كل شيء من حولي كان مظلمًا...
ظلامًا ليس كأي ظلام، بل كأنه كائن حي يلتهم الأفق، يبتلع الهواء، ويزرع الصمت الثقيل في أذني.
لا أعرف كيف وصلت إلى هنا، إلى هذا الحقل الغريب حيث تمتد زهور الداتورا البيضاء إلى ما لا نهاية، كجيش صامت يُحيط بي من كل جانب.
كان عبقها خانقًا، ثقيلًا كأنفاس الموت، يغمرني وكأنه يحاول شلّ حركتي.
خطوات ثقيلة تقطع الصمت، لكنها ليست خطواتي.
شعرت بها أولاً في الأرض، كارتجاف طفيف، ثم سمعت وقعها، بعيدة لكنها تقترب.
حاولت أن أتحرك، لكن قدماي كانتا عالقتين في الأرض، جذور الزهور تحاصرني، تلتف حول كاحلي كقيود غير مرئية.
"إيزيل..."
صوت عميق، أجوف، تسلّل إلى أذني.
التفتُّ بسرعة، لكنني لم أرَ شيئًا سوى الزهور البيضاء التي بدأت تتغير ببطء.
بتلاتها الناعمة تحولت إلى شيء يشبه الجلد الملطخ بالدماء، لونها الأبيض تلطخ بحمرة داكنة تنساب منها قطرات ثقيلة، وكأن الأرض نفسها تنزف.
حاولت أن أصرخ، لكن صوتي كان عالقًا في حلقي، كأنه خانني.
و وسط هذا الصمت المقيت، شعرت به... الوحش.
لم أره بوضوح، لكنه كان هناك. ظله طويل، مشوه، يتراقص فوق الزهور الملطخة.
شعرت به قبل أن أراه. ثقله في الهواء، أنفاسه الحارقة التي لامست عنقي كلسعة نار خفية.
ركضت.
لا أعرف كيف تمكنت من التحرر، لكنني ركضت بكل قوتي.
الزهور تنثني تحت قدمي كأنها تسحبني للخلف، تحاول أن تمنعني، لكنني واصلت الركض.
الأرض تحت قدمي لم تكن مستقرة، وكأنها تنبض هي الأخرى، تتحرك معي وضدي في آنٍ واحد.
"لن تهربي..."
صوته كان أقرب الآن، كأنه ينمو من داخلي.
شعرت بيده تمتد نحو كتفي، أصابعه مثل مخالب باردة. التفتُّ برعب، ولم أرَ إلا عينين، عينين مشتعلتين كجمرتين تحدقان بي من الظلام.
حاولت أن أبتعد، لكنني تعثرت.
سقطت على الأرض، يداي تغوصان في الوحل الأحمر الذي امتلأت به الزهور.
حاولت أن أرفع نفسي، لكن الأرض كانت زلقة، تخونني في كل مرة. الزهور من حولي كانت تهمس الآن، أصواتها ناعمة لكنها قاتلة، وكأنها تسخر مني:
"لن تنجحي... لن تنجحي..."
رفعت عيني مجددًا، وكان هناك.
الوحش. قوامه الضخم يغطي السماء، وكأن الظلام كله قد تجسد فيه.
في يده وردة داتورا سوداء، ببتلاتها التي تشبه أجنحة الخفافيش، مدها نحوي كأنها دعوة للموت.
حاولت أن أصرخ، لكن صوتي ظل خائنًا.
لم يكن هناك من يسمعني. كنت وحدي.
الأرض تحت قدمي بدأت تنهار. لم تعد هناك زهور، فقط فراغ أسود يمتد إلى ما لا نهاية.
بدأت أسقط.
شعرت ببرودة الفراغ تخترق جلدي، وأصداء الوحش تملأ أذني:
"لن تهربي، إيزيل... لن تهربي أبدًا."
ثم فجأة، وجدت نفسي جالسة في سريري، أنفاسي لاهثة، وقلبي يضرب صدري وكأنه يريد الخروج.
الغرفة كانت مظلمة، لكنها لم تكن ظلام الحقل. لم يكن هناك وحش. لكنني كنت أعرف الحقيقة...
الوحش لم يكن حلمًا.
كان انتظارًا.
.
.
.
.
استيقظت على صرخة ملأت الغرفة، لم أدرك في البداية أنها صرختي. كان صوتي حادًا، مجروحًا، كأنه ارتد صدىً من أعماق كابوسي ليحطم الصمت من حولي.
جلدي كان ملتصقًا بالملاءات المبللة من عرقي، كأنني خرجت للتو من معركة ضد كائن لا يُرى.
حاولت التقاط أنفاسي، لكنها كانت تتسارع كأمواج عاتية تضرب صخورًا مهشمة.
الدموع غمرت عيني، لم أكن أرى سوى خيوط من الضوء الخافت تتراقص أمامي، وكأنها أطياف باقية من الحلم.
يداي كانت ترتجفان بشكل لا إرادي، وكأن أصابع الوحش لا تزال تترك أثرها على جلدي.
قبل أن أستوعب، اندفع الباب بعنف، وظهر كاسيان في الغرفة، وجهه يحمل مزيجًا من القلق والرعب.
كان شعره مشعثًا وعيونه تبحث في أرجاء المكان، كأنه يتوقع رؤية عدو مختبئ في الزوايا المظلمة.
"إيزيل! ما الذي حدث؟!"
صوته كان عميقًا، لكنه حمل نغمة من الحنان والقلق الذي لم أستطع مواجهته.
لم أجب فورًا.
كان حلقي جافًا، كأنه محاصر بغبار الحلم الذي ترك أثره في أعماقي. جلست على حافة السرير، أحاول أن أستعيد توازني، لكن ساقيّ كانتا خائنتين، ترتجفان كما لو أنهما تحملان وزني لأول مرة.
اقترب كاسيان وجثا أمامي، يديه القويتين تمسكان بيدي المرتعشتين برفق، كأنه يحاول أن يزرع الثبات في داخلي.
"إيزيل، تحدثي إليّ. ما الذي رأيته؟"
كانت عيناه مليئتين بقلق يقطع نياط قلبي، لكن الكلمات كانت ثقيلة جدًا، مقيدة بسلاسل الخوف.
أجبرت شفتي المرتعشتين على النطق:
"مجرد... كابوس، كاسيان. لا شيء أكثر."
لكنني كنت أعرف أن هذه ليست الحقيقة.
شعرت بها في أنفاسي المتقطعة، في العرق الذي ما زال ينساب كأنه يحاول غسل أثر الحلم عن جسدي، وفي الدموع التي لم أستطع منعها من الانهمار.
حاول أن يحتضنني، يديه تلفان كتفيّ وكأنه يبني حصنًا حولي، لكنني انسحبت برفق.
"أنا بخير،"
قلتها بصوت حاولت جعله ثابتًا، لكنه كان أشبه بشظايا زجاج تتناثر في الهواء.
رأيت الحيرة في عينيه، لكنه لم يضغط عليّ.
"أنا هنا، إيزيل. مهما كان ما رأيته، أنا هنا."
أومأت برأسي، لكن في داخلي، كنت أعلم أن الوحش لا يزال يراقبني من ظلال الحلم، ينتظر لحظة الضعف القادمة.
كلماته انزلقت إلى أعماقي كما ينزلق الماء فوق صخرة عطشى، لكنها لم تطفئ النيران المشتعلة داخلي.
صوته كان هادئًا، عميقًا، كأن كل حرف ينطق به يحمل وعدًا بالحماية.
نظراته، تلك العيون التي لطالما كانت ملاذي، تأملتني وكأنها تبحث عن صدع أعمق مما أسمح له برؤيته.
"لا بأس، إيزيل، لا تقلقي. إنه مجرد كابوس عابر."
لكن هل كان عابرًا حقًا؟
تلك المشاهد المظلمة، تلك اليد التي امتدت نحوي، ما زالت عالقة في ذاكرتي كوشم لا يُمحى.
حاولت أن أبتلع ريقي، لكن الكلمات كانت عالقة في حلقي، كأنها أشواك تخشى أن ترى النور.
جلس كاسيان بجواري، يده تربت بلطف على كتفي كأنها تقول لي: أنا هنا.
لن أتركك وحدك مع هذا الظلام.
تابع بصوته الدافئ:
"لا بأس إن لم تخبريني الآن، إيزيل. لكن إن كنتِ قلقة، أو كاتمة أمرًا ما، تذكري أنني بئرك، بئر يمكنكِ أن تفرغي فيه كل مائك."
كانت كلماته كنسيم عليل، لكنها دفعتني أيضًا لمواجهة خوفي.
كيف يمكنني أن أخبره أن الظلال التي تطاردني ليست مجرد أوهام؟
كيف أشرح له أنني أخشى أن أغرق، ليس في الحلم فقط، بل في حقيقة لا أجرؤ على مواجهتها؟
"لا تقلقي،"
قال بصوت أكثر نعومة، وعيناه تغمرانني بطمأنينة لم أكن أعلم أنني بحاجة إليها،
"لن تغرقي في بحيرة ظلال."
كانت كلماته مثل طوق نجاة أُلقي لي وأنا أطفو على حافة الغرق. ابتلعت خوفي للحظة، وحاولت أن أرسم ابتسامة باهتة على شفتي، لكن قلبي كان مثقلاً بعبء أكبر من أن يزول بهذه السهولة.
أومأت بصمت، وعيني تهربان إلى أي زاوية في الغرفة بعيدًا عن نظراته الثابتة.
أردت أن أصدقه، أن أجد في كلماته خلاصًا، لكن في داخلي، كنت أشعر بأن بحيرة الظلال أعمق مما يبدو، وأن الوحش الذي يراقبني لم ينتهِ من مطاردته بعد.
كاسيان لم يكتفِ بطمأنتي بالكلمات، بل كان لديه دائمًا طريقة لتحويل شعوره إلى أفعال.
عندما رفع عينيه عني، قال بصوت هادئ، يحمل نبرة خجل طفيفة:
"إيزيل... حضرت الفطور."
رفعت رأسي ببطء، بين الدموع التي كانت بالكاد قد جفت على خدي، والتوتر الذي لا يزال يحاصرني.
الكلمات بدت غريبة على لسانه، كأنه كان يبحث عن مخرج من صمتي.
"حضرت الفطور؟"
سألت بصوت خافت، نصفه شك ونصفه دهشة، لأن كاسيان ليس من أولئك الذين يعرفون طريقهم إلى المطبخ.
ابتسم بخفة، وأمسك يدي بلطف كأن لمسة بسيطة قد تكسر الجليد بيننا.
"شعرت بالذنب، إيزيل. البارحة... كان يجب أن أتصل. تركتكِ وحدكِ، وأنا أعلم كم يعني لكِ أن أكون بجانبكِ."
توقفت أنفاسي للحظة، كلماته ضربت وتراً حساسًا في داخلي.
لم أكن ألومه، لم أكن غاضبة حتى، لكن شعوره هذا جعلني أرى كم هو مهتم، كم هو قريب رغم كل شيء.
"يمكنك القول إن هذا نوع من الاعتذار... بطريقة كاسيانية،"
أضاف بابتسامة صغيرة، وكأنه يحاول أن يخفف من وطأة كلماته الجادة.
أحنيت رأسي قليلاً وأنا أحاول كبح دمعة عنيدة كانت تريد الانزلاق مجددًا.
"كاسيان..."
همست اسمه، لكنني لم أستطع متابعة الجملة.
نهض بهدوء ومد يده لي.
"تعالي، سترين أنني لم أحرق شيئًا هذه المرة."
رغم ثقلي الداخلي، وجدت نفسي أبتسم بضعف. لم يكن الفطور هو ما يهم، بل تلك اللحظة.
ذلك الاعتراف البسيط الذي قاله دون كلمات كثيرة:
أنه هنا، أنه يريد أن يكون الحصن الذي يحميني من كل شيء، حتى من ظلال أحلامي.
أمسكت بيده، وأخذني إلى المطبخ، حيث رأيت طاولة مرتبة بشكل عشوائي، لكن بحب.
الخبز المحمص كان مائلًا قليلاً، البيض يبدو وكأنه نُسي في المقلاة لبضع ثوانٍ إضافية، لكن كل ذلك لم يكن مهمًا.
"تفضلي،"
قال وهو يشير إلى الكرسي بابتسامة واسعة.
"لن أتركك تجوعين أو تحزنين."
جلست وأنا أراقبه، وكل شعور بالخوف أو الوحدة بدأ يذوب تحت دفء وجوده بجانبي.
بينما كنت أجلس على الطاولة، وأحاول التركيز على الفطور أمامي، التقطت عيناي شيئًا جعل قلبي يضيق قليلاً. الهالات الداكنة التي أحاطت بعيني كاسيان لم تكن وليدة التعب العادي؛ كانت شاهدة على ليلة طويلة من السهر، من القلق، وربما من الشعور بالذنب.
رفعت نظري إليه، كان يحاول أن يبدو طبيعيًا، يسكب لي كوبًا من العصير بحركة روتينية، لكن ملامحه كانت مختلفة.
عينيه، تلك العيون التي لطالما أحببتها، كانت مطفأة بعض الشيء، غارقة في ظلال أثقل مما كان يجب أن يحملها.
"كاسيان..."
نطقت باسمه بهدوء، لكنه لم يلتفت فورًا. كان كأنه يحاول أن يتجنب السؤال الذي يعرف أنه قادم.
عندما أجبرته نظرتي أخيرًا على مواجهتي، رأيت تلك الابتسامة الصغيرة التي حاول أن يخفي بها تعبه، لكنها لم تخدعني.
"أنا بخير، إيزيل. لا تقلقي."
"الهالات تحت عينيك تقول العكس."
حاول أن يضحك، لكن صوته كان ضعيفًا.
"إنها مجرد ليلة طويلة، هذا كل شيء."
"لا تحاول إخفاء الأمر عني."
نظرت إليه بجدية، ولم أكن بحاجة إلى تفسير أطول.
كاسيان ليس من النوع الذي يسهر لأجل لا شيء.
أدركت فورًا أنه كان يعمل، يحاول الغوص في تفاصيل تلك الجريمة التي أرهقتنا جميعًا، والتي يبدو أنها لا تترك أحدًا منا ينام بهدوء.
"كنت أراجع التقارير وأعيد قراءة التحقيقات."
قال أخيرًا، وكأنه يقر بذنب لا يريده أن يكون مرئيًا لي.
"لا يمكنني تجاهل هذا، إيزيل. كلما أسرعنا في فهم ما يحدث، كلما استطعنا إنهاء هذا الكابوس."
لم أستطع الرد فورًا.
جزء مني أراد أن يصرخ في وجهه، أن يطلب منه أن يرتاح، أن يترك هذا الأمر ولو للحظة.
لكن الجزء الآخر، الجزء الذي يعرف كاسيان جيدًا، كان يعلم أن هذا هو طريقته في حماية من يحب.
"كاسيان،"
قلت بصوت أكثر لينًا هذه المرة،
"أنت لن تساعد أحدًا إذا انهرت. أحتاجك أن تكون قويًا، لكن لا يمكن أن تفعل ذلك وأنت تهمل نفسك."
ابتسم بخفة، كأن كلماتي كانت نوعًا من البلسم لتعبه.
"أنا بخير، إيزيل. طالما أنكِ هنا، سأكون بخير."
لكنني عرفت في أعماقي أنني لست الوحيدة المحاصرة في ظلال هذا الكابوس.
كاسيان أيضًا كان يواجه وحوشه، ولكن بأسلوبه الخاص، بأسلوب يعكس القوة التي أحيانًا تنقلب إلى عبء.
بينما كنت أشرب العصير وأحاول طرد ما تبقى من ظلال الحلم من ذهني، قطع كاسيان الصمت بنبرة لطيفة لكنها حازمة:
"إيزيل، بما أن إلينور تملك مفاتيح ورشة الورود، فأنا أعتقد أن الأمور في أيدٍ أمينة الآن."
رفعت رأسي إليه، الكلمات استقرت في أذني للحظة قبل أن أفهم مغزاها.
كان ينظر إليّ مباشرة، عيناه المرهقتان مليئتان بالقلق، لكنه أخفى ذلك خلف ابتسامة دافئة.
"إيزيل، أريدك أن تأخذي استراحة. ليومين فقط، على الأقل. لا أحد يستحق الراحة أكثر منك."
"كاسيان،"
بدأت بالاعتراض، لكن نظراته قطعتني، نظرات لم تكن تحمل سوى إصرار نادر.
"أرجوك،"
قال بصوت خافت لكنه مؤثر.
"لقد مررتِ بالكثير. الورشة لن تنهار إذا غبتِ ليومين. إلينور تعرف ما تفعل، ويمكننا الوثوق بها تمامًا. استغلي هذه الفرصة لترتاحي، لتخرجي من هذا الجو قليلاً."
شعرت بتردد يغمرني. فكرة الابتعاد عن الورشة، عن الروتين الذي يملأ يومي، كانت غريبة ومقلقة.
لكنها في الوقت نفسه، كانت مغرية.
هل يمكنني فعلاً أن أسمح لنفسي بلحظة راحة؟
"لا أحتاج إلى الراحة، كاسيان، أنا بخير."
حاولت أن أبدو مقنعة، لكنني شعرت أن كلماتي لم تصل إليه كما أردت.
"إيزيل، حتى الأقوى يحتاج إلى التوقف أحيانًا. أنتِ لستِ آلة. أنا لا أطلب منكِ الكثير، فقط يومين. لتفعلي شيئًا لنفسك، لتقرئي كتابًا، لتتمشي، لتنامي بدون هذا القلق المستمر."
نظرت إليه بصمت، وكانت هناك لحظة قصيرة من التردد.
لكنه كان محقًا، وكلماته لم تكن إلا انعكاسًا لقلقه عليّ.
"حسنًا،"
قلت أخيرًا، بصوت منخفض.
"سأفكر في الأمر."
ابتسم كاسيان، ابتسامة مليئة بالراحة والانتصار.
"هذا كل ما أطلبه. فكري في الأمر."
نهض من مكانه وأخذ طبقًا كان قد أعده لي، وضعه أمامي وكأنه يعلن نهاية النقاش.
"والآن، تناولي فطورك. هذا أمر."
لم أستطع إلا أن أبتسم بخفة، رغم كل ما يدور في ذهني.
ربما كان على حق.
ربما كانت الراحة هي ما أحتاجه حقًا، حتى لو كنتُ أرفض الاعتراف بذلك.
بينما كنت أنظر إلى كاسيان وهو يتحدث عن إلينور بثقة، لم أستطع إلا أن أطلق تعليقًا بنبرة ساخرة مغلفة بابتسامة خفيفة:
"تلك الفتاة لا تشبع، أخشى أن تتسخ ورشتي ببقايا طعامها... أو ربما قد تأكل الورود أيضًا."
كاسيان توقف للحظة ونظر إلي بابتسامة صغيرة، ثم رفع حاجبه وكأنه يرد على استفزازي المازح.
"إيزيل، لا تكوني قاسية جدًا عليها. إلينور جيدة في عملها، وهي تهتم بالمكان كما لو كان ملكها."
"آه، نعم، تهتم به... ربما لدرجة أنها تفكر في تحويله إلى مطبخ صغير،"
أجبته بنبرة أخف قليلاً، وأنا أرفع فنجان القهوة إلى شفتي.
ضحك كاسيان، ضحكة دافئة كانت دائمًا كفيلة بأن تذيب أي توتر بيننا.
"إيزيل، يجب أن تعترفي أن إلينور، رغم شهيتها المفتوحة، كانت دائمًا على قدر المسؤولية."
تأملت كلامه للحظة قبل أن أرد بابتسامة أكثر هدوءًا:
"ربما، لكنها تبقى لغزًا بالنسبة لي. لا أعرف كيف يمكن لشخص أن يجمع بين حب الطعام والإتقان في العمل. إنها ظاهرة نادرة."
ابتسم كاسيان ونظر إلي بعينين ممتلئتين بالدفء.
"لهذا السبب قلت إن الأمور في أيدٍ أمينة. أنتِ فقط استغلي هذه الفرصة، ولا تقلقي. الورود ستبقى سليمة... على الأقل معظمها."
لم أستطع إلا أن أضحك بخفة، شعور خفيف من الراحة بدأ يتسلل إليّ رغم كل شيء.
ابتسم بخفة، لكن بدا أن كلماتي أصابت هدفها، إذ شعر بتأنيب ضمير راوده.
حاول أن يبدو غير مكترث، لكن لم يستطع إخفاء التوتر الذي بدأ يتسلل إلى حديثه.
"أنا لا أتحدث عن إلينور كأنها شريكة روحي المفقودة في الأكل،"
قال محاولًا التخفيف عن نفسه.
"هي فقط... ربما تعطي انطباعًا خاطئًا أحيانًا، لكنك تعرفين أنها مخلصة."
لكني كنت تحدق فيّ بنظرة قاسية، أشبه بتلك النظرات التي يعرفها جيدًا، تلك التي لا تترك مجالًا لأي تبرير.
"وأنت، لا أفهم لماذا تكثر من الحديث عن إلينور كما لو كانت هي المسؤولة عن كل شيء. البارحة، كاسيان... جننتني بسبب حديثك عن كلورا! كنتَ مهووسًا بذلك الموضوع لدرجة أنني شعرت بالغثيان!"
أخذ نفسًا عميقًا، في محاولة للهدوء، وأراد أن يخبرني كم أنه كان يتجاهل تفاصيل صغيرة كانت تزعجه أيضًا، لكنه اختار الصمت للحظة. كان عليه أن يكون صريحًا.
"إيزيل، ليست كلورا هي السبب، أنا فقط... أحتاج الوقت لأفهم كل شيء حول هذه الجريمة. لكنني لا أريد أن أزعجك. ربما أفرط في التفكير وأتحدث أكثر مما يجب."
نظرت إليّه بنظرة حادة، ثم همست:
"أنت أكثر شخص نسونجي قابلته في حياتي، لا أصدق كيف تقلب المواضيع بهذا الشكل."
ضحك بخفة، أعتقد أنها بتلك النغمة المألوفة في صوتي التي دائمًا ما كانت تأسره.
"ربما، ولكنني بحاجة إلى فهم كل شيء. ربما أنتِ محقة، أنا أفرط في التفكير، وأحيانًا أقول أشياء لا أكون متأكدًا منها."
لكن ، رغم كل استيائي الظاهر، حاولت أن لا أبدو غاضبة حقًا.
كانت تلك هي طريقتي في تنبيهه، وأن أجعله يراجع نفسه.
"توقف عن الهوس بكل شيء. نحن هنا معًا، وسنتعامل مع الأمور واحدة تلو الأخرى."
قال ذلك بصوت هادئ، بينما كانت كلماتي تتسلل إلى أعماقه كالعلاج الذي يحتاجه.
خرجت الكلمات من فمهي بنبرة حتى أنا لم أتوقعها، لكنها كانت حادة بما يكفي لكي توقظه من غفلته. نظرت إليه بعينين تتأرجح بين الاستفهام والغضب، ثم قلت:
"أحيانًا تنسى أنني زوجتك."
صدمته كلماتي أكثر مما توقع. كانت لحظة صمت بيننا، وكأن كل شيء توقّف لثوانٍ، ثم تنفس بعمق قبل أن يجيب.
"إيزيل، ما الذي تعنيه؟"
حاولت أن لا أبدو غاضبة تمامًا، لكن نظرتي كانت تحمل شيئًا آخر، شيئًا لم أكن أتوقعه.
"أنت دائمًا في عالمك الخاص، تبحث عن الأجوبة بينما تتركني أحيانًا في الظلال، وكأنني مجرد شخص عابر في حياتك."
كان هناك ألم في كلماتي، وحقيقة مريرة اكتشفها فجأة.
هو... أحيانًا يكون غارقًا في التفاصيل والقلق لدرجة أنه أيسى اللحظات البسيطة التي ينبغي أن يعيشها معي، أن ينسى أنه يمتلك زوجة ، وأننا نواجه كل شيء معًا.
"إيزيل، أنا آسف. لم يكن يجب أن أتركك تشعرين هكذا. أحيانًا أعمى عن كل شيء سوى العمل والجريمة، لكن هذا لا يعني أنني لا أراكِ أو لا أقدركِ."
التزم الصمت للحظة، بينما كان يجلس قبالتي، كأنه يفكر في ما قلته.
ثم أضفت بهدوء، وكأني أهدئ نفسها:
"لا أريد أن أكون ظلاً في حياتك، كاسيان. أنا هنا معك، ليس فقط في الأوقات السهلة، بل في كل شيء. لكنك يجب أن تتذكر أنك لست وحدك."
كان كلامي بمثابة صدمة لطيفة جعلته يرى الأشياء بوضوح أكبر.
كان بحاجة لأن يكون أكثر حضورًا.
أكثر استماعًا.
زوجًا حقيقيًا، وليس مجرد شخص مشغول في التحقيقات والهموم.
"أعدك، إيزيل. لن أترككِ تشعرين بذلك مجددًا."
ابتسمت بخفة، لكن كلمات كاسيان كانت بمثابة مشهد غريب تمامًا، مليء بالسخرية التي لم تخلُ من بعض الحقيقة.
"أنتِ مثل البرتقالة المقشرة،"
قال كاسيان، وهو ينظر إليها بنظرة جادة إلى حد ما، ولكن نغمة السخرية في صوته كانت واضحة.
"قشرتها مرفوعة لكي تتناولينها بكل سهولة. لكنني أدركت أخيرًا أنكِ زوجتي، وليس مجرد طعام. لكنني سأحاول تعويضك. سأكون قشورك التي ستحميك."
نظرت إليه بنظرة غريبة، متأملة الكلمات التي ألقاها عليها، والتي كانت تحتوي على جرعة من المزاح المخلوط بالعاطفة.
ولكن في تلك اللحظة، كان هنالك شيء حقيقي وراء السخرية.
شعرت بشيء مختلف.
كان يحاول أن يكون أكثر حضورًا، أن يثبّت نفسه في مكانه كزوج، كجزء من حياتها التي كانت مليئة بالصراعات والظلال.
"قشور؟"
قلت بنبرة ساخرة لكنها تحمل لمسة من الحيرة.
"هل تعني أنك ستكون درعًا لي؟"
أجاب كاسيان بهدوء، ابتسامة خفيفة تظهر على شفتيه:
"نعم، تمامًا. سأكون القشرة التي تحميك، لن أترك أي شيء يؤذيك، حتى لو كنتِ تظنين أنني بعيد أحيانًا."
ابتسمت ، رغم كل شيء.
كانت السخرية في كلامه نوعًا من الاعتذار، بل اعتراف بحاجته لأن يكون قريبًا منها أكثر.
"إذن، أعدكي أنني سأكون القشرة التي أحتاجها."
كانت تلك اللحظة بين السخرية والجد، ولكنها في النهاية، كانت مؤشراً على خطوة نحو الأمام.
كاسيان كان يحاول أن يُثبت نفسه في حياتها، وأن يصبح ذلك الشخص الذي لا يقتصر وجوده على الحماية الجسدية فحسب، بل على الدعم العاطفي أيضاً.
.
.
.
.
كنت أراقب كاسيان وهو يتذمر من بين يديّه التي تتحرك بطريقة غير مرتبة، يمسك بالمكنسة وكأنها شيء ثقيل عليه.
كنت أعلم أن يوم التنظيف سيبدو بالنسبة له وكأنه عبء غير مبرر، ولكنه لم يفهم بعد أن التنظيف ليس مجرد مسح للأتربة.
بالنسبة لي، هو طقس.
هو شيء يمنحني نوعًا من النظام الذي أحتاجه وسط هذا الكم الهائل من الفوضى. يوم السبت هو يوم النظافة، وكان ذلك يعني لي أكثر من مجرد ترتيب المكان، كان يعني ترتيب فكري وقلبي.
أنا لا أتحمل الفوضى، ليست فقط في المنزل، بل في الحياة بأكملها.
"هيا، يوم السبت هو يوم التنظيف!"
قلت وأنا أرفع المكنسة، وأحدق في زوايا الغرفة بعينين حادتين.
"يجب أن أرضع وسواسي القهري ، أنا لن أقبل رؤية نقطة غبرة في هذا المكان. فهمت؟"
كانت الكلمات تخرج مني بنبرة قاطعة، ليس فقط لأنني أريد تنظيف المكان، بل لأنني كنت أحتاج إلى هذه السيطرة.
لا أستطيع أن أعيش في فوضى، مهما كانت الأسباب التي تفرضها الحياة.
بينما كنت أتابع العمل، كنت أسمع همسات كاسيان خلفي. بدا وكأنه يحاول أن يجد عذرًا آخر ليبتعد عن المكنسة.
"إيزيل، لن أتمكن من التركيز على التحقيق إذا واصلت هذا. هناك جريمة بحاجة إلى اهتمامنا." كان صوته يشير إلى الارتباك، وكأن العمل الذي يقوم به لم يكن شيئًا ذا أهمية مقارنة بالأمور "الأكثر أهمية".
لكنني لم أكن على استعداد لقبول ذلك.
كان يجب عليه أن يفهم أن الحياة ليست مجرد إحصائيات وأدلة وجرائم.
الحياة تتطلب الانتباه لأدق التفاصيل، مثل نظافة المكان.
"التنظيف جزء من النظام، كاسيان. وأنا لست هنا فقط للبحث عن الأدلة، ولكن للبحث عن توازن في حياتنا."
قلت ذلك وأنا أستمر في مسح الأثاث، دون أن ألتفت إليه.
"أنت لست الوحيد الذي لديه أشياء مهمة للقيام بها. ولكن الجميع في هذا المكان يجب أن يواجهوا مهمة النظافة. حتى وكلاء المباحث."
كانت الكلمات تخرج مني كما لو كانت تحديًا له، كما لو كنت أطلب منه أن يفهم شيئًا عميقًا في تصرفاتي.
ثم، وهو لا يزال يحاول الهروب من مهمة التنظيف، أضفت بلهجة ساخرة:
"أو هل تنسى أن كلورا هي المشرفة على الجريمة؟"
كنت أعلم أن ذكر اسمها سيزعجه، لأن كلورا كانت بالنسبة له حجر عثرة في طريقه، لكنها كانت أيضًا جزءًا من الحقيقة التي كنا نواجهها.
"كلورا!"
قال كاسيان بمرارة، وكأن الاسم نفسه كان يثير في نفسه نوعًا من الاستياء العميق.
كنت أستطيع أن أرى في عينيه كيف أن أي ذكر لهذه المرأة كان يجعله يشعر بأن الخيوط كلها قد تاهت.
كنت أستمتع بمراقبته وهو يراوغ بين التنظيف والقلق، لكنني كنت أعرف في أعماقي أن هذا كان يحتاج إلى توازن.
"نعم، كلورا. هي جزء من الجريمة التي نحقق فيها. لكن ذلك لا يعني أنني سأسمح للفوضى أن تتسلل إلى حياتي بسببها. نحن بحاجة لتنظيم كل شيء، حتى في أبسط التفاصيل."
رددت ذلك وأنا أستمر في عملها، وكأنني أضع الحدود بين حياتي المتوازنة وحياة الجريمة التي كان يلاحقها.
في النهاية، بدا وكأن كاسيان قد بدأ يتراجع عن تذمره. نظرت إليه وهو يحمل المكنسة بشكل أكثر جدية.
"حسنًا، إذا كان التنظيف سيجعلك تشعرين بأننا نسيطر على حياتنا، فلنواصل. ولكن يجب أن تعديني بأننا سنتناول القهوة بعد هذا."
كان صوته أقل استياءً، وأقل مقاومة.
شعرت بنوع من الرضا، وكأنني قد حصلت على ما أريد دون أن أضطر إلى الضغط عليه أكثر.
"بعد كل هذا، سنأخذ استراحة."
قلت ذلك بابتسامة خفيفة، وأنا أتخلص من آخر نقطة غبار. كانت لحظة بسيطة، لكنني شعرت فيها أن الأمور كانت أخيرًا تسير في الاتجاه الصحيح.
كأننا بدأنا نعيد ترتيب حياتنا، قطعة تلو الأخرى، في عالم مليء بالظلال والجرائم.
بينما كنت أعمل في ترتيب خزانة الكتب، يدي تتنقل بين صفوف الروايات المبعثرة هنا وهناك، سافرت ذهنيًّا إلى عوالم أخرى، حيث الحروف تأخذني بعيدًا عن هذا الواقع القاسي.
فجأة، بين دفات الكتب التي كانت تملأ الرفوف بتلك الروائح التي تمزج بين الزمن والورق القديم، شعرت بشيء غريب تحت يديّ.
قطعة ورق، جزء من صورة قديمة.
كانت الصورة نصفها ضائع، وعيناي تجولان بسرعة على الأطراف الممزقة، حتى توقفت عند الجزء الذي يمكنني تمييزه.
التقطت الصورة ودفعت بها إلى عينيّ.
كان هناك وجه صغير، طفلة ترتدي فستانًا بسيطًا، ابتسامتها كانت بريئة لدرجة أنها يمكن أن تنير الظلال.
شعرت بشيء غريب يتسرب إلى قلبي، شيء غامض، حتى قبل أن أكتشف أن هذه الطفلة هي أنا.
كانت صورة لي، من أمام برج إيفل، مع أمي. كنت في الثانية من عمري، ضبابيّة الذكريات، ملامحي مشوشة لكني كنت أعرف هذه اللحظة.
ومثلما كنت أقول دائمًا لنفسي: لكن أين نصف الصورة الآخر؟ أين كان أبي؟
قبل أن أتمكن من الاستغراق في هذا العالم الخاص بي، شعرت بحركة قادمة خلفي.
كان كاسيان يقترب بخطوات هادئة، تجنبًا لجذب انتباهي.
لكنه بالطبع لم يستطع أن يمنع فضوله. كنت أعلم أنه سيطرح سؤاله، فقبل أن ينطق بكلمة، قاطعت حديثه على الفور.
"أحتاج لشراء روايات جديدة، رومانسية، بطلتها فتاة صغيرة، عميقة وحالمة، والمهم أن يكون البطل مافيا روسي وسيم، يكبرها بست سنوات، قاسي، لكنه يقع في حبها."
كان ردي أسرع من تفكير عقلي، مجرد محاولة لتفادي العودة إلى تلك الذكريات العميقة التي جعلتني أشعر بالضياع قليلاً، وكأنني أستطيع أن أغطّي هشاشة قلبي بهذه الرغبات الخفيفة.
لكن نظرة كاسيان كانت تحمل الكثير من السخرية. كان يبتسم، لكن ابتسامته لم تكن تترك مكانًا للغموض.
كان يعلم أنني لم أكن في المكان المناسب عقليًا.
"رواية مافيا روسي؟ وأنتِ؟"
قال بنبرة ساخرة وهو يقترب أكثر،
"أنتِ تتبعين خططًا لتخترعي حياتك الجديدة في قصص خيالية؟"
كنت أعرف أنه لا يفهم، وأنه سيرى كل ذلك على أنه مجرد أفكار غريبة تنبع من عقل ضائع، محاط بالظلال. لكنني كنت أحتاج لهذه اللحظة الهاربة، لحظة قد تجعلني أفر من ذكرياتي.
لأنني إذا فكرت في نصف الصورة المفقود، سأغرق في بحر من الأسئلة التي لا نهاية لها.
"نعم، هذا ما أحتاجه الآن. لا شيء يجعلني أواجه الحقيقة مثلما تفعل هذه القصص البسيطة. أحتاج لأبطال عظماء، مفعمين بالقوة، ليحاربوا من أجلي... ليحاربوا من أجلنا."
كانت الكلمات تخرج مني أكثر مما كنت أريد أن أعترف به.
كاسيان كان يراقبني، وكلما زادت سخريتي، ازداد في استمتاعه بتعليقاتي التي كان يراها بعين فكاهية.
"إذن، تظنين أن القتال مع مافيا روسي سيجعلنا ننسى كل هذه الفوضى؟"
سأل وهو يرفع حاجبه، بينما كانت ضحكته تمتلئ بالسخرية.
"لا، ليس بالضبط."
ابتسمت وأنا أعود للنظر إلى الصورة الممزقة.
"لكن أحتاج لبعض الخيال بين حين وآخر... شيء يجعلني أهرب من العالم، حتى لو كان للحظات فقط."
كان كاسيان يراقبني بصمت لفترة، ثم تنهد بعمق وقال:
"أنتِ غريبة، إيزيل، وأنتِ تعرفين كيف تجعلين كل شيء يبدو بعيدًا عن الواقع."
بينما كنت منغمسة في حديثي السخيف مع كاسيان، قاطعنا صوت رنين الباب الذي اخترق الصمت.
كان الصوت شديدًا، كأنما يعلن عن زيارة غير مرغوب فيها. أسرعت لفتح الباب، وأنا ما زلت أفكر في الكلمات التي كنت على وشك قولها.
وعندما فتحت الباب، وقعت عيناي عليه فورًا.
رجل في أواسط الثلاثينات، شعره بني، وعيناه حادتان وذاك المزيج من الجدية والفضول يملأهما.
ربما كانت الملامح الجادة هي التي جعلته يبدو أكثر وسامة مما يجب، لكن لا يمكن إنكار أنه كان بالفعل جذابًا. كان يتحدث بنغمة مستقرة، رغم أنني شعرت بشيء من البرود في كلماته.
لم أتمكن من التوقف عن ملاحظة تفاصيله، ثم تذكرت فجأة أنني ما كنت أحتاج إلى التفكير فيه بهذا الشكل.
إنه صحفي، فقط صحفي، إيزيل.
ألتفت إلى كاسيان بسرعة، همست في أذنه وأنا أحاول إبقاء السيطرة على ملامحي:
"عليه أن يأتي. إنه وسيم، صحفي من مانشستر توداي."
نظر كاسيان إلي بنظرة غير مألوفة، فربما كان يدرك تمامًا أن هذا الصحفي لم يأتِ فقط للحديث عن الجريمة، بل كان يهدف إلى شيء أكبر.
وفي لحظة، كان يمر عبر ذهني تساؤل كبير:
لماذا هو هنا الآن؟
ولماذا يراقبنا بهذا الشكل؟
دخل الصحفي ببطء، وحينما اقترب من داخل الشقة، قلت له:
"مرحبًا، تفضل بالجلوس. هل يمكنني مساعدتك في شيء؟"
قال وهو يحني رأسه قليلاً، ثم نظرت إلى كاسيان:
"أنا إيفان مايرز، صحفي في مانشستر توداي. أبحث في قضية جريمة قتل رئيس البلدية وأحتاج إلى الحديث مع كاسيان حول التحقيق."
أخذ كاسيان خطوة للأمام، وقال وهو يشير إلى الصالون:
"تفضل، من الأفضل أن تجلس. لدينا بعض التفاصيل قد تكون مفيدة لك."
كنت أعرف أن كاسيان كان يدرك تمامًا من هو هذا الرجل، ربما يكون الصحفي قد أزعج كاسيان سابقًا في تحقيقاته أو ربما كان له صلات قوية بالأحداث.
كانت الجريمة التي يحقق فيها - مقتل رئيس البلدية - حدثًا صادمًا في المدينة، لكنني كنت أشعر بشيء غريب حيال هذا الصحفي.
لم يكن مجرد صحفي يلاحق أخبارًا، كان هناك شيء غير مريح في طريقة حديثه، في نظراته المترقبة.
هل كان يبحث عن شيء أكبر مما يوحي؟
"هل لديك أي معلومات جديدة؟"
سألته كاسيان بنبرة جادة، بينما كنت أتراجع قليلاً إلى الوراء، لأراقب عن كثب.
"في الحقيقة، أنا هنا لأجمع بعض التفاصيل التي قد تكون مفيدة. هناك شيء غامض حول مقتل رئيس البلدية."
قال إيفان، وعيناه كانت تركز على كاسيان وكأنهما تبحثان عن شيء ما.
"أعتقد أنه قد يكون له علاقة بأشخاص في المناصب العليا، لكن بعض الأدلة تشير إلى احتمالية تورط أشخاص آخرين."
قلت في نفسي، وأنا أراقب تفاعل كاسيان مع الصحفي.
هل يدرك كاسيان أن الصحفي يقترب من المنطقة التي نحاول الابتعاد عنها؟
قال الصحفي، وهو يجلس ببطء على الأريكة، بينما كانت نظراته تراقبنا بحذر:
"الحقيقة أن الحي الذي وقعت فيه الجريمة الآن في حالة فوضى. لم أكن أتخيل أبدًا أن مكانًا كهذا سيكون مسرحًا لجريمة قتل بهذا الحجم. سكان الحي لطيفون، رائعون، هادئون في حياتهم اليومية. لكن الآن، الخوف قد زرع في قلوبهم، وأصبحوا يتساءلون عن أمنهم في كل لحظة. كل زاوية، كل شارع أصبح يعج بالهمسات، وكل خطوة يخشون أن تكون بداية لحدث آخر مروع."
كان صوته يعكس قلقًا حقيقيًا، لكنه لم يكن يختفي تحت قناع التظاهر.
كان يحاول أن يفهم ردود الفعل المتباينة للناس، وكأن لسانه كان يقطع الهواء في الغرفة التي بدت ثقيلة بالكلمات.
"لكن الحقيقة الأغرب هي أن جزءًا من الناس في الحي لا يشعر بالحزن، بل فرحوا لموت رئيس البلدية. كان شخصًا قاسيًا ومغرورًا، يتحكم في كل شيء من خلال سلطته. لم يكن أحد يستطيع الاقتراب منه أو حتى التحدث ضده. البعض كانوا يرون فيه شخصًا يعاملهم كمجرد أرقام، وليس كأفراد لديهم مشاعر وآمال. لذا، عندما حدث ما حدث، كان البعض يشعر وكأن عبئًا قد زال عنهم."
نظر كاسيان إلى الصحفي بتأمل، وكأن تلك الكلمات قد أثارت لديه تساؤلات أكبر.
أنا أيضًا كنت أحاول أن أستوعب كلامه. كيف يمكن أن يكون القتل هو ما يدفع هؤلاء الناس إلى الشعور بالراحة؟
لكنني كنت أعلم أن الظرف المعقد الذي تمر به المدينة يعكس ببساطة التوتر بين الخير والشر، بين الرغبة في التحرر والخوف من العواقب.
"هل تعتقد أن هذا القتل كان مدبرًا من قبل شخص داخل الحي؟"
سأل كاسيان بهدوء، لكن كانت هناك نبرة من الشك في صوته، كما لو أنه يحاول أن يفهم مغزى كل كلمة تنطق بها شفتا الصحفي.
"من الممكن،"
أجاب إيفان بصوت منخفض،
"أو ربما كان له أعداء في أماكن أخرى. لكن ما هو واضح هو أن القتل كان له تداعيات على الجميع هنا. قد يكون هناك شخص أو مجموعة قد استفادت من هذا الوضع، ومن يعرف، ربما كان مجرد تصفية حسابات قديمة."
كان الجو مشحونًا بالصمت، ونحن جميعًا نتأمل ما قاله الصحفي.
يبدو أن هذا الحدث المروع قد ترك أثرًا عميقًا على سكان الحي، وتحول إلى لغز محير أكثر من أي وقت مضى.
قال كاسيان، وهو ينحني قليلاً للأمام، وكأن الكلمات التي سيقولها ستكون حاسمة:
"القضية معقدة جدًا. القاتل كان ذكيًا بما فيه الكفاية لترك الجريمة وكأنها انتحار. لم يترك أي دليل يثبت تورطه، وكل شيء كان يشير إلى ذلك، حتى طريقة ترتيب المكان، إلا أنني لم أقتنع بسهولة بذلك. بعد تحقيق طويل، استطعنا أخيرًا أن نكشف عن شيء مريب."
أخذ كاسيان نفسًا عميقًا قبل أن يضيف:
"عندما فحصنا الجثة، اكتشفنا شيئًا غير متوقع. كانت هناك زهرة داتورا ملقاة في جوف أذنه، ملتصقة بعناية كما لو كانت تحمل رسالة مخفية. إنها ليست مجرد زهرة عادية، بل جزء من طقس غريب اعتدنا أن نراه في الجرائم السابقة. وكانت الزهرة بمثابة علامة، لكن هذا لم يكن كل شيء."
كان الصحفي ينصت باهتمام، بينما أنا كنت أتابع بتركيز. شعرت أنني قد دخلت في حلقة مفرغة من الغموض، وكأن كل قطعة من المعلومات التي نكتشفها تشير إلى شيء أكبر بكثير مما كنا نتوقع.
"بالإضافة إلى الزهرة، وجدنا رسالة مشفرة داخل الجثة، لكننا لم نتمكن من حلها بعد. لقد كانت مكتوبة بلغة غريبة، مليئة بالرموز التي يصعب فكها. هذا يعني أن القاتل كان يعرف جيدًا ماذا يفعل. كان يريد أن يترك وراءه دليلاً، لكنه أراد أن يكون هذا الدليل غير قابل للفهم بسهولة، كما لو أنه يريد أن يرسل رسالة موجهة لشخص معين، أو ربما كان يتلاعب بنا."
نظرت إلى الصحفي، وأنتبهت كيف بدأ يعكس قلقه على وجهه.
كانت أسئلته تتزايد، والاحتمالات تنمو في ذهنه.
كان واضحًا أن كل كلمة نطق بها كاسيان كانت تفتح أمامنا بابًا جديدًا، وكل باب كان يقودنا إلى متاهة أكثر تعقيدًا.
"هل تعتقد أن هذه الرسالة يمكن أن تكون مرتبطة بجريمة أخرى؟"
سأل الصحفي، صوته مليء بالتساؤل.
أجاب كاسيان بجدية، وهو يرفع حاجبيه:
"لا أستطيع أن أقول حتى الآن. كل ما أستطيع تأكيده هو أن هذه الرسالة قد تكون مفتاحًا لفهم الدوافع وراء الجريمة. لدينا العديد من الأدلة التي تشير إلى أن القاتل كان يخطط لها بشكل دقيق جدًا، لكن من غير المعروف حتى الآن من هو الشخص المستهدف بشكل حقيقي."
شعرت أن هذا التحقيق ليس مجرد مسألة مهنية بالنسبة لكاسيان، بل أصبح شيئًا شخصيًا له.
بدا وكأنه يراهن بكل شيء في محاولة لكشف الحقيقة. ولم أستطع إلا أن أتساءل .
هل هذه الرسالة المشفرة قد تكون تحمل أسرارًا تفضح أكثر من مجرد جريمة قتل؟
غادر الصحفي بعد أن تبادلنا بعض النظرات الحذرة.
كانت الأجواء في الغرفة مشحونة بما تحمله من أسئلة دون إجابات.
قبل أن يهم بالرحيل، وقف كاسيان وأمسك بيده برفق، وقال له بنبرة جادة:
"إن حدث أي شيء جديد، سأخبرك به فورًا. لكن أرجوك، تمهّل قليلاً قبل أن تنشر أي تفاصيل حول القضية. نحن بحاجة إلى مزيد من الوقت لتحديد الحقائق وتحليل الأدلة بشكل أعمق."
أومأ الصحفي برأسه، لكن ملامح وجهه كانت تحمل تساؤلات أكثر من الإجابات.
"أفهم، كاسيان. سأنتظر. لكن هذا القتل كان صدمة لكل الناس هنا، وأنا أعلم أن كثيرين يرغبون في معرفة ما يحدث. سأبقي الحذر في نشر المعلومات، لكن لا تتوقع مني أن أصمت إلى الأبد."
ابتسم كاسيان بابتسامة هادئة، وكانت عيناه تحملان إشارة فهم عميق.
"أنا لا أطلب منك السكوت. فقط اعطنا فرصة للعمل، حتى نتمكن من تقديم القصة بشكل صحيح. الحقيقة، مهما كانت، ستكون أهم من أي شيء آخر."
بينما كان الصحفي يستعد للمغادرة، أضاف كاسيان شيئًا آخر:
"أرجو أن تبقي المسألة بيننا في هذه المرحلة. لن يكون هناك فائدة من نشر أي تفاصيل قد تثير البلبلة قبل أن نصل إلى إجابة حقيقية."
غادر الصحفي، وقد أغلقت الباب خلفه برفق، لكنني شعرت أن هذا اللقاء كان فقط بداية فصل جديد من الغموض.
كل كلمة من كاسيان كانت مليئة بالاهتمام والتركيز على التفاصيل.
كنت أعلم أنه يتعامل مع هذه القضية بجدية، ولكن ما خفي وراء الكلمات كان يشير إلى المزيد من التحديات التي سنواجهها معًا.
أخذت نفسًا عميقًا، وأنا أراقب كاسيان وهو يعود إلى مكانه، محاطًا بأوراقه وملفاته المبعثرة على الطاولة.
كأنها كانت قطعة من معركة لا تنتهي، معركة تبحث عن خيط الحقيقة وسط الظلال.
بعد مغادرة الصحفي، نظر كاسيان إلي بابتسامة صغيرة، لكنه كان يحمل في عينيه الحيرة التي لا تخطئها العين.
كان يعلم أن التحقيق يسير في طريق صعب، وأنه قد يظل عالقًا في مستنقع الأسئلة المتشابكة لفترة طويلة.
قال بهدوء، محاولًا أن يطمئنها:
"سأذهب لمركز التحقيق لأرى المستجدات. التحقيق مازال مستمرًا، وأعتقد أنني قد أتأخر قليلاً. الأمور تتطلب المزيد من التركيز الآن."
ثم اقترب مني لحظة، حتى لامست أطراف أصابعه كفي بشكل غير مقصود، ولكنها كانت لمسة دافئة مليئة بالتفاهم، كأنها محاولة لطمأنتي بأنه رغم كل شيء، لن يبتعد عني.
أجبته بنبرة شبه هادئة، لكني كنت قد بدأت أتخيل جميع السيناريوهات المحتملة للمستقبل:
"لا بأس، اعمل على حل القضية. ولكن لا تتأخر، لن أحب أن أكون وحدي هنا أكثر من اللازم."
أومأ كاسيان برأسه، ولكن كانت هناك سحابة من التوتر في عينيه، تلك السحابة التي تجسدت في تفكيراته المقلقة حول الجريمة والتطورات الأخيرة.
كان يحاول أن يترك كل شيء خلفه عندما يذهب، ولكنه يعلم أنه لا يستطيع الهروب من العبء الذي يحمله.
قبل أن يغادر، أضاف.
"لا تفكري في الأشياء السيئة، سأعود قريبًا. وعندما أعود، نكمل معًا ما بدأناه."
ومع ذلك، التفت إليه بابتسامة هادئة، رغم أني كنت أعرف أن الظلال التي تلوح في الأفق أكبر من أن تخفيها الكلمات البسيطة.
بمجرد مغادرته، شعرت بالفراغ في المكان.
وبينما كانت أستعد للغوص في أفكاري مرة أخرى، كان قلبي يصرخ في مكان.
شعرت بفراغ هائل يملأ المكان، كان وكأنما جزءًا مني اختفى، أو ربما هو مجرد شعور بالوحدة التي تعودت على تحملها في أعماقي.
لا يمكنني إنكار ذلك، رغم كل شيء، كان وجوده هنا يشبه لمسة دافئة في بحر من الجليد الذي كنت أعيش فيه.
كنت أنظر إلى الباب المغلق بعد مغادرته، وأدركت أنه سيغرق في تحقيقات معقدة قد تبقيه بعيدًا لفترة طويلة. وها أنا هنا، في هذا الصمت الذي لا يطاق، والذكريات تطاردني كالعواصف.
لم أكن أحتاج إلى وقت طويل لأعود إلى تفكيراتي.
فجأة، تذكرت الصورة التي وجدتها في خزانة الكتب قبل قليل.
الصورة التي أعادتني إلى طفولتي، إلى تلك اللحظة التي كانت كل شيء فيها يبدو براقًا وأنيقًا. لكن، كما هو الحال دائمًا، ليس كل شيء كما يبدو.
تذكرت تلك الفتاة الصغيرة في الصورة، التي كانت تبتسم أمام برج إيفل، ولكن نصف الصورة ضاع.
كنت أتساءل دائمًا عن ذلك النصف المفقود من الصورة، كما لو كان يمثل جزءًا ضائعًا من نفسي.
والآن، أواجه هذا الفراغ مرة أخرى.
كل شيء يبدو ضبابيًا، والكلمات التي قالها كاسيان عن الجريمة وعن التحقيقات تبقى عالقة في ذهني.
تلك الزهرة التي وُضعت في جوف الأذن، وتلك الرسالة المشفرة التي لم نتمكن من حلها بعد، كل شيء يتنقل في رأسي كظلال حائرة لا تجد طريقها.
لكنني أردت الهروب، الهروب من هذه الأفكار، من تلك الذكريات التي تتكرر كلما تباطأت خطواتي في البحث عن حريتي.
ربما كان هذا السبب في أنني قررت أن أترك نفسي في تلك اللحظات السخيفة مع كاسيان.
الكلمات التي قلتها عن الروايات الرومانسية، عن بطل مافيا روسي، كانت مجرد محاولة للهروب من واقع أكثر قتامة.
ربما كان كاسيان محقًا في سخريته مني، ولكن ماذا كان يمكنني أن أفعل؟
مجرد كلمات لإخفاء الشعور الثقيل الذي يطاردني في الظلال.
كان من الواضح أنني لا أستطيع أن أهرب إلى الأبد.
العالم الذي نعيش فيه، عالم الجريمة والدمار، سيظل يتبعنا أينما ذهبنا.
والآن، بعدما غادر كاسيان، شعرت بأنني الوحيدة التي تحمل تلك الأعباء الثقيلة.
الملل كان يلتهمني، يختطف كل جزء مني حتى أصبحت لا أحتمل البقاء في هذا الصمت الذي يعم المكان.
شعرت كأن الوقت متوقف، والظلال التي تحيط بي تزيد من ثقل أفكاري.
أردت الهروب، ولكن ليس إلى أي مكان، بل إلى شيء يمكنه أن يغذي عقلي الجائع ويمنحني الهروب المؤقت من هذه الدوامة.
قررت أن أذهب إلى المكتبة، تلك الحديقة العقلية التي تمنحني متنفسًا بين رفوف الكتب.
تذكرت تلك الروايات التي كنت أقرأها دائمًا، وكيف كانت تأخذني إلى أماكن بعيدة، حيث لا توجد هناك أي جريمة أو ضغوطات.
كانت المكتبة المكان الذي أشعر فيه بالحياة، رغم أنني كنت أعلم أنني لن أجد الراحة التامة.
قفزت من مكاني وذهبت إلى خزانتي، انتقيت ملابس بسيطة، لا شيء مبالغ فيه، فالمكتبة ليست مكانًا للزينة، بل للتغذية العقلية.
ارتديت سروالي المريح وتي شيرت أسود يريحني في أيام كهذه.
حملت حقيبتي، وضعتها على كتفي وكنت أبحث عن مفاتيح المنزل التي ضاعت بين الحين والآخر وسط الفوضى التي تملأ حياتي.
بعد أن تأكدت من وجود كل شيء، تجهزت للمغادرة.
مع كل خطوة كنت أقطعها نحو الباب، كنت أترك خلفي عبء الجريمة، عبء الذاكرة التي تكاد تسحبني إلى المجهول.
كانت الشمس تتسلل من النوافذ، تداعب وجه المدينة برفق، لكنني كنت بحاجة إلى الهروب من هذا العالم ولو لفترة قصيرة.
عندما خرجت من الشقة، شعرت بهواء المدينة يعانق وجهي، وكأنني على وشك البدء في مغامرة جديدة.
لم أكن أفكر كثيرًا في الاتجاه الذي سأذهب إليه، بل كانت المكتبة هي وجهتي الوحيدة التي أريد أن أغرق فيها.
ثم تذكرت إلينور، وأننا اتفقنا على اللقاء في المقهى بعد المكتبة.
كانت إلينور دائمًا تملك ذلك التأثير المريح عليَّ، وكأن وجودها يُهدئ تلك العاصفة في داخلي.
ربما ستكون هي المعين في هذا اليوم الذي قد يبدو طويلاً.
كنت أعرف أنها ستكون قادرة على تقديم حديث مشوق ينسيني التفكير في الجريمة وتفاصيل التحقيقات التي تلاحقني.
دخلت المكتبة وأنا أشعر بالراحة قليلاً رغم كل ما يحيط بي.
الهواء هنا كان مختلفًا، محملًا برائحة الورق والكتب القديمة، كأنها تتنفس ببطء مع الوقت.
كانت الجدران مغطاة بالرفوف التي تحتضن عوالم مختلفة، بعضها يثير فضولي، وبعضها يثير في نفسي ذكريات قديمة.
لكن، كما هو الحال دائمًا، كان أول من لفت انتباهي في المكتبة هو مارك.
ذلك الرجل العجوز، صاحب المكتبة، الذي كان يرمقني بنظراته الباردة كأنني دخيلة في مملكته.
كان دائمًا هكذا، ينظر إليّ وكأنني سآخذ من كتبه شيئًا لا يحق لي أخذه، كأنني سآخذ شيئًا من وقته الثمين أو ربما من روح المكان ذاته.
لم تكن نظراته مشجعة، بل كانت تحمل شبحًا من الشؤم، مثل طيف يراقبني دون أن ينبس بكلمة.
كان دائمًا يطيل النظر، وكأنني سأسرق أحد الكتب التي يعتز بها، أو ربما كان يتوقع مني أن أفعل ذلك.
لم يكن عنده أي تعبير ودود، وكان وجهه يختفي خلف نظاراته ذات الإطار السميك، التي كانت تكشف عن عينيه اللتين تحملان الكثير من البرود.
"هل ستأخذين شيئًا أم ستبقين فقط لتمضي وقتك؟"
قال بصوته الجاف الذي كان يقطعه الصمت الذي كان يملأ المكان.
لم يكن الأمر حديثًا دافئًا، بل كان مجرد اقتراح جاف للتأكد من أنني لن أكون عبئًا عليه.
أنا لم أزعجه، كنت أعلم أنه يراقبني كأنني مجرد زائر عابر لن يبقى طويلاً، وكنت أنا أيضًا أحاول أن أكون غير مرئية قدر المستطاع.
نظرت إلى الكتب حولي، بينما بدأت أبحث عن كتاب قد يشغلني بعض الوقت، بعيدًا عن هذا الرجل الذي لا أعتقد أنه يعرف ما هي الابتسامة.
أخذت نفسًا عميقًا وأنا أتجاهل نظراته، وتوجهت نحو رف الكتب المفضلة لدي، حيث يمكنني العثور على عالم جديد، عالم بعيد عن تلك البرد القاتل الذي يلف المكان.
بين رفوف المكتبة المتراصة أمامي، كانت الكتب تمتد وكأنها تشكل طرقًا إلى عوالم غير مرئية.
نظرت بعناية إلى العناوين، وكل كتاب كان يمثل فرصة للهروب من الواقع المظلم الذي أعيشه.
لم أكن أبحث عن شيء محدد، بل كنت بحاجة إلى شيء يأخذني بعيدًا عن كل شيء، إلى مكان حيث لا توجد جريمة ولا تردد.
أول كتاب وقعت عيني عليه كان "ذكريات الماضي" لآنّا تود، وهي رواية تأخذك إلى قلب التاريخ، وتدور حول امرأة تُحارب ماضيها بينما تكشف أسرارًا دفنتها العصور. جذبني العنوان كأنني كنت بحاجة للغرق في الماضي، في محاولة للهروب من حاضر مليء بالألم.
ثم، اخترت كتابًا آخر يُسمى "شوارع الظلال"، وهو رواية غامضة تدور حول محقق يبحث في سلسلة من الجرائم الغامضة في المدينة.
شعرت أن هذا الكتاب يوازي ما يحدث حولي، حيث يمكنني أن أرى نفسي في تلك الألغاز التي لا حل لها، لكني كنت أبحث في هذه الرواية عن شيء لم أجده بعد في حياتي:
الحقيقة.
بينما كنت أستعرض الكتب الأخرى، وقع اختياري على "منعطفات القلب"، وهو كتاب روايات رومانسية غامضة تجمع بين الحب والحيرة.
كان العنوان يهمس لي كما لو كان يشير إلى ما أحتاجه، لكني لم أكن على استعداد لتفسير ذلك بعد.
ربما كنت في حاجة إلى بعض القصص البسيطة عن الحب، بعيدًا عن تعقيدات الجريمة والتحقيقات.
أخذت الكتب الثلاثة وتوجهت إلى الطاولة المخصصة للقراءة، حيث جلست وأطلقت العنان لأفكاري. كان من الواضح أنني لم أكن فقط أبحث عن القصص، بل كنت أبحث عن ما يعيد لي بعضًا من روحي المفقودة، تلك الروح التي لطالما ضاعت بين الظلال والأسرار.
شعرت كما لو أن الكتب كانت بمثابة رفيقة قديمة تعيد لي الأمل، على الأقل لفترة قصيرة، حتى أتمكن من مواجهة ما ينتظرني في الحياة.
بينما كنت أستعرض الكتب، جذبني شيء مألوف ومرتاح بالنسبة لي، كان "جريمة في قطار الشرق السريع" لأجاثا كريستي.
منذ أن كنت صغيرة وأنا أقرأ رواياتها، وقد أدهشني عبقريتها في بناء الشخصيات والألغاز المعقدة التي لا تكاد تجد لها حلًا إلا في اللحظات الأخيرة.
كانت قصصها دائمًا بمثابة مغامرة ذهنية، وكنت دائمًا أجد فيها نوعًا من التحدي والتسلية في آن واحد.
أجاثا كريستي، بكل قدرتها على الغموض، كانت دائمًا تجذبني لعالمها الذي لا يعترف بالحدود.
في هذه الرواية، تدور الأحداث في قطار فخم متجه إلى الشرق، حيث يتوقف الزمان والمكان في ظل جريمة مروعة تحدث على متنه.
هذا الكتاب لم يكن مجرد هروب أو استراحة بالنسبة لي، بل كان تذكيرًا بكيفية إتقان فن التحقيق واكتشاف الحقائق المخفية خلف قشرة الأكاذيب.
استشعرت كما لو أنني كنت بحاجة إلى لغز، إلى شيء يمكنني أن أبتعد به عن الواقع، وأنا أدرك جيدًا كيف يمكن لتلك الروايات أن تأخذني بعيدًا عن أي هموم أخرى.
كان هذا الكتاب جزءًا من احتياجي للغموض، حتى وإن كنت أحاول فهم سر تلك الوجوه، تمامًا كما كنت أتساءل عن كل الأشخاص الذين دخلوا حياتي وتركوا خلفهم آثارًا غير واضحة.
وضعت الكتاب بجانب الآخرين وبدأت أقرأ، عسى أن تأخذني هذه القصص في رحلة جديدة بعيدة عن كل شيء.
الساعات هنا تمضي بشكل مختلف، ببطء، كما لو أن الوقت نفسه يعترف بأنه ليس مهمًا أمام الكتب.
المكان الذي جلست فيه كان زاوية هادئة، حيث الضوء ينساب عبر النوافذ العتيقة وكأنها خيوط ذهبية تصطف على رفوف الكتب المكدسة.
بدأت أبحث عن شيء يخفف من القلق الذي شعرت به في الآونة الأخيرة، وعيني وقع عليه: "الطفل الداخلي".
كنت دائمًا مهتمة بعلم النفس، وكيف يمكن للماضي أن يظل محفورًا في النفس مثل جرح غائر، يعيد نفسه في كل لحظة تحتاج فيها إلى مواجهة نفسك.
هذا الكتاب بدا وكأنه سيلامس تلك الزوايا المظلمة التي أتجنب النظر إليها في كثير من الأحيان.
قلبت صفحاته ببطء، وأخذت أقرأ الكلمات التي كانت تبدو لي وكأنها صدى لصوتي الداخلي.
في عمق نفسي، كنت أعرف أن هذا الكتاب سيعيد فتح أبواب الماضي، تلك الأماكن التي تركتها مغلقة لسنوات.
يتحدث الكتاب عن فكرة أن كل شخص يحمل بداخله جزءًا من الطفل الذي كان عليه عندما كان صغيرًا. هذا الطفل الذي عانى، الذي شعر بالوحدة، الذي سعى للحب والأمان.
وتحت السطح، لا تزال تلك الآلام والتجارب تؤثر في سلوكياتنا كبالغين، حتى وإن لم نكن ندرك ذلك.
بينما كنت أقرأ، شعرت وكأن الكتاب يلامس جروحي القديمة، تلك التي كنت قد نسيت وجودها، أو ربما تظاهرت أنني نسيتها.
العقل الباطن لا يكذب، وهذا ما أدركته خلال قراءتي.
هذه الأفكار، المشاعر، حتى ردود الأفعال، كلها جذور تنبع من تلك الطفولة المفقودة، من تلك الأيام التي شكلت شخصيتي كما هي الآن.
فكل تجربة، مهما كانت صغيرة، تركت بصمتها، وكل جرح نفسي لم يلتئم تمامًا يظهر من جديد في اللحظات التي نعتقد أنها نسيان.
كانت الصفحات تنقلب أمامي كأنها لا تنتهي، وتغرقني في عالم من الأفكار التي لم أكن أريد أن أتذكرها.
لكن مع كل كلمة، شعرت بشيء غريب يحدث داخلي، شعرت وكأنني أبدأ في فهم نفسي أكثر.
لماذا أتصرف كما أفعل؟
لماذا أنغلق أحيانًا؟
الكتاب لا يجيب فقط على هذه الأسئلة، بل يفتح المجال لعلاج تلك الجروح العميقة.
كنت أريد الهروب من كل هذا، لكنني أدركت أن الهروب ليس الحل.
فربما كان الوقت قد حان لمواجهة هذا الطفل الداخلي، ذاك الطفل الذي لا يزال موجودًا في داخلي، يعاني، يتألم، وينتظر أن أمد له يدي ليشعر بالأمان.
بعد أن انتهيت من تصفح الكتاب، شعرت بشيء غريب يسكنني.
كما لو أنني قد فتحت بابًا قديمًا كان مغلقًا لفترة طويلة، وأصبح من الصعب العودة إلى الوراء.
لكنني نظرت إلى الساعة في يدي، وأدركت أن الوقت قد مر سريعًا.
كان من الأفضل أن أذهب الآن قبل أن أضيع في أفكاري أكثر من اللازم.
نهضت من مكاني ببطء، وضعت الكتاب بحذر على الرف، ثم توجهت نحو مالك المكتبة، مارك، الذي كان يقف وراء المكتب ينظر إلى أوراقه بعينين ضيقتين، وكأنما يحاول أن يجد شيئًا ما في داخلها.
"سأأخذ هذه الكتب."
قلت وأنا أقترب منه، مشيرةً إلى الكتب التي وضعتها في سلة المشتريات.
كان يتوقف دائمًا عن النظر إلى الأوراق عندما أتحدث، ثم يرفع عينيه الباردة التي دائمًا ما تراقبني بحذر، كما لو أنه يراقبني عن كثب.
كان مارك ذلك الرجل العجوز الذي لا يثق بسهولة في أحد، وتلك العينان الحادتان اللتان تبثان البرودة كانتا توحي بذلك.
قال وهو يضع الأوراق جانبًا:
"حسنًا، سأجهزها لك".
ولم يكن هناك شيء في نبرته يعكس اهتمامًا حقيقيًا بما أشتري، فقط تلك الطريقة الجافة التي اعتدت عليها منه، كما لو أن كل من يدخل المكتبة هو مجرد زبون عابر لن يبقى طويلاً.
في تلك اللحظة، شعرت وكأنني في مكان آخر، في مكان بين الجدران الأربعة للمكتبة وبين الكتب المبعثرة على الأرفف.
كان الهدوء يحيط بي، لكن داخلي كان يعج بالأفكار. بين يدي الكتب التي أخترتها، بدأت أتمتم في نفسي، وكأنني أواجه شيئًا أكبر من مجرد عملية شراء. كنت أواجه أسئلتي الداخلية، أبحاثي، محاولاتي لفهم نفسي.
أثناء تجهيزه الكتب لي، لم أتوقف عن التفكير في محتوياتها.
كيف ستؤثر على أفكاري؟
هل ستمكنني من ملامسة ذاك الطفل الداخلي المخبأ بداخلي؟
أم أنها ستكون مجرد كتب على الرف، تنتهي عند إغلاق الصفحات؟
خرجت من المكتبة وأنا أضع الكتب بعناية في حقيبتي، ولكن شعرت بشيء غريب في داخلي، كما لو أنني لم أكتفِ بما قرأته للتو.
الهواء في الخارج كان باردًا، والحركة في الشارع كانت متسارعة كالمعتاد، لكنني كنت في عالمي الخاص، مشغولة بأفكاري التي لا تفارقني.
أخرجت هاتفي من حقيبتي وأنا أضغط على الأزرار بسرعة.
إلينور... أردت أن أخبرها بسرعة بأنني قررت أن نلتقي في المقهى الذي نذهب إليه عادة.
ذلك المقهى الصغير الذي يقع على يمين المكتبة، حيث يلتقي الزمان والمكان في حوار هادئ بيننا نحن الاثنتين. كنت بحاجة إلى حديث مع صديقتي، إلى تلك اللحظات التي تشعر فيها بأنك تستطيع أن تريح قلبك بعيدًا عن كل الضغوطات.
نظرت إلى شاشة هاتفي، وبدأت بكتابة الرسالة.
"هل تريدين اللقاء في المقهى بعد قليل؟"
لم يكن من الضروري أن أكتب أكثر من ذلك. فهي تعرف جيدًا المكان، وتعرف أنني بحاجة إلى ذلك اللقاء البسيط، حيث نترك العالم من حولنا ونغرق في حديث طويل وممتع.
بينما كانت أصابعي تتحرك بسرعة على الشاشة، كنت أسترجع تلك اللحظات التي قضيناها معًا في المقهى، الضحك، الأحاديث الجادة، ثم الصمت الذي يريح النفوس. إلينور هي الشخص الذي يمكنني أن أكون معه نفسي تمامًا، دون أقنعة، دون تظاهر.
هذه المرة، لم أكن أريد شيئًا سوى البقاء في تلك اللحظات البسيطة، بعيدًا عن كل القضايا والمشاكل التي تملأ حياتي هذه الأيام.
أرسلت الرسالة، وأخذت نفسًا عميقًا، بينما كان صوت الرسالة الواردة يرن من هاتفها في الجهة المقابلة.
ابتسمت عندما قرأت رد إلينور، وكأن الصدفة كانت تبتسم لي أيضًا.
"يالها من صدفة!"
كتبت لي.
كنت قد قررت بالفعل الذهاب إلى المقهى، وكانت الرسالة تأكيدًا على أننا سنتقابل قريبًا.
هذا اللقاء كان بمثابة انفراجة بالنسبة لي، فبينما كنت أركب الطريق إلى هناك، شعرت بأن كل شيء في العالم قد توقف لحظة، وأنني في المكان الذي يجب أن أكون فيه.
عندما وصلت إلى المقهى، دخلت وأنا أبحث عن إلينور وسط الطاولات.
كان المكان مزدحمًا بعض الشيء، كما هو الحال دائمًا، ولكن كان الجو دافئًا ومريحًا.
لم أستغرق وقتًا طويلًا حتى رأيتها، تجلس في زاوية المقهى، وأمامها كوب قهوة steaming يحتفظ برائحة الدفء.
اقتربت منها، وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن ألقي التحية.
"كيف حالك؟"
سألنا بعضنا و نحن نتبادل الابتسامات ، إلينور فتاة دائما تبعث لي الطاقة الإيجابية اللازمة لإنعاشي!
"بخير كالعادة"
قالت إلينور بابتسامة هادئة وهي تراقبني وأنا أجلس، وكأنها تراقب كل حركة لي بتلك العيون الفضولية التي دائمًا ما تحمل الفهم دون سؤال.
طلبت هي القهوة، وكما هو الحال في كل مرة، اخترت عصير الموز المفضل لي.
كان هذا هو العصير الذي يهدئ أعصابي دائمًا ويعيد لي نشاطي بعد يوم طويل.
أخذت رشفة من العصير وأنا أبدأ في الحديث، وكأن الكلمات تخرج مني كالسيل.
لم أترك أدق التفاصيل التي مررت بها، لا شيء كان صغيرًا أو غير مهم.
كان كل شيء حديثًا يستحق أن يقال.
أخبرتها عن مغامرتي في المكتبة، عن مارك ذلك الرجل الغريب، وعن الكتب التي أخذتها، حتى أنني تحدثت عن ذلك الكتاب النفسي الذي جعلني أسترجع أفكارًا قديمة دفنتها في أعماق عقلي.
ثم انتقلت إلى الحديث عن الصحفي الذي جاء إلى منزلنا، عن الجريمة، وعن التحقيقات التي لم تنتهِ بعد، مع كل التوتر الذي يشعر به كاسيان بسبب عدم وضوح الأدلة.
حكيت عن كل شيء، حتى عن شعوري بعد رؤيتي للصورة القديمة في الخزانة.
كانت تلك اللحظة التي أثارت ذكريات لم أكن أتوقع أن تطرأ على ذهني الآن. عن أمي، عن نفسي عندما كنت طفلة صغيرة أمام برج إيفل، وأين كان نصف الصورة المفقود.
كيف كانت تلك اللحظة مجرد لمحة عن الماضي البعيد الذي كنت قد نسيت تفاصيله، ولكن دون أن أستطيع أن أضع يدًا على ما يعنيه.
إلينور كانت تستمع إلي بتركيز، مثلما تفعل دائمًا.
عيونها مليئة بالاهتمام، وتلك الابتسامة التي تنم عن فهم عميق لما أمر به دون الحاجة للكثير من الكلمات.
لكنها كانت تعرف أنني في حاجة إلى الحديث أكثر من أي وقت مضى.
لقد كانت تلك الفترة مضطربة، مليئة بالشكوك، بالتحقيقات، وبالأحداث الغامضة التي لا تترك لي مجالًا للراحة.
"هل شعرت بأي شيء غريب؟"
سألتني إلينور، بينما كانت عيناها تلمعان بالفضول.
عرفت أنها كانت تحاول أن تلتقط ما قد أغفلت ذكره، أي شيء قد يكون مرتبطًا بما يحدث حولنا.
وأجبتها، ربما أكثر صراحة من أي وقت مضى:
"أشعر أنني غارقة في شيء أكبر من أن أستوعبه، لكنني لا أستطيع التراجع الآن".
جلست بجانبها، وبمجرد أن شعرت بالقهوة التي بين يدي، أدركت أنني كنت بحاجة إلى هذه اللحظات أكثر من أي وقت مضى.
اسمعي، في النهاية أنتِ من تتحكمين بمسار حياتك، وأنتِ من تقفين أمام قطار الزواج لتقرري إن كان سيتوقف أو يمر. إذا لم تختاري رجلاً ذو عقل متقد، قلب كريم، مستوى تعليمي رفيع، شخص يمتلك منزلًا يعكس شخصيته، وسيارة تنبض بالاستقلالية، فاعلمي أنكِ بذلك تُضيعين حياته، وتبعدينه عن مسار النجاح. لأن الرجل الذي لا يحمل هذه السمات، لا يستحق أن يُطلق عليه اسم 'رجل'، بل هو مجرد ظلٍ لمفهوم لم يُكتمل بعد."
