنُهَا أَن تَجعَلَ كُلَّ شَيءٍ حَولَهَا يَتَغَيَّرُ بِمُجَرَّدِ ابتِسَامَةٍ!"

قَالَهَا وَهُوَ يَمسَحُ دُمُوعَ الضَّحِكِ الَّتِي تَمَازَجَت مَعَ ابتِسَامَتِهِ العَرِيضَةِ.

وَلٰكِنِّي، كَمَا كُنتُ دَائِمًا، لَم أَستَطِع إِلَّا أَن أَبتَسِمَ أَكثَرَ وَأَنَا أُرَاقِبُ رَدَّ فِعلِهِ، رُغمَ أَنَّهُ لَا يَعلَمُ أَنَّنِي كُنتُ أَهدُفُ لِشَيءٍ أَكبَرَ بِكَثِيرٍ مِن مُجَرَّدِ مُزحَةٍ.

بَينَمَا كَانَ يُحَاوِلُ التَّلَاعُبَ بِالكَلِمَاتِ وَالتَّهَرُّبَ مِنَ الغَرقِ فِي بَحرِ التَّحقيقَاتِ الَّتِي كَانَت تَنتَظِرُهُ، بَدَا وَاضِحًا أَنَّهُ يُحَاوِلُ تَفَادِي الوَاقِعِ.

كَانَ يُشَاغِبُ وَيَتَلَاعَبُ بِكَلَامِهِ، وَكَأَنَّنِي لَم أُلاحِظ.

ضَحِكَاتُهُ الخَفِيفَةُ وَتَحَرُّكَاتُهُ الَّتِي كَانَت تَحمِلُ مَلَامِحَ السُّخرِيَةِ، كَانَت كُلُّهَا مُجَرَّدَ مُحَاوَلَةٍ فَاشِلَةٍ لِإِبعَادِ نَفسِهِ عَنِ المُهِمَّةِ الَّتِي كَانَ يَعلَمُ أَنَّهَا تُلَاحِقُهُ.

وَلٰكِنَّنِي لَم أَكُن عَلَى استِعدَادٍ لِتَركِهِ يَغرَقُ فِي هٰذَا التَّهَرُّبِ.

كُنتُ شَيطَانِيَّةً بِمَا يَكفِي لِتَذكِيرِهِ بِمَا كَانَ يُحَاوِلُ نِسيَانَهُ.

نَظَرتُ إِلَيهِ بِنَظرَةٍ ثَابِتَةٍ، وَكَأَنَّنِي أَعي تَمَامًا أَنَّ هٰذِهِ اللَّحظَةَ قَد تَكُونُ فُرصَةً جَيِّدَةً لِلتَّوجِيهِ.

"أَنتَ تَظُنُّ أَنَّكَ سَتَنجُو مِنَ العَمَلِ، أَلَيسَ كَذٰلِكَ؟"

قُلتُ لَهُ بِصَوتٍ هَادِئٍ وَلٰكِن مُشبَعٍ بِالسُّخرِيَةِ، لَم أَترُكْ لَهُ أَيَّ مَجَالٍ لِلهُرُوبِ.

"أَنتَ تَعلَمُ أَنَّ القَضِيَّةَ تَنتَظِرُكَ، يَا كَاسِيَان، وَلَا أَعتَقِدُ أَنَّ بِإِمكَانِكَ التَّمَلُّصَ مِنهَا إِلَى الأَبَدِ."

ابتَسَمتُ وَأَنَا أَرَاهُ يَتَرَدَّدُ قَلِيلًا.

كَانَ يَعلَمُ أَنَّنِي عَلَى حَقٍّ، وَلٰكِنَّهُ كَانَ يُحَاوِلُ أَن يُبْنِيَ حَاجِزًا بَينَهُ وَبَينَ العَمَلِ، حَاجِزًا زَائِفًا، لِأَنَّهُ فِي النِّهَايَةِ، كَانَ يَعلَمُ أَنَّنِي لَن أَترُكَهُ يَنسَى تِلكَ القَضِيَّةَ.

"إِذَا كُنتَ تَظُنُّ أَنَّنِي سَأَترُكُكَ تَستَمتِعُ بِهٰذَا الوَقتِ وَتَنسَى كُلَّ شَيءٍ، فَفَكِّرْ مُجَدَّدًا."

أَضَفتُ وَأَنَا أَقتَرِبُ مِنهُ، مُشِيرَةً إِلَى الأَورَاقِ وَالمَلَفَّاتِ الَّتِي كَانَت أَمَامَهُ.

كَانَ يُحَاوِلُ أَن يُحَوِّلَ المَوضُوعَ، وَلٰكِنَّنِي كُنتُ شَيطَانًا بِمَا فِيهِ الكِفَايَةُ لِأَحشُرَهُ فِي الزَّاوِيَةِ، وَهَا هُوَ يَعُودُ إِلَى مَكَانِهِ، مُدرِكًا أَنَّ العَمَلَ هُوَ مَا سَيَظَلُّ فِي النِّهَايَةِ هُوَ مَا يُحَاسَبُ عَلَيهِ.

