باريسُ عامَ ١٩٣٠ الحياةُ دائمًا تُخْبِّئُ لنا في طيَّاتِها ما يَجعلُ حالَنا يَتبدَّلُ\. نَعيشُ بينَ أَنفاسٍ نَتَنفَّسُها أحيانًا بِارْتياحٍ، وأحيانًا أُخْرَى تَخْنُقُنا حتَّى الألَمِ\. ومَعَ ذلك، نَختارُ أن نُكمِلَ المَسيرَ رَغْمَ شُعورِنا بالاخْتِناقِ\. تَجتاحُنا لَوْعةٌ مِنَ المَشاعِرِ، ولَكِنَّنا نَظلُّ صامِدِين\. فَمَهْما اهْتَزَّ كِيانُنا، فإنَّ كَيْنُونَتَنا دائمًا ما تَنتصِرُ\. رُغمَ الحَربِ الَّتي تَلوحُ بالأُفُقِ، كانَت باريسُ بالنِّسبةِ لي مَركزَ الأمانِ، ليسَ بسَببِ أَراضِيها أو مَبانيها، بل بسببِ أَرواحٍ كانت أَلوانًا زَيَّنَت لَوحتي الباهِتةَ، وأُناسٍ أَضافوا لِرُوحي سَكينةً كنتُ أظنُّ أنَّني لن أَحظى بها إلَّا معَ آخِرِ نَفَسٍ لي في هذا العالَمِ\. اعتدتُ الاستِماعَ إلى صُراخِ جدَّتي بِاسمي، فمُنذُ انتِقالي للعَيشِ في مَنزِلِ عائلةِ والدتي، حَزَمتِ الرّاحةُ حَقائبَها وارْتَحلَت عنِّي، أو بالأحرى هجَرَتني\. فجَدَّتي اليومَ أَصْخَبُ من أيِّ وقتٍ مضى، فهوَ يومُ ميلادِ ابنتِها الَّتي تكونُ والدتي، وهيَ حاليًّا تُقيمُ مائدَةً مَلكيَّةً كالمُعتاد\. أمَّا أنا، فمثلَ كلِّ عامٍ، سأُقنِعُهم بأنَّني لا أعلَمُ أنَّهُ يومُ ميلادِ والدتي، لأنَّني أُحبُّ سَماعَ توبيخِ جدَّتي، فهوَ يُعطينِي شُعورًا بالانْتِشاءِ لا مَثيلَ له، وكأنَّني انتَصرتُ في معرَكةٍ لا يَخوضُها سِواي\! **“إيڤين\!”** **“أَيْنَ أَنتِ يا فَتاةُ؟\!”** **“نَعَم جَدَّتي، أنا قادِمةٌ حالًا\.”** سَمِعتُ صَوتَ جدَّتي الرَّقيقَ من بعيدٍ، رغمَ أنَّني أبعَدُ عنها مَسافةً طَويلةً، إلَّا أنَّ صوتَها دائمًا ما يَزورُ قلبي قبلَ أُذُني، كأنَّ الإشاراتِ الحسيَّةَ تَصِلُ إلى خافِقي أوَّلًا\! بِمُجردِ استيعابي لصوتِها، أَردفتُ بأعلى صوتٍ أنَّني قادِمةٌ، حتَّى لو كنتُ أبعدَ عنها ألفَ ميلٍ، فسآتي لها رَكضًا أو طَيرانًا إن امتَلَكتُ أجنِحةً\! بِخُطواتٍ مُسرِعةٍ، ذهبتُ نحوَ جدَّتي التي تُعِدُّ طعامَ العَشاءِ، وبِمجرَّدِ وُقوعِ بصري على هَيئتِها، رَكضتُ نَحوَها طابِعةً قُبلةً على وَجنَتِها\. “**ماذا تُريدين يا جدَّتي الفاتنةُ؟”** تَكلَّمتْ بصوتٍ مُرتفِعٍ نسبيًّا، فمع تَقَدُّمِها في العمرِ، أَصبحَ سَمعُها أَقلَّ كفاءةً\. **“احضُري الزِّينةَ من العليَّةِ، أَنَسيتِ أيتُها العاقَّةُ أنَّه يومُ ميلادِ والدتِكِ؟”** أَلقَت بكلماتِها مُوبِّخةً إِيَّاي، وقدِ اتَّهمتني بالعُقوقِ تَوًّا\!\! **“لَم أَنسَ ذلك، ولكن قَدِ اعتَقدتُ أنَّها قد كَبِرَت على الاحتِفالِ بيومِ ميلادِها\.”** تَراجعتُ عن فِكرةِ نِسياني ليومِ ميلادِ والدتي، وأَخبَرتُها بحُجَّةٍ مُقنِعةٍ، لَم أُفكِّر كثيرًا قبلَ أن أَدلِي بكلامي\. وما هو واضحٌ على تَعابيرِ وجهِها أنَّه لم يُعجبها فَحوَى كلامي، ويَبدو أنَّني قد أَوقَعتُ نفسي في مُشكلةٍ كبيرةٍ قد أَحتاجُ إلى مُحامٍ لأَخرُجَ منها\! **“أيتُها العاقَّةُ الشقيَّةُ\! أتَقولين إنَّ ابنتي قد أَصبَحت عجوزًا؟ إنَّها لا تزالُ طِفلةً، لم تَبلُغِ الأربعينَ بعدُ\! سأُخبِرُ أُمَّكِ بذلك\! والآن، اذهبي لإحضارِ الزِّينةِ قبلَ وصولِ عائلتِكِ\.”** استَمعتُ لتوبيخِها كطالبةٍ مُؤدَّبةٍ دونَ أن أَرُدَّ بكلمةٍ واحدةٍ، وقد أَخذتني قدَمايَ إلى الدَّرَجِ نحوَ العلِيةِ الَّتي لطالَما كانت لُغزَ طُفولتِي الَّذي عَجَزتُ عن حَلِّه أو الوصولِ إليه\. دَلفتُ إلى الداخلِ، وأَعيُني تَجوبُ في الأرجاءِ\. كُنتُ أظُنُّ أنَّني سأجِدُ جُثَّةً مثلًا، أو الكثيرَ من الأموالِ المَكدَّسةِ على شَكلِ أَهراماتٍ، ولكنَّ الواقِعَ دائمًا ما يكونُ مُخيِّبًا للآمالِ، فالعليَّةُ لا تَحتوي سوى صُناديقَ وخزانةٍ مَليئَةٍ بالكُتبِ الرَّثَّةِ، وكأنَّها مُجمَّعٌ للعشوائيَّاتِ\! بعدما احتَلَّتني الخَيبةُ، لجأتُ للبحثِ عن الزينةِ، وقد بَحثتُ في الكثيرِ من الصناديقِ، ولم أَجِد سوى سَراويلَ جدِّي القديمةِ\. بِحقِّكَ يا رَجُل، مَن سيَحتفِظُ بسَراويلِ مراهَقتِه؟\! عُدتُ للبحثِ في الصناديقِ الموجودةِ بالجهةِ المُقابلةِ، وأوَّلُ ما حَطَّت عليه عَينايَ هو صندوقٌ غيرُ مُغلَقٍ على عكسِ جميعِ الصناديقِ، وقد جَذَبَ اهتمامي وكأنَّه يَقول: “تَعالَي إليَّ، واكتشِفي ما في جوفي\!” وهل أنا بشخصٍ يَرفُضُ الطَّلباتِ؟ قطعًا لا\! فأوَّلُ ما فعلتُه هو التقدُّمُ نحوهُ بتأنٍ، فقد يكونُ خُدعةً من خُدعِ خالي غيرِ المُضحِكةِ\. لكنّني تأكدتُ من بَراءةِ خالي، فالمكانُ خالٍ من أيِّ خدعةٍ قد تجعلني نُكتةً على لِسانِ جميعِ قاطني هذا الحيِّ… أَخَذَتْ عَيْنَايَ تَسْتَكْشِفُ ما في داخِلِ هذا الصُّنْدوقِ، وأوَّلُ ما قد أَبْصَرْتُهُ هو صَحِيفَةٌ مَهْتَرِئَةٌ يَعُودُ تاريخُها إلى ١٠ أُغُسْطُسَ عامَ ١٩٠٣، وقد تَصَدَّرَ عناوينَ هذهِ الصَّحِيفَةِ خبرُ حَريقِ مِترو باريسَ في مَحطَّةِ “كورْسِيل\-كورْتْلِين” على خطِّ المِترو رقمَ ٢\. الحَريقُ اندَلَعَ في أحدِ القِطاراتِ بسببِ عُطْلٍ كهربائيٍّ، وأَسفرَ عن وفاةِ ٨٤ شخصًا\. قَرَأْتُ الخَبَرَ بدهشةٍ؛ فأنا لأوَّلِ مرةٍ أعلَمُ عن هذهِ الحادثةِ المأساويَّةِ\. حسنًا، أنا كُنتُ لم أُولَدْ بعدُ، ولكنَّ مثلَ هذا الحادثِ كان يجدرُ به أن يكونَ أكثرَ تَداوُلًا\! حتّى لو أنَّه حدثَ قبلَ سبعٍ وعشرينَ عامًا، فَهُوَ لا يزالُ حادثًا منَ الصعبِ نِسيانُه، فَكيفَ استطاعَ الناسُ طَمْسَهُ وكأنَّهُ لم يحدُثْ قطُّ؟\! ازْدادَ فضولي نحوَ هذا الحَريقِ، وبِتُّ أَبحَثُ أكثرَ في داخِلِ الصُّندوقِ لعلِّي أَجِدُ ما قد يُشبِعُ فضولي تجاهَ هذهِ الحادثةِ\. وبعدَ بَحثٍ مُطوَّلٍ، وجدتُ كِتابًا أزرقَ داكنًا يَحوي على غِلافِه نُقوشًا تبدو قديمةً، ولكن لا يزالُ منَ السهلِ قِراءتُها: **“لُغزُ حَريقِ مِترو باريسَ”** قَرَأتُ ما نُقِشَ عليهِ بصوتٍ هادئٍ، على عَكسِ ما يَجُوبُ في داخِلي\. أنا أَكادُ أَحلُّ مسألةً حسابيَّةً من فَرطِ حَماسي\! حاوَلتُ السَّيطرةَ على فضولي، وقد وُضِعَ حماسي في صُندوقٍ صغيرٍ أَحكمتُ إقفالَه، ووضعتُه في داخِلِ رَفٍّ من أرفُفِ قلبي لِأحتفظَ به لإشعارٍ آخَرَ أستطيعُ فيهِ أن أُحرِّرَه، ولكنَّ قطعًا ليسَ الآن\. لا أريدُ أن تَطبُخَ جدَّتي رأسي على العَشاء\! اِستَخدمتُ جميعَ مَهاراتي الاستِكشافيَّةَ للبحثِ عن الزِّينةِ، وكما هوَ متوقَّعٌ من نابغةٍ مثلي، فقد وَجَدتُها بسرعةٍ فائقةٍ\. لم يَأخُذِ البحثُ وقتًا منِّي سوى ساعةٍ\. لا بأسَ، فالسَّاعةُ تُشبهُ الدقيقةَ\! إنَّها ليست وقتًا طويلًا، ولذلك نَزَلْتُ الأدرَاجَ رَكضًا لكي أُزيِّنَ الحُجرةَ قبلَ قدومِ عائلتي، حتى لا أكونَ وجبةَ العَشاءِ المُرتقبةِ لهذا المساء\! أَنهَيتُ تزيينَ وترتيبَ حُجرةِ الطعامِ\. لم تَكُنِ الزينةُ بالشيءِ المُعقَّدِ، فقد كانت عِبارةً عن أشرِطةٍ استخدمْتُها لتزيينِ الطاوِلةِ، وأيضًا صَنعتُ لافتةً بخطِّ يَدي، وكتبتُ عليها: “يومُ ميلادٍ سعيدٍ والدتي الجميلةُ\.” وقُمتُ بتَضحيةٍ كانَ ثمنُها أنفاسي\! فقد نَفختُ البوالينَ الحمراءَ المُفضَّلةَ لدى والدتي\. لا أعلَمُ لماذا تُفضِّلُ شيئًا مثلَ البوالينِ، ولكن كُلَّما تعمَّقتُ بعائلتِها، وَجَدتُ أنَّ تفضيلاتِ والدتي هي الأقلُّ غرابةً مقارنةً بأفرادِ عائلتِها، كأنَّهم وُلِدُوا في كوكبٍ آخَر، وقد أتَوا عَنوَةً إلى كوكبِنا\! **“أَيَّتُها العاقَّةُ، أَيْنَ أنتِ؟\!”** **“إنَّني في حُجرةِ الطعامِ، انتهيتُ من تزيينِها منذُ مُدَّةٍ طَويلةٍ\.”** صَرختُ بأكاذيبَ لعلَّ حَنقَها تجاهي يَختفي، ولكن على ما يَبدو، لن تَنفكَّ عن مُناداتي بـالعاقَّةِ حتى أجلٍ غيرِ مُسمًّى\! **“أيتُها العاقَّةُ، تَعالَي وساعِديني في سَكبِ العَشاء، والدَيكِ على وشكِ القدومِ، ولم نقُم بتحضيرِ أيِّ شيءٍ بعدُ\!”** كنتُ أعلَمُ أنَّهُ سيُصبحُ لَقبي… حسنًا، هوَ أقلُّ وطأً عليَّ مقارنةً بلقبِ فتاةِ القهوةِ\. لقد كانت جدَّتي تُناديني به لِشهورٍ، وأنا مِن أكثرِ الأشخاصِ الذين يَكرهونَ القهوةَ في أنحاءِ العالَم\! كنتُ أُريدُ أن أُنَظِّمَ احتجاجًا لقطعِ استيرادِ القهوةِ، ولكنَّ الأوضاعَ السياسيَّةَ في الدولةِ مُتأزِّمةٌ هذه الفترة، فما زِلْنا نحاولُ تلافي ما قد خَلَّفَتهُ الحربُ العالميَّةُ الأولى مِن أذًى على البلادِ في كافَّةِ المجالاتِ\. إنَّ الحروبَ مثلُ حُكمِ الإعدامِ للحضاراتِ والشعوبِ\. أنا مِن الأشخاصِ المُناضِلينَ مِن أجلِ السَّلام، فلا خيرَ في بلادٍ تَطمَحُ لِسيطرةٍ على أراضٍ ليست مِن حقِّها\! ومِن مُخلَّفاتِ هذهِ الحروبِ، آلافٌ منَ القَتلى الأبرياءِ الَّذينَ يَلقَونَ حتفَهم لِطَمَعِ الحُكَّامِ في التوسُّعِ على حسابِ غيرِهم\! اِتَّجَـهْتُ نحوَ جدَّتي لمُساعدتِها، قبلَ أن تُقَدِّمَ فَتاةَ جُثَّتي كهديةٍ لوالدتي\! **“جدَّتي، هل أُخرِجُ الكعكةَ من بَرَّادِكِ الجميلِ؟”** لقد قُمتُ بمدحِ بَرَّادِها لأنِّي أَكادُ أُقسِمُ أنَّها تُحِبُّه أكثرَ منِّي\! أَذكُرُ أنَّ جدَّتي قد خاصَمَت جدِّي لشهرٍ كاملٍ لأجلِ أن يُجلِّبَه لها، وبالفعل، لم يستطِع جدِّي على خِصامِها أكثرَ من ذلك، وجَلَبَه لها، رغمَ أنَّهُ قد كان باهِظَ الثمن\. هيَ قد كانت مِن أوَّلِ الأشخاصِ الذينَ امتلكوا برّادًا كهربائيًّا في هذا الحَيِّ، وأصبحَ لقبُها “سيِّدةُ البرّادِ”\! إنَّهُ لقبٌ مُضحكٌ أكثرَ من خاصَّتي، ولكنَّه قد أَعجبَ جدَّتي، وأصبحَ كوسامٍ ذهبيٍّ تَتَفاخَرُ بامتِلاكِه\! **"أَيَّتُهَا العاقَةُ، اترُكي الكَعْكَةَ وشأنَها، سنُخرِجُها عندَ وَصُولِهم لِكَيْ لا تَذُوبَ\. قُومي بِسَكبِ الحَساءِ في الأطباقِ، هَيّا، حَرِّكي مَفاصِلَكِ المُهترِئَةَ، يا فَتاةُ\!"** **"حَسَنًا، يا جَدَّتي، سَوفَ أَقُومُ بِسَكبِ الحَساءِ، وبِالمُناسَبةِ، قد قُمتُ بِتَزييتِ مَفاصِلي ولَم تَعُدْ مُهترِئَةً\!"** **"إذًا، سَوفَ تَرقُصينَ لَنا دونَ أن تَشكِيَ مِن أَلَمِ مَفاصِلِكِ\."** يا إلٰهي\! إنّها لا تَنسى شيئًا\! قَدِ اختَلَقتُ أَمرَ أَلَمِ مَفاصِلي لِكَي لا أكونَ عُرضَةً لِلسُّخريةِ، ولكنَّ الآنَ لم تَعُدْ هذهِ الحُجَّةُ فَعّالةً\. يَجِبُ عَلَيَّ أن أُحيكَ خُطَّةً لِلهُروبِ مِن هذا السِّجنِ الخانِق\! **"سَأقومُ بِالرَّقصِ اللَّيلةَ مُقابِلَ أن أَحصُلَ على بَرّادِكِ الجَميلِ\. يا إلٰهي، إنّني أَتخيَّلُهُ بِرُكنٍ مُجاوِرٍ لِسَريرِي، سَيكونُ رائعًا، سَيُضِيفُ لَمسَةً جَماليّةً لِحُجرَتي\!"** **"أَيَّتُها الفَتاةُ العاقَّةُ\! هل وَضَعتِ عَينَكِ على بَرّادي؟ كُنتُ أعلَمُ أنّكِ حَسودَةٌ، ولكنّ لم أَتوقَّعْ أنّكِ قد وَصَلتِ إلى هذا الحَدّ\! إذا حاوَلتِ مُجرَّدَ مُحاوَلَةٍ أن تَقتَرِبي صَوبَ بَرّادي، سَأَرميكِ أنتِ وأغراضَكِ خارِجَ مَنزلي، ولا أُريدُ مِنكِ الرَّقصَ بِجَسَدِكِ الشَّبيهِ بِالهَيكَلِ العَظميّ\!"** **"لَقَد توقَّعتُ مِن الجَميعِ أن يَكسِروني، ولكنّ لم أَتوقَّعْها مِنكِ يا جَدَّتي\! أَهَانَ عَلَيكِ حُزني إلى هذهِ الدَّرَجةِ؟"** اتَّبَعتُ أُسلوبَ الضَّحيّةِ في كَلامي، مع إسقاطِ بَعضِ القَطَراتِ مِن مَقلتَيَّ لأُضِيفَ جوًّا تراجيديًّا يُشعِرُها بِالذَّنبِ\. أَخذتُ خُطواتي مُبتَعِدةً عَن المَطبخِ، أَمسَحُ دُموعي الشِّبه وَهميّةِ\. لَقَد هَربتُ مِن العَملِ بِطَريقةٍ ذَكيّةٍ، ويا حَظَّ زَوجي المُستَقبليّ بِفَتاةٍ ذَكيّةٍ وجَميلةٍ مِثلي\! رَجَعتُ إلى العَليةِ لِإحضارِ الكِتابِ الأزرقِ لِكَي أَقرَأَهُ قَبلَ نَومي وأُشبِعَ جوعَ فُضولي\. لا أَعلَمُ لماذا أَشعُرُ بِكُلِّ هذا الفُضولِ نَحوَ حادِثٍ عَرضيٍّ، ولكنَّ إحساسي يُخبِرُني أنَّ الأَمرَ أَعمَقُ ممّا يَبدو، خُصوصًا مع وُجودِ صُندوقٍ كامِلٍ يَخصُّ هذهِ القَضيّةَ، وأَكادُ أُجزِمُ أنّها مِن أَحدِ القَضايا التي بَحثَ فيها خالي في أَثناءِ مُراهقَتِه\. ومِن الغَريبِ أنَّهُ لم يُحدِّثني عَن هذهِ الحادِثةِ، فَقد رَوى لي كُلَّ أَحداثِ حياتِه، حتّى تَفاصيلَ وِلادتِه\! هُناكَ لُغزٌ يَكمُنُ في هذهِ القَضيّةِ، ولَن يَكونَ اسمي إيڤين إنْ لم أَعرِفْه… بِالتَّفكيرِ بالأمرِ، لا بأسَ بأن أُطلِقَ على نَفسي اسمًا جَديدًا، فَلَيسَ جَميعُ البَشرِ أَذكياءَ لِدَرَجةِ حَلِّ الألغازِ\! خَبَّأتُ الكِتابَ تَحتَ وِسادَتي، فمِنَ المُستَحيلِ أن تُلاحِظَ جَدَّتي وُجودَهُ في هذا المكانِ، فَلَو عَلِمَت أنَّني قد سَرَقتُ كِتابَ ابنِها المُدلَّلِ، لَقامت بِطَردي بِشَكلٍ جَدّيٍّ مِنَ المَنزِلِ، وسأُصبِحُ قِطَّةَ شَوارِعَ مُشرَّدَةً\! أَخذَتني خُطواتي نَحوَ دُولابِ مَلابسي لِأُخرِجَ الفُستانَ الّذي أَهدَتني إيّاهُ جَدَّتي\. وعلى ما أَذكُر، أنَّ أَحدَ أَبناءِ الحَيِّ يَمتَلِكُ مَصنَعًا لِلأقمِشةِ، وقد افتَتحَ مؤَخَّرًا مَصنعًا لِصِناعةِ الفَساتينِ النِّسائيّةِ، وقَد قامَ بِإعطاءِ جَدَّتي فُستانًا مِن أَجلي\. يا لَهُ مِن رَجُلٍ مُحتَرَمٍ، يَعرِفُ كيفَ يُقدِّرُ النِّساءَ الجَميلاتِ مِن أَمثالي\! لا بُدَّ وأنَّ مَقلتَيهِ قدِ التَقَطَت جَمالي، ولم يَستَطِعْ سِوى أن يَتَوَدَّدَ لي بِفُستانٍ أُرجُوانيِّ اللَّونِ\! إنَّهُ رَجُلٌ ذَكيٌّ، يَعرِفُ صِناعةَ الخُطَطِ لِإيقاعي بِحُبِّه\! نَزَلتُ الدَّرَجَ بِرُوِيَّةٍ، أَتَّجِهُ نَحوَ جَدَّتي وأَنا أَتَصَنَّعُ مَلامِحَ الحُزنِ\. كُنتُ أَوَدُّ أَن أَبكي، ولكنَّني وَجَدتُ أنَّهُ أَمرٌ مُبالَغٌ فيه، خُصوصًا في يَومِ مِيلادِ والدتي\. فَتَحرَّكتُ بِخُطُواتٍ بَطيئةٍ اتّجاهَها، ولم أَنبِسْ بِبِنتِ شَفَةٍ، وكأنَّني أُطبِقُ عَلَيها الصَّمتَ العِقابيّ\. إنَّهُ أُسلوبٌ ذَكيٌّ، تَجعَلُ فيهِ الضَّحيّةُ هِيَ الجاني، وأقلُّ ما فيهِ أنني لَن أَقومَ بالأَعمالِ المَنزليّةِ اليوم، وسأُفرِّغُ وقتي لِقِراءةِ كِتابِ خالي\! بِالرَّغمِ مِن كَونِه مُدلَّلًا، إلّا أنّهُ لا يُجيدُ أَحدٌ حَلَّ القَضايا والأَلغازِ مِثلَهُ\. إنَّهُ كالمِغناطيسِ لِلغُمُوضِ، أَينَما وَطِئَت قَدمَاهُ، يَجِدُ قَضيّةً لا يَستطيعُ أَحدٌ حَلَّها سِواهُ\. لهذا أَصبَحَ مِن أَشهَرِ المُحقِّقينَ في شُرطةِ الأَمنِ العامِّ، وهيَ الهَيئةُ المَسؤولةُ عنِ التَّحقيقاتِ الجِنائيّةِ\. لا أزالُ إلى الآنَ لا أَدرِي كَيفَ أَقنَعَ جَدِّي بِتَوظيفِه، فَشخصيّتُهُ صاخِبةٌ وغَيرُ مُتوقَّعةٍ، يَهوى الخُدعَ والمَقالبَ، وقد يَجعَلُ مِنك أُضحوكَةَ الموسِمِ\! **"إيڤين، قُومي بِجَلبِ الأطباقِ وضَعيها على الطّاوِلةِ\."** لقد تَخلَّت عن لَقَبي\! وعلى ما يَبدو، فإنَّنا في هُدنَةٍ مُؤقَّتَةٍ، وعَلَيَّ استِغلالُ هذا لصالِحي، بما أنّها قد أَرخَت مِن دِفاعاتِها، وهذا نادِرُ الحُدوثِ، مِثلَ وُجودِ المالِ في مَحفَظتي\! **"حَسَنًا، جَدَّتي\."** ضَبَطتُ نَفسي على وَضعيّةِ الحَمَلِ الوَديعِ، الّذي يُنَفِّذُ الطَّلَباتِ دونَ جِدالٍ أو عِراكٍ، لِكَي أُعَزِّزَ تَمثيليَّتي، وأُحرِّكَ مَشاعِرَ تأنيبِ الضَّميرِ في داخِلِها\. عَلَّها تَحِنُّ عَلَيَّ، وتَسمَحَ لي بِالتَّجَوُّلِ في الحَيِّ كما أُريد، ومن دونِ أن يُرافِقَني ابنُ جارَتِها الّذي يَكادُ يَصلُ خَصري\! بحقِّكم، إنَّهُ لا يَستطيعُ حِمايةَ نَفسِه حتّى\! وَضَعتُ الأطباقَ بِتَرتيبٍ وشَكلٍ مُنظَّمٍ، رَغمَ هَمجِيَّةِ أَفكاري، إلّا أنّ طِباعي مُختَلِفةٌ\. فأَنا أَميلُ إلى النَّظافةِ والتَّنظيمِ\. لِوَهلَةٍ، كِدتُ أُصَدِّقُ أَفكاري… أَنا بالكادِ أَستطيعُ تَنظيمَ مَلابسي\! **"إيڤين، صَغيرتي، هلِ انتَهَيتِ مِن تَنظيمِ الأطباقِ كما شَرحتُ لَكِ؟"** **"أَجل، جَدَّتي، كُلُّ شيءٍ جاهِزٌ كما تُريدين\."** كما أَرى، قد تَرَقَّيتُ لأُصبِحَ صَغيرتَها بدلًا مِن العاقَّةِ\! أَنا أَجِدُ في نَفسي مَوهِبةً مِنَ الصَّعبِ التَّفريطُ بِها\. على ما يَبدو، يَجبُ عَلَيَّ أن أُغيِّرَ تَخصُّصي مِن العِلاجِ الطَّبيعيِّ إلى التَّمثيلِ\! فالعالَمُ بِحاجةٍ إلى مِثلِ مَوهِبتي لِكَي أُنيرَ المَسارحَ بِجَمالِ أَدائي، وطَبعًا شَكلي الّذي يَخطِفُ الأَنفاسَ\! فأنا مُتأكِّدةٌ أنّ جَدَّتي تَمنَعُني مِنَ الخُروجِ لِكَي لا أُسَبِّبَ فِتنَةً في الحَيِّ\! جَميعُ أَفكاري وتَخَيُّلاتي انقَطَعَت، بِمُجرَّدِ أن سَمِعتُ صَوتَ طَرقِ البابِ بِنَغمَةٍ أَعرِفُها جيّدًا… إنّها طَرَقاتٌ مِن أَنامِلِ والدي العَزيزِ\. ذَهَبتُ راكِضةً نَحوَ بابِ المَنزِلِ، وَفَتَحتُهُ بِلهفَةٍ واضِحةٍ على وَجهي، وأَوَّلُ ما وَقَعَ بَصَري عَلَيهِ كانَ… جَسَدَ والدي\. **"إيڤين، ابْنتي\!"