سكتت إلينور للحظة وكأنما كانت تفكر في كل كلمة قلتها.
ثم تنهدت بعمق وأخذت رشفة من قهوتها بينما كانت عيونها تتنقل بين وجهي، تحاول أن تجد إجابة لشيء عميق جداً في داخلها.
"أنتِ تعرفين، إيزيل، أعتقد أنني أعيش تحت ضغط دائم لإرضاء الجميع من حولي، وأمي خاصة. هي دائمًا تقول لي نفس الشيء عن الرجل الذي يجب أن أبحث عنه، وتضع المعايير نفسها التي ذكرتها. هو يجب أن يكون كريمًا، ذكيًا، ناجحًا، يحمل كل الصفات التي تجعله "رجلًا". ولكن هل حقًا هذا هو كل شيء؟ هل الرجل المثالي هو من يمتلك هذه المواصفات؟"
ابتسمت ابتسامة صغيرة رغم الحزن الذي كان يلوح في عينيها.
"لكنني بدأت أتساءل، ماذا عن القلب؟ ماذا عن الحضور؟ هل يمكن أن أعيش مع شخص يحمل كل هذه الصفات لكن قلبي لا ينبض بالقرب منه؟"
أخذت نفسًا عميقًا وقالت،
"أنتِ تحدثت عن المواصفات التي تجعل الرجل 'رجلًا' في نظر العالم، لكنني كنت أفكر في شيء آخر. ربما، عندما تكونين مع الشخص الذي يناسبك، تلك المواصفات قد تتلاشى أمام وجوده، ولن يكون هناك حاجة لتأكيد قيمته من خلال ما يمتلكه. في النهاية، ما يبقى هو العاطفة، التفاهم، والرغبة في أن تشارك الحياة مع شخص يفهمك كما أنتِ، دون أن يحتاج لإثبات شيء."
توقفت للحظة، ثم تابعت
، "ربما الأهم هو أن أكون صادقة مع نفسي أولًا، أن أكون قادرة على الاستماع إلى مشاعري بدلاً من اتباع القواعد التي وضعتها لي الحياة. وفي النهاية، سيجد كل منا طريقه الخاص."
حدقت في إلينور لفترة، أفكر في كلماتها بعمق.
لم أكن أستطيع أن أصدق أنها تتحدث عن هذه المشاعر، عن تلك الأسئلة التي طالما كنت أواجهها في صمت.
كان كلامها يعكس كل شيء داخل قلبي، وإن كانت تتحدث عن أشياء لم أجرؤ على الاعتراف بها لنفسي.
"أنتِ محقة،"
قلت وأنا ألتقط أنفاسي،
"ربما كل ما ذكرته عن الرجل المثالي، كل تلك المعايير التي تجعل منه 'الرجل'... هي مجرد قشور. قد تظل تتألق أمام العالم، ولكن عندما تجدين شخصًا يفهمك كما أنتِ، كل هذه التفاصيل الصغيرة تصبح بلا معنى."
أخذت رشفة من عصيري ووضعت الكوب أمامي، وأضأت مكانًا مظلماً في تفكيري.
"لقد نشأت وأنا أعتقد أن الحياة يجب أن تكون مليئة بالقواعد، بالقوانين التي نلتزم بها... لكنني اكتشفت مؤخرًا أن هناك شيء آخر، شيء أبعد من مجرد التصنيفات. هناك الحقيقة التي لا يمكن لأحد أن يراها إلا عندما يشعر بها. الشعور بالراحة في حضور شخص لا يحتاج إلى تبرير نفسه، شخص يمكن أن نكون معه بدون أحكام مسبقة."
ابتسمت بمرارة وأنا أقول:
"لكنني أيضًا أفكر... هل نحن مستعدون حقًا للانفتاح على هذه الفكرة؟ هل سنتمكن من تجاوز كل تلك الحواجز التي وضعناها لأنفسنا طوال العمر؟"
نظرت إلى إلينور، وكان وجهها يعكس نفس تلك التساؤلات التي كانت تدور في رأسي.
"ربما نحن بحاجة إلى أن نتخلى عن أفكارنا القديمة، ونعطي لأنفسنا فرصة لنعيش الحياة كما هي، بعيدًا عن المعايير التي رسمها لنا المجتمع. في النهاية، إذا لم نكن صادقين مع أنفسنا، فما الجدوى من كل شيء؟"
فجأة، شعرت بشيء غريب في داخلي، شعور بالتحرر وكأنني لأول مرة أتجرأ على الاعتراف لنفسي بما أشعر به حقًا.
ردت علي:
"لا أريد رجل حزين يبكي كل ليلة ،
لا أريد رجل سيء لأنه سيرغب فقط في القتال،
لا أريد رجل مدلل لوالدته الذي يبحث فقط عن فتاة تكون ربة منزله،
لا أريد رجل جميل من الخارج و قبيح من الداخل،
لا أريد رجل قوي لأن حبه سيكون ضعيف ،
لا أريد رجل متلاعب كل ما سيفعله هو الخيانة،
لا أريد رجل عاشق الذي يتحدث عن البقاء للابد بينما لم نقضي ليلة واحدة معا."
سمعت كلمات إلينور تتساقط من بين شفتيها، كأنها تفجيرات تكشف عن كل أفكارها المكبوتة، وتحتوي على تساؤلات لا تنتهي.
كانت كلماتها تحمل صدى من الجراح والأمل المحطم، كما لو أنها رسمت صورة في ذهنها عن الرجل المثالي وتحررت من كل الأوهام التي كانت تحيط به.
قلت لها بصوت هادئ، لكني شعرت بأثر كلماتها يتردد في أعماقي:
"أنتِ على حق، إلينور. لا أحد يرغب في أن يُحمّل بمشاعر ثقيلة أو تجارب سيئة، ولكن في بعض الأحيان، لا نجد ما نريده بالشكل الذي نخطط له. قد تكونين تبحثين عن الرجل الذي يعكس جميع تلك المواصفات المثالية، لكن أحيانًا الحياة تأخذنا إلى مكان آخر، حيث نجد أنفسنا نحب إنسانًا ليس كاملًا، ولكنه يكملنا. ربما نحن جميعًا بحاجة إلى تغيير مفهومنا عن 'الرجل المثالي' لأن الحقيقة هي أننا كلنا نخطئ، ولكن لا يعني ذلك أننا لا نستحق الحب."
كنت أراها تبتسم بخجل، وقد بدأت تدرك أن حديثي كان يحمل شيئًا من الحقيقة التي كانت تتجنبها، شيء يخص قلبها أكثر من أي شيء آخر.
"هل تعلمين، إلينور، ما الذي لاحظته؟ لقد مرت ساعة كاملة، والساعة الآن تشير إلى السادسة مساءً. كنت قد أخبرت كاسيان ألا يتأخر، لكنه في النهاية لم يكن المتأخر... بل أنا. حتى أنني نسيت أن أخبره بأنني سأخرج اليوم، سيقتلني عندما يعرف! إنه دائمًا يحب أن يكون في الصورة، وأنا دائمًا أتأخر عن مواعيدي. ولكن على الأقل، هذه المرة، كان الحديث معكِ يستحق الانتظار."
أخذت المفاتيح منها بابتسامة خفيفة على شفتي،
"أعدكِ، لن أترك الورشة في فوضى مرة أخرى. لا أريد أن أسمع منكِ أو من كاسيان أنني تركت المكان مشوشًا. سنبدأ العمل قريبًا، بعد يومين على الأرجح."
ثم، بينما كنت أبدأ في التحرك نحو الباب، أضفت بنبرة غير جادة،
"وربما سيظل كاسيان يتساءل أين أنا، لكن يمكنني دائمًا إخبارهم بأنني كنت في محادثة معكِ، وهو في النهاية سيكون أقل اهتمامًا عندما يعلم أنني كنت مشغولة بحوار مثير. أما أنتِ، فلا تنسي أن تتواصلي معي، العاشقة الحقيقية."
رفعت حاجبي قليلاً وأنا أمضي خطوة أخرى،
"لكن، أرجوكِ، لا تضيعي نفسكِ في زحام العواطف الكثيرة التي تملأ قلبكِ. اعتني بنفسكِ أكثر، فالحياة لا تنتظر."
ثم اختتمت كلماتها، ولمستني تلك اللحظة التي أدركت فيها أن كلماتي تحمل قوة قد تؤثر في من حولي، حتى لو كانت صغيرة كما هي.
عدت إلى المنزل، وأشعة المساء تلوح في الأفق.
كانت ابتسامتي شاقة وجهي، حتى وكأنها تخفي وراءها مشاعر متناقضة.
على الرغم من أنني فرغت همومي مع إلينور، إلا أنني شعرت بثقل لا يمكن تجاهله.
هل هو الألم؟
أم فقط مجرد عبء إضافي يحاول التسلل إلى حياتي؟
لم أكن أعرف.
ولكن الشيء الوحيد الذي كنت متأكدة منه هو أنني لم أجد كاسيان بعد.
قررت أن أكون سريعة وأتصل به، لكن في تلك اللحظة، رن هاتفي.
كان هو. قلت في نفسي، هذا ليس سوى القدر الذي يفرض نفسه.
رفعت سماعة الهاتف، وما إن سمعت صوته حتى خفق قلبي بشكل غريب، وكأنني كنت أعرف أنه سيخبرني بشيء غريب.
"إيزيل..."
كانت نبرته متعبة، وحزينة.
"إنها جريمة قتل أخرى، بل جريمتان. حدثتا في نفس الوقت، وكل شيء قد يبدو أكثر تعقيدًا مما نتخيل. واحدة من الجريمتين تتعلق بمحلل شفرات المورس، ذلك الشخص الذي طلبت منه تحليل الرسالة التي تركت في موقع جريمة قتل رئيس البلدية."
كلمات كاسيان كانت ثقيلة. شعرت وكأن شيئًا ثقيلًا قد سقط في صدري.
"أنا آسف، إيزيل... لكن التحقيق سيأخذ مني وقتًا. لن أتمكن من العودة قريبًا."
صمتُ قليلاً.
كانت الكلمات التي قالها تجعلني أشعر أن كل شيء بدأ ينفلت من بين يدي.
جريمة قتل أخرى؟
بل جريمتان؟
وما علاقة المحلل بذلك؟
"هل هذا يعني أننا لا نعرف بعد من يقف وراء كل هذا؟"
أجاب بصوت متهدج:
"لا، وما زلنا في بداية الطريق. سنحتاج إلى وقت طويل لفهم كل شيء."
شعرت بأنني ضائعة في هذه الدوامة، ولكن لم يكن لدي خيار سوى أن أنتظر.....