كانَ يُحاوِلُ أَنْ يُحَوِّلَ المَوْضوعَ، وَلَكِنَّنِي كُنْتُ شَيْطانًا بِما فِيهِ الكِفايةِ لِأَحْشُرَهُ في الزَّاوِيَةِ، وَها هُوَ يَعودُ إِلى مَكانِهِ، مُدْرِكًا أَنَّ العَمَلَ هُوَ ما سَيَظَلُّ في النِّهايَةِ هُوَ ما يُحاسَبُ عَلَيْهِ.

اِبْتَسَمْتُ وَأَنَا أُراقِبُ وَجْهَهُ الَّذِي تَغَيَّرَ بِشَكْلٍ مُفاجِئٍ، وَكَأَنَّنِي أَلْعَبُ لُعْبَةً وَأَنَا أَعْرِفُ تَمامًا كَيْفَ سَأَفوزُ بِها.

كانَتْ نَبْرَتِي هادِئَةً وَمَلِيئَةً بِالتَّهَكُّمِ حِينَ قُلْتُ لَهُ:

"أُوهْ، وَبِالمُناسَبَةِ، أَخَذْتُ إِجازَةً هَذا الأُسْبوعِ. أَمَّا المَفاتيحُ، فَهِيَ بِحَوْزَةِ إِلِينُورَ حَتَّى الآنِ."

لَحْظَةُ صَمْتٍ ثَقِيلَةٌ سادَتْ بَيْنَنا، قَبْلَ أَنْ تَبْدَأَ مَعالِمُ الفَزَعِ تَظْهَرُ في عَيْنَيْهِ بِشَكْلٍ تَدْرِيجِيٍّ.

كانَتْ ضِحْكَةٌ مَكْتُومَةٌ تَرْتَسِمُ عَلى شَفَتَيَّ، لَمْ أَتَمَكَّنْ مِنْ إِخْفائِها.

لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُ هَذا التَّحَوُّلَ المُفاجِئَ، كانَ دائِمًا يَظُنُّ أَنَّنِي سَأَظَلُّ مَشْغُولَةً في العَمَلِ، في التَّفاصِيلِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي تُرافِقُهُ.

لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّنِي أَحْيانًا أَخْتارُ أَنْ أَعِيشَ اللَّحْظَةَ بِكُلِّ ما فِيها مِنْ سِحْرٍ وَتَسْلِيَةٍ، بَعِيدًا عَنْ هُمُومِ العالَمِ.

نَظَرَ إِلَيَّ بِدَهْشَةٍ، وَكَأَنَّنِي فَجْأَةً أَصْبَحْتُ الكائِنَ الَّذِي لا يُمْكِنُهُ التَّنَبُّؤُ بِما سَيَحْدُثُ بَعْدَ ثانِيَةٍ.

وَتَدْرِيجِيًّا، تَحَوَّلَ هَذِهِ الدَّهْشَةُ إِلى حَسَدٍ غَرِيبٍ، لِدَرَجَةِ أَنَّهُ اِبْتَسَمَ بِتَكَلُّفٍ، وَكَأَنَّهُ يَعْتَرِفُ بِأَنَّهُ في مَكانٍ آخَرَ تَمامًا عَنِ الَّذِي كانَ يَظُنُّ أَنَّهُ كانَ عَلَيْهِ أَنْ يَكونَ فِيهِ.

"إِلِينُورُ؟ كَيْفَ لَها أَنْ تَحْتَفِظَ بِالمَفاتيحِ؟"

قالَ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ، وَكانَ هُناكَ شَيْءٌ مِنَ الحَسَدِ في كَلِماتِهِ، كَما لَوْ أَنَّنِي قَدْ هَزَمْتُ شَيْئًا كانَ يَظُنُّ أَنَّهُ بَعِيدُ المَنالِ.

ضَحِكْتُ داخِلِيًّا وَأَنَا أَراهُ يَذْهَبُ إِلى ذَلِكَ المَسارِ.

كانَ مِنَ الواضِحِ أَنَّهُ بَدَأَ يَتَمَنَّى لَوْ أَنَّهُ كانَ في مَكانِي، بَعِيدًا عَنِ الجَريمَةِ، بَعِيدًا عَنِ العَمَلِ، يَعِيشُ في سُكونِ اللَّحَظاتِ.

لَكِنَّنِي كُنْتُ أُدْرِكُ تَمامًا أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ سَيَرْجِعُ في النِّهايَةِ إِلى العَمَلِ.

كانَ الحَسَدُ في عَيْنَيْهِ يُعَبِّرُ عَنْ رَغْبَةٍ لَمْ تَكُنْ تَذْهَبُ سُدًى، بَلْ كانَتْ تُخَبِّئُ تَحْتَها طاقَةً ضَخْمَةً لِتَغْيِيرِ ما حَوْلَهُ.

ضَحِكْتُ خُفْيَةً، وَكَأَنَّنِي أَسْحَبُ مِنْهُ لَحْظَةَ ضَياعٍ في عالَمِ التَّحْقِيقِ.

"أَعْتَقِدُ أَنَّهُ حانَ الوَقْتُ لِلْعَوْدَةِ إِلى العَمَلِ، كاسْيانُ، وَإِلَّا سَتُصْبِحُ مِثْلَ كونانَ، يُضَيِّعُ وَقْتَهُ في حَلِّ الأَلْغازِ بَيْنَما كُلُّ شَيْءٍ يَسِيرُ في الاتِّجاهِ الخاطِئِ."

رَفَعَ حاجِبَيْهِ مُسْتَغْرِبًا، وَلَكِنْ كَما هُوَ مُعْتادٌ، لَمْ يَسْتَطِعْ مُقاوَمَةَ التَّحَدِّي في كَلامِي.

"كونانُ؟ حَقًّا؟"

قالَها وَهُوَ يَبْتَسِمُ بِشَكْلٍ غَرِيبٍ، كَأَنَّهُ يُودُّ أَنْ يُثْبِتَ لِي أَنَّهُ لَيْسَ أَقَلَّ مِنْ تِلْكَ الشَّخْصِيَّاتِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا تَنْشَغِلُ إِلَّا بِحَلِّ الجَرائِمِ.

"نَعَمْ، وَلَكِنْ لا تَقُلْ لِي أَنَّكَ سَتَحُلُّ اللُّغْزَ هَذا بَيْنَما نَحْنُ هُنا نَلْعَبُ كُرَةَ الطّاوِلَةِ."

أَرَدْتُ أَنْ أَزِيدَ الطِّينَ بِلَّةً، وَلَكِنَّنِي كُنْتُ أُدْرِكُ تَمامًا أَنَّهُ في أَعْماقِهِ، كانَ يُفَضِّلُ أَنْ يَعودَ إِلى عَمَلِهِ لِيَتَخَلَّصَ مِنْ شُعُورِهِ بِالعَجْزِ أَمامَ قَضِيَّتِي.

تَنَهَّدَ عَمِيقًا وَأَخَذَ نَفَسًا، ثُمَّ عادَ بِنَظَرِهِ إِلى الأَوْراقِ الَّتِي كانَتْ أَمامَهُ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ نَسِيَ حِوارَنا.

كانَ يُشَبِّكُ أَصابِعَهُ مُتَأَمِّلًا في الرِّسالَةِ الغامِضَةِ الَّتِي وَصَلَتْ مُنْذُ قَلِيلٍ.

"أَعْلَمُ أَنَّ هَذا لَيْسَ الوَقْتَ المُناسِبَ لِلْمِزاحِ، وَلَكِنَّ لَدَيْكِ طَرِيقَةً غَرِيبَةً في دَفْعِ النّاسِ لِلْجُنُونِ."

"الجُنُونُ هُوَ الجُزْءُ المُمتِعُ، أَلَيْسَ كَذلِكَ؟"

أَجَبْتُ، وَلَكِنْ في أَعْماقِي، كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّنِي رُبَّما كُنْتُ أُعْطِيهِ بَعْضَ المِساحَةِ لِلرَّاحَةِ مِنَ العَمَلِ. بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ، التَّحْقِيقاتُ كانَتْ تُؤَثِّرُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَبْدو.

وَفِي نِهَايَةِ الحِوَارِ، أَطلَقَ تَنَهُّدَةً، فَاقْتَرَحَ،

"حَسَنًا، إِذَنْ بِمَا أَنَّنِي لَا أَستَطِيعُ أَن أَهرُبَ مِنَ العَمَلِ، فَرُبَّمَا أَحتَاجُ إِلَى بَعضِ المُسَاعَدَةِ مِنكِ."

"أَيُّ مُسَاعَدَةٍ؟"

سَأَلتُ، عَلَى الرَّغمِ مِن أَنَّنِي كُنتُ أَعلَمُ أَنَّنِي سَأَجعَلُ المَوضُوعَ أَكثَرَ تَعقِيدًا لَهُ.

أَجَابَنِي بِنَبرَةٍ مَاكِرَةٍ:

"التَزِمِي الصَّمتَ، وَإِلَّا سَأَجعَلُ وَجنتِكِ مُحمَرَّتَينِ، وَإِن فَعَلتِ مَا طَلَبتُهُ مِنكِ، سَأُعطِيكِ مُكَافَأَةً."

أَردَفتُ بِنَبرَةٍ سَاخِرَةٍ:

"حَاضِرٌ يَا سَيِّدِي، لَا !!! رَأسُ التِّلفَازِ، أَوِ المُحَقِّقُ كُونَانُ."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ظلال الداتورا

المؤلف Zed
2025/08/09 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة