« تُرِيدِينَ أَنْفَاسِيَ »

« تُرِيدِينَ أَنْفَاسِيَ »

16 1

**صوتُ طنينٍ انتشلني من ظُلمةٍ كنتُ حبيستَها لساعات، ففتحتُ مُقلتيَّ ببُطء، وأوّلُ ما استقبلَ بصري نورٌ أبيضُ ساطع، استذكرتُ به ذكرياتٍ جاهدتُ على نسيانها ومحوِها من أرفُفِ ذاكرتي\.** شممتُ رائحةً أعرفُها جيّدًا، وهي أكثرُ ما أمقُت\. حاولتُ أن أرفع جسدي، لكنّ ثِقلَ رأسي، والطنينَ الذي اخترقه، جعَلني أتراجع عن فكرةِ التحرّكِ لمدّةٍ من الزمن\. وصلَ إلى أذني صوتُ صريرِ البابِ مع خُطواتٍ راكضة، استشعرتُ اقترابَها منّي حتى حطّتْ يدٌ دافئةٌ تحملُ نقوشًا تركها الزمنُ كتذكارٍ على عيشِها لهذه الحياةِ القاسية\. **“إيڤين، صغيرتي، هل أنتِ بخير؟”** حمل صوتُها رعشةً استطعتُ سماعَها، ونظراتُها الحانيةُ هي كلُّ ما تمكّنتُ إبصارَه\. يداها تجوبُ خُصلاتي، وعيونُها تطوفُ وجهي باحثةً عن جروح\. **“أنا بخير، جدّتي\.”** **“هل علمتِ لماذا أبعثُ ذلك القَزَمَ الصغيرَ لكي يحرُسَك؟** **لأنّكِ من دونه سوف تتأذّين كالآن، أيتها الحمقاء\!”** أضافت على كلامِها لكمةً أصابتْ عضُدي، لم تكن مؤلمةً، ولكنّها أوصلتْ ما تُريد أن أفهمه، أو بالأحرى، وصلني تهديدُها بأسرعِ الطرق وأقلّها خُطورة\. **“أجل، أنتِ على صواب، لو كان ذلك القزمُ معي، لما حدث لي شيء\.”** تكلّمتُ بلهجةٍ غلّفها الاستهزاءُ، وكسَتها السّخريةُ بأبهى صورة، ولكن ما شغلَ تفكيري هو عدمُ تواجُدِ أيِّ أحدٍ سوى جدّتي، حتّى أُمّي لم تكن موجودة، وهذا ما دفَعَني للسؤال عنها\. **“أين أُمّي؟”** **“إنّهم بالخارج، سمح الطبيبُ لشخصٍ واحدٍ بالدخول،** **لذلك أنا فقط هنا\.”** **“بِمَ تقصدين بكلمة إنهم؟”** **“والداكِ، وخالُكِ أيضًا، وجدُّكِ، وهناك رجلان لم أستطع التعرُّف على أحدِهما\.”** من الجيّد أن الطبيبَ لم يسمح بدخول الجميع، يكفيني الصداعُ الذي يفتكُ برأسي، ولن أستطيعَ احتمالَ الكثير من الأصوات\. وعلى ما يبدو، فإنّ ذلك الوغدَ البغيضَ قد أتى إلى هنا\! هل يُريد أن يتشمّتَ بي؟ سأُريه يومَه، ذلك الغُرابُ الأهوج\. **“هل تشعرين بالألم أو الجوع؟”** **“كِلاهما\.”** **“لازلتِ ذاتَ شهيةٍ مفتوحة رغم ما تعرّضتِ له\. بالفعل، إنّكِ ذاتُ معدةٍ فُولاذيّة لا تتأثّر بالصّدمات\.”** أخذ صوتُها يبتعد مع ابتعادِ خطواتِها، حتى عاد الصمتُ ليخيّمَ على المكان\. بصراحةٍ، أنا لا أكره الصّمتَ بحدِّ ذاتِه،بل ما يُخلّفُه من أفكارٍ تتصارعُ في رأسي، حتى تُصبحَ إحداها طريحةَ الأرض، مُحاطةً بدماءِ اللا رحمة\. من المُضحك أنّ أكثرَ ما يُؤذينا هي ذواتُنا، لا نعلمُ ماذا نُريد، وبذاتِ اللحظة نُريدُ ما لا نعلمه\. لو استطعنا وصفَ أنفسِنا بكلمة، فستكون: “الجشَع”\. نحنُ جشِعون حتّى بالوَهم، وإن لم يكن لدينا مخرجاتٌ حقيقيّةٌ نُريدها لأنفسِنا، فطموحُنا الكاذبُ للتحسينِ هو ما يجعلُنا جشِعين نحو كلِّ شيء، حتى لو كان لا يُمثّلُنا أو يُؤذينا\. من الصعبِ البوحُ بالحقيقةِ حتّى أمام أنفسِنا، لذلك أصبحنا ماهرين بالكذبِ والتزييف، لدرجةٍ لم نعد نعرفُ مَن نحن، وما هُويّتنا، وإلى أينَ ذاهبون\. تداخلَ صوتُ عقاربِ الساعةِ مع بحرِ أفكاري المُهتاج، ليُفيقَني من غفوةِ شُرودي التي أخذتني لدقائقَ طويلة، جعلَت من ذاتي حبيسةَ أفكارٍ لا تُعدّ ولا تُحصى\. بمجرّدِ عودةِ نفسي لواقعِها، تقلّبتْ نظراتي في أرجاءِ الغرفة، حتى حطّت على جسدٍ يتغلّفُ بالسّواد، جالسٍ على مِقعدٍ اكتسبَ لونَه\. نظراتُه المُتفحّصةُ لي أبتْ أن تنفكَّ عنّي، وهذا ما جعلني أشعرُ بعدم الارتياح، أو، لأكونَ أكثرَ صدقًا، أشعرني وجودُه بالانزعاج، فلو تصدّرَ المشهد وساعدني، لما كنتُ أنا هنا\. أبيتُ أن أُنبس بكلمة، وهو اكتفى بمطالعتِي ككتابٍ يُجالسُه في أجملِ أوقاتِ خلوته\. وهذا ما جعلَ الخجلَ يتأجّجُ بداخلي، وينعكسُ لونُه على وجنتيَّ\. لستُ خجِلةً منه، بل من نظراتِه التي تأبى أخذَ استراحة، كجنديٍّ مُستعدٍّ لمراقبةِ أرضِ وطنِه حتى مماته\. **“ما بِكِ حمراء؟”** ذلك الغرابُ الأهوجُ يُجيد تلوينَ وجنتيّ، ثمّ يسألني من قامَ بتلوينها\! هل هو غبيّ، أم يُريد الإطاحة بي؟ **“بسببِ الجوِّ الخانقِ للأنفاس، يبدو أن هناكَ شخصًا جشِعًا يُريد الأُكسجينَ له وحدَه، ويتبرّع لي بالقليل\.”** **“هل تُريدين أنفاسي؟** مَهْلًا، أهوَ تَوًّا قامَ بهَجمَةٍ مُباغِتَة؟ إذًا، هو يُريدُ الإطاحَةَ بي\! هَلْ يَظُنُّ خُيوطي سَهلَةَ التَّحَكُّمِ والانصِياع؟ خَسِئَ ذلكَ الأهوجُ أنْ يُسيطرَ عليَّ أو يُحاوِلَ جعلي أَنصاعُ لَه\. **“لا، يُفضَّلُ أنْ تَبقى بعيدًا عنِّي كَي لا تَنتقِلَ لي الأمراض\. تَعلَمُ، أنا حذِرَةٌ تجاهَ هذِهِ الأمور\.”** لَمْ أَستَطِعْ تَجرُّعَ إهانَتِه لي في المَكتَبَة، فَرَدَدتُها له الآن، كي يَعلمَ مَن يُجَابِهُ في هذه المعرَكةِ الضّاريَة\. **“قَرارٌ حَكيمٌ مِن أُنثى مُتَهَوِّرَة\.”** عَجَزَ عَقلِي عن تَرجَمَةِ كلامِه، أهوَ يَمدَحُني أم يَذُمُّني؟ لذا ارتأَيتُ أن أُجابِهَهُ بالصّمتِ، فهي اللّغةُ الوحيدةُ التي تُسمَعُ دونَ صوتٍ، وتُترجَمُ عبرَ العيون\. وهنا، كانتْ إجابتي مُحايِدة\. دوّى صَوتُ طَرقاتٍ على الباب، تلاها انفراجُه على مِصراعَيه، مع دُخولِ جَدَّتي، جارَّةً معها عَرَبَةً يَنسابُ رائِحةُ طعامِها في الهواء، حتّى تَسلّلَت إلى أنفِي\. **“إيڤين ، صغيرتي، أَحضَرتُ الطّعامَ، هل تُريدينَ أن أُطعِمَكِ كما كنتِ تُحبّين؟”** وصلَ كلامُها إلى أُذُني، وفي ذاتِ اللحظةِ تَلَوَّنَ وجهي: بحقِّكِ، جدَّتي، أما وجدتِ سِوى هذه الجُملةِ من بينِ جُمَلِ الكونِ كلِّه؟ **“أجل، لكنْ بمرَضِكِ تَملِكينَ امتيازاتٍ عديدة، منها أن أُطعِمَكِ\.”** رَمَت كلماتِها بصوتٍ حنونٍ جعلَ منِّي فتاةً مُهذّبةً لا تَقدرُ على الرّد\. أنَّى لها هذا الدفءُ كلُّه؟ ألمْ تكن تَملكُ خُبثًا يُضاهي العالم؟ كيفَ اجتمعَتْ هذه الصّفاتُ في إنسانةٍ طيبةِ القلب؟ أحيانًا أتساءل: هل هي في جانبِ الخير أم الشر؟ وأتوصَّلُ دائمًا إلى إجابةٍ واحدة: إنها ليست من هذا الكوكب… من المحتملِ أنها جاءتْ من الفضاءِ زيارةً لهذا الكوكبِ المُوحِش\. جلستْ جدّتي قُبالتي، وضعتْ الطعامَ على الطاولةِ المخصّصةِ أمامي، وما لبثَتْ كثيرًا حتى وقعَ بصرُها على ذاكَ الغُرابِ الأهوج، فانفرجَتْ أساريرُها، وللوهلةِ ظنَنتُ أنها وجدتْ ابنَها الضائعَ بعدَ غياب\. **“يا إلهي، ماذا تفعلُ أيها الوسيمُ هنا؟”** تكلّمت بنبرةٍ تملِكُ حماسًا مُريبًا، وكانتْ نظراتُها أغربَ ما في هذه المعادلةِ الصعبة\. لا أريدُ أن أفكّر… هل هو صَيدُها الجديدُ لهذا الشهر؟ لقد تأثّرتُ حقًّا، سيُعاني كثيرًا، لكنّني لستُ آسفة، فهو يستحقُّ ذلك\. لم يَقدِرْ على مساعدتي، فأصبحتُ طريحةَ الفراشِ في المستشفى الذي أمقُته\. **“أتيتُ نيابةً عن العَمّ ألبرت\.”** رأيتُ الوَهجَ في عيني جدّتي ينطفئُ من ردِّه البارد\. هل كانتْ تَتوقّعُ أنْ يقول: “من خوفي وهيامي، أتيتُ ركضًا لأطمئنَّ عليها”؟ لو كانتْ تعلمُ بأنه أحدُ أسبابِ سقوطي، لأصبحَ عنوانَ قتلِه الأبرزَ في الجرائدِ الصباحيّة\. **“حسنًا، أهلًا بك، بُنَيَّ\.”** هزَّ رأسهُ ردًّا على كلامها، وهذا أكثرُ ما تَكرهُه جدّتي، فهي سليطةُ اللّسانِ ولا تستطيعُ كبحَ ذاتِها، وأنا ورثتُ طِباعَها، لذا قرّرتُ أن أشنَّ هجومًا مباغتًا على أدعجِ العينين\. **“لا تُبالِ به، جدّتي، إنه هكذا، يُجيبُ بكلمتَين أو لا يتكلّمُ من الأساس، ومن تحليلي اكتشفتُ أنّ لحروفه حدًّا معيّنًا للاستخدام\.”** جالتْ نظراتي في ملامحه أبحثُ عن أثرِ كلماتي، فلم أُبصرْ سوى طَرَفِ ابتسامةٍ مع رفعِه لإحدى حاجبَيه شديدَي السّواد\. **“هل، وبالصدفة، أنتِ مُهتمَّةٌ بي؟”