مذكّراتي العزيزة، كان يوم البارحة من أجمل أيام حياتي\. علمتُ أننا سنسافر إلى روسيا، وتعرّفت على صديق جديد: تياغو، صديق أبي\. كنت أظنه مثله\.\.\. قليل الحركة، قليل الكلام، لكن تبيّن أنني مخطئة تمامًا\! إنه لطيف، مرح، كثير المزاح والحديث\. لقد أحببته كثيرًا\. عليّ أن أستمتع بأيامي الأخيرة في نوكمالو\. سأودّع أصدقائي، وأصحاب القرية\.\.\. وأمي\. قالت "إلينا" وهي ترفع يديها نحو السماء: «أوه\! أخيرًا أنهيت كتابة مذكّراتي\! سأذهب الآن لتناول فطوري\.\.\. ثم أجمع الأصداف وأزور القرية\!» تنهدت بعمق كأن همًا ثقيلًا غادر صدرها دون وداع، ثم قفزت نحو المطبخ تدندن بلحن طفولي: «لا لا لا لااااا»\.\.\. ذاك اللحن الذي لم يفارقها منذ الصغر\. دخلت المطبخ راكضة نحو "مادرن" التي كانت تُعدّ الفطور كعادتها، مبتسمة ابتسامتها الدافئة التي تطرد الهمّ وتُزرع الطمأنينة\. قالت إلينا، بابتسامة تعانق صباحها: «صباح الخير، خالتي\!» ردّت عليها "مادرن" وهي تضحك: «صباح النور يا مشاغبة\!» تقدّمت "إلينا" نحو الطاولة حيث وُضع دواؤها، تناولت العلبة وشربت الدواء بصمت، ثم لحقت بـ"مادرن" لمساعدتها في تحضير المائدة\. كانت ضحكات خفيفة تتطاير في الأرجاء، وكأن في الكوخ مصنعًا صغيرًا للسعادة، لا يكفّ عن العمل\. قطعت إلينا ذاك الصمت الطيّب بسؤالٍ بريء وهي تضع صحن الشمّام على الطاولة: «أين أبي؟» أجابت "مادرن" دون أن تلتفت: «خرج منذ الصباح\.\.\. لديه عمل مهم\.» تمطّت شفاه الصغيرة وقالت بفضول: «وما هي هذه الأعمال؟» نظرت لها "مادرن" بنظرة خفيفة وقالت بابتسامة: «أمور تخص روسيا\.» اقتربت "إلينا" بخطواتٍ صغيرة، وملامحها متسائلة\.\.\. "مادرن" وضعت الخبز في المحمصة، ثم انخفضت أمام "إلينا"، مرّرت يدًا على خدها، والأخرى في شعرها، وهمست بلطف: «سنسافر بعد غدٍ، وهناك ترتيبات كثيرة\.\.\. لا داعي للقلق، صغيرتي\.» ابتسمت "إلينا" ابتسامة هادئة، وبينما همّت "مادرن" بالنهوض، صرخت فجأة: «أوه، لا\! الخبز احترق\!» ركضت نحو المحمصة، وركضت "إلينا" خلفها، شمّت رائحة الخبز المحروق، ثم نظرت إلى القطعة المتفحمة وضحكت: «سأذهب لإيقاظ تياغو\.\.\.» صعدت الدرج الخشبي بخفة نحو الطابق العلوي، حيث توجد غرفتان فقط: غرفة والدها وغرفة "تياغو"\. فتحت باب الغرفة بهدوء\. كان صوت شخير "تياغو" يملأ المكان وكأنه حارس أحلامٍ عميقة\. اقتربت من النافذة، فتحتها قليلًا، واستنشقت هواء البحر والغابة، كأنها تملأ رئتيها بالحياة\. ثم توجهت نحو سريره بهدوء، انخفضت قربه وهمست، بمزيج من الشقاوة والحنان: «تيياغو\.\.\. الفطور جاهز\.\.\. وهناك شمّام\.\.\.» لم يتحرّك\. اقتربت أكثر، وضعت يدها الصغيرة على أنفه وسدّته بخفة: «إذا لم تستيقظ، سأقول لخالتي أنك كنت تتكلم وأنت نائم\!» تمتم بكلمات غير مفهومة، وقلب وجهه للجهة الأخرى\. زفرت "إلينا" بقوة، وقالت وهي تهمّ بالخروج: «حسنًا\.\.\. أنت اخترت الحرب\.» غادرت، ثم عادت بعد لحظات تحمل كوبًا فيه ماء بارد\. وقفت أمامه وقالت: «وداعًا للنوم العميق، يا سيد تياغو\.\.\.» ورشت عليه الماء دفعة واحدة\. قفز تياغو مفزوعًا، مدّ يده لا شعوريًا كأنما في معركة، وأمسك بذراع إلينا بعنف، قبل أن يدرك ما يحدث\. كانت تضحك\.\.\. لكن ضحكتها تحولت إلى صرخة خائفة، ووجهها شاحب\. أفلتها فورًا وتراجع، عيونه مصدومة: «إلينا؟\!» رآها تهرب من الغرفة، تضع يدها على كتفها المرتجف\. بقي واقفًا، يحدّق في الباب المفتوح\.\.\. وقلبه ينهار بصمت\. جلس على طرف السرير، دفن رأسه بين يديه، وتنهّد تنهيدة ثقيلة: «ما الذي فعلته؟ كيف سمحتُ للوحش داخلي أن يظهر أمامها؟ كنت أريد حمايتها\.\.\. لا أن أكون سببًا لدمعتها\. كلما ظننت أنني نسيت، يعود ماضيّ ليذكّرني أنني لا أستحق النور\.» رفع رأسه، ونظر إلى الباب المفتوح، وهمس بصوتٍ مكسور: «آسف يا إلينا\.\.\. آسف لأنني نسيت من أكون\.» \-\-\- في الأسفل، جلست "إلينا" أسفل الدرج، تضم نفسها ويدها على صدرها المرتجف\. خائفة\.\.\. لا، مرعوبة\. كأن شيئًا انفجر بداخلها، ولا سبيل لإعادته إلى مكانه\. رأت "مادرن" حالتها، فتركت ما بيدها وتقدّمت نحوها مسرعة\. انحنت أمامها، رأت وجه الصغيرة المرتعب ويدها المرتجفة\.\.\. كأنها رأت وحشًا لا يُنسى\. جلست بجانبها واحتضنتها بعناية، تسمع أنفاسها المتقطعة، وتربّت على ظهرها بهدوء، دون كلام\. مجرد حضن\.\.\. لكنّه امتلأ بكل ما لا يُقال\. تمسّكت "إلينا" بخالتها كأنها طوق النجاة\.\.\. همست "مادرن" في أذنها بلطف: «لم يقصد أن يخيفكِ\.\.\. طبيعة عمله تجعله دائم الحذر\.» رفعت إلينا رأسها، والدموع تلمع في عينيها دون أن تسقط\. ابتسمت لها "مادرن" ومسحت شعرها وقالت: «أعرفكِ منذ وُلدتِ\.\.\. أعرف ما يسعدك وما يخيفك\.\.\. حفظتكِ كما تُحفظ الأدعية\.» ثم أضافت برقة: «هيا نكمل فطورنا، لا تفكري بما حصل، حسناً؟» هزّت "إلينا" رأسها بابتسامة صغيرة، وتوجهت إلى المطبخ\. وقفت "مادرن" تراقبها، ثم رفعت عينيها نحو السلالم وقالت بهدوء: «هيا\.\.\. تعال أنت أيضًا\.» نزل "تياغو" ببطء وابتسامة معتذرة، وقال ممازحًا: «شكرًا يا آنسة المشاكل\.\.\. تعلمين أنني لم أقصد\.» ثم أضاف وهو يحكّ رأسه: «كنت نائمًا\.\.\. ونسيت نفسي\.» اقتربت منه "مادرن"، أنزلت خصلة شعرٍ عن جبينه، وقالت بلطف: «لا بأس، سيد مشاغب\.\.\. هيا لتناول الفطور\.» جلس تياغو بجانب إلينا، وبدأ الثلاثة تناول الطعام\. ساد الصمت لبرهة، ثم قطعه تياغو كعادته بابتسامة عابثة: «اليوم سأذهب للصيد مع مرشدتي السياحية\!» نظرت له إلينا وقالت: «ماذا ستصطاد؟» رد بحماس: «السمك\!» نظرت إليه نظرة طفولية مشفقة، ثم قالت بصوتها اللطيف: – هل ستقتل تلك الأسماك اللطيفة؟ هل ستأكلها؟ ضحك ضحكة خفيفة وقال ممازحًا: – لقد ذكّرتني، يا صغيرة، بزيارتي الأخيرة للهند\. نظرت إليه إلينا بنظرة متجهمة، بريئة، مليئة بالتساؤلات، فأكمل شرحه: – معظم سكان الهند نباتيون بسبب ديانتهم\. إنهم يقدّسون الأبقار، بل يعبدونها أحيانًا\. ابتسمت له بعد أن فهمت قصده، ثم سألت بفضول: – ولماذا ذهبتَ إلى هناك؟ ولماذا يعبدون الحيوانات؟ ابتسم وقال بعد أن شرب رشفة من الحليب: – ببساطة، لأن لكلٍّ معتقداته\. أما أنا\.\.\. فكنت هناك في مهمة مع إحدى\.\.\. العصابات، أوه، أقصد\.\.\. إحدى العائلات\. اقتربت منه الصغيرة بحماس وسألته بابتسامة: – وما هي ديانتك أنت؟ تهرب من الإجابة بسرعة، وكأنه لا يريد الخوض في الموضوع، ثم نهض وقال: – لا تسألي كثيرًا يا صغيرة\. وانسحب بسرعة إلى الخارج، بينما بقيت إلينا تحدّق في الباب الذي خرج منه، بملامح متجهمة حائرة\. اقتربت من "مادِرن" التي كانت تراقب حديثهما بصمت، وسألتها: – ما ديانة تياغو؟ ابتسمت وقالت بهدوء: – في الحقيقة\.\.\. تياغو لا يملك ديانة\. هو ملحد\. نظرت إليها إلينا بوجه مليء بالدهشة والأسئلة، ثم ركضت مسرعة نحو الباب، متجهة إلى الخارج، حيث كان تياغو يجلس وحيدًا فوق صخرة تطلّ على البحر… اتجهت إلينا مباشرة نحو تياغو، وجلست إلى جانبه\. لم تقل شيئًا، واكتفت بالنظر إليه بملامحها الطفولية وابتسامة خفيفة على شفتيها\. كان تياغو يحدّق في البحر بصمت، غارقًا في أفكاره\. وحين طال نظر الصغيرة إليه، خرج من صمته، وابتسم لها بهدوء\. بادرت إلينا بالكلام بصوت خافت: – لماذا أنت ملحد؟ ثم أضافت بخفة: – على كلٍّ\.\.\. والدي أيضًا ملحد\. ضحك تياغو ضحكة طويلة ساخرة، ثم قال ممازحًا: – والدك مختلف تمامًا عن بقية البشر\. نظرت إليه بنظرة طفولية غاضبة، وقالت بانفعال لطيف: – ماذا تقصد؟ ابتسم لها بلطف، ثم أعاد نظره إلى البحر، وساد الصمت لحظة قبل أن يبدأ الحديث بنبرة أكثر جدية: – في الحقيقة\.\.\. أنا لست ملحدًا تمامًا\. أؤمن بأن هناك إلهًا خلق هذا الكون، وأؤمن أن وجوده ليس محض صدفة\. لكن\.\.\. كل عقيدة تدّعي أن إلهها هو الإله الحق، وأنا لا أريد أن أظلم أحدًا، ولا أن أظلم الإله ذاته، إن كان هناك إله حقًّا\. لذلك\.\.\. قررت أن أبحث عن الحقيقة بنفسي\. قاطعته إلينا، وقد ملأها الفضول: – وهل وجدته؟ هزّ رأسه نافيًا، وارتسمت على وجهه ابتسامة حزينة، ثم تابع: – سأخبرك بسرّ\. كنت أنا ووالدك في السابق نعتنق المسيحية\. لكن عندما كبرنا، وبدأنا نفهم ونتساءل، اكتشفنا أن ما نتبعه ليس منطقيًا، ولا يقبله عقل حرّ\. فقررت\.\.\. أن أبتعد، وأبقى هكذا، أبحث بصمت\. نظرت إليه الصغيرة بحزن، وقالت بصوت خافت يملؤه الأسى: – وهل ستبقى هكذا؟ ابتسم، ثم وضع يده على كتفها بلطف، وقال بصوت دافئ: – لا يا صغيرة\.\.\. لن أبقى هكذا\. سأبحث، وسأجد الحق، وسأدخل الدين الذي أشعر في أعماقي أنه الحق\. وأنتِ أيضًا، عليكِ أن تبحثي عن الحقيقة، بطريقتك\. ابتسمت له بحماس، وعيناها تلمعان بالأمل: – نعم\! سأبحث عنها\.\.\. وسأجدها\! ظل تياغو جالسًا فوق الصخرة، يراقب البحر في صمت، بعد أن غادرت إلينا\. هدأ المكان من حوله، ولم يبقَ سوى صوت الأمواج يلامس الصخور كأنها تهمس له بشيء يجهله\. أغمض عينيه للحظة، وعاد بذاكرته إلى الوراء… إلى طفولته، إلى ذلك المبنى القديم الذي كان يُسمى كنيسة، إلى الصلوات التي لم يكن يفهمها، وإلى الأسئلة التي ظلت بلا أجوبة\. تنهد بعمق، ثم تمتم بصوت بالكاد يُسمع: – "أهذا ما كنت أبحث عنه طوال الوقت؟… طفلة صغيرة تذكرني بأن للكون خالق؟" فتح عينيه، نظر إلى الأفق البعيد حيث تلتقي السماء بالبحر، وتكلّمت روحه دون أن ينطق: – "إن كان هناك حق\.\.\. فأنا مُتعب من الهروب، من الإنكار، من التظاهر بالقوة\.\.\. أريد فقط أن أعرف\." ثم مسح على وجهه بيده، وقال بصوت خافت، كما لو كان يخاطب الله مباشرة: – "إن كنت هناك\.\.\. أرني الطريق\." في ذلك الوقت، نزلت إلينا إلى الشاطئ وبدأت بجمع الصدف مع بعض أطفال القرية\. «تالوڨا إلينا\.» «تالوڨا لامو، كيف حالك؟» قال الصغير بمرح: «أنا بخير، ماذا عنك؟» اقتربت إلينا من الأطفال الذين كانوا يلعبون بالرمال، ووقفت بينهم ثم قالت: «بخير\.» أمسكت بقبضة يدها الرمال الدافئة، ثم قالت بحزن: «سأسافر\.» توقف جميع الأطفال عن اللعب، ثم نظروا إليها بنظرات طفولية تملؤها التساؤلات، فأكملت: «سأذهب إلى روسيا مع أبي، سنعود إلى مسقط رأسنا\.» اقترب منها الطفل لامو، طفل في عمرها أو أكبر منها بسنين قليلة، ذو بشرة سمراء، وشعر ذهبي، وعينين خضراوين تحيط بهما نقاط بنية جميلة جدًا\. قال بصوت حزين: «لماذا؟» اقترب بقية الأطفال منها، ثم قالوا بصوت موحد: «إي كاي \(لا\) تذهبي، أرجوكِ\!» جلست وسطهم بحزن، ثم قالت: «آسفة، لا أستطيع\.» ذبلت ملامح الأطفال وخيّم الحزن عليهم، فانتفضت إلينا بحماس لتنفض هذا الحزن، ثم قالت بحيوية: «أعدكم أنني سأزوركم\!» ارتفعت أرواح الأطفال بعد سماعهم لإلينا، فاقتربوا منها وعانقوها وهم يقولون بصوت واحد: «فكا ماليي إلينا \(نحبكِ إلينا\)\.» ابتسمت الصغيرة، ثم اتجهت نحو المياه وبجانبها لامو، يجمعان الأصداف ويلعبان مع الأسماك الصغيرة\. التفتت إلينا إلى الخلف، فوجدت والدها يراقبها عن قرب، وعلى وجهه ابتسامة صغيرة\. لوّحت له، ثم ذهبت مسرعة إليه، فرفعها بين يديه إلى السماء لتصدر منها ضحكات جميلة\. ثم أجلسها على صخرة بجانبه، نظرت إليه إلينا بابتسامة وسألته: «أين كنت؟ ولماذا لم تأتِ للفطور؟» اقترب منها بابتسامة صغيرة، ثم قال: «تعلمين أننا سنسافر بعد يوم غد، لذا كنت مشغولًا بتجهيز جوازات السفر وحجز الفنادق في روسيا\.» ابتسمت، ثم وقفت واتجهت نحو الأطفال: «إذن، عليّ أن أستمتع بوقتي وألعب\!» ابتسم لها والدها\. قاطعت مادرن حديثهما بابتسامتها العذبة: «ستكملين لعبك، لكن الآن عليكِ شرب دوائك\.» اقتربت إلينا من مادرن، ثم أخذت الدواء وكوب الماء، شربتهما، ثم ذهبت نحو الأطفال\. جلست مادرن بجانب بعض الأطفال وبدأت تلعب معهم وكأنها عادت طفلة، وكان صوت ضحكاتها يرتفع مع صوتهم، بينما كان تياغو يراقبهم من أعلى الصخرة بابتسامة دافئة، يتذكر من خلالها لقائهم الأول\.\.\. وكيف أصبح عضوًا منهم\. كان "تياغو" جالس فوق الصخرة، الريح تداعب شعره الاملس، عينيه مثبتتين على "مادرن" وهي تضحك مع الأطفال\. ابتسم بخفة، لكن داخله كان يعوم في بحر من الذكريات\.\.\. ذاك اليوم\.\.\. قبل عدت سنوات في روسيا وتحديدا في حي بيرفي في موسكو كان المراهقان الصغيران تياغو و اندريان الملقب بالفار يتجولان في الشوارع المضلمة، خطواتهما خفيفة وسريعة وكأنهما يهربان من عتمة هذه الازقة يرمقان المكان بنظرات حادة وثاقبة وكأنهما يحاولان ايجاد النور خلف هذا السواد موحش وخلف هذه الاحيط مهترأة وقديمة، سأل تياغو كعادته ممازحا يحاول اعطاء جو للمكان مخيف \_ اين هؤلاء الرجال، يبدو ان جواو قد خدعنا لم يعطه اندريان ايت ردت فعل، بل لم ينظر اليه حتى، بقيت ملامحه الباردة ونظره الحاد مصوب على نهاية الطريق، اكمل تياغو كلامه بانفعال صغير \_ أَلْفَّااااار انا اكلمك ما بك؟؟؟ فجأة، توقف أندريان دون سابق إنذار\. خطا خطوتين إلى الوراء، ثم مدّ يده بعرض الطريق، مشيرًا بصمت لتياغو أن يتوقف\. توقف تياغو فورًا\. رمق أندريان بنظرة حذرة، ثم تنفس ببطء، تحول مزاجه في لحظة واحدة\.\.\. بدأ جسده يتهيأ، عضلاته تتشنج بخفة، ويداه تقتربان من جانبي خصره\. استعد لأي هجوم مفاجئ\. لم ينبسا بكلمة، لكن الهواء من حولهما تغير\.\.\. شيءٌ ما يختبئ هناك في العتمة\. شيء يعرفهم جيدًا\.\.\. وربما كان ينتظرهم\. حل صمت لفترة حتى خرج مجموعة من رجال يحاصرون الصغيران يلبسون سترات داكنة، وجوههم عابسة، أعينهم تلمع بالعزم\. سبعة، وربما أكثر، أحاطوا بهما من جميع الجهات\. صاح أحدهم بصوت غليظ: ـ "أمسكوهما\! هذه أوامر من جواو\!" رد عليه اندريان بابتسامة عابثة مليئة بثقة « لا كننا جئنا بأمر من الغراب الاسود» نظر الرجال لااصغران ب توتر وتضح تجهمت واختف اللون من وجههم و كأن الموت كلمهم شدّ تياغو ذراع أندريان بسرعة وهمس: ـ "دعهم يقتربون\.\.\. الخطة رقم ثلاثة\." أومأ أندريان برأسه، ومدّ يده داخل حقيبته الصغيرة، وأخرج قنبلتين صوتيتين بدائيتين، صنعاهما معًا من قبل، في أحد أيامهما الهاربة\. اقترب أحد الرجال أكثر، مدّ يده نحو تياغو، لكنه لم يصل إليه\. صرخ أندريان فجأة: ـ "غطِّ أذنيك الآن\!" ألقى القنبلتين على الأرض، وفي لمح البصر، دوّى انفجار مدوٍّ، تبعه ضوء أبيض ساطع وصوت مزعج أربك الجميع\. ـ "عيناي\.\.\. لا أرى شيئًا\!" صرخ أحدهم وهو يتخبّط في الظلام\. ا امسك اندريان احد الراجل واسقطه بضربة قوية الي بطن، اما تياغو فضرب احد الرجال على رأسه بقوة ثم امسك دراعه وانزلق به ليسقط رجلين اخرين اغتنم اندريان الفرصة، وأمسك بيد تياغو ثم ركضا نحو الحائط الجانبي حيث يوجد ممر ضيق بين براميل صدئة\. انزلقا من خلاله واختفيا وسط الأزقة الخلفية\. بعد دقائق، توقفا في زاوية معتمة، يلهثان\. ابتسم تياغوهو يمسح العرق عن جبينه: ـ "الخطة رقم ثلاثة\.\.\. لا تخذلنا أبدًا\." ثم اضاف وهو يضغط على إصابته الخفيفة: «حسنًا\.\.\. يبدو أن جواو خدعنا، أخبرتك ألا تثق به\.» أجابه "أندريان" وهو يلهث: «لم أثق به من الأساس، لكن على الأقل\.\.\. الغراب أفادنا كثيرًا\.» ابتسم "تياغو" وهو ينظر إليه بنصف ضحكة: «سأُخبر جدّك بكل شيء، متأكد أنه لن يتمالك نفسه من الضحك\!» رد عليه "أندريان" بابتسامة صغيرة، لكنها سرعان ما تلاشت حين التفت فجأة نحو الزاوية المظلمة من الزقاق\. مدّ يده بصمت وأشار لـ"تياغو" أن يستعد\. وقف الاثنان جنبًا إلى جنب، قلبيهما ينبضان بثقل، الأدرينالين يفيض في العروق، وكل حواسهم متأهبة\. وفجأة\.\.\. خرج رجال آخرون\. عددهم أكثر من المرة السابقة\. وجوههم بلا تعبير، أجسادهم ضخمة، وأسلوب وقوفهم يخبرك أنهم ليسوا مجرد "رجال شوارع"\. كانوا مقاتلين\.\.\. مدربين\. رمقهم "تياغو" بنظرة ساخرة، ثم قال: «أتساءل\.\.\. من أين تخرجون؟ هل هناك باب خلفي للشر؟\!» تقدّم رجل منهم، يبدو أنه القائد\. ملامحه قاسية كالصخر، ذراعه اليمنى تحمل آثار معارك قديمة، كأن جسده نفسه يحكي قصص موت ودم\. ابتسم "تياغو" له بخفة، ثم أشار إلى أحدهم وهو يقول ساخرًا: «أنت كبير جدًا، لا أستطيع قتالك\. هناك، ذاك القصير يناسبني أكثر\!» لكن قبل أن يُنهي جملته، اندفع الرجل الكبير كالثور الهائج، يلوّح بذراعه الثقيلة في ضربة قاتلة\. وفي لحظة خاطفة، تدخل "أندريان" — أمسك "تياغو" وسحبه للخلف، لتضرب قبضة الرجل الهواء الفارغ\. وانفجر القتال\. تحوّل الزقاق إلى فوضى\. أصوات اللكمات، الركلات، اصطدام الأجساد، تناثرت في المكان كأنها طبول معركة\. "تياغو" دار حول أحدهم، ووجّه له ضربة خلف الركبة أسقطته، ثم ركل آخر في صدره، لكن سرعان ما تلقى لكمة قوية في وجهه أطاحت به للحظة\. "أندريان" كان يتحرك بخفة قاتل محترف، يسقط خصمًا بعد آخر، يستخدم الركلات والخداع والضربات المركزة\. لكن الضغط كان شديدًا\.\.\. كلما أسقط أحد الرجال، جاء اثنان مكانه\. كلما التقطا أنفاسهما، انقضت عليهم موجة جديدة\. تلقى "تياغو" ضربة في بطنه أخرجت الهواء من صدره\. أمسكه رجلان وألقوه نحو الحائط\. زحف قليلًا، ثم نهض، لكن توازنه كان مختلًا\. "أندريان" صمد أكثر، حتى أصابه أحدهم بعصا معدنية على ساقه، فسقط على ركبتيه، وتلقى ركلة أخرى على كتفه\. وفي النهاية\.\.\. سقط الاثنان أرضًا\. جسديهما منهكان، تنفسهما متقطع، والغبار يعلو ملابسهما\. لم يبقَ منهما إلا النظرات المتحدية، رغم السقوط\. وبينما كان الرجال يحيطون بهما\. حيث لا يتوقع أحد، خرجت امرأة – أو بالأحرى شابة صغيرة – بشعر طويل شديد السواد، كأنّه بحر مظلم أو زقاق موحش لا يلامس الضوء\. عيناها ساحرتان، أهذه عينان أم لآلئ سوداء؟ تشدّك نحوها فتغوص فيهما كأنك تحت تأثير سحر أو تخدير\. كانت شديدة الجمال\. نظر "تياغو" إلى عينيها الجميلتين، إلى جسدها الرشيق، إلى شعرها الطويل المتمايل، وابتسم بخفة، ثم التفت إلى "أندريان" الذي كان قد فقد وعيه بسبب قوة الضربات التي تلقاها سابقًا\. أغمض "تياغو" عينيه واستسلم للألم\. تقدمت الفتاة نحو الرجال، وكان جزء من وجهها مغطى، لا يظهر منه سوى عيناها الساحرتان\. حاول الرجال مهاجمتها، لكنها نزعت غطاء وجهها، وما إن ظهر وجهها حتى تراجعوا خطوة إلى الوراء، وبدت على ملامحهم علامات التوتر والقلق\. نطق أقواهم بكلمات مترددة: «ما الذي تفعلينه هنا\.\.\. سيدة جونسون؟» ابتسمت ابتسامة ناعمة ساحرة، وقالت بصوت أنثوي هادئ: «لدي عمل\. أخبروا سيدكم أن لدي حسابًا مع ابن رودريغو\.\.\. وابن لوتشيانو\. لذا، يمكنكم الانصراف، سأهتم بأمرهم بنفسي\.» تبادل الرجال النظرات، غير مقتنعين تمامًا بكلامها\. فابتسمت ابتسامتها اللطيفة مجددًا، وقالت بنبرة رخيمة: «هيا\.\.\. ما بكم يا رجال؟ أخبروهم أن مادرن فولكوف جونسون ستتكفل بأمر الأطفال\.» هزّ الرجال رؤوسهم أخيرًا، وقال نفس الشخص بتحفّظ: «ستتحملين العواقب\.» هزّت "مادرن" رأسها مبتسمة بثقة، ثم تابعت مراقبة المكان بعد أن غادر الرجال\. انتظرت للحظات حتى تأكدت من خلوّ المكان، ثم أخرجت هاتفها واتصلت برقم ما، وقالت: «تعال بسرعة\.\.\. أنا بالقرب من منزل كايو\.» ثم أغلقت المكالمة، واتجهت نحو الفتيين لتتفقد جروحهما\. كانت إصابات "تياغو" سطحية، لا تُشكل خطرًا، بينما "أندريان" كان في حالة خطيرة، فقد نزف الكثير، خاصة من جرح عميق في يده\. نهضت "مادرن" على قدميها، ومسحت الدم من يد "أندريان" بمنديل، ثم عادت إلى هاتفها وأرسلت رسالة نصية: «هناك جريحان\.\.\. أحتاج إليك، أحضر معك مصل الدم\.» أغلقت الهاتف، وأعادت تفقد المكان إلى أن وصلت سيارة سوداء\. نزل منها رجل يبدو في العشرينات من عمره، رحّبت به، ثم طلبت منه مساعدتها في حمل "تياغو" و"أندريان"\. رفعا الفتيين معًا، وضعوهما في السيارة، ثم انطلقوا مباشرة نحو كوخ صغير وسط حي فقير، بدت عليه علامات البؤس والحرمان\. كان الكوخ صغيرًا، تكسوه طبقة من الطين المتشقق، والنوافذ بالكاد تسمح للضوء بالعبور، لكنّه كان آمنًا، على الأقل بما يكفي ليضمد جرحين ينزفان بصمت\. دخلت مادرن أولًا، وجهها ما زال مغطى ببقايا الدم الذي لطّخ كفّيها، ثم دخل الشاب الآخر حاملًا تياغو، تبعته مادرن وهي تفتح باب غرفة جانبية حيث سريران قديمان، عليهما أغطية مهترئة\. وُضع تياغو أولًا، ثم أندريان، الذي ما زال جسده يرتجف من شدّة النزيف\. اقتربت مادرن منه، تفقدت جرحه العميق، عضّت على شفتها السفلى وهمست: "إنه ينزف بشدة… تأخرت كثيرًا\." قال الشاب الذي معها: "سأُحضّر المصل، أعطني فقط خمس دقائق\." أومأت له دون أن تنظر، كانت منشغلة بلفّ الضماد حول ذراع أندريان، ثم انتقلت بسرعة إلى تياغو، الذي بدأ يستعيد وعيه تدريجيًا\. فتح عينيه ببطء، رمش مرتين، ثم همس بصوتٍ متعب: "أين… أنا؟" ابتسمت مادرن ابتسامة خفيفة، تلك الابتسامة التي لا تفارقها حتى في أحلك اللحظات، وقالت بهدوء: "في مكان لا تصل إليه خيانة بيرفي\." نظر إليها مليًّا… ثم تمتم: "من أنتِ…؟" اقتربت منه قليلاً، حتى لاح وجهها واضحًا تحت ضوء المصباح المعلق، وقالت بصوتٍ خافتٍ عميق: "اسمي مادرن… مادرن فولكوف جونسون\. ولستُ هنا لإنقاذك… بل لإغلاق صفحة قديمة، بدأت قبل أن تولد حتى\." اتّسعت عينا "تياغو" المرهق، وهو يرمق الفتاة الجميلة بنظرات فضول وإعياء، عيناه السوداوان بالكاد تلتقطان ملامحها\. ما لبثت "مادرن" أن ابتعدت عنه قليلًا حين دخل رجل يحمل حقيبة طبية كبيرة، وخلفه امرأة ذات بشرة فاتحة، وشعر بني ناعم كالحرير، وعينين بلون الشوكولا\. اقتربت المرأة من "أندريان"، جلست بجانبه وبدأت بتضميد جراحه بمساعدة الرجل، بينما كانت "مادرن" تراقب المشهد عن كثب\. حاول "تياغو" أن ينهض ليرى ما يحدث، لكن "مادرن" أوقفته بلطف، وضعت يدها على كتفه وهمست بصوتٍ رقيق: «ابقَ مستلقيًا، يا ابن لوتشيانو\.\.\. جسدك مُتعب\.» لم يكترث لكلماتها، وحاول مجددًا، مدفوعًا بالقلق، رغم الألم الحارق الذي كان يخترق جسده\. قال بانفعال، عينيه متعلّقتان بصديقه: «ابتعدي عني\.\.\. أندريان؟ أندريان\!» وضعت "مادرن" يدها على فمه برقة، ونظرت إليه بعينين هادئتين: «سيكون بخير\.\.\. نحن نتعامل مع الوضع، لا تقلق\.» كانت كلماتها كمخدر ناعم في أذنيه، فاستسلم للراحة، وأعاد جسده المنهك إلى السرير\. بدأت "مادرن" تنظيف جراحه بعناية، بينما كان يصدر أنينًا خفيفًا يحاول كتمانه كي لا يُظهر ضعفه\. أعطته قرصًا مسكنًا، تناوله فورًا، وما إن فعل حتى بدأ النعاس يثقل جفنيه\. أغمض عينيه، وغرق في النوم\. أنهت "مادرن" عملها بتنهيدة ارتياح، ثم التفتت نحو الرجل الذي يدعى "بابلو" والمرأة "ماريا": «شكرًا لكما على كل شيء\.» قالت بابتسامة عذبة\. ابتسمت "ماريا" بلطف، بينما قال "بابلو" بصوته العميق: «لا عليكِ\. لقد سددنا الدين\.» مدّ يده ليصافحها، فصافحته بابتسامة صافية: «نعم\.\.\. انتهى كل شيء\.» غادرا معًا، ثم اتجهت "مادرن" نحو "ماريا" وسألتها بقلق: «هل سيكون بخير؟» اقتربت "ماريا" منها، ووضعت يدها على كتفها مطمئنة: «ضمّدنا جراحه\. لا تقلقي، ليست خطيرة\. فقط بعض الوقت وسيستعيد عافيته\.» ابتسمت "مادرن" شاكرة، ثم ودّعتها، واتجهت نحو غرفة صغيرة\. رغم بساطتها وهشاشة جدرانها، كانت مرتبة ودافئة\. أخذت من الخزانة بعض الأغطية، ثم خرجت نحو مطبخ صغير، حيث جلست امرأة عجوز جميلة تشرب الشاي\. كانت امرأة فاتنة رغم تقدمها في السن، ببشرة بيضاء كشمس الشتاء، وعينين خضراوين، وشعر أشقر اختلطت به خصلات بيضاء\. أخذت "مادرن" مواد التنظيف، وتوجهت مباشرة إلى غرفة "أندريان" لتنظيف الفوضى والدماء\. دخلت العجوز بهدوء عندما كانت "مادرن" توشك على إنهاء التنظيف\. اقتربت من "تياغو" النائم، نظرت إليه وقالت بابتسامة: «رغم أنه نشأ في روسيا، إلا أنه ما زال يحمل ملامح البرازيل في وجهه\.» ضحكت "مادرن" وقالت وهي تمسح النافذة: «صحيح\.» وضعت العجوز يدها على كتف "تياغو" وقالت: «آه يا ابن العم\.\.\. كم أغرقتنا النزاعات\!» ضحكت "مادرن" بخفة: «أمي، هذا ليس ابن رودريغو\.» تجهمت ملامح العجوز، فتابعت "مادرن": «إنه صديق رودريغو، ابن لوتشيانو ميخايلوف\.» ابتعدت العجوز عنه بخطوة، فأشارت "مادرن" نحو "أندريان": «ابن عمك هناك\.\.\. إنه ابن رودريغو فولكوفيتش\.» نظرت العجوز إلى "أندريان" ثم عادت بعينيها نحو ابنتها: «هل سيؤوينا؟» اقتربت "مادرن" منها، واحتضنتها بلطف: «حتى لو لم يساعدنا\.\.\. سأجد طريقة للهروب من هذا الجحيم\. لا تقلقي، أمي\.» قبّلت جبهة والدتها بحنان، ثم رشّت الغرفة بعطر خفيف قبل أن تغادر\. مرّ بعض الوقت\.\.\. بدأ "تياغو" يستيقظ ببطء، وكأن شاحنة عبرت على رأسه\. فتح عينيه بصعوبة، تنفّس بعمق، ثم حاول الجلوس متألمًا، موجات الألم تنتشر في جسده\. توجّه بعينيه نحو "أندريان"، الذي كان لا يزال نائمًا، وتقدّم بخطى ثقيلة\. ركع بجانبه وتفقد جراحه، لكن حركة خفيفة أيقظت صديقه\. استيقظ "أندريان" فجأة، وبردة فعل غريزية، أمسك "تياغو" من عنقه بقبضة قوية، عيناه متسعتان بالذعر\. «أندريان\! أندريان\! إنه أنا\.\.\.» همس "تياغو" بصوت مبحوح\. وبعد لحظات من التوتر، خفّت قبضة "أندريان"، وتركه يتنفس\. جلس الاثنان بصمت\.\.\. والأنفاس الثقيلة هي التي كانت تملأ الغرفة\. عاد "تياغو" خطواتٍ إلى الوراء، بينما اعتدل "أندريان" في جلسته بصعوبة\. جلس "تياغو" على سريره مجددًا، متعبًا ومنهكًا من الألم\. أما "أندريان"، فقد كان في حيرة من أمره، تساؤلات كثيرة تتجول في رأسه، لا، بل تحتفل داخله دون توقف\. بدأ يسأل، وكأن الأسئلة تخرج منه دفعة واحدة: «كيف وصلنا إلى هنا؟ كيف نجونا؟ من ضمّد جراحنا؟ من ساعدنا؟» اعتدل "تياغو" بدوره، ثم أجابه بصوت هادئ: «أنقذتنا فتاة تُدعى مادرن فولكوف جونسون\. هي من أحضرتنا إلى هذا المكان، وهي من ضمّدت جراحنا\.» اتسعت عينا "أندريان" فور سماعه ذلك الاسم\. وقبل أن ينطق بأي ردّ فعل، فُتح باب الغرفة ودخلت "مادرن" وهي تحمل صينية طعام\. ابتسمت ابتسامتها الجميلة، ووضعت الصينية على الطاولة\. رغم ألمه، وقف "أندريان" فجأة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة مائلة\. اقتربت "مادرن" منه بنفس ابتسامته وقالت بسخرية هادئة: «أهلًا، يا ابن العم\.» شق "أندريان" فمه بابتسامة أخرى، وقال بنبرة مستفزّة: «لست ابن عمكِ، يا ابنة الأميركي\.» كان "تياغو" يراقبهما بتجهم، لم يفهم شيئًا من هذا الحوار الغريب، فسأل "أندريان" مقاطعًا انفعال "مادرن": «هل تعرفها؟» هزّ "أندريان" رأسه ببطء، بينما ظلت "مادرن" محتفظة بانفعالها\. ردّت بحدة: «ما الذي تقصده بأمريكية؟\! أنت أيضًا ابن برازيلي، أيها الفارّ فولكفيتش\!» قاطع "تياغو" حديثهما، موجّهًا سؤاله إلى "مادرن": «من أنتِ؟ وكيف تعرفين أصله؟» ابتسمت بسخرية وقالت: «ما رأيك أن أُعطيك درسًا في التاريخ؟ لتعرف من أكون، وليتذكّر صديقك من هو\.» اقترب منها "تياغو" رغم تعبه، ونظر إليها بحدة وقال: «أعرف من أكون\.\.\. يا ابنة جيمس\.» ثم وقف أمامها بثبات وقال: «هيا، أعطينا هذا الدرس يا أستاذة التاريخ\.» اختفت ملامح الغضب عن وجهها، وسحبت كرسيًا وجلست عليه بهدوء\. عاد الشابان إلى سريريهما، لتبدأ "مادرن" حديثها: «حسنًا، يا ابن لوتشيانو\.\.\. منذ زمن طويل، في روسيا تحديدًا، تزوّج رجل يُدعى فولك من امرأة تُدعى كيشي\. كانا ينحدران من عائلة متوسطة، وأنجبا طفلًا أسمياه فولكوف، أي "الذئب"، وبعد عامين أنجبا طفلًا آخر أسمياه فولكفيتش، أي "ابن الذئب"\. عاشوا حياة بسيطة، إلى أن اصطدموا بأقوى عائلة أرستقراطية في روسيا: عائلة رودغوف\. في إحدى الليالي، قتل الأب فولك ابنًا من أبناء عائلة رودغوف، وهنا بدأت الحرب\. خوفًا على أطفالهما، أرسل الزوجان ولديهما إلى البرازيل\. كبر الولدان هناك، وتزوج كل واحدٍ منهما\. أنجب فولكفيتش طفلًا، وأنجب فولكوف طفلًا وفتاة\. عاد فولكوف إلى روسيا مع زوجته، وترك ابنته لدى شقيقه\. تزوجت الفتاة من ابن عمها، وأنجبا ابنًا سُمي رودريغو فولكفيتش\. أما فولكوف، فحين عاد إلى روسيا، وجد أن والديه قُتلا على يد عائلة رودغوف\. حاول الانتقام، فقتل إحدى بنات العائلة، لتشتعل الحرب من جديد\. وبما أن لعائلة رودغوف نفوذًا كبيرًا، استطاعوا اغتياله، لكن ابنه الصغير فرّ مع والدته\. كبر وتزوج لاحقًا من امرأة، وأنجب فتاةً تُدعى كاميليا\. في الجهة الأخرى، سعت عائلة رودغوف لإيجاد الأخ الأصغر، لكنها توقفت بعد قتل فولكوف\. وفي وقت لاحق، اضطرت عائلة رودغوف إلى عقد صفقة مع عصابة برازيلية، ولسوء حظهم، كانت تلك العصابة تابعة لعائلة فولكفيتش\. قرر الطرفان إيقاف الحرب مؤقتًا، فتزوّجت المدلّلة الوحيدة لعائلة رودغوف، أنستازيا، من ابن عائلة فولكفيتش، رودريغو\. زواج قسري في البداية، لكنه تحوّل إلى حب\.\.\. كما تعلم، يا تياغو\.» نظر تياغو إلى "مادرن"، ثم إلى "أندريان" الذي استعادت ملامحه البرود، وقال بدهشة: «أعلم أن السيد رودريغو تزوج أنستازيا رغمًا عنه، لكنه أحبها لاحقًا\. الدليل هو أندريان\.\.\. ابنهما\. ما لا أفهمه هو أنتِ، ما علاقتك بكل هذا؟» ابتسمت "مادرن"، وأكملت شرحها: «ابن فولكوف الهارب، تزوج من امرأة روسية، وأنجب منها فتاة تُدعى كاميليا\. عاشت كاميليا في فقر وتخفٍّ، إلى أن التقت برجل أمريكي أسود البشرة يُدعى جيمس جونسون\.» صرخ تياغو بانفعال: «جيمس؟\! تقصدين جيمس\.\.\. أقوى هاكر عرفته أمريكا؟» هزّت رأسها بتأكيد، ثم واصلت: «عاشت كاميليا مع جيمس في أمريكا، وأنجبت منه فتاة\. لكن قبل أن يعرف جيمس بأمر حملها، مات في ظروف غامضة\. بدأت الناس تلاحق كاميليا\.\.\. أرادوا القضاء على نسل جيمس، فهربت إلى روسيا بمساعدة أصدقاء زوجها\. عملت في المخابرات الروسية، وربّت ابنتها في حي شعبي فقير يُدعى بيريفو\.» أخذ تياغو نفسًا عميقًا وقال: «اسموها مادرن، فتاة جميلة، ورثت من والدها لون بشرته، ومن أمها سحرها\. ترعرعت وسط المافيا والمجرمين، لكنها كانت ذكية، تعلمت البرمجة والاختراق من صديق والدها، اللي كان يرسل لها الكتب عبر الـ darknet\. بدأت تبيع خدمات تجسسية وهي صغيرة: اختراق الكاميرات، البحث عن المفقودين، التلاعب بالبيانات\.\.\. صح ولا لا، أيتها الساحرة؟ \(la sorcière\)\.» نظرت إليه "مادرن" مذهولة، تبتسم بعرض وجهها، غير مصدقة أن أحدًا يعرف كل هذه التفاصيل\. تابع "أندريان"، بنبرة هادئة لكنها حادة: «لقبوك "الساحرة" داخل الشبكات السوداء الروسية لأنك كنتِ قادرة على سرقة أي سر، مسح أي ملف، حتى فك شيفرات الحكومة\.\.\. دون أن يشعر أحد\. وصلكِ خبر من شبكة معارفك، ضباط مخابرات سابقين ومجرمين سابقين، أن هناك تصفية دم قادمة ضد عائلة فولكوف، وأن من تعاونوا مع قتلة والدك\.\.\. ما زالوا يلاحقونك\. أنتِ آخر العنقود\.\.\. آخر ما تبقى من العائلتين\. لذا\.\.\. أنقذتِني\.» م "مادرن" مفتوحًا من الصدمة\. لم تتوقع أبدًا أن "أندريان" يعرف كل شيء عنها\.\.\. بل حتى تفاصيل سرية لم تشاركها مع أحد\. وقبل أن تتكلم، باغت "تياغو" صديقه بنبرة عتاب: «إذن\.\.\. كنت تعرف كل هذا؟ لماذا لم تخبرني؟\!» لم يتلقَ ردًّا\. "أندريان" تجاهله كعادته، عاد لتلك الملامح الباردة والنظرة الثاقبة التي تخفي كل شيء\. همهمت "مادرن" بخفة وهي تبتسم بخجل ودهشة: «يا لك من ذكي\.\.\. أتساءل كيف عرفت كل هذه الأمور؟» جلس "أندريان" على سريره ببطء، رفع رأسه ونظر إليها بعينين من جليد: «والدك\.\.\. عقد صفقة مع إحدى العائلات الأمريكية لتصفيتك\. هو يبحث عنك الآن\.» اتّسعت حدقتا "مادرن"، وتجمد كل شيء فيها، حتى ريقها تحوّل إلى سم، اختفى اللون من وجهها وهي تهمس: «هذا\.\.\. هذا غير ممكن\. نحن عائلة واحدة\.\.\. رودريغو لن يفعلها\.» ردّ "أندريان" بنفس البرود: «الصفقة\.\.\. أهم من العائلة\.» وقفت "مادرن" بتوتر، تكاد تفقد توازنها، تمسكت بكرسي لتخفي ارتجاف يديها، ثم همست بصوت بالكاد يُسمع: «كُلوا طعامكما\.\.\. قبل أن يبرد\.» نظر إليها "تياغو" بشفقة وقلق، بينما بدأ "أندريان" الأكل ببرود وكأن شيئًا لم يُقل\. فجأة دخلت العجوز إلى الغرفة\. التفت الجميع نحوها بنظرات متباينة، اقتربت من "أندريان" وجلست بجانبه بهدوء\. وضعت يدها على رأسه بحنان وقالت بابتسامة دافئة: «كيف حالك\.\.\. يا ابن عمتي؟» حدّق بها "أندريان" باستغراب، لم يفهم، لكن "تياغو" تقدّم بسؤال يملؤه الحماس والفضول: «هل أنتِ كاميليا؟ أم "مادرن" هي حفيدة فولكوف؟» أجابته بابتسامة شبيهة بابتسامة "مادرن"، وأومأت برأسها\. كان "أندريان" لا يزال يحدّق في وجهها غير قادر على الاستيعاب، بينما اتجه "تياغو" نحو "مادرن" التي غرقت في بحر من الأفكار\. سألها مستغربًا: «كم عمرك؟» أجابته دون أن تنظر إليه: «اثنان وعشرون\.» فتح فمه بصدمة، ثم قال وهو يبتسم: «أنتِ أكبر منّا بست سنوات؟\!» رفعت نظرها إليه بتعجّب: «نعم\.» شهق "تياغو" شهقة صغيرة ثم ابتسم بلطافة: «تبدين أصغر\.\.\. أقصد، ملامحك طفولية\.» ضحكت بخفة وردّت بابتسامة ساحرة: «ولست كبيرة أيضًا\.» حكّ "تياغو" مؤخرة رأسه وقال: «صحيح\.» في الجهة الأخرى، كانت العجوز تنظر إلى "أندريان" بحنان واضح، بينما هو ما زال غارقًا في ارتباكه\. مررت يدها مرة أخرى على شعره، ثم قالت: «جدّتك\.\.\. أم رودريغو، كانت عمتي، أخت والدي\. وجدّك، والد رودريغو، هو ابن عم والدي\.» نظر إليها "أندريان" بدهشة، وقف فجأة وقال بنبرة متوترة وهو ينظر إلى "تياغو": «علينا أن نرحل\.» وقف "تياغو" فورًا إلى جانبه وقال بجديّة: «نعم، يجب أن نذهب\.» رمق "أندريان" العجوز بنظرة سريعة، ثم التفت نحو "مادرن" التي بدا الخوف جليًّا على ملامحها\. قال بثبات: «لا تقلقي\.\.\. لن أخبر أحدًا عنك\.» ثم خرج مسرعًا\. أما "تياغو"، فابتسم قليلًا، ودّع العجوز و"مادرن"، ثم لحق بصديقه\. فتح "أندريان" باب المنزل، وخرج مباشرة إلى الحي الفقير الذي يعرفه جيدًا\. سلك زقاقًا ضيقًا، كأنه نفق سري وسط الخراب، ولحقه "تياغو" بصمت دون أي سؤال\. في نهاية الطريق، كانت هناك سيارة سوداء تنتظرهما\. رجال ببذلات سوداء فتحوا الأبواب\. ركبا دون تردد\. وانطلقت السيارة نحو مصير آخر قال أندريان للسائق بصوت هادئ: «إلى روبلوفكا\.» خيّم الصمت على السيارة، تبادل تياغو وأندريان النظرات، وكأن الكلمات لم تعد قادرة على حمل ما يشعران به\. قطع تياغو الصمت بتجهم: «أتساءل… لماذا خرجت بسرعة؟ أقصد، لماذا تصرفت بتلك الطريقة؟» لم يجب أندريان، واكتفى بالنظر إليه بملامح باردة لا تُبشّر بخير\. ابتسم تياغو ابتسامة مائلة وقال ساخرًا: «فهمت\.» كان أندريان يحدّق في نافذة الليموزين السوداء، بينما اتّكأ تياغو على الباب ينظر إلى الشوارع الصامتة، تحرسها الكاميرات والرجال المسلحون\. توقفت السيارة أمام قصر ضخم تحيط به أسوار عالية\. نزل أندريان وتوجّه نحو البوابة المحروسة، ثم التفت إلى تياغو وسأله بنبرته المعتادة: «ألن تأتي؟» أجابه تياغو بابتسامة: «لا، سأذهب إلى المنزل\.» دلف أندريان إلى القصر دون أن يلتفت، وقال: «كما تشاء\.» أغلق تياغو الباب، وأشار للسائق: «إلى قصر ميخايلوف\.» بعد دقائق، توقفت السيارة أمام قصر فاخر من الرخام والزجاج\. نزل تياغو، ودخل منزله\. بعد شهر تقريبًا\.\.\. عاش أندريان حياته بشكل طبيعي، وكأن لقاءه بمادرن لم يحدث\. نسي كلماتها وطلبها للمساعدة، أو ربما تناساه\. أما تياغو، فلم يذق طعم النوم، خصوصًا بعد اكتشافه أن والده متورط في قضية مادرن\. بعد أسبوع من لقائه بها، قرر إخبار والده بنيّته مساعدتها، لكنه صُدم عندما علم أنه متعاون مع رودريغو لقتلها\. عندها اختار الصمت\. مرت الأيام، والروتين ذاته: مدرسة، تدريب، نظرات لا تُقال\. وفي أحد الأيام، كان تياغو وأندريان جالسين في حديقة ليفوبيريجني، على مقعد خشبي تحت شجرة خريفية\. ساد الصمت بينهما، كأن الكلمات تاهت وسط زحام الذكريات\. قطع تياغو الصمت بسؤال: «هل ستذهب لحفل الليلة؟» أجابه أندريان ببرود: «لا أرى أي فائدة من ذلك\.» هزّ تياغو رأسه وقال: «الحفل سيعلّمنا الكثير، أظن أنه علينا الذهاب\.» نهض تياغو، لكن أندريان أوقفه بقوله: «صحيح، سنعرف هناك كيف نتعامل مع هذا النوع من الناس\.» ثم أضاف بنبرة هادئة: «أنت تدهشني\.\.\. دائمًا\.» ابتسم تياغو بغرور: «أدهشك؟ أنا دائمًا رائع\.» أندريان هز رأسه باستسلام وقال محطمًا غروره: «لكن دائمًا يدهشني غباؤك\.» اختفت ابتسامة تياغو وقال ببرود: «على كل حال، لا يمكننا الذهاب بهذه الملابس\.\.\. نحتاج طقمًا يليق بالمكان\.» وقف أندريان إلى جانبه وقال: «هل هذا ضروري؟» أجابه تياغو بثقة: «أساسي… في عالمنا\.» \_ التحرك نحو الأناقة اتجه تياغو نحو دراجته Yamaha YZF\-R1، كانت تقف تحت شجرة، سوداء كوحش صامت بانتظار أن يتحرّر\. مظهرها العدواني وهيكلها الأسود المطفي لا يوحيان بالرحمة\. من يركبها لا يبحث عن طريق… بل عن صدمة، عن هروب صاخب من كل شيء\. أخذ خوذته وركبها، تبعه أندريان على دراجته الرمادية اللامعة، نسخة طبق الأصل بلون مختلف\. انطلقا مثل الرصاص، يتمايلان في الطريق وكأنه ملكهما، لا يخشيان شيئًا… لا حتى الموت توقفا أمام متجر "TSUM Moscow"، أشهر مركز فاخر لبيع الأطقم الرجالية في روسيا، حيث تُعرض ماركات النخبة: Brioni، Hugo Boss، Tom Ford، Armani\. دخلا المحل، وحظيا باستقبال راقٍ، تجوّلا بين الأرفف حتى اختارا طقمين من نوع: "Casual Suit Set" أو "Outfit of the Day" بنمط آسيوي جذاب: سترة خفيفة تيشيرت قطني أبيض بنطال بنفس اللون حذاء رياضي أبيض اختار أندريان اللون الأسود، أما تياغو فاختار الرمادي\. عندما عاد كلٌّ منهما إلى منزله، بدأ التجهيز\. كانت الإطلالة أنيقة بطابع عصري يجمع بين البساطة والفخامة\. السترة بخطوطها النظيفة تعكس هدوءًا وذكاء، التيشيرت الأبيض يضيف لمسة راحة، أما البنطال فكان مفصلًا ليُظهر القامة بثقة\. واكتمل كل شيء بحذاء رياضي أبيض نظيف\.\.\. لمسة عصيان على الرسمية\. وأخيرًا، رشّا القليل من عطر Brioni الفاخر\. ركبا دراجتيهما من جديد، بنفس العفوية والجرأة، وكأنهما يلعبان في عالمٍ صنعاه على مقاسهما\. عالم لا يعترف بالقواعد\. صل الاثنان إلى مشارف القلعة، توقفت الدراجة النارية ببطء أمام ذلك البناء العجيب، فنزل تياغو وأندريان منها بذهول تام\. تجمّدت أنفاسهما للحظة، وعيونهما كانت لا تُصدّق ما تراه\.\.\. أمامهما ارتفعت قلعة ضخمة، وكأنها مقتطفة من روايات الخيال أو مشاهد أفلام الأساطير\. جدرانها العالية ترتفع في صمت، تكاد تلامس ظلمة السماء، مزخرفة بزخارف دقيقة تنتمي إلى العصر الفيكتوري، تحكي كل زاوية فيها عن تاريخ غامض وملكي\. في قلب الواجهة، أبوابٌ شاهقة من الزجاج الأسود، تلمع تحت الأضواء كأنها مرآة لعالم آخر\. وحولها، حديقة واسعة تغمرها الثلوج البيضاء، تغطي العشب والأشجار كأنها وشاح من القطن النقي\. وكانت الأشجار، بأغصانها الطويلة المثقلة بالثلج، تضيء بفعل المصابيح المتناثرة بين فروعها\.\.\. أضواء سحرية بالأصفر، الأحمر، والبرتقالي، تتراقص على الجليد في هدوء، فتضفي على المشهد جمالًا خياليًا ساحرًا\. همس تياغو وهو يحدّق في الواجهة المهيبة: \_ "هل نحن\.\.\. داخل حلم؟" أما أندريان، فبقي صامتًا، عيناه لا تتحركان عن ذلك البناء الغامض، لكن نظرته كانت تقول كل شيء: هذا المكان ليس عاديًا… توجّه الاثنان نحو باب القصر\.\.\. كان بابًا ضخمًا بلون الذهبيّ الفاخر، تغطيه نقوش دقيقة مرصّعة بالأحجار الكريمة اللامعة\. بدا وكأنه تحفة فنية، لا مدخلاً لمجرد بناء\. على جانبي الباب، وقف رجلان ضخما الجسد، بملامح جامدة لا تحمل أدنى أثر للانفعال\. مجرد وجودهما يوحي بأن المكان لا يُسمح بدخوله لأيٍّ كان\. تقدّم أندريان بخطوات واثقة، عيناه تمسحان المكان من زاوية إلى أخرى، وكأنه يحاول رسم خريطة ذهنية لكل تفاصيل القصر\. تبعه تياغو، لا يزال مندهشًا من فخامة ما يراه\. قال وهم يقتربان من المدخل: \_ "واااو\.\.\. ما أجمل هذا المكان\!" لم يردّ عليه أندريان، فقد كان تركيزه في مكان آخر\.\.\. في العمق\.\.\. خلف الجدران\.\.\. ما وراء العيون الراقبة\. وصلا إلى مدخل قاعة هائلة الاتساع\.\.\. قاعة فاخرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، تمتد على مساحة تكاد تنافس ملعب كرة قدم، بسقف عالٍ مزخرف وثريات تتدلّى منها بلورات الكريستال، تبعث ضوءًا ناعمًا\. في كل زاوية، وقف نبلاء وأشخاص أنيقون، وجوههم مطلية بالوقار والغموض، ملابسهم باهظة، وروائح العطور تملأ المكان، تشي بثروة وفخامة\. كانت موسيقى كلاسيكية ناعمة تعزف بهدوء في الخلفية، تنثر في الجوّ سكينةً مزيفة وهدوءًا يخفي الكثير\. نظر تياغو إلى ملابسه البسيطة، ثم إلى المعازيم الذين يلمعون ببدلاتهم الرسمية وفساتينهم الفاخرة، ثم التفت إلى أندريان وقال هامسًا بابتسامة باهتة: \_ "ملابسنا لا تناسب هذا الحفل\.\.\." رماه أندريان بنظرة باردة، دون أن يعلّق\. ضحك تياغو بخفة، وهمس من جديد بمزاح: \_ "هذا ذوقي، صح؟" تقدّما خطوة نحو وسط القاعة\.\.\. لكن فجأة، قُطع الصمت الفخم بصوت رخيم خلفهما: "لقد تأخرتما، أيها الصغيران…" تشنّجت عضلاتهما في اللحظة ذاتها، شدّ أندريان على قبضته، بينما زمّ تياغو شفتيه، واستدارا في حركة سريعة، وكأنهما على وشك خوض معركة مصيرية\. لكن سرعان ما خفّ التوتر، وارتخت الأكتاف، وتبدّدت الحذر\. تقدّم تياغو بخطوات واثقة نحو مصدر الصوت، وقال ضاحكًا بخفةٍ حملت في طيّاتها دفئًا وحنينًا: \_ "أبي\.\.\. السيد رودريغو\.\.\. متى وصلتما؟" ابتسم لوتشيانو لابنه، ضاحكًا بخفة، فانكشفت أسنانه البيضاء المستقيمة كثلجٍ نقي\. كان ذا بشرة قمحية دافئة، وشعرٍ بني أملس يتخلّله بعض الخصلات البيضاء، وعينين عسليتين تشعّان حنانًا وعقلًا\. إلى جانبه وقف رودريغو، رجل ذو بنية جسدية قوية، بشرة سمراء جذابة، وعينان بنيتان داكنتان تخفي خلفهما طبقات من الأسرار\. بادر بضرب ظهر ابنه أندريان بقوةٍ أبوية، ثم قال بابتسامة مازحة: \_ "ما الذي ترتديه بحق السماء؟" حكّ تياغو مؤخرة رأسه بخجل وابتسامة مرحة: \_ "لم أكن أعلم أن الحفل سيكون بهذه الفخامة\!" اقترب رودريغو من أندريان، الذي ظلّ واقفًا يراقب بصمت، ثم قال له بنبرة هادئة لكن صارمة: \_ "ابقَ بعيدًا عن المشاكل\.\.\. أنت تعرف جيدًا أن هذه العائلة ليست كأي عائلة\." هزّ أندريان رأسه ببطء، وقال بصوت خافتٍ وكأن كلماته تتراقص على حافة فمه: \_ "وأنا لا أظنها لعبة سهلة، يا أبي\." ابتسم رودريغو ابتسامة مقتضبة، ثم اتجه نحو طاولة صغيرة في زاوية القاعة، تبعه لوتشيانو بعد أن ربت على كتف ابنه\. جلس ندريان على الدرج الوسيط في منتصف القاعة يرمق الحفل بأعينٍ تراقب وتدرس، وليس بأعين تحتفل\. العالم أمامه بدا كلوحة فخمة\.\.\. لكنه يعرف أن خلف الزينة والأنوار، يوجد دائمًا ما لا يُقال…\. ظهر تياغو محمّلاً بالطعام وسط الضيوف، يتقدّم بخفّة نحو صديقه، وفمه ممتلئ كأنّه لم يذق لقمة منذ أيام، يحمل كمية كبيرة من المأكولات بطريقة عشوائية\. جلس بجانب أندريان، مضغ الطعام بصعوبة، ثم أخذ قطعة من المقبلات وهو يتكلم بفمه المليء: \_ «طبخ لاميا أفضل بكثير من هذا\!» ردّ عليه أندريان ببرود، وعيناه لا تزالان مصوبتين نحو الحضور: \_ «إذاً لماذا تأكل إذا لم يعجبك؟» أجابه تياغو بضحكة خفيفة: \_ «أنا لم أقل إنه لم يعجبني\.» مضغ قطعة أخرى بسرعة، ثم أضاف وهو يخفض صوته قليلاً: \_ «يبدو أن عائلة إيفانوفا قد صنعت مكيدة محكمة\.» ردّ عليه أندريان بنفس البرود، دون أن يحرّك رأسه عن مراقبة الحضور: \_ «ماذا فعل الجندي؟» أجابه تياغو، ونبرة صوته بدأت تميل للجدية، وهو لا يزال يأكل: \_ «الهدف من هذه الحفلة\.\.\. ومن دعوته للمافيا الروسية\.\.\. هو الإيقاع بهم، ليسلّمهم للعدالة\.» توقف لحظة عن المضغ، ثم أكمل بصوت منخفض وهو ينظر نحو والدي اندريان رودريغو من بعيد: \_ «وأهم أهدافهم هي عائلة فولكوفيتش\.\.\. لأنكم تعاملتم مع المافيا الأمريكية، وهذا يشكّل خطرًا على الدولة\.» شدّ أندريان على قبضته، ولم يعلّق، لكن عيناه أصبحتا أكثر حدّة، وكأنّ كل خلية فيه بدأت تستعد لشيء قادم ردّ عليه أندريان بجدية، عاقدًا حاجبيه: \_ «تصرف متوقع من الجندي الروسي\.» عدّل تياغو جلسته، ثم رمق الحضور بنظرة حذرة وهو يقول برزانة: \_ «هناك شيء آخر\.\.\. عائلة "آل كوزنيتسوف" مختفية تمامًا\. دخل "السيد أركان" معنا إلى القاعة، لكنه اختفى فجأة\.» ارتفع حاجب أندريان قليلًا، وقال بحدة: \_ «لا بد أنه علم بالمكيدة\.» هزّ تياغو رأسه، ثم أضاف وهو يراقب الحضور: \_ «لكن باختفائه، سيجذب الأنظار أكثر إليه\.\.\.» تجهمت ملامح أندريان\. أمر هذه العائلة بات غريبًا حقًا\. بدأ يحلل تحركاتهم، بينما قام تياغو من مكانه وتوجه نحو وسط القاعة لجمع مزيد من المعلومات\. أما أندريان، فقد ظل في مكانه، يمسح ذقنه ببطء، غارقًا في التفكير\.\.\. كيف لعائلة إيفانوفا أن تنال من المافيا الروسية؟ وما الهدف الحقيقي من الحفل؟ لكن الأغرب من ذلك\.\.\. هو اختفاء "آل كوزنيتسوف"\. قطع شروده فجأة صوت حركة غريبة قادمة من الأعلى\.\.\. خطوات سريعة وأصوات مكتومة\. رفع رأسه ببطء\. بدا واضحًا أن هناك من يتحرك في الطابق العلوي\. دون أن يثير الانتباه، نهض من مكانه وتسلل نحو السلم\. خطواته هادئة، وعيناه تتفحصان كل زاوية\. وصل إلى الأعلى\. وجد نفسه في ممر طويل، كأنّه جزء من متاهة\. كلا الجانبين مصفوف بغرف مغلقة، أبوابها مزخرفة بنقوش ذهبية دقيقة تلمع تحت أضواء خافتة\. توقف لحظة\. في منتصف الرواق، استدار ببطء ليرا بجانبه ثرية ضخمة تتدلّى من السقف الي اسفل قاعة الحفلة ، مكونة من بلورات زجاجية ذهبية اللون تتلألأ كالأحجار الكريمة\.\.\. جمالها كان كفيلًا بتشتيت انتباه أي شخص\. لكن أندريان لم يكن أي شخص\. مرة أخرى، التقط سمعه صوت خطوات مسرعة، تتجه نحو زاوية من الممر\.\.\. هناك، خلف صف من النباتات المزروعة بعناية، اختبأ أندريان بصمت، حاجبًا أنفاسه، مترقبًا ما سيحدث… ترقبو الفصل الرابع حسابي على انستا [حسابي على انستا](https://www.instagram.com/watt__ayla?igsh=cHpuc29wMmI1c2x0)
𝐴. 𝑌. 𝐿. 𝐴 | قُمًر