** لَمْ أَسْمَعْ صَوْتَهُ الحَنُونَ مُنذُ مُدَّة، وَعِندَ رُؤْيَتي لَهُ عَلِمتُ بأنَّني اشْتَقْتُ لِعائِلَتي أَكثَرَ مِمّا أَتَوَقَّع\. فَبِصُعوبَةٍ أَمنَعُ دُموعي مِنَ الانْهِمار\. لا أُريدُ أَن أَصنَعَ لَهُم مَسرَحيَّةً تَراجيديَّةً عَلى بابِ المَنزِل، أَقلُّها يَجِبُ عَلَيهِم دَفعُ التَّذاكِر، فلا شَيءَ بِالمَجّان\! تَقَدَّمتُ مُحتَضِنَةً والِدي بِقُوّة، أُعبِّرُ خِلالَها عَنِ اشْتِياقي لَهُ\. كانَ حُضني لِوالِدي لِلَحظات، وَلَكِنْ مَخزونُ حَنانِه الّذي كَسَبتُهُ يَكفيني لِسَنوات\. **"لَقَد زادَ طُولُكِ بِشَكلٍ مُبالَغٍ فيه، أَنا بِالكادِ أستَطيعُ رُؤيَتَكِ\."** أَلقى والِدي كَلِماتِه السّاخِرَةَ كَما المُعتاد\. لَم أُصَدِّقْ أنَّني وَبَعدَ أَشهُرٍ مِن غِيابي عَنهُ، أَوَّلَ ما يَقولُه لِي هُوَ الاستِهزاءُ بِطُولي\! **"سَيّدُ روبِرت، لَقَد تَوَقَّفَ نُموّي مُنذُ أَكثَرَ مِن سَنَة، لِذلِكَ مِن المُستَحيلِ أَن يَزدادَ طُولي بَعدَ الآن، فَمنَ الأَفضَلِ أَن تَتقبَّلَ أَنَّ جيناتِكَ هِيَ السَّبَب\."** أَلقَيتُ كَلامي بِلَهجَةٍ ساخِرَة كَما اعتَدتُ الرَّدَّ عَلَيه، وَتَعَمَّدتُ ذِكرَ جيناتِه لِأنَّهُ مَوضوعٌ حَسّاسٌ بالنِّسبَةِ لَه\. لَطالَما كانَت أَغلَبُ مُناوَشاتِ والدَتي مَعَهُ بِسَبَبِ جيناتِه الغَريبَة\. أَجَل، هُوَ طَويلُ القامَة، وَلَكِن جَدّي كانَ قَصيرَ القامَة، وَلابُدَّ أَنَّني وَرِثتُ قِصَرَ قامَتي مِنهُ\. **"أَنا بِأَفضَلِ حالٍ، ابْنَتي، وَأَنا أَيضًا اشْتَقْتُ لَكِ\."** لَقَدِ اسْتَخدَمَ أَوراقي لِيَجعلَني المُجرِمَة، بِحَقِّكُم، لَقَد كُنتُ الضَّحيَّةَ مُنذُ قَليل\! **"أَبِي، تَعلَّم أَنَّني لَم أَقصِد إزعاجَكَ، فَقَط كُنتُ أُجارِيكَ\."** **"أَجَل، أَجَل، إِنّني أُصَدِّقُكِ\."** ذَهَبَ إلى الدّاخلِ مُتجاهِلًا إيّايَ، وكأنَّني لَم أَكُنْ بِحُضنِهِ مُنذُ دَقائِق\! حَسَنًا، هَذا ما يُمَيّزُنا كَعائِلَة، دائمًا ما يَكونُ مُزاحُنا جارِحًا، وَهذا أَيضًا بِسَبَبِ جيناتِ والِدي الغَريبَة\! كُلُّ هذا بِسَبَبِ جَدّي المَرحوم، لَقَد كانَ غريبًا بِحَقّ\! **"عَزيزتي إيڤين، كَيفَ حالُكِ طِفلَتي الجَميلَة؟"** **"أَنا بِخَيرٍ أُمّي، اشْتَقتُ لَكِ كَشَوقِ رَسّامٍ لِفُرَشاتِه، وكَشَوقِ بَحّارٍ لِسُفينَتِه، وكَشَوقِ جائِعٍ لِشطيرَتِه، وكَشَوقِ…"** **"يَكفي يا فَتاة، لَقَد عَلِمتُ مِقدارَ شَوقِكِ، لا داعي لِتَوضيحٍ أَكثَرَ مِن ذلِك\."** **"أُمّي، لِماذا دائِمًا ما تُقاطِعينَ فَنّي في التَّعبيرِ عن شَوقي؟\!"** **"لَطالَما لَمَّحتُ لَكِ، وَلَكِن قَد آنَ الأَوانُ لِأَقولَ لَكِ: مِنَ الأَفضَلِ أَن تَعتَزِلي هذا الفَنّ، لِأنَّه لا يُليقُ بِفَتاةِ القَهوَة\!"** ما بالُهمُ اليَوم؟\! لا يُنْفِكّونَ عَن إزعاجي\! أَلا يَكفي لَقَبُ العاقَّة، والاِسْتِهزاءُ بِطُولي، وَالآن قَد عادَ لَقَبُ فَتاةِ القَهوَة لِيَلتَصِقَ بي مِن جَديد؟\! وكأنَّ العالَمَ يَقومُ بِالاِقْتِصاصِ مِنّي لأَجلِ جَدّتي وَبَرّادِها\! **"أُمّي، لَقَد أَخبَرتُكِ عِدَّةَ مَرّاتٍ أَلّا تُناديني بِذلِكَ اللَّقَبِ المُزعِج\."** **"لقَد تَجاهَلتِ كَلامي، وَرَكَّزتِ عَلى فَتاةِ القَهوَة، إلى هذِهِ الدَّرَجَةِ تَكرَهيهِ؟**" **"أَجَل، أَكرَهُهُ وَبِشِدَّة\. يُفَضَّلُ أَلّا تُناديني بِهِ مُجَدَّدًا\."** **"حَسَنًا، يا فَتاةَ القَهوَة، لِنَدخلْ ونُكمِلْ كَلامَنا بِالداخل، لأَنّني أَكادُ أُصبِحُ قالِبًا مِنَ الثَّلج\."** **"أُمـــــــــــــي\."** سَمِعتُ صَوتَ قَهقَهَتِها عَلى انْزِعاجي\. لا أَعلَمُ لِماذا يَظُنّونَ أَنَّ الأَمرَ مُضحِك، إنَّهُ مُزعِجٌ بالنِّسبَةِ لِفَتاةٍ تَكرَهُ البُنَّ بِشَكلٍ مَقيت\! حَسَنًا، أَتفَهَّمُ أَنَّ لَونَ شَعري وَمُقلَتَيَّ يُشبِهُ لَونَ البُنّ، وَلَكِنَّ هَذا لَيسَ أَكثَرَ تَشبِيهٍ مُحبَّذٍ لي\. لا أُمانِعُ أَن يُنادوني فَتاةَ التُّراب، فأَنا أُفَضِّلُ التُّرابَ عَلى القَهوَة\. أَو، لا داعي لِتَشبيهِي بِشَيء، اِسمي يُؤدّي الغَرَضَ بِأكمَلِ وَجه\. أَخَذَتني خُطواتي نَحوَ جَدَّتي، عَلَى الأَقلّ أَنا أُحبِّذُ لَقَبَ العاقَّة عَلى أَيّ شَيءٍ آخَر، يَكفي أَنَّ جَدّتي هِيَ مَنِ اختارَته\. جَلَسْنا جميعًا مُلتفّين حولَ المائدةِ، نَتبادَلُ النَّظراتِ بصمتٍ موحشٍ\. رغمَ عدمِ حدوثِ مشكلةٍ كبيرةٍ، إلّا أنَّها أيضًا من مميّزاتِ عائلتِنا الجميلة؛ تارةً نُمازحُ بعضَنا، وتارةً نتشاجرُ\. مِنَ المُستحيلِ أن نبقى على وفاقٍ لأكثرَ من ثلاثينَ دقيقة\! **“مِنَ الجيّدِ أني قد تذكّرتُ، كريستين ابنتُكِ حدّثتني اليومَ بأنكِ أصبحتِ عجوزًا، ولم يَعُد من اللائقِ أن تحتفلي بعيدِ ميلادِكِ\.”** تحدّثتْ جدّتي بكلّ شيءٍ عدا الحقيقة، ومما هوَ ظاهرٌ لي أنَّ هذهِ الليلةَ لن تنتهي إلا بشجارٍ كبيرٍ، هذا إنِ اقتنعتْ والدتي بما قيلَ لها؛ لأنّها تعلمُ مدى دهاءِ جدّتي، فمِن إحدى عاداتِها أن تجعلَ الجميعَ يتخاصمون، لكي تَهرَعَ بعدَ ذلكَ لفكّ الخصام، وتجعلَ من نفسِها مديرةً لجَمعيّةِ السلامِ والوئامِ بينَ الأقاربِ والجيران\. يُمكنُكم رؤيةُ مدى دهائِها ومَكرِها؛ تجعلُ من نفسِها صيّادةً تنتشلُ السمكةَ من خِطافِها، لِتُنازعَ الحياةَ لبرهةٍ من الزمن، ثمّ تُعيدَ إلقاءَها في البحرِ بكلِّ وُدٍّ ولِينٍ، وكأنَّها لم تكنْ سببَ صراعِها منذ البداية\! **“لا بأسَ، أمي، دَعي تِلكَ العانسَ تَتكلّمْ بما تريدُ، يكفيني أني قد تخلّصتُ من ضجيجِها، وأصبحَ بإمكاني النومُ من دونِ كدرٍ أو توجّسٍ بأني قد أستيقظُ وأرى مطبخي يحترق\.”** **“منَ الجيّدِ أنكِ أصبحتِ تستطيعينَ النوم\. بحقّكِ، أمي، كنتُ لا أستطيعُ النومَ من صوتِ شخيرِكِ\!** **هل هذا أيضًا بسببي؟\!”** خرجتْ كلماتي بغيظٍ شديدٍ\. إنّهم يتعمّدون استفزازي، وللأسفِ أنا لا زلتُ أسقطُ في نفسِ الفخِّ، وكلَّ مرّةٍ بشكلٍ أعمق\. أعلمُ إلى أينَ يتّجهُ هذا الحديثُ؛ فلم تَرمِ والدتي بكلمةِ عانسٍ عبثًا\. فهي تُريد تزويجي لابنِ جارتِها، وأبي يُريد تزويجي لابنِ صديقِه، وأنا لا أريد الزواجَ من أحدٍ\. منذُ بلوغي العشرين، وهم يُعاملونني كعلبةِ طعامٍ اقتربتْ مدّةُ صلاحيّتها من الانتهاء\! إنني أعلمُ أنَّ جميعَ الفتياتِ بعمري قد أصبحنَ أمهاتٍ، لكنّني لا أجدُ نفسي جاهزةً لأصبحَ أمًّا، ولا أريدُ أن يقترنَ اسمي باسمِ رجلٍ\. لقد بحثتُ كثيرًا، ولم أجدْ قانونًا ينصُّ على وجوبِ زواجي بعُمرٍ معيّن، فلِماذا يمتلكونَ كلَّ هذا الإصرارِ على تزويجي؟\! ليسَ وكأنني وباءٌ يخشَونَ أن يُصابوا به\! **“وَيْحَكِ يا فتاةُ، هل تتذمّرينَ من صوتِ شخيري؟\!”** **“بالطبعِ، لستُ كذلك\. كنتُ أُمزحُ معكِ، يا جميلة\!”** **“أعتذرُ على قطعِ نقاشِكم، ولكنْ متى تنوونَ أن تتناولوا الطعامَ؟فقد تيبّسَ من البردِ\.”** خرجتْ كلماتُ جدّتي من ثغرِها بصوتٍ خفيضٍ، وبهُدوءٍ منمّق، وكأنها لم تكنْ سببَ هذهِ المناوشات\. لقد تركاني والدَيّ عندَ مُدرّبةٍ شاع صيتُها بإفسادِ العلاقات، من أجلِ أن تُصلحها بنفسِها من جديد\. فلِماذا ينتظرونَ مني أن أغدوَ فتاةً هادئةً وعسولةَ اللسان؟\! **“يَكفي كلامًا\. تَناولوا طعامَكم بصمتٍ\.”** بعدَ كلماتِ والدي، هبَّ رذاذُ الصمتِ في كلِّ مكان، حتى أصواتُ ارتطامِ الملاعقِ بالأطباقِ كانت خفيضةً بشكلٍ مريب\. وشعوري بعدمِ الارتياحِ عادَ ليُسيطرَ على الأجواءِ\. وكنتُ مُحقّةً حينَ كَسَتْني هذهِ المشاعر؛ فجدّتي منذ لحظاتٍ قد سكبتْ طبقَ الحساءِ على ملابسِ والدي\. حسنًا، لنرَ الأمرَ من الجهةِ الإيجابيّة: الحساءُ لم يكنْ ساخنًا ليُسبّبَ حروقًا، وهذا أمرٌ جيّد\! **“أنا ذاهبةٌ لأُجلِبَ بعضًا من ملابسِ خالي، فهي تُناسبكَ أكثرَ من ملابسِ جدّي\.”** تكلّمتُ بهدوءٍ يُفصحُ عن مكنونِ عقلي وما يحويهِ من كلماتٍ، رغمَ عدمِ أهميةِ الحشوِ، إلّا أنني أجدُ لساني يُسهبُ بالكلامِ بكلِّ وِداعةٍ، تجعلُ من يُقابلني يُنصتُ بصمتٍ وتركيزٍ\. وطبعًا، ما لي سوى استغلالِ شرودِهم، لأنسحبَ من غرفةِ الطعامِ بهدوءٍ شبيهٍ بكلامي\. دَرَجَةٌ تَلِيها الأُخرى، وقدِ اقْتَرَبْتُ إلى الهَدَفِ المَطْلوبِ\. يَجِبُ عَلَيَّ الحَذَرُ قَبْلَ دُخُولِ عَرِينِ الوَحْشِ\. أدعو رَبِّي أن أخرجَ سالِمَةً من هذِهِ الغُرفَةِ، فبِشَكلٍ غريبٍ، دائمًا ما يجعلُها خالي مُلَغَّمَةً بالمَصائدِ، بالرغمِ من عَدَمِ وُجودِ الفِئرانِ في المَنزلِ، وحتى في جَميعِ هذهِ المِنطقةِ\. وَلَجْتُ الغُرفَةَ بصمتٍ يُشبِهُ صمتَ الخُذلانِ، يُجمِّدُكِ، يُشعِركِ بالانكسارِ، ويُفقِدُكِ القُدرةَ على الكلامِ، وفي ذاتِ اللحظةِ، يُطلِقُ صفوفًا من اليقظةِ داخلكِ، ليجعلكِ نبيهًا لمّاحًا، لا تنوي الاستسلامَ\. انفرجَتْ عَيْنايَ بصَدْمَةٍ\. منذُ وُلوجي إلى هذهِ الغرفةِ، لم تتزحزحْ ملامحُ الذهولِ عن وجهي، وعقلي حتى هذهِ اللحظةِ يُحاولُ ترجمةَ ما أبصَرَتهُ مُقلتايَ من أوراقٍ مُبعثَرةٍ في أرجاءِ الغرفةِ، التي تكونُ عادةً مُنظمةً بشكلٍ يُزعجُ عينيّ\. أخذتُ أَخطُو بهدوءٍ نحوَ الطاولةِ، خُصوصًا نَحو كَوْمَةٍ من الأوراقِ المرميةِ بإهمالٍ، وكأنَّ ما كُتبَ فيها أصبحَ طيَّ النسيانِ\. لم تتهاونْ يدي للحظةٍ في تقليبِ الأوراقِ حتى وجدتُ ورقةً تكادُ روحُها أن تُغادِرَها من سُوءِ حالِها\. أبصرتُ فَحواها الذي يكمُنُ: **عُيونٌ تَجذِبُ لَها النّاظِرين** **َ** **وشَفاهٌ تَنطِقُ بكلِّ ما هوَ يَقينٌ** **ونَظراتٌ تَجعلكَ من أوَّلِ الغارقين** **َ** **أمّا عن خُدودٍ تتورّدُ من كلامِ القائلينَ** **أهيَ تَحفَةٌ لِتُوقِفَ جميعَ الحاضرينَ والمارّينَ؟** **أم هيَ قَصيدةٌ يَتغنّى بها الشُّعراءُ والأديبونَ؟** يبدو أنَّ خالي لا زالَ يحتفِظُ بحبّهِ الدّفينِ لابنةِ بائعِ الجرائدِ\. رغمَ تعرّضِهِ للرّفضِ عدّةَ مراتٍ، إلّا أنَّهُ، وبطريقةٍ غريبةٍ، لا يزالُ مُتشبّثًا بها، وكأنّ حياتَهُ مَنوطةٌ بمُجاورةِ قلبِهِ لها\. رغمَ عدمِ ذِكرِهِ لاسمِها، إلّا أنَّ عينيهِ عندَ رؤيتِها تكتُبانِ أجملَ المكاتيبِ، وتُزهِرانِ وكأنّها باقةٌ من التوليبِ، عدا عن إشراقةِ ابتسامتهِ التي تُنيرُ الأرجاءَ لِبضعِ لحظاتٍ قبلَ أن يتداركها ويَدّعي العُبوسَ\. **الحُبُّ يجعلُنا مُغفَّلينَ، ورغمَ ذلك، نظلُّ مُستمِرّينَ\.** **وما المُتابُ إلّا للأثِمينَ\. وهل بالصُّدفةِ أصبحنا الآنَ تَقيّينَ؟\!** ورقةٌ تَليها أُخرى، أجدُ فيها كلماتِ عتابٍ كالتّي بيدي الآنَ: **وَعَدتُكِ ألّا أبعثَ مكاتيبَ العِتاب** **ِ** **ولكنَّ روحي ويدي لا تنوي المُتابَ** **أبحثُ عن صوركِ في كلِّ ركنٍ وبابِ** **أطلتِ الغيابَ، وها أنا أفتِّشُ عن طيفكِ بالمحرابِ** **وأنا أتضرّعُ لربّي عسى أن تبعثي لقلبي جوابَ** شعرتُ بألمٍ دفينٍ اشتعلَ داخلي، وكأنّني أنا من رسمَ هذهِ الأحرفَ على الورقةِ البائسةِ\. تضمّنتْ كتاباتُ خالي بعضَ الكلماتِ التي تُعبّرُ عن قسوةِ ما يشعرُ به، وقد يراها البعضُ تعكسُ مشاعرَ باليةً لا أهميّةَ لوجودِها\. هذا هو اعتقادُ فئةٍ كبيرةٍ لا تؤمنُ بوجودِ ما يُسمّى بالحبِّ؛ فالعِتابُ هو لغةُ المُحبِّ لمالِكِ قلبهِ، ومَن تهوى روحُهُ\. قد يكونُ الحُبُّ لدى البعضِ كحُكمِ الإعدامِ؛ في لحظةٍ، تُدفَنُ جميعُ مشاعرِكَ تحتَ الترابِ، وكأنّها لم تكنْ يومًا موجودةً\. وطيفُكَ ينطفئُ وهجُهُ تدريجيًّا حتّى الزوالِ، لتُصبحَ أنتَ ومشاعرُكَ ضمنَ قائمةِ المُغادِرينَ من هذهِ الحياةِ\. **“إيڤين، لِمَ تأخّرتِ؟”** أخرجني صوتُ جدّتي من بحرِ أفكاري المُهتاجِ\. لبرهةٍ، نسيتُ سببَ وُلوجي إلى هذهِ الغرفةِ\. غرَضي لم يكنِ التطفُّلَ، بل إحضارَ ملابسَ لوالدي\. وكالعادةِ، لا ينفكُّ فضولي يُثبِتُ وجودَهُ في كلِّ حدثٍ\. انتشلتُ أوّلَ بنطالٍ تراءى على مَرمى بصري، وهممتُ مُغادِرةً غرفةَ خالي التي تفوحُ منها رائحةُ العشقِ بشكلٍ خانقٍ لأنفاسي، وكأنَّ حُبَّ العالَمِ قدِ اجتمعَ في هذهِ الغرفةِ\! **“شُكرًا لَكِ\.”** رَدَّ عَلَيَّ بجفاءٍ لم أعهدهُ من قبلِ\. هل قسوتُ عليه بالكلامِ بشكلٍ مُبالغٍ فيه؟ رغم أنني قد حاولتُ أن أُبقي كلامي في مضمارِ المُداعبةِ، لا أكثرَ\. ولكن، كما هي العادةُ، أُفسدُ كلَّ شيءٍ، وأصنعُ جروحًا جديدةً لِمن أُحبُّ، ودائمًا ما تأخذُ وقتًا طويلًا لتلتئمَ وتصبحَ طيَّ النسيانِ\. لهذا السببِ، أُبقي نفسي في مرتبةِ المُرتحِلِ، الذي لا يملكُ مكانًا يسعُهُ في هذا العالمِ الواسعِ\. **“إيڤين، عزيزتي، ألم تُخبريني برغبتكِ بالذهابِ للتجوُّلِ في الحيِّ؟”** **“أجل، جدتي، لقد أخبرتُكِ بذلك بالفعلِ\.”** **“إذًا، فلتذهبي\. هيّا\!”** **“حقًّا؟”** **“أجل، لماذا أنتِ مُتفاجئةٌ إلى هذا الحدِّ؟ قد يظنُّ والداكِ الآن أنني أُحبسكِ في هذا المنزلِ وأحظرُ عليكِ التجوُّلَ في الخارجِ\.”** **“أجل، إنكِ تفعلين ذلك بالفعلِ، وإذا سمحتِ لي، تُبعثينَ معي ذلك القزمَ لكي يَحرُسَني من الوحوشِ\!”** **“ويحكِ أيتها العاقّةُ\! أنا أُرسلُ ذلك الشبلَ معكِ لكي أضمنَ سلامتَكِ\. هل أصبحَ الخوفُ عليكِ جُرمًا يُعاقَبُ عليه القانونُ؟”** **“تعلمين، جدتي، أنني لم أقصدْ ذلك\. على كلِّ حالٍ، سأرحلُ الآن\.”** ألقيتُ كلامي، ثم غادرتُ بسرعةِ البرقِ قبل أن تُبدّل جدتي رأيَها\. أساسًا، إلى الآن لم أستوعبْ أنها قد وافقتْ على خروجي لوحدي\. هل، وبالصدفةِ، قدِ ارتطمَ رأسُها ببرّادِها العزيزِ؟ وقفتُ أمامَ دولابِ ملابسي، ولم أحرّك ساكنًا منذ خمس عشرةَ دقيقةً\. بئسًا\! لا أعلمُ ماذا أرتدي\. أو بالأحرى، أنا مُحتارةٌ بين عدّةِ فساتينَ، ولكنني لا أملكُ الوقتَ لأجعلَ جسدي يتغلفُ بهم جميعًا\. فإحساسي يقولُ لي بأن جدتي ستقتحمُ غرفتي في أيِّ لحظةٍ وتَتراجعُ عن فكرةِ خروجي من هذا السجنِ الخانقِ\. وبعد تفكيرٍ عميقٍ، قرّرتُ أن أُغادرَ بما أرتديهِ على جسدي\. فهو أجملُ ما أملكُ\. أودُّ، وبشدّةٍ، أن أشكرَ صاحبَ الفستانِ، ولكن كما المُعتادِ، جدتي تتكتّم عن هويّتِه، وكأنني إذا عرفتُهُ سأذهبُ إليهِ وأُجبرهُ على الزواجِ مني\! خرجتُ بهدوءٍ، لكي لا يُمسَك بي من قِبَلِ رئيسةِ جمعيةِ السلامِ والوئامِ بين الأقاربِ والجيرانِ\. فلا أريدُ أيّ تأخيرٍ عن بحثي الاستكشافيّ\. فبفضلِ ذلك الكتابِ الأزرقِ، أصبح هناك ما أَصُبُّ فضوليّ فيهِ\. خُطوةٌ تليها الأخرى، وبدأتُ أشعرُ أن هناك مَن يتبعُني\. سُحقًا\! يجب عليّ الآن أن أذهبَ ركضًا إلى المكتبةِ\. بدأتُ أركضُ بأسرعِ ما يمكنُ، ومع هذا الفستانِ، أصبحتِ المهمةُ أكثرَ صعوبةً\. زقاقٌ يليهِ الآخرُ، حتى وصلتُ المكتبةَ\. وقفتُ لبرهةٍ من الزمنِ، أستجمعُ أنفاسي، لكي أُواجهَ مَن يتبعني وأقتلِعَ شعرَه من جذورِه\. التفتُّ لأرى صاحبَ الحظِّ السيئِ، فأصبحتُ أنا صاحبةَ الحظِّ الأسوأِ\! فاتضحَ أن من يتبعني هو كلبُ جارِنا الغامضِ\. وأنا كنتُ أركضُ مثل البلهاءِ بسببِ كلبٍ\! أتمنّى أن ينتهي هذا اليومُ بشكلٍ جيّدٍ، لكي لا أكتبَ رسالةً مفادُها سببُ انتحاري\. حسنًا، أنا دراميةٌ بشكلٍ مُبالغٍ فيهِ\. فمهما حدثَ، لن أُزهقَ روحي بنفسي\. فهي أغلى ما أملكُ، ووجبَ عليّ حمايتُها حتى ينتهي وقتي في هذه الحياةِ\. ولجتُ بخطواتٍ وئيدةٍ، كأنني أتهرّبُ من التعمّقِ بجوفِها\. أخذتْ عينايَ تجوبُ المكتبةَ ببُطءٍ، أُحاولُ به أن أستشعرَ أيّ تهديدٍ أو خطرٍ\. ويالَ الراحةِ… لم يكن فيها سوى الجدّ ألبرت، أمين المكتبةِ، وشخصانِ يقرآنِ بصمتٍ\. وها أنا أتيتُ لكي أُدمّرَ هذا الصمتَ\! سحبتُ الكرسيّ بصخبٍ جعلَ كلَّ من في المكتبةِ يُحدّقونَ بي\. وعندما أقولُ الجميعَ، أقصدُ الجدَّ ألبرتَ والاثنين الجالسَين\. حسنًا، يبدو أن أحدهما مشمئزٌّ منّي أو بدأَ يَكِنُّ لي الضغينةَ\. ولحسنِ الحظِّ، لن أضطرَّ إلى التعاملِ معهُ أبدًا\. بدأتْ يدَايَ تُقلّبانِ بأوراقِ الدفترِ، حتى رَسَتْ على صفحةٍ تحتوي على عدّةِ أسطرٍ فحواها كان: **في قلبِ باريسَ، حيثُ التاريخُ يتنفّسُ،** **بين أروقةِ الكتبِ، تَكمُنُ حقيقةٌ مطموسةٌ\.** **ابحثْ عن المكانِ الذي يربطُ الحروفَ،** **حيثُ يتقاطعُ القديمُ معَ الجديدِ،** \*\*ستجدُ الخريطةَ التي تحملُ سرَّ الأقدارِ\. \*\* بِجِدِّيَّةٍ، هل يجب أن يكون اللغزُ الأولُ بهذا التعقيدِ؟ سأُحاوِلُ فَهمَ أولِ سطرٍ، وإن عجزتُ عن ذلك، سأجعلُ الجدَّ ألبرت يحلُّه لي\. “في قلبِ باريسَ”—أعتقدُ أنّه يُشيرُ إلى مركزِ المدينةِ، حيثُ أنا أقطُنُ\. “حيثُ التاريخُ يتنفّسُ، بين أروقةِ الكتبِ”—أظنُّ بأنه يُشير إلى المكتبةِ، وها أنا فيها، لِحُسنِ حظّي\! **“ابحثْ عن المكانِ الذي يربطُ الحروفَ، حيثُ تقاطعُ القديمِ مع الجديدِ”** عجزتُ أن أفهمَ مقصدَهُ من هذه الأسطرِ… هل يشيرُ إلى كتابٍ معيّنٍ؟ أو أوراقٍ قديمةٍ؟ أظنُّ أنّني أرهقتُ عقلي أكثرَ من اللازمِ، وقد لاحظتُ أنّ فُستاني قد أصبحَ أوسعَ\. يا إلهي\! لقد فقدتُ وزني بسببِ التفكيرِ\! **“جدّي، هل يمكنك أن تُساعدني في حلّ هذا اللغز؟”** بعد فقداني الأملَ في أن أحلَّه وحدي، توجّهتُ إلى جدّي ألبرت ليحلَّه لي\. فلماذا أُتعبُ عقلي، وقد يأتيني الجوابُ على طبقٍ من ذهبٍ؟ **“أعطني لأُلقي نظرةً\.”** تأمّلَ الأسطرَ بعينيه، ويده تحكُّ شعرَ ذقنهِ الذي كساهُ الشيبُ\. ومن نظراته، شعرتُ بأنّه قد توصّل إلى إجابةٍ\. **“حسنًا، أنا لستُ جيّدًا في حلّ الألغازِ، ولكن ولحسنِ حظّكِ، هناك شخصٌ يُجيدُ حلَّ الألغازِ في ثوانٍ\.”** **“أين أجدُ ذاك الشخص؟”** **“إنه جالسٌ هناك\.”** أشارَ لي بيده نحو الرجلَين اللذينِ يقرآنِ\. لقد ندمتُ على إزعاجِهما منذ قليلٍ، وأصبحتُ الآن أتمنّى ألّا يكونَ ذاك الشخصُ هو الذي كان يشتمني بعينيه\. **“أيّهما؟”** **“صاحبُ الشعرِ الفحميّ، قاطبُ الحاجبينِ\.”** كنتُ أعرفُ أنّه سيُشير إليه… أنا أدرى بقدري\. كيف سأتعامَلُ معه الآن؟ هل أطلبُ مساعدته وكأنني لم أُزعجه منذ قليلٍ؟ أم أعتذرُ عن إزعاجي له، ومن ثمّ أطلبُ مساعدته؟ تحرّكتُ صوبَه بعد أن دفَعني جدّي نحوَه\. سحبتُ الكرسيَّ المقابلَ له، وحرصتُ على ألّا أُخرجَ صوتًا يُثيرُ انتباهه\. ولكن، وبمجرّد جلوسي قُبالته، رفعَ نظراتِه عن الكتابِ، وصوّبها نحوي\. ومن فرطِ توتّري، تكلّمتُ بعلثمةٍ واضحةٍ: **“مَـ… مرَرحبًا\.”** لم أكتفِ بالعلثمةِ، بل ورفعتُ يدي أُهزُّها\! سُحقًا… إنّه مُحرجٌ\. والأكثرُ إحراجًا أنّه تجاهلني وكأنني لم أكن أتكلّم معهُ أصلًا\. أعادَ نظراتِه نحوَ الكتابِ الذي بيده، وصوّب كاملَ تركيزهِ على الكلماتِ التي تقرؤُها مقلتاه، وهذا ما جعلَ الحرارةَ تجري في دمي\. اِنعكسَ لونُها على وجنتَيّ\. لم أستطع تحديدَ مشاعري هل أنا مُحرجةٌ أم غاضبةٌ؟ أُريدُ أن أعودَ إلى المنزلِ وأنامَ على حجرِ جدّتي\. خطّتي هي أن أجلسَ لخمسِ دقائق، وأقرأَ ذلك الكتابَ المشؤومَ، وبعد انقضاءِ الوقت، أُغادر، وأجرّ إحراجي خلفي بكلِّ هدوءٍ\. يكفي جلبُ الانتباهِ لليومِ\. أمسكتُ الكتابَ بيدي، وتفكيري يتمحورُ حول خطّةِ هروبي من هذا المكان، وكيف أستطيعُ أن أجمعَ أشلاءَ كرامتي المبعثرةِ في الأرجاء\. **“أنتِ\!”** …صوتُه\. هل هناك بشريٌّ يمتلكُ مثلَ هذا الصوتِ؟ إنّه أشبهُ بعمقِ المحيطِ، يسحبُكِ بوداعةٍ نحو القاع، وبلحظةٍ تُدركين أنكِ بصددِ الاختناقِ\. **“هَل تَسمَعِينني؟”** **“أجَل، ماذا تُريد؟”** **“إنكِ تمسكينَ الكتابَ بالمقلوبِ\.”** أكادُ أُقسِمُ أنّ هناكَ بخارًا يتصاعدُ من رأسي\! لقد تجرّعتُ الكثيرَ من الإحراجِ اليوم، أليسَ كافيًا ذلك؟ **“أوه، لم أنتبه\. لقد كنتُ مشغولةَ البالِ\.”** **“هل يمكنكِ مساعدتي؟”** سألتُه بعدَ ملاحظتي أنّه سيتوقّفُ عن الحديثِ معي\. على كلِّ حالٍ، لقد أصبحتُ كرامتي أشلاءً، وإعادةُ لصقِها تحتاجُ وقتًا\. **“بِماذا؟”** هل، وبصُدفةٍ، الأحرفُ عنده لها حدٌّ معيّنٌ للاستخدامِ؟ **“في حلِّ هذا اللغزِ\.”** تحدّثتُ وأنا أُشيرُ نحو أسطرِ اللغزِ\. **“أعطِني\.”** **“ماذا؟”** **“الكتابَ\.”** **“حسنًا، تفضّل\.”** أُراهنُ أنّه قد وضعني في ركنِ الأشخاصِ الأغبياءِ في عقلِه\. لا أكفُّ عن جلبِ الإحراجِ لنفسي\. أستحقُّ ذلك\. لم يكن يجب عليّ أن أتطاولَ على برّادِ جدّتي\. رأيتُ صاحبَ الشعرِ الفحميِّ يُخرجُ قلمًا من داخلِ سترته، وكتبَ بعضَ الكلماتِ على ورقةِ اللغزِ، ثمّ أغلقَ الكتابَ وأزاحَه نحوي\. وبشكلٍ بديهيٍّ، فهمتُ أنّه قد انتهى من حلِّ اللغز، وما كان لي سوى أن أشكرَه\. **“شكرًا لك\.”** هزَّ رأسَه كإجابةٍ على شكري\. هل حقًّا الأحرفُ عنده لها حدٌّ معيّنٌ للاستخدام؟ من الجيّدِ أنّني لن أتعاملَ معه مجدّدًا\. فتحتُ الكتابَ على ورقةِ اللغزِ التي أبتغي حلَّها، ووجدتُ أسهمًا بجانبِ كلِّ سطرٍ توضّحُ معناه: في قلبِ باريسَ: مركزُ المدينةِ حيثُ التاريخُ يتنفّس، بين أروقةِ الكتبِ: المكتبة ابحثْ عن المكانِ الذي يربطُ الحروفَ: المكتبة حيثُ يتقاطعُ القديمُ مع الجديدِ، ستجدُ الخريطةَ التي تحملُ سرَّ الأقدارِ: يُشيرُ إلى وجودِ خريطةٍ تاريخيّةٍ تحملُ حلَّ اللغز إذًا، حلُّ اللغزِ يكمنُ في خريطةِ المترو، وبإشارتهِ إلى المكتبةِ، فهذا يعني وجودَ خريطةٍ ومخطّطاتٍ للمترو\. في هذه الحالةِ، يجبُ عليّ أن أبحثَ في جميعِ رفوفِ المكتبةِ لكي أصلَ إلى الخريطة\. وطبعًا، هذا البحثُ يحتاجُ إلى مهاراتٍ أفتقرُ إليها، لذلك من الأسهلِ لي أن أتوجّهَ إلى الجدِّ إلبيرت، لعلّه يُساعدني هذه المرّة\. **“جدّي، أُريدُ أن تُساعدني\.”** من فرطِ حماسي، تكلّمتُ بصوتٍ شبيهٍ بالصراخ، وهذا ما جعلَ الأبصارَ تحطُّ عليّ من جديد\. هل، وبالصدفةِ، أنا مغريةٌ جدًّا لدرجةِ أنَّ الإحراجَ لا ينفكُّ عن التشبّثِ بي؟ **“اخفضي صوتَكِ يا فتاةُ، وتكلّمي بهدوءٍ\. بِماذا تحتاجينَ المساعدةَ؟”** **“حسنًا، أُريدُ معرفةَ مكانِ وجودِ خريطةِ المدينة، وأيضًا مخطّطاتٍ تخصُّ المترو الذي جرتْ فيه الحادثةُ قبل سبعةٍ وعشرين عامًا\.”** رأيتُ إماراتِ الدهشةِ تكتسي وجهَ الجدِّ إلبيرت، وكأنّه تفاجأ من طلبي، أو لم يتوقّعه بالأصل\. هل حقًّا قاطنو باريسَ يحاولون محوَ هذه الحادثة، وكأنّ التكلّمَ بها أو مجرّدَ استذكارِها ذنبٌ عظيمٌ من الصعبِ غفرانُه؟ رغمَ بشاعةِ الحادثة، إلا أنّها قد حصلتْ بالفعل\. فما الغرضُ من إخفائها، رغمَ أنّها لم تُطمسْ من التاريخِ بأسره؟ **“هل هناكَ مشكلةٌ بطَلَبي، جدّي؟”** لقد طالَ صمتُه، وأخذَه الشرودُ مني كسارقٍ محترفٍ يُجيدُ انتشالَ ما تبتغي نفسُه بكلِّ براعةٍ وخفّة\. وما كان لي سوى تحدّيه، ولذلك قد عاودتُ التكلّمَ بسؤالٍ كان غرضُه إعادةَ ما تمَّت سرقتُه، ألا وهو انتباهُ جدّي إلبيرت، وتأكيدُ طلبي الأوّلِ\. **“لا، فقط اندهشتُ من طلبِكِ\. أنَّى لكِ معرفةُ هذا الحادث؟”** حسنًا، لم تَعُدْ إماراتُ الاندهاشِ ما تعتري وجهَه فقط، بل تلوّنتْ عيناهُ بطبقةٍ فضيّةٍ لامعةٍ أغرقتْ حدقتَيه شديدتي السوادِ بلمعانٍ لم أرَه بهما قطّ\. هل طلبي قد مسَّ داخلَه بشيءٍ؟ وكأنّه قد فقدَ وهجَ قلبِه بذلك الحادثِ،وانعكسَ ذلك على مُقلتَيه؟ **“لقد رأيتُ صحيفةً قديمةً في العلّية، وكان عنوانُها هذا الحادث\. وكما تعلم، قد انبثقَ الفضولُ في خلايا عقلي،** **وها أنا الآن أُريدُ معرفةَ كلِّ شيءٍ، وكأنّي كنتُ موجودةً بذلك الوقت\.”** هزَّ رأسَه مقتنعًا بكلامي، ولم يُضِفْ شيئًا\. وكلُّ ما فعله هو الذهابُ نحو ذلك الغراب، هامسًا بكلامٍ لم يسمعه سواهما\. وكان كلُّ ما سمعتهُ هو قصائدُ الفضولِ التي يسردُها عليّ عقلي بإلحاحٍ جعلَ الصداعَ يفتكُ برأسي\. أقبلَ جدّي نَحوي بخُطُواتٍ مهزوزة، وكأنَّهُ يَحمِلُ على كَتِفَيهِ أعباءً تُفاقِمُ حجمَهُ وروحَه\. أكنتُ أنانيّةً بإصراري على طلبي رغمَ رُؤيتي لمدى كَدَرِه؟ هل سيكونُ فُضولي سببًا في تخطيطِ الجِراحِ على قلوبِ مَن أُحبّ؟ تبقى الأسئلةُ تعبثُ بفِكري وتُغرِقُ روحي، ولا جوابَ أتلقّاهُ سوى الصمتِ\. **“اتّبعي ماريوس، هو من سيتكفّلُ بمساعدتِكِ\.”** هل ذلك الغُرابُ اسمُه ماريوس؟ حسنًا، إنّهُ يَليقُ به، ولكنّ مُعضلتي الأساسيّةَ لم تكنْ في اسمِه، بل في سؤالٍ يُحيّرُني: لماذا هذا العالمُ مُصِرٌّ على أن ألتصقَ بذلك الأهوَج؟ ألم يَرَ الجدُّ ألبيرتُ حدقتَيهِ اللتينِ تُصوّبانِ رصاصًا نَحوي، وكأنَّهُ يُخطّطُ لقتلي بأبشعِ الطُّرُقِ وأكثرِها دِمَوِيّة؟ **“ألا تَرى أنَّهُ يُريدُ قتلي؟ لماذا طلبتَ منهُ أن يُساعدني؟”** تكلّمتُ بصوتٍ خفيضٍ لا يسمعُهُ سِوايَ أنا وجدّي، لكي لا يزيدَ حَنَقُ ذلك الغرابِ نَحوي\. **“لا تَقلقي، إنّها نظراتُهُ المعتادةُ نحو جميعِ البشر، ولا تَحملي وِزرًا\. هو سَيُساعدكِ نيابةً عنّي، فهو أكثرُ معرفةً بأماكنِ المُخطّطات، ولكن، إن كان لديكِ مشكلةٌ معه، سأُساعدكِ بنفسي\.”** **“لا، لا بأسَ بذلك، أظنُّ أنّنا سننسجمُ سويًّا\. لا تقلقْ حِيالي، أُجيدُ تدبّرَ أمري\.”** **“حسنًا، اذهبي إليه، فهو سريعُ الغضب، وقد يقتلكِ حقًّا\.”** **تحرّكتْ قَدمايَ وَحدَهما حتى قبلَ أن يُترجِمَ عقلي كلامَ جدّي، وكأنّ الخوفَ قد تسرّبَ إلى أَصغرِ خليّةٍ في جَسَدي، وألقى الأوامرَ لأطرافي بالتحرّكِ رغْمًا عنّي، فوجدتُ نفسي أُهرَعُ صوبَ ذلك الأدعجِ، وكأنّهُ الموقعُ المنشودُ لتوقّفِ خطواتي\.** أقفُ قُبالته، ولا يفصلُني عنهُ سوى مسافةٍ تُقدَّرُ بشِبرٍ\. لا أعلمُ لماذا أَبَتْ قَدمايَ الانصياعَ لي والتوقّفَ أبعدَ من ذلك، ولكنْ، هذا هو الواقع، وما لي سوى تَقبُّلِهُ رغمًا عنّي\. **“يُفضَّلُ أن نتركَ مسافةً تَقيني من تلقّي الأمراض… اتبعيني\.”** تكلّمَ بينما يبتعدُ عنّي، وقدماهُ رَسمَتا طريقًا نحوَ آخِرِ المكتبة\. تجرّعتُ إهانتَهُ بصمتٍ مؤقّتٍ، فليس من مصلحتي أن أُطلِقَ لساني دونَ قيود، فقد تتعثّرُ خُطَطي\. لذلك، لجأتُ إلى الصمت كأفضلِ خيارٍ قبالةَ هذهِ الظروف\. **“هل تَرينَ هذا الرفَّ؟ إنّهُ يحتوي على جميعِ مُخطّطاتِ المدينة، وستَجدينَ في جَوفِها مخطّطَ المترو\.”** أشارَ نحوَ رَفٍّ يكادُ يُعانقُ سقفَ الغرفة، وكأنّ مَن وضَعَ تلك المخطّطاتِ لم يكنْ يُريدُ من أحدٍ أن يَمسّها\. **“أجل، وكيف سأصلُ إليها؟”** **“هناك السلَّم\.” ** أشارَ بسبّابتِه نحوَ السلَّمِ الفولاذيِّ المَركونِ في زاويةِ المكتبة\. ما فهمتُهُ هو أنّهُ يُريدُ منّي أن أَحصُلَ على ما أُريدُ بمُفردي، دونَ أدنى مساعدةٍ منه\. اعتقدتُ لِبُرهةٍ أنّهُ رجلٌ أَنوفٌ، ولكنّني تراجعتُ عن ذلك الاعتقاد\. أحضرتُ السلَّم ووجّهتُهُ صوبَ المكانِ الذي يَحوي المخطّطاتِ التي أُريدها\. حطّتْ قَدمايَ على أولِ درجة، ثمّ تَتالتْ خُطواتي على بقيةِ الدرجات\. توقّفتُ في مُنتصفِ السلَّم، ليس لأنني أُريدُ ذلك، بل لأنّهُ اهتزّ بي\. وبسببِ التوتّرِ الذي اعتراني، انزلقتْ قَدمايَ عن الدَّرَجِ، ولم أجدْ نفسي سوى أنّني أُغلِقُ مقلَتَيَّ، وأصرخُ بأعلى صوتٍ أَملِكُهُ\.