** **“بحقّك، يا رجل، لم أرَك سوى اليوم، فمتى تسنّى لي الوقتُ لأبنيَ مشاعرَ اهتمامٍ تجاهك؟”** **“هلِ المشاعرُ تحتاجُ وقتًا لتتكوَّن؟”** بئسًا\! ألم تكنْ هذه معركتي التي سأنتصرُ بها؟ من أينَ له كلّ هذه الهجمات؟ هل كان يُريد الإطاحةَ بي قبل أن أفعلَ أنا؟ وما بالُ هذه الأسئلة؟ أهو طفلٌ لا يدري ماهيّةَ المشاعر؟\! تضارَبَتِ الأسئلةُ في رأسي، وأرسلَ دماغي إنذارَ الحذر، يجبُ عليّ أن أبنيَ جوابًا منطقيًّا يُرضي هذا الفيلسوف\. **“حسنًا، أعتقدُ أنّ لكلِّ شخصٍ وجهةَ نظرٍ معيّنة تجاهَ المشاعر، وبما أنَّ سُؤالكَ موجَّهٌ إليَّ، فستكونُ الإجابةُ حسبَ فلسفتي الخاصّة: المشاعرُ تُولدُ بلحظاتٍ، قد تكونُ لحظيّةً بسببِ انطباعٍ أول، قد يكونُ صحيحًا أو غيرَ صحيح، أو من المحتملِ أنْ تتشكَّلَ بعدَ عدّةِ مواقفَ وحوارات\. ولكي أكونَ أكثرَ دقّةً في جوابي عن مشاعري تجاهك، فأجل، قد تَشكَّلت، وأصبحتْ أكثرَ وضوحًا… فأنا أَكِنُّ لك مشاعرَ البُغض\."** بمجرّدِ انتهائي مِنْ كلامي، أهدَيتُهُ ابتسامةً تَحمِلُ في طَيّاتِها العديدَ مِنَ الرَّسائِلِ، وأهمُّها: استفزازُهُ\. ومِمَّا لاحظتُهُ، أنَّهُ حين لا يُعجِبُهُ الحديثُ، يَرفَعُ دائمًا إحدى حاجِبَيْهِ للأعلى، وكأنَّهُ يقولُ لي: “بحقِّكِ؟” **“إيڤين، عَزيزتي، تَناوَلي طَعامَكِ قبلَ أن يَبرُد، وأنا سأتولّى إكمالَ هذه المُحادثة مع ذلكَ الوسيم\.”** قالَتها وهي تَصُفُّ الأطباقَ أمامي، ثمّ استدارَت لتجلسَ قُبالةَ ذلكَ الغُراب، وكأنَّها جدارٌ صَلبٌ يَحميني من حِدَّةِ نظراتِه\. لذلكَ، لم أُبالِ بوجودِه، وبدأتُ أتناوَلُ طعامي بِاشْتِهاء، وَبَيْنَ الحينِ والآخَرِ كُنتُ أُصوِّبُ نَظري نحوَ الجالسينَ بصَمت\. مضَتِ الدقائقُ، ومعها ذهبَ مُعظمُ الطعامِ إلى معدتي الصغيرة، ولكنْ تقديرًا للنِّعمةِ التي أمامي، تابعتُ الأكلَ كَيْ لا يُرمى\. في هذه الأثناء، بدأتْ جدّتي بالكلام مجددًا: **“لا أعلمُ ماذا أقولُ لكَ يا بُنيَّ بعدَ كلِّ ما سمعتَهُ من حفيدتي البلهاء، لكنَّك، حقيقًةً، من نوعي المفضّل من الرجال، فلا تأخُذْ على خاطِرِكَ كلامَها\.”** اختنقتُ بطعامي، وكاد نَفَسي ينقطع، فاحمرَّ وجهي بلونٍ قانٍ\. أخذَتْ جدّتي تُربّتُ على ظهري بقوّة، وكأنّها تُخرجُ الأرواحَ الشريرةَ مِن داخلي، لا الطعام\! ناولتني قَدحًا من الماء، وما إن شربتُهُ حتى انزلَق إلى جوفي كلّه\. بِئسًا\! هل يجبُ أن يحدُثَ كلُّ هذا أمامَ ذلكَ الغريب؟ بمجرّدِ عودةِ أنفاسي، لم أتردّدْ في تبريرِ كلامِ جدّتي المُحرج\. ليس وكأنّه حقيقيّ، لكنّه مُحرِجٌ على أيّ حال\. **“لا تَستَمِعْ إليها\! إنّها تقولُ هذا الكلامَ لكلِّ الرجالِ الذينَ عرفتُهُم في حياتي\.”** **“لا عليكِ، يجب أن أُغادِرَ الآن\.”** أجابني ببرودٍ مُضاعَف… هل لم يُعجبه تبريري؟ أم أنَّه أعجبه كلامُ جدّتي وأرادَ مضايقتي؟ **“لحظة\!”** أكادُ أُقسمُ أنَّ لساني تكلَّم من تلقاءِ نفسه\! لذا حاولتُ تدارُكَ الأمرِ بأقصى سرعة، وسألتُهُ عن شعورِه تجاهَ تبريري\. وبمجرَّدِ أنِ التفتَ إليّ، خرجتْ كلماتي بانسيابية: **“هل أزعَجَكَ كلامي؟”** **“لا\.”** أجابَني باقتضابٍ غامضِ المشاعر، لكنّني لاحظتُ تلوُّنَ أُذُنَيْه\! هل هو غاضبٌ فعلًا؟ أم أنّني أُفسّرُ الأمورَ على هواي؟ على كلِّ حالٍ، مشاعِرُه ليستْ ضمن اهتماماتي\. رأيتهُ يتحرّكُ صوبَ البابِ حتى خرجَ منه بصَمت، كما دخل\. إنّهُ يَحمِلُ هالةً غريبة، وكأنَّ الظلالَ تلتفُّ حوله وتُغلّفُهُ من رأسِه حتى أخمصِ قدميه\. لا يزالُ شخصًا مجهولًا بالنسبةِ إليَّ، وهذا أكثرُ ما أمقُت\. لا أحبُّ الأشخاصَ الغامضينَ ومجهولي الهُويّة، لذا لا أعلمُ أيَّ رتبةٍ أضعُهُ فيها، ولكن فليَكُن حاليًا “المُساعِد الغدّار\.” لم يلبثْ خروجُهُ سوى لحظاتٍ، حتّى شعرتُ بجدّتي تُمسكُ أُذُني، تُؤنّبُني على كلامي: **“أيّتُها العاقّة\! لِمَ كلّمْتِهِ بهذه الطريقة؟\! ألمْ تَرَي أنَّهُ الزوجُ المُناسبُ لكِ، يا بلهاء؟\!”** **“بحقِّكِ، جدّتي؟\! إنّه يُشبهُ الغُراب، والكلماتُ تَنزلُ من فمه بالتقطير\! كيفَ لي أن أتحمّلَ العيشَ مع شخصٍ مثلِه؟\! لذا، لا تُفكّري بطرحِ هذا الموضوعِ مرّةً أخرى\!”** أدارتْ وجهَها عنّي، واتّخذَت للخصامِ مضجعًا\. حسنًا، فلتفعلْ ما يُناسِبُها\! كلُّ ما أرجوهُ ألّا تتدخّلَ بشؤوني، ولو على حسابِ حُبّها لي\. **“إنّهُ دورُ والدتِكِ\!”** انسحبَتْ من الغرفةِ بصَمت، وتلا ذلكَ دخولُ والدتي، التي لم تتردّدْ في قرصِ وجنتي وتوبيخي بأعلى صوت: **“متى سوفَ تكفّينَ عن جلبِ المصائبِ لنا؟\! لقد بلغْتِ العشرين، ولا تزالينَ تتصرّفينَ بتهوّرٍ كالأطفال\! متى ستنضجين وتُصبحينَ فتاةً عاقلة؟\!”** حسنًا، هذا هو أسلوبُ والدتي في التعبيرِ عن خوفِها، وقد اعتدتُ عليه\. فأنا، كما قالت، أُسبّبُ العديدَ من المشاكل، ولا أتوانى عن جلبِ المصائبِ لعائلتي كلَّ يوم\. **“أنا بخير، يا أمي، فقط انزلقتْ قدَمي عن السلّمِ وأنا أبحثُ عن كتابٍ لبحثي الجامعي\.”** **“حمقاء\! لِمَ لا تأخذينَ حذرَكِ؟\! ماذا لو حدثَ لكِ شيء؟ لا أريدُ أن أفقدَ أحدَ أبنائي مجدّدًا\!”** لم أستطِعْ تمالكَ نفسي، وأخذتُ أجهشُ بالبكاءِ، فأصبحَ وجهي كلوحةٍ يُلوّنُها دمعُ عينيّ\. قلبي بدأ يهتاجُ، مُستذكرًا مشاعرَ ظننتُ أنّني نسيتُها، لكنّها أبتْ أن تزول\. **“أنا أعتذرُ حقًّا… دائمًا ما أُجلبُ لكمُ الحزنَ والبؤسَ لحياتكم، أردتُ الابتعادَ فقط لكي تستطيعوا العيشَ براحة، لكن ها أنا عُدتُ من جديدٍ لأسرقَ الفرحَ من حياتِكِ، وفي يومِ ميلادِكِ أيضًا\.”** تمدّدتُ على السرير، أُخفي وجهي بالغطاءِ، لعلّي أستطيعُ إخفاءَ دموعي وملامحِ الحزنِ التي عادتْ لمحياي بعدَ غياب\. لطالما أردتُ العودةَ في أيّامِ عطلتي، لكنّ خوفي من السفرِ الطويلِ كانَ دائمًا حجّتي\. الرحلةُ إلى ستراسبورغ تأخذُ قرابةَ السبع ساعاتٍ بالقطار، وهذا وقتٌ كافٍ لكي أموتَ من الملل\! فبصعوبةٍ استطعتُ المجيءَ، ولا أظنُّ أنّني سأكرّرها إلّا للضرورة القصوى\. **“لا بأسَ بأنْ تُشيعي الخرابَ أو تُحضري المصائبَ ما دمنا نريدُ ذلك\! نحنُ نُحبّكِ كما أنتِ، حتى لو كنتِ حمقاءَ ولا تعرفينَ التصرّف\. لا تُحمّلي نفسَكِ ما لا طاقةَ لها به… ما حدثَ في الماضي كانَ قَدَرًا، ولا شأنَ لكِ به\. يكفينا أن تبقي بخيرٍ، هذا كلُّ ما نريدُه\.”** كلامُها جعلني أكثرَ تأثّرًا\. لم تُكلّمني والدتي بهذه الشفافيّة من قبل، أو لعلّنا لم نُواجه هذا الموضوعَ منذُ تلك الحادثة، ظنًّا منّا أنَّ التجاهلَ سبيلٌ للنسيان\. لكنّ الحقيقةَ هي أنّ كلًّا منّا، حين يضعُ رأسَه على وسادتِه، يستذكرُ تفاصيلَ الحادثة بحذافيرِها… ثم نستيقظُ في اليوم التالي وكأنّ كلَّ شيءٍ بخير\. ولكن لا شيء بخير\! والأدهى أنّنا نعلمُ أنّ لا شيء سيعودُ كما كان، لكنّنا لا نزالُ نتشبّثُ بدورِ المتجاوزين، فقط لنُقنع أنفسنا بذلك\. **“ارفعي الغطاءَ عن وجهِك… دموعُكِ قد رسمتْ لوحةً عليه\!"** رفعتُ الغطاءَ لأتأكَّدَ من صِحَّةِ ما قالتْ، وبالفعلِ وجدتُ بعضَ تضاريسِ وجهي مطبوعةً على الغطاءِ\! وبرغمِ حزني، إلَّا أنَّ الشَّكلَ الذي أبصرتُه جعلني أضحكُ بقُوَّةٍ، وانضمَّتْ والدتي إليَّ، حتَّى أصبحَ كلُّ ما يُسْمَعُ في هذه الغُرفةِ هو صدى قهقهاتِنا\. **“منذُ صِغَرِكِ كنتِ تضعينَ الغطاءَ على وجهِكِ لتُخْفِيَ وجهَكِ الباكي، ولكنَّكِ دائمًا ما كنتِ تَنْسَيْنَ أن تُغَطِّيَ قدميكِ، وأنا ووالدُكِ كنَّا نُعاني ونحنُ نَحْبِسُ صوتَ ضَحِكِنا خوفًا على مشاعِرِكِ، فَعَقْلُكِ الصَّغيرُ كانَ يُحَلِّلُ كلَّ شيءٍ على هواه\!”** **“أشكركِ على تَحَمُّلِ فتاةٍ مثلي صَعْبَةِ المِراسِ\.”** **“لا شُكرَ بين أفرادِ العائلةِ، فمن واجبِنا أن نَتَحَمَّلَ طِباعَ بعضِنا\.”** شعرتُ بالامتنانِ لكلامِ والدتي ومُواساتِها لي، رغم أنَّها أكثرُ مَنْ يحتاجُ إلى المواساةِ\. رغم عدمِ مِثاليةِ عائلتي، إلَّا أنَّنا لا نزالُ نُحِبُّ بعضَنا، ونَخافُ أن يُصيبَ أحدَنا مَكْرُوهٌ\. **“أمِّي، متى يُمكنني المغادرةُ مِن هُنا؟ تَعلَمينَ أنَّني أكادُ أَخْتَنِقُ\!”** **“أخبرنا الطَّبيبُ أنَّ حالَتَكِ جيِّدةٌ، وكانَ سببُ إغمائِكِ هو تعرُّضُكِ للخوفِ، ممَّا سبَّبَ لكِ الإغماءَ الوِعائيَّ المُبْهَمِيَّ\. ولكن، ستبقينَ اللَّيلةَ هنا لكي يتأكَّدَ الطَّبيبُ من أنَّكِ لم تتعرَّضي لارتجاجٍ في الدِّماغ، ثمَّ تستطيعينَ أن تَخرُجي بكُلِّ حُرِّيَّةٍ\.”** **“لقد غابتِ الشَّمسُ بالفعلِ، يُفضَّلُ أن تنامي الآنَ لأجلِ صحَّتِكِ، ولتُغادِري المستشفى غدًا بنشاطٍ\.”** **“حسنًا، أمِّي… تُصْبِحينَ على خيرٍ\.”** أهدتْني نظراتٍ حانِيَةً قبلَ أن تُطفِئَ ضوءَ الغُرفةِ وتُغادِرَها\. لم أُرِدْ أن أُطِيلَ التَّفكيرَ بأحداثِ اليومِ، فأغمضتُ مُقْلَتَيَّ، مُتَمَنِّيَةً أن يَسرِقَني النَّومُ، ويُطِيلَ احتفاظَهُ بي حتَّى انبثاقِ أوَّلِ شعاعٍ من أشِعَّةِ الشَّمسِ\. \. \. \. \. \. \. \. \. \. \. \. انفرجت أساريرُ السماءِ بصفاءٍ لم يُسْبَقْ منذُ عدَّةِ أشهر، وانبثقتْ أشِعَّةُ الشَّمسِ كخُيُوطٍ ذهبيَّةٍ تُزَيِّنُ الأرجاءَ، حتَّى تَسَلَّلَ وهَجُها إلى وجهي مُرَبِّتًا على مَحيايَ بحرارةٍ مُعتدلةٍ كانتْ كفيلةً بإعادةِ نفسي المسروقةِ إلى هذا العالمِ\. تأمَّلتُ السَّقفَ بِشُرُودٍ، مُستَذكِرةً فيهِ اضطرابَ أحداثِ حياتي في هذه الآونةِ، مسؤولياتٌ جديدةٌ تُثْقِلُ كاهلي، وفضولي الذي يُسَبِّبُ لي المشاكلَ\. لا أعلمُ ماذا أفعلُ… هل أتوقَّفُ عندَ أوَّلِ مِحنةٍ، أم أستمرُّ في المضيِ نحوَ المجهولِ؟ انتشلني من شرودي صوتُ صريرِ البابِ… بحقِّكم، ليضعْ أحدُهمِ الزَّيتَ عليهِ\! دلفتْ والدتي إلى الغرفةِ بابتسامةٍ تحملُ نقاءً شبيهًا بنقاءِ نهرِ فيردون، ولمعَةً في عينيها كمَجَرَّةٍ تَحوي نُجُومًا مُضيئةً لا تنفكُّ عن التوهُّجِ\. وصلني إحساسٌ بالدفءِ منذُ إبصاري لها، وهنا أدركتُ أنَّ أكثرَ إنسانٍ أخافُ أنْ تَخْتَفِيَ رُتْبَتُهُ مِن حياتي هي والدتي\. فمهما احتطتُ بناسٍ طيِّبي القَلبِ وشديدي الحُبِّ لي، لن يصلَ أحدٌ منهمْ لدرجةِ حُبِّها، فهي التي ولدتني واعتنتْ بي منذُ أنْ أبصرَتْ مُقْلَتايَ هذه الحياةَ، أحبَّتني من دونِ أيِّ شُرُوطٍ، ولم تَنتظِرْ مني مُردودًا لحُبِّها… إنَّهُ الحُبُّ الأكثرُ نقاءً\. **“صباحُ الخيرِ، صغيرتي\.”** **“صباحٌ كابتسامتكِ، أُمِّي\.”** **“أرى بأنَّكِ قدِ استمددتِ قوَّتَكِ، وسوف تتمرَّدينَ علينا من جديدٍ\.”** هل هي توًّا قد قرأتِ المُخَطَّطَ الذي يدورُ بعقلي منذُ دقائقَ؟ كيفَ اكتشفتْ كلَّ ذلكَ؟\! هل، وبالصدفةِ، تستطيعُ قراءةَ الأفكارِ؟\! منذُ البدايةِ، وأنا أشعرُ أنَّ هذه العائلةَ مريبةٌ بشكلٍ واضحٍ\. **“هل أستطيعُ أنْ أخرجَ الآنَ؟”** **“أجل، الطَّبيبُ قدْ أعطى الإذنَ بمُغادرتِكِ، ووالدُكِ الآنَ يقومُ بإجراءاتِ الخروجِ لكي تغادري بأسرعِ ما يُمْكِنُ\.”** **“حسنًا، هل يُمكِنُكِ أنْ تُحْضِري لي شيئًا لآكُلَهُ؟ أكادُ أموتُ من الجوعِ\!”** **“سأذهبُ لإحضارِ بعضِ الطَّعامِ قبلَ أنْ تتحوَّلي لوَحْشٍ يأكُلُ كلَّ ما أمامَهُ\!”** رأيتُها تُغادرُ الغرفةَ بعَجَلَةٍ، يبدو أنَّني أصبحُ شَخْصًا مُخيفًا عندما أجوعُ\! أتمنَّى أن تكونَ هذه هي الكِذْبَةُ الأخيرةُ التي أقولها لكِ يا أُمِّي… انسحبتُ بهدوءٍ وحذرٍ كي لا يتمَّ القبضُ عليَّ وأنا أحاولُ الهربَ\. أعلمُ أنَّها مجرَّدُ دقائقَ وسأصبحُ حُرَّةً، ولكنْ، أينَ المُتْعَةُ إنِ التزمتُ بكلِّ القوانينِ؟\! متى سيتسنَّى لي أنْ أشعرَ بالأدرينالينَ يتدفَّقُ في عروقي إنْ كنتُ فتاةً مُطِيعَةً؟\! هذه الحياةُ أعيشُها مَرَّةً واحدةً، وبما أنَّ ما أفعلهُ لا يُشكِّلُ خطرًا عليَّ أو على من حولي، فلماذا لا أفعلُهُ؟ وأخيرًا، بعد نزولي لعدَّةِ طوابقَ، أبصرتُ مخرجَ هذا السِّجنِ الخانِقِ للأنفاسِ، فاتَّجهتُ إليهِ بخُطُواتٍ حذِرَةٍ\. ومعَ وجودِ عددٍ كبيرٍ منَ النَّاسِ، استطعتُ التَّسَلُّلَ إلى الخارجِ بسهولةٍ\. ارتطمتِ الرِّياحُ بوجهي مُقَبِّلَةً إيَّايَ ببرودةٍ أحببتُها، وتنفسْتُ الهواءَ الخاليَ مِن رَوائِحِ المُعقِّماتِ… إنَّها رائحةُ الحُرِّيَّةِ التي اشتقتُ إليها\! خطوةٌ… خطوتانِ إلى الأمامِ، ثمَّ توقَّفْتُ\. ليسَ لأنِّي أُريدُ ذلكَ، ولكنْ… ثمَّةَ صوتٌ لم يتسنَّ لي نسيانُهُ خاطَبَني: **“إلى أينَ ذاهبةٌ، فتاةَ القهوةِ، يا تُرَى؟** ✧ \. ✶ ✦ \. \* \. ✧ ✧ \* \. ✶ \* \. ✦ \* \. ✧ ✦ \*

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مترو باريس

المؤلف eva_yasmeen
2025/07/17 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة