فن العذاب

فن العذاب

10 0

عند وصولي إلى موقع الجريمة، كان المكان يكتنفه هدوءٌ غير عادي، كأن الزمن توقف لحظة ليشاهد ما حدث، بينما كان هناك صخبٌ في الأفق يعكس مشهدًا معكوسًا للحقيقة التي كنت أسعى لاكتشافها.

أصوات خطوات رجال الشرطة، وقع أقدامهم المتسارع على الأرض المبللة بالندى، كان كل شيء مشبعًا بنوع من التوتر الذي يتراءى بين الكلمات والتلميحات، في هذا المكان الذي كان يعج بالتفاصيل الغامضة.

كانت المحطة مهجورة تمامًا، وكأنها كانت شاهدًا على ماضٍ طويل من اللامبالاة والنسيان، لا يزال تحتفظ بجدرانها المتداعية وأرضها المتشققة بتصميم غريب على الاستمرار في التنفس رغم الزمن الذي مرّ عليها.

من بين الأضواء الخافتة، كان هنالك عدد من رجال الشرطة الذين يحيطون بالجثة التي بدت ملقاة على الأرض بشكل غريب، كما لو أن الشخص الذي سقط هنا لم يكن ضحية ميتة وإنما كانت حادثة تراجيدية على وشك أن تبدأ.

لا وجود للدماء، لا أثر لأي مشهد من الصراع، كانت الجثة كأنها تستسلم برضا، وفي صمتٍ يخترق الصمت الأكبر الذي كان يطوق المكان.

كان الرجل المسجى أمامي أحد كبار محللي الشفرات في هذا المجال، ومُتخصصًا في تحليل الرموز والرسائل السرية.

عينيه المغمضتين كانتا تشعّان بحكاية غير مكتملة، كتبتها يدُ مجهولة لا تود الكشف عن نفسها.

كانت جثته مستلقية على الأرض في وضعية غير مألوفة، رأسه مائل قليلاً إلى اليسار، ويداه ممدودتان بجانبه وكأنهما لازالتا على أتم الاستعداد لفك شفرة شيء ما.

كانت النظرة الميتة التي احتفظت بها عينيه أكثر ما لفت انتباهي، وكأنهما تحملان في طياتهما كل الأسئلة التي لم أستطع فهمها بعد.

كيف انتهى هذا الرجل هنا، تحت هذا السقف المهدم؟

في الجو كانت هناك هالة من الغموض، وكانت رائحة الهواء تشي بشيء غريب، شيء غير مرئي لكنه ثقيل.

لم يكن هنالك أي أثر لقتال، أو مقاومة، أو حتى جرح ظاهر. كأن القاتل قد جاء بأناة وهدوء، فاختار السم بعناية فائقة.

وبدأت ألاحظ، من خلال الأدوات المنتشرة حول الجثة، علامات تؤكد أن السم هو الجاني الحقيقي.

كانت هناك أدوات معملية متفرقة تشير إلى أنهم بدأوا اختبار السموم على الفور.

أخذت خطوة إضافية نحو الجثة، وركّزت في التفاصيل الدقيقة التي كانت تختفي وراء هذا المشهد المقلق.

كيف كان الرجل قبل أن يُسحب إلى هذا المكان؟

هل كان يعلم أنه سيكون آخر يوم له في الحياة؟

هل كانت تلك النظرة في عينيه تَحمل دلالة ما عن لحظة النهاية؟

تقدمت خطوة أخرى، رغم أنني كنت أعي تمامًا أن هذه اللحظات تحمل طابعًا قاتلًا، لكن ما استوقفني كان الحضور الغريب الذي أضفاه المكان على الجريمة.

كان الجو كله يشع بالكتمان، كنت متأكدًا أن هذا المكان لا يروي فقط موتًا، بل يروي أيضًا سرًا كبيرًا.

وكان السر هو الطريقة التي أُودع بها هذا الرجل في هذا المكان المهجور، بلا قتال، بلا مقاومة، وبدون ترك أي أثر.

وفجأة، اخترقني صوت الشرطة الذي كان يأتي من بعيد، صوتهم يتسارع نحو المكان.

عاد الانتباه سريعًا إلى الجريمة التي كانت واضحة الآن، لا دماء، لا صراخ، فقط السم الذي أرخى قبضته على هذا المحلل البارع.

كان ذلك كافيًا، كافيًا ليدرك أي شخص عاقل أنه لا شيء هنا يحدث بالصدفة، لا شيء.

لقد كانت بداية جديدة.

بداية لقتلٍ يخبئ خلفه لغزًا أعمق مما كنت أتوق.

كان المكان أشبه بمشهد جريمة قديمة، لا تكاد السماء الرمادية تفتح فمها إلا لتردد صوت الرياح التي تعصف بين الجدران المهدمّة.

لاحت لي إشارات متفرقة للشرطة، التي كانت تحيط بالمكان، مُدَجّجة بكاميرات، وحقائب الأدلة، وأفراد يرتدون سترات الواقية.

كانت الأجواء ملبدة بالغيوم، وكان صوت زحف الأقدام الثقيلة على الأرض يتناثر في الفضاء، يترافق مع همسات متقطعة من المحققين وهم يشاركون في حديث هامس.

ولكن، ما أثارني هو الصمت الذي كان يحيط بالجثة.

لم يكن هناك دماء تُعكّر المشهد، لكنه كان يحمل نوعًا من الحزن العميق، كما لو أن السكون ذاته كان يصرخ في وجهي.

جثة الرجل الذي كان يُعتبر من أفضل محللي الشفرات في هذا المجال كانت ملقاة على الأرض، عينيه مفتوحتين على وسعهما وكأنهما تواجهان العدم.

لم تكن هناك أية علامات خارجية تُظهر معالم القتل.

لقد كان هادئًا، لا يبدو عليه أي شيء من الألم أو الصراع الذي عادةً ما يُرافق لحظات الموت المفاجئ.

تقدمت خطوة بعد خطوة نحو الجثة، مُتفحصًا المكان.

كان الرجل يلتصق بالأرض وكأنها احتضنته في آخر لحظة.

جسده كان ملقى على جانبه الأيمن، يداه مُتراخيتان بجانبه، كما لو أنه كان في وضعية نوم هادئ، لكن تلك العيون التي لم تغلق كانت تخبرني بكل شيء.

كانت عيونًا تمتلئ بالأسئلة، تسأل عن السبب، عن السر الذي أوصله إلى هذه النهاية، عن السم الذي اخترق جسده في لحظة واحدة.

أحسست بشيء غريب يحيط بالهواء في المكان، شيء غير مرئي، ولكنه ثقيل، كما لو أن السم الذي دفعه إلى الموت لا يزال يعشش في هذه الزوايا.

لم يكن من السهل تحديد نوع السلاح الذي قتله، لكنني استطيع أن أخمن أن هذه الجريمة لم تكن عفوية أو عابرة، بل كانت موجهة بشكل مدروس.

حركة بسيطة في زاوية المكان جعلتني أعود إلى تركيزي.

كان هناك شخص آخر في المكان، يرتدي زيًا عاديًا، لا يبدو من فريق التحقيق.

تحرك سريعًا بالقرب من الجثة، وكأن هدفه هو أن يبقى غير مرئي، لكنه لم يستطع إخفاء وجهه تمامًا.

كانت تلك النظرة التي تبادلناها كافية ليعرفني على الفور، كان أحد أفراد فريق الأمن الذين عادةً ما يتعاملون مع القضايا ذات الحساسية العالية.

ولكن في تلك اللحظة، كانت نظراتنا مليئة بالشكوك المتبادلة، وكأننا نعلم أن هناك شيء كبير غير معلن خلف هذا القتل.

كل شيء هنا كان ينبض بالحيرة، كل شيء كان يُصرخ في داخلي:

"ماذا فعلوا به؟"

تلك الأسئلة التي كانت تتسرب إلى ذهني من كل زاوية، كانت تنمو بسرعة، وتختلط في أعماقي كما لو أنني كنت أسمع أصواتها المبعثرة في المكان، مثل همسات يطاردها الظل.

لكن ما لم أتمكن من فهمه بعد هو السبب.

هل كانت الجريمة شخصية؟

هل كان هذا القتل مجرد تصفية حسابات، أم كان أكثر تعقيدًا؟

اقتربت من الشرطي الذي كان يقف بجانب الجثة، وكان واقفًا كتمثال حجري وسط الفوضى التي اجتاحت المكان، حيث أصوات الناس تتداخل مع ضجيج الآلات والتحقيقات المشتعلة حولنا.

كان الهواء باردًا وحادًا، يتخلل جسدي كما لو أنه يعكس وحشية ما يحدث حولنا.

حاولت أن أبدو هادئًا، لكن كان هناك شيء يربطني بالجريمة، شيء يتسلل إلى أعماق روحي كالوخز الخفيف.

"هل تعتقد أن ماركوس كان لديه أعداء؟"

همست، لأعلم إذا كانت كلماتنا ستظل تحلق بين الجدران كما لو أنها سر عتيق.

نظر إليّ الشرطي بنظرة غائمة، وكأنما يرفع ستارًا عن ماضٍ ملبد بالضباب، ثم قال:

"ماركوس كان شخصًا غريبًا، مثل قطعة أثرية مدفونة في الرمال. كان شبحًا بين الناس، لا يلتفت إليهم ولا يطلب منهم التفاهم. عقله كان شديد التعقيد، وكأنه يحمل شيفرة لم يستطع أحد أن يفك رموزها. كان يعيش في عزلته كأرنب يراقب الحياة من بعيد، وتلك العزلة كانت منبع أعدائه."

أخذت نفسًا عميقًا، وكأن كلمات الشرطي كانت تملأ الجو بشحنة غريبة، تكاد تشعر بها تنتقل عبر الجلد.

"ماذا عن علاقاته؟ هل كان لديه صلات عميقة بأحد؟"

سألته، محاولًا أن أستنطق الحقيقة التي تبدو متوارية خلف قناع الزمن.

صمت للحظة، كأنما كان يغرق في بحر الذكريات، ثم قال بصوت منخفض،

"كان مشغولًا بشيء واحد فقط: نفسه. مع مرور الوقت، أصبحت علاقاته مع الناس كخيوط شباك مهملة. كان يلتزم ببعض المواقف، لكنه لم يكن ليشارك في أي شيء حقيقي مع الآخرين. كان يُحسن القراءة بين السطور، لكنه لم يكن قادرًا على كتابة سطر واحد من الود."

ثم نظرت إليّ عينيه، التي كأنها تحمل في طياتها قصة قديمة.

"كان محط احترام كبير بين المتخصصين، لكن داخل نفسه كان يراكم الشكوك حول الجميع. الوحدة كانت حضنه الأخير، وكان يفضل أن يكون في غرفة مغلقة على أن يشارك فنجان قهوة مع شخص آخر."

قلت ببطء، وكأن الكلمات قد خرجت لتوها من عمق ذهن مشوش:

"هل كان من الممكن أن يكون قد اكتشف شيئًا، شيئًا يجعله هدفًا؟"

كان السؤال يتسلق حنجرتي ويصل إلى شفتيّ، بينما كانت جثة ماركوس أمامنا، مع صوت الرياح المتسربة من النوافذ المهجورة.

نظر إليّ الشرطي بحذر، وكأنما يفكر قبل أن يجيب.

"من المحتمل، ولكن ماركوس كان يمشي في الظلال. تلك المحطة المهجورة كانت مكانًا يخفف عن الناس الأعباء، ولكن أيضًا مكانًا يغطي الحقائق عن الأنظار. كان له علاقات مع جهات مشبوهة، لكن لا يوجد دليل ملموس، لا شيء يدعونا لاتهامه أو تصديقه."

كنت أراهن على أن القاتل لم يكن بعيدًا، وأن الإجابة كانت مدفونة بين خيوط معقدة، كالشفرات التي كان يحللها ماركوس نفسه.

"إذا كان قد دخل في دوامة هذه الشبكة المظلمة، فهل تعتقد أن شخصًا من الخارج يمكنه أن يقتله بهذه الطريقة؟"

سألته، بينما كانت الأفكار تتداخل في عقلي، مثل قطع الأحجية التي لا تكتمل أبدًا.

أجاب الشرطي، مستنشقًا الهواء الملوث بروائح الكآبة:

"ربما. لكن في مكان مثل هذا، كان من السهل أن يصبح المرء هدفًا دون أن يشعر. هذه المحطة المهجورة، وهذه اللحظات الضائعة... أعتقد أن القاتل كان يعرف كل شيء عنه. أما عن الضحية نفسها، فلا يزال الأمر لغزًا يراوغنا."

فجأة، بدأت أفكر في تلك الظلال التي لطالما عاشت في عالم ماركوس.

كان ذلك القتل بمثابة تمازج بين الظلام والضوء، وكان الشرطي أمامي مجرد شاهد، عاجزًا عن فك طلاسم تلك الجريمة التي كانت أكثر تعقيدًا مما بدا.

"يبدو أنك تعرف الكثير عن ماركوس . هل تربط بينكما صلة قرابة ؟ "

توقف الشرطي عن الكلام للحظة، كما لو أن السؤال قد دفعه للغوص في عمق ذاكرته المتربة.

كان وجهه مشوشًا، وكأنما محاطًا بآلاف الهمسات التي تتناثر حوله، تلك الهمسات التي تصنع هالة من الغموض حول علاقة ماركوس به.

ابتسم ابتسامة فاترة، تلك الابتسامة التي تُخبئ الكثير تحت سطحها، ثم أجاب ببطء:

"أتعلم... كان ماركوس شخصًا لا يسهل فهمه. لم يكن من النوع الذي يتحدث عن نفسه أو عن علاقاته، لكنه كان هناك، دائمًا في الزوايا المظلمة من الحياة. كنت أراه بين الحين والآخر، خاصةً في تلك الأماكن التي لا يحب الناس أن يراها الآخرون. كان يشبه إلى حد ما... الظلال التي تختبئ بين الأشجار، قريبة ولكن غير مرئية."

ثم نظر إليّ بنظرة غامضة، وكأنما يبحث في عينيّ عن جواب لم يسأله.

"كنت أعرفه منذ سنوات، لكنه لم يكن ليثق في أحد. كان لديه طريقة خاصة في تحليل الأشخاص، تجعلك تشعر وكأنك مكشوف أمامه تمامًا. ربما كان ذلك السبب الذي جعله يفضل العزلة، وكان لديه طريقة في المراوغة، تجعلك تظن أنك على وشك فهمه، ثم يختفي فجأة."

وقف الشرطي مستقيماً، وكأن ذكريات قديمة اجتاحت ذهنه دفعة واحدة، ثم تابع:

"لكنني... كنت أتعامل معه أكثر من كوننا أصدقاء. كنت أراقب تحركاته في الظلال. كان هنالك شيء غريب في طريقة تفكيره، شيء جعلني أعتقد أنه كان يعلم أكثر مما يظهر. أحيانًا، كان يكتب بعض الملاحظات الغامضة عن أشياء لم يفهمها أحد، ولا أظن أنه كان يريد أن يفهمه أحد. كان يمتلك قدرة على تفكيك الشيفرات البشرية تمامًا كما كان يفكك الشيفرات المعقدة."

ابتسم الشرطي مرة أخرى، وهذه المرة كانت الابتسامة أقرب إلى غمزة من نوع غريب، كما لو أن هناك سرًا يخبئه.

"إذا كنت تسأل عن علاقته بي... حسنًا، قد تكون علاقتنا غير تقليدية، ولكن في النهاية، كل واحد منا كان يعرف ما الذي يفعله الآخر. ماركوس كان يراقب، وأنا كنت أراقب."

كنت أستمع إلى كلمات الشرطي وكأنها إشارات ضوء تنير الطريق المظلم أمامي، لكنها لم تكشف عن كل شيء. كانت الإجابات نصفية، كما لو أنها جزء من صورة أكبر تفتقر إلى التفاصيل النهائية.

كان هناك شيء في كلامه، شيء يتسلل بين الحروف، لكنه كان يبقي بعض الأجزاء مخفية.

"فهل تعتقد أن ماركوس كان يعرف أنه سيُقتل؟"

سألت، محاولة اختراق هذا الجدار الضبابي من الكلمات الغامضة.

نظر إليّ الشرطي ثم هز رأسه بحزن.

"قد يكون. ولكن إذا كان يعرف، فهو لم يظهر أي علامة على ذلك. كان دائمًا يبدو هادئًا، كما لو أنه في مكان بعيد عن العالم بأسره. ربما كانت هذه هي الحقيقة الوحيدة التي لم يكن يريد لنا أن نكتشفها."

وفي تلك اللحظة، وسط ضجيج التحقيقات التي كانت تدور حولنا، كانت أفكاري تتداخل معًا، وكأنما كانت كل إجابة تقودني إلى سؤال جديد، وكل كلمة تنبئني بأن هذه الجريمة أكبر من أن تُفك شيفرتها بسهولة.

وقفتُ هناك أمام الجثة، محاطًا بالفوضى التي خلّفها التحقيق، والشرطة التي تحاول استعادة النظام وسط الهلع والقلق.

لكنني لم أتمكن من تفريغ ذهني عن تلك العلامة.

عيناي لم تفارق معصم ماركوس. كانت يداه ممدوتين إلى جانبه، والشكل الغريب الذي رأيته هناك شدني إليه كما لو أن الجسد نفسه كان يُرسل لي رسالة من وراء الموت.

عندما اقتربتُ قليلاً، تلامست أناملي مع الوشم الذي كان لا يُرى للوهلة الأولى.

خطوط دقيقة محفورة في الجلد، كما لو أن الوقت قد انقضى دون أن يرحمها.

رمزٌ معقد، متشابك بطريقة تبعث على الحيرة، وعيناي تتبعان ذلك اللغز الذي كان يبدو وكأنه شيفرة قديمة.

لم يكن مجرد وشم عادي، بل كان هناك شيء مظلم يحيط به، وكأن هذه العلامة على معصم ماركوس لم تكن مجرد تذكير بعقيدة أو فكرة، بل كانت طريقًا مسدودًا نحو شيء أكبر.

كانت الخطوط السوداء تلتوي حول بعضها كما لو كانت أنفاسًا مشوهة تقاوم الفهم، وتبحث عن مخرج.

لا أحد كان سيفهمها كما فعلت، ولا حتى المحققين الموجودين هناك.

النقطة السوداء في وسط الوشم كانت هي ما استوقفني.

كانت كالنواة التي تقبع في قلب هذا اللغز المظلم، وكأنها شيء محطم، كالقلب المكسور في لحظة لا أمل فيها.

كان المكان كله يبدو مظلمًا مع هذه النقطة، وكأنها تسرق الضوء وتخفيه في نفسها.

كنت أريد أن أقترب أكثر، أن أفهم، لكن الوشم كان كأسرار قديمة، ترفض الانفتاح.

تساءلت في نفسي، هل كان ماركوس يعلم شيئًا عن هذه العلامة؟

هل كانت هذه الرمزية هي سبب مقتل الرجل؟

كانت الإجابة كما لو أنني أستطيع سماعها، لكن لا أستطيع الوصول إليها.

هل كان ذلك الجزء من أحداث أعمق لم تكتمل؟

علامة على ارتباطه بأشخاص آخرين، قد لا أعرفهم، أو أكون قد عرفتهم بالفعل في الماضي؟

ولكن في وسط كل ذلك، كنت أشعر بشيء غريب.

كأن هناك رباطًا ما بين الوشم والموت، أو ربما كان من المفترض أن يفهمه شخص آخر غيري.

شعرت أنني كنت أقف أمام لغز أكبر من قدراتي.

لعله لم يكن مجرد وشم، بل كان أداة لتخفي الحقيقة.

كان شيفرة للماضي، أو على الأقل كان هكذا بدا لي.

قررت أنني لن أضيع المزيد من الوقت في محاولة لفهم أشياء قد تكون مجرد خيوط وهمية، وعليه فإن أفضل خطوة الآن هي الذهاب مباشرة إلى شقة ماركوس.

الجو الغامض الذي يحيط به كان يتطلب مني أن أتوجه إلى مصدر الحقيقة، حيث قد يكون هنالك ما يكشف عن الإجابات التي كنت أبحث عنها.

قررت أن أترك الموقع وراء ظهري، تركة وراءه حيرة الأسئلة التي لا جواب لها، وأن أواجه المسار مباشرة.

أخذت نفسًا عميقًا، فالأمر لم يعد مجرد تحقيق عادي بالنسبة لي، بل أصبح صراعًا ضد الغموض الذي يلف القضية.

لم يكن الطريق إلى شقة ماركوس بعيدًا جدًا، ولكن شعرت وكأنني أقطع مئات الأميال في قلبي مع كل خطوة.

كان الأمر وكأنني أسير في متاهة من الظلال التي تزداد كثافة مع كل إشارة جديدة توصلني إلى شيء أكثر تعقيدًا، لكن في كل مرة، كانت الأدلة تتكشف أمامي، رغم أنني كنت أعرف أن الجواب الحقيقي لا يأتي بسهولة.

وصلت إلى المبنى الذي كان يعيش فيه ماركوس.

كان قديمًا، يُشعر الزائر بظلال من العزلة، كأن الزمن نفسه قد توقف فيه.

كانت نوافذه مغلقة، بينما الباب الأمامي كان مغلقًا بإحكام، كما لو أن السكون يحيط بكل زاوية من زواياه.

دخلت إلى المكان وكأنني أسير في ممرات نسيها الزمن، يرافقني شعور غريب أنني دخلت إلى مكان لا يجب أن أكون فيه.

عندما وصلنا إلى شقته، كانت رائحة المكان، كالعادة، رائحة الخشب القديم والمواد الكيميائية الخفيفة التي كانت تدل على أن ماركوس كان شخصًا يعشق التحليل والتفكير العميق.

لم تكن الغرفة مرتبة بالكامل، لكن كان هناك نوع من النظام المميز الذي يميز الأشخاص المهووسين بالعمل.

التفاصيل الصغيرة في شقة ماركوس كانت مبهمة، لكنها لا تخلو من دلالات.

كان هنالك دفتر ملاحظات مفتوح على الطاولة، يحتوي على شفرات مورس مكتوبة بعناية، وكأنها تشير إلى رسالة لم تكتمل بعد.

كنت أشعر أن هذا الدفتر كان البوابة التي يمكن أن تقودني إلى حقيقة أكبر.

أمعنت النظر في محتويات الغرفة، فلاحظت صورًا قديمة متفرقة على الجدران، بعضها كان يحتوي على صور لأشخاص لا أعرفهم.

لكن في زاوية صغيرة، كانت هنالك صورة لماركويس نفسه، مبتسمًا، وكأن هناك شيء غامض في عينيه، شيء لم يكن يظهر للوهلة الأولى.

كان هنالك شيء في هذا المكان يعزز شعور الانغلاق، وكأن كل شيء يتماسك معًا ليخبرني أن المفاجأة الكبرى في انتظارنا.

قررت أن أفتش أكثر، أنني لن أترك أي زاوية غير مفتوحة.

بعد قليل، وجدت صندوقًا معدنيًا مخفيًا خلف رف الكتب.

كان مغلقًا، لكن قمت بفتحه.

وها هي المفاجأة الكبرى...

فتحت يدي الصندوق المعدني بحذر، بينما كان قلبي ينبض بتسارع، كأنني كنت على وشك اكتشاف شيء يفيض عن كل التوقعات.

بدا الصندوق وكأنه يحفظ سرًا عميقًا، شيء غامض لا يعلمه سوى القليل.

عند أول لمسة لغطاءه البارد، شعرت بشيء غير مريح في يدي، كأن هناك شيء في الداخل يرفض أن يظهر بسهولة.

عندما قمت برفع الغطاء، فاجأتني الأشياء التي كانت بداخله.

ورقة قديمة كانت ملفوفة بعناية، محاطة بشفرات غريبة وحروف متشابكة.

كأن الصندوق قد اختار لحظة معينة كي يُفتح، وعرفت أن هذا ليس مجرد صندوق عادي.

شعرت بشيء غريب، شيء مختبئ داخل الورقة، شيء لا أستطيع تحديده بعد.

كأن كل شيء في العالم يترقب هذا اللغز.

أمسكت بالورقة برفق، وتلمست أطرافها. كانت باردة بشكل غريب، ولكنها أثقل مما توقعت.

عندما بدأت بفتحها، كانت الحروف على الورقة تتراقص أمام عيني.

كانت ليست مجرد أكواد مورس، بل كانت رسالة مشفرة، وحين قمت بترتيب الرموز والأحرف في عقلي، بدأت بعض الكلمات تظهر بوضوح.

الكلمات كانت:

"ستكتشف الحقيقة إذا..."

لكن بعدها كان هناك خلل، فوضى من الرموز الغريبة التي لم أتمكن من فك شيفرتها بسهولة.

لكن في وسط هذا التشويش، كانت هناك كلمة واحدة أو اثنتين تظهر.

كان هناك شيء مريب في هذه الرسالة، كأنها تحمل تهديدًا، وكأن ماركوس قد ترك لي تحذيرًا أو ربما دعوة للمتابعة.

شعرت بشيء غير مريح في صدري، وكأنني على حافة اكتشاف شيء أكبر بكثير مما كنت أتصور.

استمررت في البحث داخل الصندوق، كنت أعرف أن هناك شيئًا آخر يجب أن أجد.

أوراق أخرى كانت مكدسة فوق بعضها البعض، كل واحدة منها مشفرة، تتعلق بشخصيات معينة.

كانت الملاحظات الشخصية مرتبطة بطريقة ما بالقضية التي أعمل عليها.

كان واضحًا أن ماركوس كان يعمل على شيء أكثر تعقيدًا من مجرد هذه الرسالة العشوائية.

ثم لمحت شيئًا صغيرًا ملتفًا داخل أطراف الورقة.

صورة صغيرة، تبدو قديمة، لرجل لا أعرفه.

كانت الصورة غامضة، لا تفاصيل واضحة. لكن تعبير وجه الرجل كان شيئًا لا يمكنني تفسيره، وكان غريبًا.

على ظهر الصورة، كانت هناك كلمات مكتوبة بخط يد ماركوس:

"كل شيء سيصل إلى نهايته قريبًا، ولكن الحقيقة ستكون مؤلمة."

كانت تلك الكلمات بمثابة صاعقة في عقلي. تزايد شعور الارتباك في رأسي.

لماذا ترك لي ماركوس هذه التلميحات؟

ولماذا كانت هذه الصورة جزءًا من كل هذا؟

كان الواضح أن هذا الشخص الذي في الصورة له علاقة بالقضية، ولكن من هو؟

أغلق الصندوق ببطء، بينما كان شعور ثقل على صدري يزيد مع كل لحظة.

أدركت أنني أقف على حافة اكتشاف شيء أكبر مما كنت أظن.

كان هذا الصندوق، وهذه الأدلة، بمثابة المفتاح.

المفتاح الذي قد يفتح بابًا لعالم مظلم يخبئ فيه شيء يفوق خيالي.

لكن رغم كل هذا، كانت لدي شكوك عميقة.

هل كانت الحقيقة التي أبحث عنها مجرد وهم آخر؟

هل ستُدمرني الحقيقة كما دمرت ماركوس؟

ما الذي ينتظرني في النهاية؟

.. -. / .- / .-- --- .-. .-.. -.. / .-- .... . .-. . / - .. -- .. -. --. / .. ... / . ...- . .-. -.-- - .... .. -. --. --..-- / .- / .-.. --- ... - / -.- . -.-- / .-.. .. . ... / .-- .. - .... .. -. / - .... . / ... -- .- .-.. .-.. / -.. . - .- .. .-.. ... / ..- -. --- - .. -.-. . -.. / -... -.-- / -- --- ... - .-.-.- / ... --- -- . --- -. . / .... .. -.. . ... / -... .... . .... .. -. -.. / .-- --- .-. -.. ... / .- -. -.. / -.-. --- -.. . ... --..-- / .. -. .-- .. .-.. .-.. .. -. --. / - --- / .-. . ...- . .- .-.. / - .... . .. .-. / ... . -.-. .-. . - .- .-.-.- / - .. -- . / .. ... / .-. ..- -. -. .. -. --. / --- ..- - --..-- / -... ..- - / - .... . / - .-. ..- - .... / .. ... / -... ..- .-. .. . -.. / .. -. / .- / -.. .. ... -.-. .- .-. -.. . -.. / .--. .. -.-. - ..- .-. . --..-- / .- / -... .-. --- -.- . -. / .--. . -. -- --..-- / .- -. -.. / .- / - --- .-. -. / .--. .. . -.-. . / --- ..-. / .--. .- .--. . .-. / - .... .- - / -- .. --. .... - / ... . . -- / .-.. .. -.- . / -- . .-. . / .-- .- ... - . --..-- / -.-- . - / -.-. --- -. - .- .. -. ... / .- -. / . -. - .. .-. . / .-.. .. ..-. . / --- ..-. / ... . -.-. .-. . - ... .-.-.- / .-- .... --- / .. ... / - .... .. ... / .--. . .-. ... --- -. / -.-. .... .- ... .. -. --. / ... .... .- -.. --- .-- ... / .-- .... .. .-.. . / . ...- . .-. -.-- - .... .. -. --. / . .-.. ... . / -- --- ...- . ... / .. -. / - .... . / -.-. --- -- .--. .-.. . - . .-.. .-.. -.-- / --- .--. .--. --- ... .. - . / -.. .. .-. . . -.-. - .. --- -. .-.-.-

لم أتمكن من مقاومة الرغبة في أخذ الورقة بين يديّ، وكأنها كانت كنزًا مفقودًا كنت أبحث عنه طوال حياتي.

شعرت بشيء غريب، شيء يعصف بي، كأن كل شيء في هذا المكان يضغط على قلبي.

توقفت لحظة، لكن كان صوت تفكيري يصرخ بداخلي أنني يجب أن أخرج من هنا بسرعة.

مع الورقة في يدي، شعرت كأنني مسكون بهذا السر.

بدأت أركض، خطواتي ثقيلة وأذنيّ مليئة بالصمت الذي كان يتخلله صوت دقات قلبي المتسارع.

كنت أعلم أنه لا يجب أن أترك هذه الشقة دون أن أتصل بالشرطة.

الأمور تفلت من يدي بشكل غير قابل للعودة، لكن كان من الضروري أن أحمي نفسي وأدعم التحقيق.

اتصلت بالشرطة، وأبلغتهم أنني قد اكتشفت أدلة مهمة في شقة ماركوس وأنني بحاجة للمساعدة في تفتيش المكان بشكل أعمق.

كان هناك شيء في داخلي يصرخ بأنني على وشك أن أجد شيئًا قد يغير مجرى كل شيء، لكنني لم أكن متأكدًا من ما ينتظرني.

كانت تلك اللحظة فارقة.

شعرت بشيء قاتل في هواء الغرفة، كما لو أنني أدخلت نفسي في متاهة لا مفر منها.

لكنني قررت أن أواجهه، وأن أواصل المسير على درب هذا اللغز المظلم الذي بدأ يظهر لي في شكل شفرات ورسائل مشوهة.

وانطلقت خارج الشقة، وقبل أن أتمكن من النظر إلى الوراء، كان شعور العجلة يسيطر عليّ، كأنني أهرب من شيء يلاحقني في الظلام.

صوت الهاتف كان أكثر وضوحًا الآن، كما لو أنني كنت غارقًا في بحر من الأفكار المقلقة، وتلك المكالمة جاءت لتغرقني أكثر.

كان صوت رئيس مركز الشرطة يأتي هادئًا ولكن حادًا كأبرة تخترق الصمت.

"كاسيان، الجثة تم إرسالها إلى المشرحة، الدكتور هنري ويلسون سيتولى شرحها"

قالها بصوت هادئ، لكنني شعرت بشيء غير مألوف في نبرته.

تذكرت الدكتور هنري ويلسون، ذلك الطبيب الذي عُرف بابتسامة باردة وأسلوب عمله المتأنّي.

كنت دائمًا أظن أنه يفضل التعامل مع القضايا البسيطة، لكن كيف له أن يتولى قضية معقدة كهذه؟

كل شيء بدأ يلتف حولي كخيوط متشابكة، لكنني حاولت التمسك بقدرتي على التفكير.

"هل أنت متأكد؟"

سألته، وأحسست أن الكلمات خرجت مني ثقيلة كأنها تتعلق بكابوس.

"دكتور ويلسون؟"

كانت هناك شيء في هذا لا أستطيع أن أضع أصبعي عليه، شيء يلتوي في العقل كظل غامض.

"نعم، نعم، هو المتخصص في الأمور المتعلقة بالسموم. على الأقل، الجثة الآن بين أيدٍ موهوبة، دعنا نتركه يعمل."

لكنني لم أستطع أن أهدأ.

كنت أستشعر أنه هناك شيء آخر وراء هذا، كان الشعور في معدتي يتفاقم وكأنني أبتلع مزيجًا من القلق والشكوك.

"وأما القضية الأخرى؟"

بدأت أفكر في القضية الثانية، جريمة المستشار القانوني، القضية التي كانت تلوح أمام عيني ككابوس لا يفارقني.

لكن رئيس مركز الشرطة لم يعطني فرصة للاستمرار. قاطعني بصوت حاد، وكأن الكلمات قد خرجت منه كالسيف.

"كاسيان، المحقق آرثر لويس قد تولى القضية الأخرى، وهو يطالب منك أن تراه الآن في مركز الشرطة."

عينيّ ضاقت، وصوت قلبي ارتفع في أذنيّ.

آرثر لويس!

هذا المحقق الذي يعرف كيف ينسج شبكة من التحليلات، شخصيته الحادة كالحجارة، وعقله اللماع الذي لا يترك شيء دون أن يحلل.

كيف دخل هذا الشخص في اللعبة؟

كنت أشعر بالانزعاج والدهشة يلتفان حول عقلي كغيمة ثقيلة.

"آرثر لويس..."

همست بالكلمات وكأنني أرددها لمرة أخرى، كما لو أنها تعني أكثر مما أستطيع تفسيره.

"متى؟"

"الآن، كاسيان. سيّان الأمر إذا كنت مستعدًا أم لا، فهو يريد أن يتحدث معك على الفور. قد يكون لديه أدلة جديدة... أو قد يكون قد لاحظ شيئًا قد يغلق القضية."

كان شعور التوتر يضغط عليّ أكثر، عقلي كان يهرول بين الاحتمالات، بين الحقيقة التي بدأت تفضح نفسها ببطء وبين الألغاز التي بدأت تلتف أكثر فأكثر حولي.

كنت في وضع لا يسمح لي بالتردد، وعندما حاولت أن أقول شيء آخر، اكتشفت أن الخط قد انقطع.

وضعت الهاتف جانبًا، وكان شعور الغضب والحيرة يتصارعان داخلي.

كان آرثر لويس هناك في الظلال، ينتظرني في مركز الشرطة، وأنا لم أكن متأكدًا مما يجب أن أتوقعه.

اتجهت نحو مركز الشرطة، حيث كان الموعد مع مصيري.

كنت أشعر بشيءٍ غريب يتسرب إلى قلبي مع كل خطوة، كما لو أن كل زاوية في المكان كانت تهمس لي بأنني على وشك الوقوع في فخ لا مفر منه.

آرثر لويس...

ذلك المحقق الذي كان اسمه يتردد في الأرجاء مثل طيف مخيف، كأنه أحد شخصيات قصص "أجاثا كريستي"، بطلٌ دائمًا ما يكتشف القاتل في اللحظات الأخيرة، في حين أن الآخرين لا يستطيعون فك اللغز.

يبدو كأنه قد وُلد ليتحكم في مصير الجرائم.

لم تمر جريمة واحدة إلا وظهر آرثر، كالساحر الذي لا تُخطئ يداه في كشف أسرار القتل.

كان دائمًا في المقدمة، وكان تخصصه في اكتشاف القتلة قد منح له سمعة لا تُضاهى.

كأن الغموض كان يستشعره، والسر كان يتدفق له من خلال ضوء خافت.

لكن خلف هذا الظهور الرائع كانت هناك قصة من الألم.

كان رجلًا في الثامنة والثلاثين من عمره، نشأ في عائلة صغيرة في مانشستر، ثم انتقل إلى لندن، حيث بدأ حياته المهنية وارتبط بالمدينة التي كُتبت لها أن تكون مسرحًا لحياته المظلمة.

تزوج هناك، لكن ذلك الحب لم يكن سوى وهم سرعان ما تحطم.

فُقِدت زوجته تحت ظروف غامضة، وكأن الزمن نفسه كان يخبئ لها لغزًا أسود لا يستطيع حله سوى الفناء.

عندما فقد زوجته، تركت الجريمة ندبة عاطفية لا تُمحى من ذاكرته.

حتى الجسد نفسه لم يكن في منأى عن آثار تلك التجربة المريرة.

كانت الندبة التي تمتد من جانب عينه اليسرى إلى أسفل خده، شاهدًا على صراعٍ لم يُنتصر فيه.

الندبة كانت كخيطٍ سميكٍ يمتد عبر حياته، وكأنها جزء من شخصيته، شيء لا يستطيع التخلص منه.

كانت عيناه الرماديتان، باردةً كالصقيع، تعكس نوعًا من الحزن العميق، حزنٍ لا يمكنك رؤيته مباشرة، ولكنه موجود في كل زاوية من ملامحه.

أما شعره البني، فكان دائمًا مرتبًا بطريقة مثالية، كما لو أنه يرفض أن يسمح لأي فوضى بالظهور في حياته.

ملابسه كانت كلاسيكية، غارقة في الجدية، لا تحتمل الخروج عن إطارها، مثلما كانت شخصيته دائمًا مستقيمة، لا تعترف إلا بما هو واضح وصريح.

لكن تحت هذه الهيئة المتقنة، كان هنالك شيء آخر، شيء يغلي في داخله، كأنه حريقٌ لا يُطفأ.

عندما فكرت في آرثر لويس، فكرت في العواصف التي حملها معه، في ملامحه التي كانت دائمًا تحمل جرحًا أعمق مما يظهر.

ربما كان أكثر من مجرد محقق؛ كان رجلًا حمل بين طيات قلبه سرًا، سرًا لن يستطيع أحد أن يكشفه أبدًا إلا هو.

كان الجو في غرفة التحقيق خاليًا من الهدوء المعتاد.

لقد تواجدتُ هناك، أمامه، وجهاً لوجه مع المحقق آرثر لويس، الرجل الذي كان اسمه يتردد كظل في عالم الجريمة الذي أدمنته.

كان من الصعب أن أصدق أنني أخيرًا هنا، في هذه اللحظة التي طالما توقعتها.

لكن رغم ذلك، لم يكن لدي وقت للانغماس في هذه الأفكار؛ فقد كانت الجريمة التي أمامنا أعظم من مجرد لقاء بين شخصين.

"مرحبًا سيد آرثر لويس، تشرفت بلقائك."

كانت كلماتي تنساب ببطء، كما لو أنني كنت أضع حجرًا فوق حجر، باحثًا عن أي نوع من الاستقرار في بحر الجريمة المتلاطم الذي كنت فيه.

ابتسم آرثر ابتسامة خفيفة، تلك الابتسامة التي كانت مليئة بالحذر والتمحيص.

"الشرف لي، سيد كاسيان كارتر."

كانت كلماته تتناغم مع هدوءه المعتاد، كما لو كان عالمه قد أُحيط بالجدران التي لا يمكن اختراقها بسهولة.

لم أكن أستطيع قراءة ما وراء تلك الابتسامة، وكأن كل شيء في هذا الرجل كان محجوبًا خلف قناع لا يتغير.

دخلنا في صمت بضع لحظات، كما لو أن كل شيء بيننا كان محكومًا بالصمت الذي يسبق العاصفة.

كنت أراقب تفاصيله، الشعر البني الأنيق، والعينين الرماديتين اللتين كانتا تخترقان الأجواء بغموض.

ثم استعدت توازني وقلت بنبرة أكثر هدوءًا، محاولًا دفع الحديث في اتجاه ما:

"لم أتوقع لقائك بهذه السرعة، سيد لويس. يبدو أنك تتحرك بسرعة كعادتك."

كانت كلماتي تحمل مزيجًا من الفضول والتقدير، لكنني كنت أدرك في نفسي أنني لا أملك الوقت للإعجاب به.

هذه الجرائم، التي صارت جزءًا من عالمنا الآن، كانت تتطلب تفكيرًا أعمق.

ابتسم قليلاً، لكنه كان ابتسامة لا تكشف شيئًا.

"التحقيقات لا تنتظر، وكل ثانية قد تكون حاسمة. وإن كان لدينا القليل من الوقت، فعلينا أن نستخدمه بحكمة."

فهمت حينها أن هذا الرجل ليس كما يبدو. كان يختصر العالم في كلمات قليلة.

رأيت في تعابيره أن كل شيء بالنسبة له كان متوازنًا، كل جريمة هي مجرد جزء من سلسلة لا تنتهي من الأحداث التي يجب أن تنكشف في الوقت المناسب.

فكرته عن الزمن كانت غريبة، كما لو أن كل ثانية تؤدي إلى لحظة مفصلية.

ثم قلت، محاولًا اجتياح صمت اللحظة:

"ماذا عن القتل الذي وقع في محطة القطار؟ هل تعتقد أن هناك رابطًا بين هذه الحوادث؟"

نظر إليَّ بنظرة عميقة، وكان يقيسني بتلك العينين الرماديتين. لم يُظهر أي رد فعل مبالغ فيه.

"كل شيء ممكن، سيد كاسيان. الجريمة لا تملك أي حدود. قد نكون أمام شيء أكبر مما نتخيله. وربما تكون هذه الحوادث مجرد بداية لشيء أعظم."

كأن الكلمات كانت تتساقط مثل الثلج على سطح البحر الهادئ، لكنها كانت تحمل في داخلها شيئًا مريبًا.

شعرت بشيء غريب في قلبي، شيئًا كأنني كنت أقف على حافة الجرف، وأن المجهول يحيط بي من كل اتجاه.

لكنني حاولت الحفاظ على هدوئي، على الرغم من أن حديثه تركني في حالة من الارتباك، وكأنني كنت في سباق مع الزمن لا أستطيع الفوز فيه.

استمر الصمت بيننا لبرهة، وكأن الكلمات قد نفدت، لكنني كنت أعلم أن هذا الصمت ليس إلا مرحلة من مراحل الكشف.

كانت لدي أسئلة أكثر مما أستطيع أن أقول، وكنت أشعر بأنني على وشك الوصول إلى نقطة حاسمة في التحقيق، لكنني كنت بحاجة لشيء آخر، شيء أكبر من مجرد كلمات.

تقدمت بخطوة إلى الأمام، وكأنني كنت أراقب كل حركة من حركاته، وأحاول استخلاص الحقيقة من وراء تلك العيون الرمادية.

كنت أملك أسئلة كثيرة تتراكم في عقلي ككتلة صخرية، وكلما تأملت في الأمر، ازداد الضغط.

كان أولها عن جريمة قتل المستشار القانوني، تلك الجريمة التي كانت تلقي بظلالها على كل شيء.

سألته، في لهجة متحفظة، ولكن مملوءة بالترقب:

"سيد لويس، ما الذي يمكن أن تخبرني به عن جريمة قتل المستشار القانوني؟ هل هناك أي دلائل يمكن أن تُربط بهذه الجريمة؟ وما هي خلفية هذا الرجل؟ هل كان له أعداء؟"

كان الجواب في نظرته وكلماته شبحًا غير مكتمل. نظر إليَّ قليلاً، وتقاطعت عيناه مع عينيَّ للحظة أطول من المعتاد.

"المستشار القانوني... كان رجلاً ذا سمعة لا تشوبها شائبة. كان يعمل في دوائر قانونية رفيعة، وكان في علاقات جيدة مع العديد من الشخصيات المهمة في المدينة."

أخذ نفسًا عميقًا، ثم استمر:

"لكن وراء هذا كله، كان لديه خصومات قديمة مع بعض الأشخاص، وكان يتمتع بنوع من الحذر الزائد عن الحد. ربما كان ذلك بسبب بعض القضايا التي كانت قد أثرت عليه بشكل شخصي، لكن لا شيء يشير إلى أن هذه الحساسيات قد تصل إلى جريمة قتل."

توقفت عن الكلام لوهلة، لأنني كنت أفكر في ما قاله.

هل كان هناك شيء أكبر من مجرد خصومات؟

أحقًا كان هذا الرجل مجرد ضحية لقضية قديمة؟

أم أن هناك أمرًا آخر يختبئ خلف ملامحه المطمئنة؟

لم أستطع أن أرى ذلك ، لكن ثقتي في آرثر لو تفاصيل لم تُكشف بعد.

سألت آرثر محاولًا استجماع أفكاري.

" كيف كانت طريقة قتل المستشار القانوني إذا ؟ كيف تم العثور عليه ؟"

نظرت إليَّ قليلًا ، ثم قال بصوت هادئ ، لكن كلماتُه كانت تحمل معاني ثقِيلة كما لو كانت تُثقِل الهوَاء من حولِنا.

" في الحقيقة ، المستشار القانوني لم يسمّم ، بل قيّد و عذّب. كانت الجريمة بعيدة عن التقليدية ، لم تكن جريمة عادية ، بل كانت تحمل طابعا من التعذيب الممنهج . تم العثور عليه في غرفة مظلمة مقيّدًا إلى كرسي ، و مع آثار واضحة على جسده تعبّر عن معاناته. ما جعل الأمر أكثر قسوة هو عدم وجود أيّ أدلّة على مقاومته....كما لو كان قد فقد الأمل تمامًا."

توقفت في لحظة ، مفكّرًا في هذه التّفاصيل .

كان هذا نوعًا مختلفًا من القتل ، و كان يحمل شيئًا غامضا ، شيئًا يعكس قسوة النفس البشرية و حساباتها .

لكنني لم أستطع أن هذه الجريمة كانت تتحدث في المدينة.

"هل تعتقد أن لهذه الجريمة علاقة بماضيه؟"

سألته بحذر ، كأنني أتلمس أطراف الطريق وسط الضباب.

أجاب آرثر بعد تفكير طويل.

"ربما ، و لكن الأمر ليس واضحًا. كان هناك بعض الأدلة التي تشير إلى شخص آخر في مكان الجريمة قبل وقوعها بفترة قصيرة. قد يكون هذا الشخص عاد إلى المكان بعد فترة طويلة، ليتخذ من القتل وسيلة لفرض عقلي. لكن، كما تعلم، الأمور ليس دائما كما تبدو في البداية. الألغاز تصبح أكثر تعقيدا كلما خطونا خطوة جديدة."

قلت بصوت منخفض، شعرت به يختلط بالحيرة.

" لكن لماذا التعذيب؟ لماذا كان عليه أن يعاني قبل موته؟"

أجاب بجمود:

"في بعض الأحيان ، يتطلب الأمر تعذيب الضحية لإرسال رسالة أو لتحقيق انتقام شخصي عميق. ربما كان القاتل يريد أن يجعل من هذا القتل أكثر من مجرد موت ، بل كان يريد أن يترك وراءه شعورًا بالنّدم أو حتى الخوف."

كانت كلماته جروح تنفتح أكثر من أن تلتئم، و عيناه لم تكشفا سوى قليل من الشّكوك التي كانت تم رأسه.

كان كلامه كالمطر الذي يهدأ فجأة بعد العاصفة، لكن في داخلي كانت هناك أسئلة أخرى تطفو على السطح.

لماذا لم يستطع هذا الرجل البارع في التحقيقات أن يكتشف القاتل بسرعة؟

أكان هناك شيء غامض في القتل؟

شيء لم يستطع أحد أن يراه؟

"هل هناك أي أدلة قد تشير إلى القاتل؟"

استفسرتُ، وكان الصوت يخرج مني بلهفة، وكأنني كنت أقترب أكثر من الحافة التي سأقف عليها قريبًا.

ردَّ آرثر بهدوء، وهو يراقب كل كلمة بعناية:

"لا شيء قاطع بعد. لكن لدينا بعض المؤشرات التي تشير إلى القاتل، أما الأدلة الدقيقة، فإننا في انتظار نتائج التشريح والتحقيقات المتعمقة. "

بعدما انتهينا من الحديث، توجه آرثر لاستقبال أولئك الذين تعاملوا مع المستشار القانوني في الماضي، يبحث في ملامحهم عن شظايا الحقيقة المدفونة بين سطور أعوامهم.

أما أنا، فبقيتُ أُحاور ذلك الشرطي، صديق ماركوس، متحسسًا الخيوط الرفيعة التي قد تقودني إلى لبّ اللغز.

لم أرد أن يشعر بأنني أحقق معه، بل كنت أحيك أسئلتي كمن ينسج نسيجًا حريريًا، ينساب بلا ضجيج لكنه يخنق ببطء.

كنت أراقب كل ذرة ارتباك، كل ظل تردد في صوته، محاولًا اقتناص الكلمات التي تسقط بين السطور.

مع مرور الدقائق، بدأت ملامح قصة ماركوس تتشكل أمامي، كلوحة قاتمة تُكشَف تفاصيلها ببطء تحت ضوء خافت. لم يكن مجرد رجل عادي، بل كان رجلاً حمل على كتفيه أوزار ماضٍ قاسٍ لم يرحمه.

لقد تيتم وهو لم يتجاوز الخامسة عشرة، فقد والديه في حادث سيارة ألقى به وحيدًا في مهب الريح.

لكنه لم يخرج من ذلك الحادث سالمًا، فقد سرق منه القدر جزءًا من سمعه، كأن الصدمة لم ترد له أن يسمع العالم بوضوح مرة أخرى، أو ربما كان ذلك رحمةً، كي لا يسمع قسوة الحياة التي تخلت عنه بعد ذلك.

عائلته، التي كان يُفترض بها أن تكون له سندًا، رمته كأنه حمل زائد لا يستحق العناء.

لم يرغب أحد في الاحتفاظ به، كأن يتمه كان وصمة عار، أو عبئًا ثقيلًا يخشون حمله.

لكنه لم يُترك تمامًا للضياع، فقد امتدت إليه يد رجل عجوز، غريب عن دمه، لكنه كان أقرب إليه من أهله الذين هجروه.

تبنّاه ذلك العجوز واحتضنه كأنه يرمم شقوق قلبه، منحه ما عجزت عائلته عن منحه إياه، وأصبح لماركوس موطنٌ وسط عالم لم يعترف به.

لكن حتى هذه النعمة لم تدم طويلًا.

حين بلغ الثانية والعشرين، اختُطف ذلك الدفء من حياته فجأة.

مات العجوز في ظروف غامضة، رحل دون وداع، تاركًا ماركوس مرة أخرى في مهب الوحدة.

ومع ذلك، لم يشكك ماركوس في موته، ربما لأنه كان قد اعتاد أن يبتلعه القدر دون تفسير.

ربما ظن أن الموت لا يختار إلا من يحبهم، أو أن العمر كان مجرد ساعة رملية انسكبت آخر ذراتها.

منذ ذلك الحين، عاش ماركوس في الظلال، رجلًا بلا جذور، كأنه شبح يسير بين الناس دون أن يلاحظه أحد.

كان رجلاً يحمل في قلبه أزقة من الأسرار، وفي سمعه الناقص أصداء من الماضي.

والآن، موته لم يكن مجرد نهاية، بل كان مفتاحًا لصندوق لم يُفتح منذ زمن، صندوق يحمل بداخله ألغازًا لم يكن أحدٌ يعلم بوجودها.

عدتُ إلى مكتبي بخطوات مثقلة، كأنما تحمل قدماي أثقال الأفكار التي لا تفارق رأسي.

جلستُ على الكرسي، ألقيتُ برأسي إلى الخلف وأغمضتُ عيني، لكن حتى في ظلمة جفوني، لم أجد راحة.

كل شيء يدور في رأسي كدوامة لا تهدأ، لكن وسط كل ذلك، كانت هناك فكرة واحدة تشدّني إليها كحبل مشدود حول عنقي: إيزيل.

في المرة السابقة، لم تعاتبني على عدم اتصالي بها، لكنها حتمًا لن تفوّت الأمر هذه المرة.

تخيلتُ ملامحها العابسة، حاجبيها المعقودين، وصوتها الذي يحمل نبرة العتاب الممزوجة بالسخرية اللاذعة.

رفعتُ هاتفي مترددًا، لكن قبل أن ألمس الشاشة، فُتح باب مكتبي بعنف كأنما اجتاحه عاصفة، وظهر آرثر عند العتبة، ملامحه غارقة في ظلال الإرهاق، وعيناه الرماديتان تحملان أثقالًا من الأخبار التي لا تبشّر بخير.

تبدو وكأن شبحًا قد زارك،"

قلتُ ساخرًا، بينما ألقيتُ هاتفي على المكتب.

"ما الذي جرى الآن؟"

لم يردّ فورًا. وقف للحظة، وكأن كلماته تحتاج إلى قوة لانتزاعها من حلقه، ثم زفر طويلًا قبل أن يقول بصوت خافت لكن حاد:

"المستشار القانوني... لم يكن نظيفًا كما اعتقدنا."

رفعتُ حاجبًا، مشيرًا له أن يوضّح أكثر. جلسَ على الكرسي المقابل، مسندًا مرفقيه إلى الطاولة، وصوته كان أقرب إلى همس ثقيل:

"عندما استجوبتُ نائبه، بدأ يتلكأ في الإجابة، كأنما يمشي على حبل مشدود فوق هاوية. اضطررتُ إلى دفعه قليلًا، وبعد عدة محاولات، انهار أخيرًا واعترف... المستشار كان متورطًا في عدة فضائح، بعضها كفيلٌ بتدمير أي سمعة قانونية."

"فضائح؟"

كررتُ الكلمة ببطء، كمن يتذوق طعمها المرّ في فمه.

"أي نوع من الفضائح؟ فساد مالي؟ قضايا رشوة؟ أم شيء أسوأ؟"

آرثر أمال رأسه قليلًا، كأنه يفكر كيف يصيغ الجملة بأقل قدر ممكن من الصدمة، لكنه في النهاية قالها بوضوح:

"كل ذلك، وأكثر. الرجل لم يكن مجرد مستشار قانوني، بل كان تاجر أسرار. كان يبيع المعلومات مقابل النفوذ، وكان يمتلك ملفات سوداء عن أشخاص في مراكز حساسة. والأدهى من ذلك..."

توقف لثانية، وكأنه يختبر مدى استعدادي لسماع ما سيقوله، ثم أكمل:

"كان لديه أعداء أكثر مما توقعنا. ليس فقط في عالم السياسة والقانون، بل حتى في الظلال... بين أولئك الذين لا يكتب عنهم التاريخ، ولكنهم يكتبون التاريخ بدم الآخرين."

سحبتُ نفسًا عميقًا، متكئًا بظهري على الكرسي.

هذه القضية كانت تتعقد أكثر مع كل خطوة نخطوها.

إذا كان المستشار القانوني يمتلك هذا الكم من الأعداء، فمن منهم قرر أن يسدل الستار على قصته بهذه الطريقة الوحشية؟

نظرتُ إلى آرثر، الذي كان يحدّق إليّ بعينين تلمعان تحت ضوء المصباح الباهت.

"إذن، لدينا رجل غارق في مستنقع الفضائح، أعداء في كل زاوية، وقاتل لم يترك خلفه سوى الغموض."

ابتسمتُ بسخرية، قبل أن أضيف:

"يبدو أن الليلة ستكون طويلة، يا آرثر."

لم تكد جملتي الأخيرة تتلاشى في الهواء حتى انفتح باب المكتب مرة أخرى، ولكن هذه المرة لم يكن آرثر من يقتحمه، بل رئيس مركز الشرطة بنفسه.

كان يخطو بسرعة، كأن الأرض تحترق تحت قدميه، وملامحه لم تكن مجرد مرآة للقلق، بل كانت لوحة رسمت عليها كل درجات الخوف والتوتر.

في يده كان يحمل ملفًا سميكًا، بدا وكأنه يزن أكثر مما ينبغي، ليس بوزنه الفعلي، بل بثقل ما يحتويه من حقائق قد تغيّر مجرى التحقيق بأكمله.

ألقى نظرة سريعة علينا، ثم أغلق الباب خلفه، وكأن ما سيقوله لا يجب أن يسمعه أحد غيرنا.

"علينا التحدث فورًا."

كان صوته حادًا، جافًا، لا يحمل أي مجال للمماطلة.

تبادلنا أنا وآرثر نظرات سريعة قبل أن أقول:

"يبدو أنك تحمل إلينا أخبارًا لا تبشّر بالخير، رئيس."

وضع الملف على مكتبي، دفعه نحوي بأصابع متوترة، ثم قال بصوت منخفض لكنه ثقيل كرصاصة أطلقت في غرفة مغلقة:

"لدينا مشكلة كبيرة."

مددت يدي إلى الملف، لكن قبل أن أفتحه، تساءلت:

"ماذا الآن؟ هل عثرتم على دليل جديد؟"

هزّ رأسه ببطء، ثم قال:

"بل عثرنا على كارثة."

تقدّم رئيس الشرطة بخطوات ثقيلة، وكأن الأرض تحاول أن تبتلعه قبل أن ينطق بالحقيقة.

رفع الملف في يده كما لو كان يحمل سرًّا أثقل من أن يُقال، ثم زفر ببطء، وصوته ينساب بين التوتر والتحذير:

"سنبدأ بماركوس... لم يُقتل هكذا."

تلاقى بصري مع آرثر، الذي بدا وكأنه قد توقّع شيئًا مظلمًا، لكن ليس بهذا الشكل.

تابع الرئيس، وهو يفتح الملف ويُقلّب الصفحات بحذر كأنها تحمل لعنة ما:

"بعدما سحب الدكتور هنري الدماء من جسده وحلّلها، وجد فيها سُمًّا... ليس أي سُم، بل الداتورا."

عند سماع الاسم، شعرتُ وكأن الغرفة ضاقت فجأة، والجدران تقترب مني شيئًا فشيئًا. الداتورا...

سُم ليس بالسرعة الكافية ليقتل فورًا، لكنه يزحف داخل الجسد ببطء قاتل، يسرق الحياة قطرةً بعد قطرة.

رفعتُ حاجبيّ ببطء، ثم تمتمتُ بصوت هادئ لكنه حاد كالنصل:

"الداتورا، إذن... شخص ما أراد له أن يموت، ولكن ليس دفعةً واحدة، بل بالتدريج... ببطء مؤلم."

ألقى آرثر نظرة حادة نحوي، ثم قال بصوت ثقيل بالكشف الجديد:

"وهذا يعني شيئًا واحدًا فقط... القاتل لم يكن في عجلة من أمره."

رئيس الشرطة أومأ ببطء، وكأن كل كلمة يقولها تُثقل الهواء من حولنا:

"لم تكن جرعة واحدة قاتلة، بل جرعات صغيرة أُعطيت له على فترات، حتى امتلأ جسده بالسُّم وأصبح لا مفرّ من الموت."

تراجع آرثر إلى الخلف قليلًا، يضع يده على ذقنه بتفكير عميق، ثم قال بصوت يشوبه التوتر:

"هذا لم يكن مجرد قتل... كان تعذيبًا زمنيًا. شخص ما أراد أن يرى ماركوس يتلاشى أمام عينيه، أن يُراقب سقوطه البطيء، أن يشعر بلحظات اختناقه الأخيرة دون أن يتمكن من الصراخ طلبًا للمساعدة."

صوتي خرج أكثر هدوءًا مما توقعت، لكنه كان محملًا بالشعور نفسه:

"وهذا يعني أن القاتل كان قريبًا منه... أقرب مما نتخيل. شخص وثق به ماركوس بما يكفي ليتركه يطعمه السُّم دون أن يشكّ للحظة واحدة."

ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن أضيف ببطء، كأنني أفكر بصوتٍ عالٍ:

"السؤال الحقيقي الآن ليس فقط من قتله... بل لماذا اختار أن يعذّبه بدلًا من قتله فورًا؟"

ألقى رئيس الشرطة الملف على الطاولة، فتحه ببطء كما لو كان يخشى أن تنبعث منه رائحة الموت. لم يكن بحاجة إلى كلمات كثيرة؛ الصور التي احتوته كانت تتحدث بلغة الرعب.

انزلقت عيناي إلى أول صورة، وما إن وقعت عليها حتى شعرت بمعدتي تنقبض، وكأنها تحاول التخلّص مما في جوفي من هول المنظر.

"هذا... هذا أشبه بجحيم مرسوم على جسد إنسان!"

تمتمتُ بصوت بالكاد خرج من شفتيّ.

بجانبي، بدا آرثر وكأنه تحوّل إلى تمثال حجري، لا يتحرك ولا ينبس ببنت شفة، لكن عينيه الرماديتين كانتا تحملان عاصفة لا تهدأ .

أما الشرطي الذي كان برفقة الرئيس، فقد كان على بُعد لحظات من فقدان وعيه، إذ رأيته يبتلع ريقه بصعوبة، ويده ترتجف وهو يمسك بحافة الطاولة وكأنها الملاذ الأخير قبل السقوط.

تنهد الرئيس، مسح جبينه المتعرق، ثم قال بصوت منخفض لكنه مشحون بالغضب:

**"المستشار القانوني لم يُقتل... بل عُذّب حتى فقد إنسانيته قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة."

جربت الصورة التالية نحوس ، رغم أن جزءًا منّي كان يرفض رؤية المَزيد، لكنّي كنت بحاجة إلى معرفة كل شيء.

أعضاؤه.....أو ما تبقى منها، كانت ممزقة بطريقة وحشية، كأن القاتل لم يرد فقط قتله، بل أراد أن يترك رسالة محفوة بجسده المشوّه.

شعرت بموجة من الغثيان تجتاحني، فابتعدت عن الطّاولة، أخذت نفسًا عميقًا محاولًا كبح شعوري المتزايد بالإشمئزاز.

"من يرتكب جريمة كهذه لا يبحث فقط عن الانتقام...."

قال آرثر بصوت خافت، لكن نبرته حملت قناعة تامّة.

"هذا شخص يستمتع بالألم، شخص يرى العذاب فنّا، لا مجرّد وسِيلة."

نظرت إلى الرئيس و سألته، محاولًا جميع شَتات أفكارِي وسط هَذه الكارِثة الكبرى:

"هل لدينا أي فكرة عن سبب استهدافه بهذه الطّرِيقة؟ أي تهديدات سابقة؟ أي أعداء معروفون؟"

أغلق الرئيس الملف برفق، كأنه يخشى أن تخرج الصورة منه و تطاردنا جميعًا، ثم قال ببطئ:

"هذا ما سنبحث عنه، لكن دعوني أخبركم بأمر واحد..."

رَفَعَ نظرهُ إلينَا، و عيناه كانت تحملا ظلّا من القلق لم أره عليه من قبل.

"أيًّا من كان فعل هذا.....فهو ليس مجرما عاديا، ابتكر فنّ العذاب و طوّره."

نظر إليَّ آرثر، وهو يعقد ذراعيه بتفكير عميق، ثم قال بصوت هادئ لكنه يحمل في طياته نبرة يقين:

"نحتاج للبحث في شخص متخصص في الورود... ربما يحمل ذلك مفتاحًا لهذه القضية."

لم أحتج للتفكير طويلًا قبل أن أجيبه:

"في هذه الحالة، يمكنني مساعدتك. زوجتي تدير ورشة للعناية بالورود، وهي تعرف كل صغيرة وكبيرة عن هذا المجال."

لكن قبل أن يكمل أحدنا حديثه، انطلق صوت رئيس الشرطة كالسهم المسموم، قاطعنا بسخرية مبطنة، كلماته تقطر استهزاءً وهو يتكئ على الطاولة بلامبالاة مصطنعة:

"لم أتوقع منك، محقق بسمعتك، أن ترتبط بفتاة من مستوى متدنٍ. أنت رجل قانون، وهي... لا شيء، مجرد امرأة تلعب بالزهور!"

تجمدت للحظة، ليس لأنني لم أتوقع مثل هذا الكلام، بل لأنني كنت أحاول كبح النار التي بدأت تتأجج داخلي.

لكنني لم أتركها تشتعل بصمت، بل واجهته بنظرة صلبة، وصوتي حمل من الغضب ما يكفي لإشعال المكان:

"لا تتجرأ على قول هذا!"

تقدمت نحوه خطوة، ثبّتّ عينيّ في عينيه، وقلت بوضوح لم يدع مجالًا للجدال:

"زوجتي ليست مجرد شيء، إنها مهندسة ديكور موهوبة، لكنها رفضت أن تضع نفسها في سباق الوظائف الباردة، وقررت أن تختار ما يسعدها... ما يمنح حياتها معنى. فتحت ورشة الورود لأنها تحبها، لأنها تجد الجمال في تفاصيلها، وليس لأنها لم تجد طريقًا آخر!"

زفرتُ بغضب، نظرت إليه بنظرة ازدراء، قبل أن أضيف بصوت منخفض لكنه قاطع كحد السيف:

"حتى لو لم تكن تعمل في أي شيء، حتى لو قررت فقط أن تعيش حياتها كما تريد، فهذا لا ينقص من قيمتها شيئًا. لكن يا لتفكير المجتمع القذر، الذي لا يرى الإنسان إلا من خلال منصبه أو مهنته، متجاهلًا قلبه وعقله وروحه!"

ساد الصمت للحظات، توترت فيها الأجواء حتى بات الهواء في الغرفة مشحونًا بالكهرباء.

أما آرثر، فظل يراقب بصمت، كعادته، بعينين تحللان كل شيء دون أن تتدخل.

لكن في داخلي، كنت أعرف شيئًا واحدًا... لا أحد، مهما كان، يملك الحق في التقليل من شأن إيزيل.

وضع آرثر يده على كتفي برفق، نظراته كانت تحمل شيئًا من التفهم، لكنها أيضًا حملت ظلًا من ذكريات لم يرد لها أن تعود.

بصوت هادئ، لكنه مشبع بثقل الماضي، قال:

"لا بأس يا كاسيان... أفهمك جيدًا. رأيت فيك شيئًا يذكرني بنفسي، يذكرني بها."

صمت للحظة، وكأن الكلمات كانت تخنقه قبل أن يحررها أخيرًا:

"بزوجتي المتوفاة... لم أرغب يومًا أن يذكرها أحد بسوء، لم أسمح لأحد أن يقلل منها، لأنها كانت كل شيء، لأنها كانت أقوى مما يتخيلون... لأن المرأة، كاسيان، ليست مجرد ظل لرجل، ولا مجرد دور يُفرض عليها. المرأة حياة، المرأة نور يشع حتى في أحلك الليالي، المرأة هي التي تصنع الدفء في عالم بارد كهذا."

تنهد، ونظر بعيدًا للحظات، كأنه يسترجع ماضٍ دفنه الزمن لكنه لم يمت داخله.

ثم عاد بعينيه الرماديتين إليّ، تحملان معنىً أعمق من كلماته:

"من يظن أن قيمتها تكمن فقط في منصب أو وظيفة، لم يعرف يومًا جوهرها الحقيقي... لم يعرف كم من مرة حملت العالم على كتفيها دون أن تشتكي، وكم من مرة نهضت بعد أن أسقطتها الحياة مرارًا. لا تدعهم يسلبون منها ذلك، لا تدعهم يسلبون منها حقيقتها."

شعرت بشيء يضيق في صدري، لم يكن الغضب هذه المرة، بل شيء أكثر هدوءًا... وأكثر عمقًا.

نظرت إليه، إلى الرجل الذي رأى الحقيقة خلف الغبار الذي ينثره المجتمع، وأدركت حينها أننا، بطريقة ما، نفهم بعضنا البعض أكثر مما تخيلت.

ألقيت على الرئيس نظرة كالسيف المسلول، تحذيرٌ صامت لكنه ثقيل بما يكفي ليجمد أي كلمة إضافية في حلقه.

لم أضف شيئًا...

فقط استدرت وغادرت، تاركًا خلفي غرفة مشحونة بأفكار لم أعد أرغب في سماعها.

لكن ما فاجأني حقًا لم يكن صمت الرئيس، بل الضوء المتسلل من زجاج النوافذ... ضوء الصباح.

توقفت لبرهة، أتذكر آخر مرة نظرت فيها إلى الساعة...

السادسة مساءً، عندما اتصلت بإيزيل.

ومنذ تلك اللحظة، انتقلت من موقع الجريمة إلى شقة ماركوس، ثم عدت إلى مركز التحقيق، غارقًا في دوامة من الأسئلة والمفاجآت.

نظرت إلى ساعتي... الثامنة والربع صباحًا.

"أيعقل أن التحقيق قد استنزف مني أكثر من أربع عشرة ساعة؟!"

شعرت بثقل الوقت يتراكم على أكتافي، وكأن عقلي قد كان في سباق ماراثوني دون أن يلاحظ كم قطع من المسافات.

زفرت بتعب واتجهت نحو سيارتي، لكن قبل أن أفتح الباب، اخترق صوت مألوف تفكيري:

"كاسيان!"

التفت، لأجد آرثر يقترب مني بخطوات ثابتة، بملامح أقل إنهاكًا مما توقعت.

ابتسم ابتسامة خفيفة وقال بنبرة تجمع بين الجد والمزاح:

"قبل أن ترحل... ما رأيك أن نشرب قهوة الصباح معًا؟ يبدو أن عقلك قد بدأ يطالب ببعض الراحة."

رفعت حاجبي، لكنه أكمل قبل أن أجيبه:

"كما تعلم... القهوة ليست مجرد مشروب. إنها وقفة بين فوضى الحياة، لحظة من التأمل وسط زحام الأفكار. جرعة من المرارة اللذيذة التي تجعلنا نتحمل طعم الواقع دون أن نفقد توازننا."

تأملت كلماته للحظة، ثم تنهدت مستسلِمًا:

"بالتأكيد... هيا، أعرف مقهى هنا قريب، قهوته وحدها كفيلة بإيقاظ الموتى من سباتهم."

ضحك آرثر بصوت خافت، وسرنا معًا نحو المقهى، حيث كان ينتظرنا صباح طويل...

ومزيد من الأسرار.

توجهنا إلى المقهى بخطوات بطيئة، وكأن تعب الليل الطويل لا يزال عالقًا بأجسادنا.

كان الصباح قد بدأ ينسج خيوطه الذهبية على أرصفة مانشستر، فيما الهواء البارد يلفح وجوهنا برقة، كمن يهمس لنا أن نأخذ لحظة للراحة قبل أن نعود إلى دوامة التحقيق.

لكن ما إن دخلنا المقهى حتى توقفت أنفاسي للحظة، وكأن الزمن قرر أن يبعثر أوراقه أمامي.

هناك، في زاوية بعيدة بجوار النافذة، كانت كلورا روسو بلحمها و شحمها تجلس هناك بهدوء، كما لو أنها تنتظر قدومنا منذ زمن.

نظراتها لم تكن مجرد نظرات عابرة...

كانت عميقة، مترقبة، وكأنها تحمل في طياتها سرًا لم يُفصح عنه بعد. كوب القهوة أمامها كان لا يزال ساخنًا، لكن أصابعها لم تلامسه، وكأنها كانت منشغلة بشيء آخر...

بشيء أكثر أهمية من مجرد مشروب صباحي.

نظرت إلى آرثر، فوجدته قد لاحظ وجودها هو الآخر.

تبادلنا نظرات سريعة، قبل أن نتقدم نحوها بخطوات حذرة، تمامًا كما يتقدم المحقق نحو قطعة مفقودة من لغز معقد.

اكتفى آرثر بإلقاء التحية، بينما جلست أنا بهدوء، وكأن هناك ورقة غير مرئية ملصقة على جبيني تقول بوضوح:

"ماذا تفعلين هنا؟".

ابتسم آرثر بخفة، وقال بنبرة مطمئنة:

"لا تقلق، أنا من طلب منها القدوم... فكر في الأمر كأنه اجتماع غير رسمي للمحققين."

لم أعلق، بل اكتفيت بتأمل كلورا التي بدت مرتاحة على غير العادة، وكأنها في موطنها وسط فوضى القضايا والتكهنات.

بدأ الحديث يأخذ مجراه بيننا، تحليل بعد آخر، استنتاج يجر استنتاجًا، حتى وجدت نفسي متفاجئًا حين نطقت كلورا بجملتها التالية:

"بالمناسبة، قضية رئيس البلدية؟ أغلقتها."

رفعت حاجبي بدهشة، بينما تابعت حديثها بنبرة محايدة، كمن يسرد خبرًا عابرًا في صحيفة الصباح:

"لم أجد أي أثر يشير إلى وجود قاتل. صحيح أن جسده كان يحمل علامات، لكن لا شيء يدل على يد غريبة امتدت إليه. قد يكون ببساطة رجلاً يعاني من اضطراب نفسي، يعذب نفسه بنفسه. زوجته أكدت لي ذلك... قالت إنه كان يحرق جلده كلما شعر بالغضب، وكان يُلقي بالأشياء في أنحاء المنزل كعاصفة لا تهدأ. لا أستبعد أنه قرر إنهاء حياته بعد أن أيقن أنه دمر سمعته بالكامل، وأن سكان الحي لن يغفروا له أفعاله الشنيعة. ربما، في لحظة يأس مطلق، أدرك أنه مجرد حثالة... سارق... بخيل، لا أكثر."

تركت كلماتها صمتًا ثقيلاً بيننا، قبل أن أرفع عيني إليها وأرد ببرود مدروس:

"كلورا، أنتِ قلتِ: 'ربما'..."

نظرت إلي متسائلة، فتابعت بصوت أكثر حدة، كأنني أضرب على وتر مشدود:

"ماذا عن العشرة بالمئة المتبقية؟ أين ذهبت؟ أنتِ لستِ متأكدة، أليس كذلك؟"

لم تجب على الفور، بل صمتت للحظة، وكأنها تزن كلماتي في عقلها قبل أن تختار الرد المناسب.

تجاهلت كلورا سؤالي، وكأنني لم أتحدث مطلقًا. كانت عنيدة، كما هي عادة أبناء وطنها.

لوهلة، تساءلت إذا كان هذا العناد هو جزء من جيناتهم، فكلما شككت في جنسيتها، كان ثباتها يزيد ويكبر، ليصبح ردها حائطًا صلدًا لا يمكن اختراقه.

همست في نفسي، وكأن الكلمات خرجت دون استئذان:

"عنيدة مثل أبناء بلدك..."

لكن ما إن خرجت الكلمات من فمي، حتى كانت الردود قد بدأت تتشكل على شفتيها، وهي ترفع عينيها نحوي، كأنها تلتقط كل حرف سقط من فمي وتعيد صياغته بنظرتها المتحدية:

"وما خطب الروس؟"

قالت ذلك بلهجة تحمل عبق وطنها، ثم تابعت، كأنها تغزل قصيدتها في الوقت نفسه:

"ألم تسمع أبدًا بأن الروسيين يمتلكون روحًا لا تهزم؟ نعيش بين الحروب والعواصف كما الرياح القوية، نواجه المصاعب بكل شجاعة، ولكننا لا نتراجع أبدًا. أما عن الروسيات، فهن كالزهور التي تنمو في الجليد، قد لا تلمحهن في البداية، لكن قوتهن في صلابتهن. نحن لا نحتاج إلى أن يُفهمنا أحد، لأننا نعرف جيدًا من نحن وما نريد."

كلماتها كانت كالرصاص، تقصف الصمت وتخترق كل ما حولها.

لوهلة، شعرت بالندم على ما قلته، كأنني قد اقتربت من أسطورة لم يكن ينبغي لي الاقتراب منها.

"رغم أنني أعيش في قلب إنجلترا، إلا أنني أحمل في داخلي بقايا من وطن آخر. جزء مني فرنسي، كأنني عشت في باريس يومًا ما، واحتسيت قهوتي في مقاهيها الهادئة، وتنفست هواءها الذي يشبع الذكريات."

بل إنني لا أستطيع أن أكون بعيدًا عن ذلك اللمس الفرنسي الذي يتسلل إلي كلما ذكرت إيزيل.

هي، ببساطة، القطعة التي تكمّلني.

تفاجأ آرثر وقال، وكأنه اكتشف خريطة جديدة في عالمنا المزدحم:

"إذاً، كاسيان، لم أتوقع أن تكون فرنسيًا. ملامحك وشامتك تدلان أكثر على أنك إنجليزي."

ابتسمت بهدوء، وأنا أجيب:

"لا، زوجتي فرنسية، إيزيل دوبوا. هي قطعة مني، مثل قطعة أرض أحبها، أو وردة نبتت في أرضي. لا أستطيع أن أتصور حياتي دون تلك الروح التي تعيش في داخلي. هي ليست مجرد امرأة، هي جزء من كل زاوية في كياني."

كانت الكلمات كأمواج البحر تخرج من فمي، حاملةً معها الدفء والتفاصيل التي لا أستطيع إخفاءها.

إيزيل بالنسبة لي أكثر من مجرد شريكة، هي الجسر بين ماضٍ وحاضر، بين بلدين روحيين جمعتني بهما الأقدار.

أطلقت كلورا ردًّا سريعًا فقط بتشه، وكأنها قد التقطت ما بين السطور، لكنني شعرت بارتجاف داخلي، كأن الغيرة قد بدأ ينبثق من أعماقها مثل دخان كثيف.

هل هي غيرة؟

أم مجرد شعور لم تجرؤ على الاعتراف به؟

"يا لها من روسية."

همست، وكأن الكلمات كانت تحمل بين طياتها سخرية، لكنها كانت تشبه شعلة صغيرة تنمو في عيونها.

نظرت إلى آرثر، فوجدت أن ابتسامته بدأت تخرج عن السيطرة، وعينيه تتراقصان بالضحك المكتوم.

كان وكأن قلادة من السخرية تتأرجح بين شفتيه، وعلى وشك الانفجار.

تلك اللحظة التي كان فيها آرثر يحاول كبح ضحكته، كمن يحاول جاهداً إخفاء بركان من الهمسات.

كانت ملامحه تكاد تنفجر.

هممت بالمغادرة، كانت خطواتي الثقيلة كأنما الأرض نفسها تسحبني إلى الأسفل.

ودعتهم بصوت منخفض، أشبه بنسيم باهت يغادر حافة السماء، ولكن قبل أن أستدير وأغادر، شعرت بشيء غريب في جيبي.

كان آرثر قد أودع ورقة هناك، وكأنه يهمس في أذني ليقول:

"اقرأها بعيدًا عن الجميع."

كانت الورقة في يدي وكأنها شعلة صغيرة تنبض بالحياة، وأنا لا أستطيع تجاهلها.

خرجت من المقهى، وجدت سيارتي تنتظرني في انتظار ذلك الهاجس الغامض.

فتحت الورقة، وبمجرد أن عيني سقطت على الخطوط والنقاط، عرفت ما هو... إنها شفرة مورس!

شعرت كأن قلبي قد سقط في بطني، مثل حجر ضخم يسحبني إلى قاع بئر مظلم.

دوار أصابني، واهتزت الأرض تحت قدمي.

بدأت أرى الخطوط تتراقص أمامي كظلال تشوه الواقع من كثرة رؤيتي لهذه الشفرات هذه الأيام.

ندمت، ندمت بشدة.

"لماذا اخترت هذا الطريق؟"

همست في نفسي.

هل كانت تلك هي الحقيقة الوحيدة التي أفهمها؟ ندمت لأنني محقق، وأصبحت حياتي مليئة بالألغاز المعقدة والرموز المشوشة.

أصبحت أفكر في أخذ إجازة أبدية، مثل مصاصي الدماء الذين ينامون في قبورهم لعصور، خالدين في صمت أبدي. يا إلهي!

ماذا فعلت بنفسي؟

هل سيكون هذا مصيري؟

أصبحت أتخيل نفسي راعي أغنام، شخص أبسط، لا يتطلب منه التفكير في ألغاز معقدة أو محاولة فك شيفرات.

حتى رعاة الأغنام أفضل مني في هذا، على الأقل لا يضطرون إلى أن يتقمصوا شخصيات مثل "المحقق كونان"، ولا يعانون من تفلسف لا معنى له.

.... . .-.. .-.. --- / --..-- / -.-- --- ..- / --. .. ...- . ...-.-. / .--. .. .-.-.- / -... . - .-- . . -. / - .... . .... -- .- ...-.- ... . .-.-.- / .-.. .- / --- .-. . / -... --- -.-. --- .-.. .-. - / . -.-. .- --. . -.. --..-- / -... ..- - / --. . - / . -.-. .... --- / --- .--. . -. . -.. / - .... --- / ... --- .-. .-.-.- / - .... . / .-- .. -....- .-.-.- / .-. . .-.. --- .-. .-.-.- / ....- --- .-. . .-.-.- / - --- - .... / -... .-.. --- --- -.- / --- -. .-.. -.-- --..-- / --. . .-..- --- -- / .- .- .-.. -.- / -.-.-.- / .-. . -.-. -.-. . .--. -.-. - .. --- -. .-.-.- / -.. . ... . .-. ...- .-.-.- / .. - / .... .. -. -.-. .-.. ..-. .-.. --- -.- ... / .- .--. --- .-.. .-.-.- / . -.-.-.- ---. / -... ..- - / .- --.. -..- .-.-.-

قدت السيارة وكأن عقلي قد ركبها قبل جسدي، كل تفكيري يطير خلف إيزيل.

شعرت بأنني عالق في دوامة لا تنتهي من الأفكار، تتراقص في عقلي مثل أوراق شجرة في عاصفة.

كنت متأكدًا أن اليوم سيكون يومًا حافلًا بالانفجارات، يومًا ستنفجر فيه مشاعرها وتفرغ غضبها فيَّ كالعاصفة التي تجتاح الأرض بلا رحمة.

كنت على وشك مواجهة لحظة تكاد تبتلعني، أظن أنني سأغرق في بحر من الانتقادات واللوم، حتى أنني شعرت أنني سأغرق في وحل من الإحراج والهزيمة.

وصلت إلى المنزل، لكني لم أستطع أن أدفع نفسي نحو الباب.

جلست في الحديقة، جسدي غارق في سكون الارجوحة، بينما عقلي كان يتأرجح في دوامة من الأفكار.

كيف سأدخل؟

كيف سأواجه تلك العيون التي لا تغيب عني، كأنها مرآة تفضح كل سر وكل عذر؟

تساءلت، هل سيصدق قلبي قبل لسانه ما سأقوله؟

حاولت أن أختلق عذرًا، لكن الكذب مع إيزيل أشبه بأن يكون شعاعًا يمر من خلال زجاج مكسور؛ لا يمكنه أن يظل مخفيًا، بل يفضح نفسه بسرعة كآلية كشف كذب لا تترك مجالًا للتهرب.

مرت ساعة وأنا جالس على الأرجوحة، غارق في أفكاري، عاصفة من التساؤلات والتوقعات تدور في رأسي.

وفجأة، اختلط الهواء برائحة عطر غريب، عطرٌ أنيق ودافئ، يحمل في طياته سراً يبعث على التوتر.

لم يكن هذا العطر إلا عطر "كنز وردة منتصف الليل"، الذي تعرفته على الفور.

كان عبيرها، بل كانت هي.

أدركت في تلك اللحظة أن إيزيل تقف خلفي، كأنها سراب يتسلل بين الأجواء.

كدت أن أصرخ من الفزع، شعرت بشيء غريب يجتاحني، وكأنني استيقظت من حلم غير متوقع.

كانت هناك، ورائها ذلك الظل الخفيف، قد تعمدت أن تجعلني أسمع خطواتها المتباطئة قبل أن تظهر أمامي، كانت تعرف كيف تجعلني في حيرة، وكأنها تجيد اللعب بعواطفي بحرفية شديدة.

تلك اللحظة، تلك الهمسات التي كانت تسبق ظهورها، جعلتني أشعر كأنني في اختبار لم أكن مستعداً له.

.

.

.

.

.

.

بعدما اتصل بي كاسيان، عرفت أنه سيحدث لي ما حدث في المرة الماضية.

لن يتصل بي حتى يستوعب الأمر كما لو كان طفلاً في الخامسة من عمره، محاطاً بمشاعر متقلبة، مستاءً ومشتتاً.

لكن جريمتان... أليس هذا كثيراً؟

اتصلت بإلينور، كي أشاركها ما يجول في خاطري.

كانت مواقفي في تلك اللحظة كمن يسير على حافة الهاوية، كانت كلماتها عزاءً، ولكنها لم تعني شيئاً حقيقياً لي.

جلست في صمت، محاطة بأفكاري، وبدأت أجد نفسي أبحث عن إجابات.

توجهت إلى المنزل، يعتصرني التعب كفكي قيد مغلق، أفكار كاسيان أثقلت صدري.

كان من الأفضل أن لا أتصل به،

لا،

هذا لا يعني أنني سأظل صامتة.

لا، سأنتظره.

لا...

لن انتظره.

سأنتظره،

لن انتظره،

كلمات تتصادم داخل عقلي كأمواج بحر غاضب، كل واحدة تدفعني في اتجاه آخر، حتى انتهيت إلى قرار حاسم: لن انتظره.

نعم، إذا لم يتصل هذه المرة، سيعلم جيداً كم أنا أثمن. أفكر في ذلك، وأشعر بحرقة في صدري كأشواك وردة. وأقسم، إذا لم يتصل، سأريه ما جنيته من قسوة الانتظار، وسأبث له شتائمي بلغة لا يفهمها سوى من يحمل قلباً مكسوراً، وسأغرقه في بحر من الكلمات التي تدميه كما فعل هو.

لم أكن أريد أن أقول هذا، لكن قلبي يغلي، ونفسي بدأت تنفجر كبركان لم يعد يقدر على التحمل.

غفوت، بل نمت نصف نوم، لا أعرف كيف أصفه، كأنني كنت عائمة بين اليقظة والأحلام، أتساءل عن ما سيحدث في اللحظة التالية.

استيقظت عند السابعة صباحاً، شربت قهوتي كعادة المهووسين بالروتين، استحممت، محاولاً غسل أفكاري، ثم توجهت إلى ورشتي. خطواتي كانت ثقيلة، قلبي مغلق على تعلقي به.

كاسيان شارز...

ذلك اللعين لم يتصل بي، ولم يكن هناك مجال للغفران.

دخلت الورشة، ورائحة الورود التي تملأ المكان كانت تهمس لي بحلم جديد.

أشتقت له، وكأن زهور الورود تحمل أمل الحياة المتجدد في كل بتلة.

بدأت أرتب وأقص الورود، بينما همسات الأوراق كانت تملأ المكان...

حتى سمعت صوت الباب ينفتح.

ظننت في البداية أنه أحد الزبائن، لكني اكتشفت أنه شيء مختلف تماماً، شيء لم أكن مستعدة له.

دخل شخص إلى الورشة كأنه طيف من الماضي، حدقتيه العسلية تتألق بنظرة غامضة، وشعره الأسود الذي يلتف حول رأسه بخصلات بيضاء تضفي عليه هالة من الغموض، وكأن الزمن قد منح هذا الرجل ملامح كاسيان، لكن بُعداً آخر.

كان يشبهه بشكل مخيف، وكأن قلبه يحمل نفس السر الذي حمله كاسيان، لكنه مرتدٍ في جسد غريب.

توقف أمامي، نظراته تعبر عن شيء غير مألوف، ثم نطق بصوته المبحوح كأنه يحاول نزع صمت السكون:

"مرحباً يا زوجة أخي، ألم تعرفيني؟ أنا أخوه العزيز، ناثان."

كأن الكلمات خرجت من فمه كالماء المتساقط من شلال، محمّلة بحمولة ثقيلة من المعاني والذكريات الغامضة.

لم أستطع أن أخفي دهشتي.

كان يقف أمامي كظلال الماضي، بينما كنت أبحث في عينيه عن جواب لسؤال لا أستطيع الإجابة عليه.

هل هو حقاً ما قاله؟

أم أن كل شيء هنا مجرد وهْم تخلقته أفكارنا المشوشة؟

.

.

.

.

لم يستدر كاسيان ليواجهني كما يجب، حتى لو ركلت مؤخرته لأسقطه عن الأرجوحة، شعرت بمرارة في قلبي كأنني تزوجت من حثالة، ذلك الشيء الذي لا يعرف كيف يقدّرني.

بالفرنسية همست.

"J'ai épousé une ordure."

أمسك بي بنظراته كالممثل المحترف، عينيه تقدمان عرضًا طويلًا، يتقنان كل تفاصيل التمثيل ولكن لا شيء يكسر الصمت بيننا.

"النظر إلي هكذا لن يجعلني أغفر لك، كاسيان!"

كان الرد جافًا بقدر صمته، لكنه أضاف بصوت منخفض وكأن لسانه يعجز عن قوله:

"بحقك إيزيل!"

إجابته كانت كالعاصفة التي لا تهدأ.

"أبدًا، كاسيان، لن أغفر لك بعد كل هذا!"

كنت على حافة الهاوية، وعنادنا معًا يزيد من عمق الفجوة بيننا.

"أنا فقط متعب وأنتِ تزيدين النار حدة بعنادك!"

قالها، ولكن لهجته كانت غارقة في الضعف، وكأن الكلمات نفسها صارت ثقيلة على لسانه.

شرح لي كل شيء، غمرني بتفاصيل الأحداث البشعة التي مر بها، حتى أنني شعرت بالغثيان يتسرب إلى داخلي، كأن كل كلمة تكشف عن جرح أعمق في روحي.

ومع ذلك، كان هناك شيء يعلق في داخلي، شعور متذبذب بين العطف والغضب، وكأنني أمشي على حافة هاوية دون أن أعرف ما إذا كنت سأسقط أم سأقف.

"دعني أفكر، كاسيان، فقط دعني أفكر إن كنت سأغفر لك"

همست بها، وكأنها صرخة مكتومة في داخلي، صراع لا ينتهي بين ما كان وما سيكون.

ثم، دون أن يرف له جفن، قال بنبرة ثقيلة، مملوءة بالمرارة:

"وأصلاً، كيف رأيتني؟"

كنت و كأنني يروي قصتي في مسرحية، في مشهد طويل، وكأنه كان في صمت محض، يراقب كل حركة، كل لفظة.

"رأيتك من خلال نافذة الزجاجية لغرفة الجلوس، جالسًا على الأرجوحة، ملامحك لا تبرح مكانها، مشوشة، متوترة، كما لو كنتَ عالقًا في دوامة من القلق، وكأنك شخص بائس، ليس أكثر من تمثيل بارع، لكنك كاذب وساخر في النهاية."

كانت كلماتي تتناثر في عقله كأنها رياح عاتية تحطم كل شيء أمامها، لا يستطيع الهروب منها، ولا يستطيع مقاومتها.

كان هناك ضيف غير متوقع، كلماتِ المتفجرة تركت في الهواء أثراً من الصدمة، كأنها صاعقة رعدية حطمت صمت الصباح.

من النادر أن نرى ضيفًا في هذا الوقت المبكر، وبالتأكيد لا أحد يجرؤ على الاقتراب إلا إذا كان هناك شيء استثنائي.

لم يسأل عن التفاصيل، بل انطلقت خطواته نحو المنزل بسرعة كأنما كان يحمل ثقل يوم كامل في قلبه. لم يتوقف، لم يتأمل في المكان، كانت نبراته تشير إلى أن هناك ما يشتعل في داخله.

ثم، حدث ما لم أتوقعه.

وقف الضيف أمام الباب، وكان الظل الذي يلوح في الأفق كقصة قديمة تنبئ بأن هناك روابط غير مرئية بيننا.

همس بصوت متحشرج، صدى الكلمات تخرج منه كما لو كانت خائفة:

"أخي؟"

أما الآخر، الذي كان واقفًا مقابلاً له، فقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة ماكرة، وكأنها توشحت بطابع من الغموض.

كانت ابتسامته أقوى من أي كلمة يمكن أن تُقال، مليئة بالذكريات غير المُعلنة والأسرار التي تتنقل بين العيون أكثر مما تنطق به الألسنة.

كنت أعلم، أن كل شيء قد تغير للتو.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ظلال الداتورا

المؤلف Zed
2025/08/09 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة