"شكرا نوكمالو، لانك احتضنتني… يوم نساوني البشر" " ماليي نوكمالو على كل لحظت عشت فيها بسلام…. مالي نوكمالو على كل لحظت نسيت فيها اني ابنت مافيا…" _… "الينا"…_ تحت سماء لا يعرفها احد وسط البحر الذي ينام فيه الوقت كبرت'الينا'على صوت الموج…… فوق تلة تطل على الشاطئ، وتحت شجرة "بنيان" الضخمة، كان ينبعث لحن فولكلوري روسي. أشعة الشمس تحاول التسلل عبر أوراق الشجرة المتشابكة وفروعها العتيقة لتصل إلى منبع اللحن، حيث يجلس "أندريان" يعزف على آلة البالالايكا بجوار ابنته الصغيرة "إلينا"، التي كانت تخرز الصدف وتخيطه بحبال طبيعية. نسيم البحر المالح يداعب شعرها البني، وصوت الأمواج يبث في نفسها الراخة وسكينة. انقطع العزف، لتكمل الطبيعة لحنها الهادئ. راح "أندريان" يحدّق في آلته الموسيقية القديمة ذات الشكل المثلث، والتي لا تحمل سوى ثلاثة أوتار، تُعزف بريشة صغيرة. قطع شروده صوت ابنته الطفولي: «تامانا (أبي)، انظر! أليس جميلاً؟» وجّه "أندريان" نظره نحوها، مبتسمًا، وقال: «نعم، إنه جميل.» «أعطني يدك!» «هاه؟ إنها صغيرة، أحتاج إلى مزيد من الأصداف.» قالتها "إلينا" بنبرة حزينة. ابتسم "أندريان" ابتسامة صغيرة وقال: «لا عليكِ، سننزل إلى الشاطئ ونجمع المزيد.» «لي لي (نعم). لكن، لماذا توقفتَ عن العزف؟» أخذ "أندريان" البالالايكا من فوق جذع الشجرة وقال: «هل أعجبكِ؟» أمسكت بذراعه الضخمة بحماس وقالت: «إيي (نعم)! علّمني كيف أعزف عليها!» مسح على رأسها بلطف وقال: «لتكبري قليلاً أولاً.» فردّت بتذمّر طفولي: «آه، كلما طلبت منك أن تعلّمني شيئًا، قلتَ لي "حين تكبرين"...» قطّب حاجبيه وقال: «حسنًا، سأعلّمك، لكن بعد مراجعة سريعة للغتك الروسية!» أومأت برأسها وابتسمت: «حسنًا!»أخذ الأب يحكّ ذقنه ويفكّر بصمت، ثم قال: "هاه! كيف نقول جميل؟" ردّت "إلينا" بحماس وهي تلوّح بيدها: "سهلة! كراسِيفا!" ابتسم "أندريان" قائلاً: "جيّد، وماذا عن... أوه، شكراً؟" قاطعته "إلينا" بسرعة أكبر، ورفعت يدها نحو السماء: "سَبَاسِيبَا!" ضحك والدها وقال بإعجاب: "أحسنتِ! لقد تحسّنتِ كثيراً." أخذت "إلينا" ترقص وتردد بفرح: "دا! دا! دا!" (نعم! نعم! نعم!) قال "أندريان" وهو يراقبها: "حسنًا، هاتِ جملة كاملة باللغة الروسية." توقّفت "إلينا" عن الرقص، ونظرت نحو ملامح والدها الواثقة، ثم مرّرت يدها على ذقنها كما يفعل هو، تحاكيه في التفكير. وبعد لحظة، هتفت بحماسة: "وجدتُها! وجدتُها! موي بابا سامي سِلْنِي سْلَفِيك فْمِيري! (أبي هو أفضل أب في العالم!)" اتّسعت حدقة "أندريان"، وقال مندهشًا: "خراشو!" (رائع!) حاولت "إلينا" كتم ضحكتها، لكنها انفجرت ضاحكة: "هل تعلم؟ هذه الكلمة تضحكني!" شاركها "أندريان" الضحك، حتى قطعهما صوت من أسفل التل ينادي: "إلينا! إلينا!" نهضت "إلينا" مسرعة نحو مصدر الصوت، ولوّحت بيدها: "ما الأمر، تينا؟" ردّت الخالة من بعيد: "الفطور جاهز!" صرخت "إلينا" وهي تعود راكضة نحو والدها: "الخالة مادِرن تنادينا!" مسح "أندريان" على أوتار البلالايكا، ونهض دون أن يتكلّم، ثم قال: "هيا بنا." رفعت "إلينا" يدها نحو السماء بحماس، ثم ركضت حافية أسفل التل، تتعالى ضحكتها الطفولية التي كانت تبثّ السعادة في روح والدها. قال "أندريان" بهدوء وهو ينزل خلفها متأمّلاً خطواتها: "بحذر..." كان كوخهما يقع أسفل التل مباشرة، يطلّ غربًا على البحر، وشرقًا على قرية صغيرة في جزيرة معزولة. البيت متوسط الحجم، مصنوع من أخشاب جوز الهند والبامبو، جدرانه مغطاة بأوراق النخيل المجففة، وسقفه مثلث من القش. دخلت "إلينا" المطبخ مباشرة حيث كانت تقف "مادِرن"، امرأة أربعينية ذات بشرة بنية داكنة تميل للسواد، تزيد ملامحها جاذبية وغموضًا. لها شعر أسود كلَيلٍ بلا نجوم، وعينان سوداوان كعيني فهد: ثاقبتان، لامعتان بدهاء، لا يفلت منهما شيء. اقتربت "إلينا" من طاولة الطعام ومدّت يدها لتمسك بقطعة شمّام، فسمعت صوت "مادِرن" الحازم: "اغسلي يديكِ أولاً." ضحكت "إلينا" بخفة وقالت: "أوه... هيهيه، حسنًا!" دخل "أندريان" المطبخ واتجه نحو كرسيه ثم جلس. قالت "إلينا" وهي تنظر إليه بعينين لامعتين: "أبي! عليك غسل يديك أيضاً!" ابتسم وقال: "منذ متى تهتمين بهذه التفاصيل؟" جلست "إلينا" على كرسيها بعد أن غسلت يديها، ثم قالت وهي تحدّق بالطعام: "هذا ما قالته الخالة!" علّقت "مادِرن" وهي تضع الصحن الأخير على الطاولة: "يا لكِ من مشاكسة..." مدّت "إلينا" يدها مرة أخرى نحو الطعام، لكن صوت والدها أوقفها بحزم: "إلينا! دواؤك أولاً." تناولت "إلينا" دواءها من يد والدها وهي تتذمّر، ثم سكبت لها "مادِرن" كوبًا من الماء. قالت "إلينا" متأففة: "أنت تعلم أنني لا أحب هذا الدواء..." ردّ "أندريان" بهدوء: "لكنك تعرفين عواقب تركه." تنهّدت ثم قالت: "حسنًا..." بدأت تأكل بشهية، بينما ظلّ والدها يحذّرها: "كلي على مهلك، ستصَابين بالتخمة." هزّت رأسها موافقة دون أن تتوقّف عن الاكل بينما كانت إلينا ومادرن تأكلان طعامهما، بدا أندريان متردّدًا، ينظر تارة إلى الطعام وتارة أخرى إلى ابنته، كأنه يحاول قول شيء ما لكن الكلمات عالقة في حلقه. وبعد صمت طويل، رفع رأسه نحو إلينا التي كان فمها ممتلئًا بالطعام، وقال بنبرة هادئة: «سيأتينا ضيف.» بلعت إلينا ما في فمها بسرعة وقالت: «آه! هل هو العم سافين؟ أم إيتو؟» ابتسم أندريان وقال: «ليس من هذه الجزيرة.» سقطت ملعقة مادرن على الأرض فجأة. كان وجهها مصدومًا وكأنها سمعت خبرًا كارثيًا، حدّقت فيها إلينا بقلق: «ما بكِ يا خالة؟» أغلقت مادرن فمها، وبلعت ريقها بصعوبة قبل أن ترد بتوتر واضح: «لا شيء...» أدار أندريان نظراته الباردة نحوها للحظة، ثم عاد ينظر إلى ابنته بابتسامة دافئة. «حسنًا أبي، أخبرني، من هو؟» سألت إلينا بفضول. «إنه صديقي.» فكّرت إلينا قليلاً، ثم قالت: «دعني أتذكّر... أوه! أليس ذاك الذي... آه، تياغو! أليس كذلك؟» ضحك أندريان وقال: «نعم، هو نفسه.» تغير وجه مادرن عندما سمعت الاسم، وأجبرت نفسها على النظر إلى أندريان الذي بادلها نظرة باردة دون أن يتكلم. بلعت ريقها بقلق وهمست: «لماذا؟... لماذا... سيأتي؟» تابع أندريان كأن شيئًا لم يكن، وقال متذكرًا: «آه، وهناك شيء آخر... سنسافر.» وقفت إلينا على الكرسي بحماس: «إلى أين؟ متى؟ ولماذا؟» ضحك والدها وقال: «إلى روسيا.» نزلت إلينا من الكرسي بسرعة واتجهت إليه وهي تصرخ فرحًا: «أوووه! رائع!» في المقابل، اختفى اللون من وجه مادرن، وهمست بخوف شديد: «ر... روسيا؟» رفعت إلينا يديها عاليًا بحماس وقالت: «لي لي! (رائع!) ومتى سيأتي صديقك؟» «اليوم.» رد أندريان ببساطة. «ومتى سنسافر؟» سألت وهي تقفز فرحًا. «بعد خمسة أيام أو أسبوع كأقصى حد.» «لي لي!!» أمسكت شبكة صغيرة كانت فوق الطاولة، وقالت بسرعة قبل أن تخرج: «سأذهب إلى الشاطئ لجمع بعض الأصداف!» بلعت ماردن ريقها بصعوبة بعدما غادرت إلينا الغرفة، ثم وجهت نظراتها نحو أندريان الذي كان يراقبها بملامح باردة. قالت بتلعثم: «ه... هل ما قلته صحيح؟» أجابها ببرود: «نعم.» اتسعت عيناها وقد ارتسم الخوف عليهما، ثم قالت بنبرة مشحونة: «بعد كل هذه السنين؟ بعد كل ما مررنا به؟ ستعود إلى تلك البقعة السوداء... ومع ابنتك الصغيرة؟» نظر إليها بحدة وقد بان عليه الاستياء: «هل لديكِ اعتراض على قراري؟» أخفضت رأسها بخوف وقلق، ثم قالت بسرعة: «لا... لا يا سيدي، لم أقصد. أنت تعرف أكثر مني... لكن إلينا صغيرة... قد تتعرض للخطر.» تنهد تنهيدة طويلة، محاولًا التخلص من الضغط الذي يثقل صدره. بدا عليه التردد، وكأنه لم يكن متأكدًا تمامًا من قراره: «صحيح أن هذه الجزيرة آمنة، لكنّها لا تناسبها. عليها أن تذهب إلى المدرسة، أن تتعرف على عائلتها... حتى لو كانت الحقيقة صعبة. على كل حال، هذا هو الحل الأنسب. ستعرف حقيقتها عاجلًا أم آجلًا، والأفضل أن تنشأ عليها.» نظرت إليه ماردن بابتسامة تحمل ألمًا قديمًا وحزنًا عميقًا، ثم هزّت رأسها ببطء. نهض أندريان من مكانه، واتكأ على طاولة المطبخ، ثم تناول حبة مانغو وقال: «يمكنكِ البقاء، لستِ مجبرة على الذهاب.» بدأ يتناول المانغو بينما يحدق بماردن ببرود. طال الصمت بينهما، إلى أن خرجت عن صمتها وقالت بهدوء: «لا يمكنني ذلك... لقد وعدتها.» أكملت بصوت حزين: «وعدتُها أن أكون معها في كل مكان، أن أحميها، أن أعلّمها. وعدتُ ليانا أن أكون عونًا لابنتها في غيابها، وأنها لن تحتاج إلى شيء.» نظر إليها أندريان بعينين حزينتين، ثم استدار مغادرًا المطبخ متوجهًا نحو المزرعة. كان الشاطئ هادئًا، والينا تجلس بالقرب من صخرة تجمع الأصداف. كانت تفرزها بدقة، تميز بين الصالح والسام منها، وتضع الأجمل فوق الصخرة لتجف تحت الشمس. قربها سلحفاتها الأليفة "نايا"، التي كانت تحوم حولها في المياه الضحلة. قالت لها بابتسامة جادة: «اسمعي جيدًا نايا... اذهبي إلى قاع البحر، وابحثي عن صدفة بيضاء، تُعرف باسم صدفة البقر... هيا، أسرعي!» بدأت نايا تؤدي حركات بهلوانية تحت الماء، بينما ضحكت إلينا واستدارت نحو الصخرة، حيث كان والدها يجلس يراقبها ويضحك بخفة. قالت باستغراب: «أبي! أتضحك عليّ؟» حاول أندريان كتم ضحكته: «أحقًا تتحدثين مع سلحفاة؟» اقتربت منه بخطوات جادة وقالت: «نعم، نايا تتكلم! ليست وحدها، بل كل الحيوانات تتكلم، وأنا أحاول تعلم لغتهم... أفهم بعض الكلمات على كل حال.» لم يتمالك أندريان نفسه من الضحك، ما جعلها تعبس وتقول بجدية: «أبي، توقف عن الضحك عليّ!» مسح فمه محاولًا السيطرة على ضحكته. عندها، عادت إلينا إلى الشاطئ وأحضرت صدفة كبيرة بداخلها مجموعة من الأصداف الصغيرة الناعمة. قالت: «أبي، ضع هذه الأصداف فوق الصخرة لتجف.» أومأ أندريان برأسه وهو يتأمل واحدة من الأصداف الجميلة. حملها بين يديه وغرق في شرود، يتذكر ليانا... زوجته، وذكرياته معها، حتى قطعت ماردن تفكيره بصوتها: «ها أنتِ ذا!» قالت وهي تتقدم نحو إلينا. «ماذا هناك يا خالتي؟» سألتها إلينا. قالت ماردن بحزم: «نسيتِ دواءكِ مرة أخرى.» نظر أندريان إلى ابنته بحدة، وقال بغضب مكتوم: «إليـــــــنا...! كيف تنسين دواءك؟» ردت وهي تعبس: «إنه دواء مر!» تناول أندريان الدواء وقنينة ماء صغيرة من يد ماردن، ثم سحب إلينا إليه وأعطاها الدواء. قالت ماردن بصوت حزين: «تعلمين عواقب تركه يا حبيبتي...» خفضت إلينا رأسها وقالت بحزن: «سألحق بأمي، أليس كذلك؟ سأمرض مثلها...» اقتربت ماردن منها واحتضنتها بقوة: «أوه، صغيرتي...» عاد الشرود إلى وجه أندريان، وعادت ذكريات ليانا تهاجمه، فنظر إلى ابنته بحزن ومسح على رأسها بلطف. أمسكَت إلينا يده وقالت بابتسامة: «هيا، لنذهب إلى شجرة البُنيان لأكمل سوار الأصداف، بقي بعضها هناك.» ابتسم لها وقال: «حسنًا... لكن لا تكرري هذا مجددًا.» أومأت له بابتسامة، بينما عادت ماردن إلى الكوخ بصمت. تسلق أندريان وإلينا شجرة البُنيان، وجلسا تحت ظلها الطويل. بدأت إلينا تبحث عن أصدافها التي تركتها هناك، بينما أخذ الاب بنحث قطعت خشب. رفعت إلينا يدها نحو السماء، وفي كفها سوار من الأصداف، ثم قالت بصوت حزين: «آه... لم يتبقَ خيط!» توقف أندريان عن نحت الخشب، التفت إليها وقال بنبرة مطمئنة: «لا بأس، سنحضر المزيد من القرية.» ابتسمت إلينا ابتسامة ملتوية، وتقدمت نحوه بخفة: «هيا، لنذهب الآن!» ضحك برقة، ثم وقف ومد يده نحوها لتتشبث بها: «هيا إذًا، لننطلق.» أمسكت إلينا بيد والدها، وسارت إلى جانبه باتجاه القرية. لم تكن القرية بعيدة عن منزلهما الواقع على الشاطئ، كما أن منازلها لم تختلف كثيرًا عن بيتهما، كانت بسيطة، بعضها صغير وبعضها بنفس الحجم، تحيط بها أشجار النخيل وجوز الهند، التي تضفي على المكان طابعًا من الأمان والسكينة. كانت الأرض مرصوفة برمال ناعمة مزينة بحصى البحر الملونة، تلمع تحت ضوء الشمس، بينما عُلّقت بين الأشجار فوانيس صغيرة ومصابيح بترولية تُضيء ليالي القرية بجمال ساحر. لوّح لها بعض الأطفال وهم يركضون قرب الشاطئ، صاح أحدهم: «تالوڨا، إلينا! تعالي لنلعب!» فردّت بابتسامة لطيفة: «سوري توماس، لديّ بعض الأشياء.» لوّح لها الأطفال مجددًا وعادوا للعب، بينما أكملت إلينا طريقها مع والدها، تلوّح للمارة وتلقي التحية، أما هو فكان يكتفي بابتسامات صغيرة خفيفة. وصلوا أخيرًا إلى كوخ صغير بحجم متواضع، ذو بوابة خشبية كبيرة، تجلس عند مدخله امرأة ستينية تقوم بجدل بعض الأوراق الجافة لصنع سجادة. دخلت إلينا الكوخ بوجه مشرق، وقالت بفرح: «تالوڨا تينا ماسو!» (مرحبًا خالتي ماسو) ابتسمت الخالة ماسو، ورفعت يديها لتحتضن إلينا، أجلستها في حضنها وأخذت تقبّل وجهها وتمسح على شعرها البني الطويل: «لم تزوريني منذ مدة طويلة!» ابتسمت إلينا بخفة وقالت: «صحيح، كنت مريضة قليلاً.» تغيرت ملامح الخالة وقالت بقلق: «أوه، هل أنتِ بخير الآن؟» «نعم، أنا بخير، كانت فقط نزلة برد.» ثم أضافت بحماس: «جئتُ لأخذ بعض الخيط لإنهاء سوار الأصداف.» ابتسمت الخالة وقالت: «أحضري لي ذلك الصندوق من فوق الطاولة.» نهضت إلينا من حضنها، وتوجهت نحو الطاولة الخشبية التي تقابل باب الكوخ، حيث كان والدها جالسًا ينتظرها بصبر. أخذت الصندوق وأعطته لخالتها، التي فتحته وأخرجت منه بعض الخيوط الطبيعية التي صنعتها بيديها من ألياف شجر جوز الهند. ناولتها إيّاها بابتسامة، فقالت إلينا بامتنان: «ماليي تينا سامو!» (شكرًا خالتي سامو) ثم أخرجت الخالة من الصندوق صدفة متوسطة الحجم، جميلة جدًا، وقدمتها هدية لإلينا. أخذتها إلينا بفرح وقالت بحماس: «لي لي! هل هذه لي؟» أومأت لها الخالة وهي تبتسم بحنان، فتحت إلينا الصدفة بسرعة، لتكتشف بداخلها لؤلؤة بلون رمادي بارد... لون نادر جدًا، شهقت بدهشة وقالت بفم مفتوح: «لي... لي!» ضحكت الخالة وقالت: «هذه اللؤلؤة تشبهك كثيرًا، الفرق الوحيد أنكِ أجمل منها.» عانقتها إلينا بشدة وقالت بابتسامة مشرقة: «ماليي نتينا!» (شكرًا خالتي) كان أندريان يراقب المشهد من بعيد بابتسامة دافئة، ثم رفع يده يشير لها بأن الوقت قد حان للرحيل. لوّحت له إلينا فورًا، ثم لوّحت لخالتها ماسو بابتسامة ودودة، وخرجت من الكوخ لتلحق بوالدها، عادت "إلينا" ووالدها إلى ظلّ الشجرة الكبيرة. جلست الطفلة تُكمل سوارها بخيوط جديدة وصدفٍ لامع، بينما جلس "أندريان" بجانبها، وعيناه تسبحان بعيدًا، خلف الأفق الأزرق الذي يلامس البحر. كان البحر ساكنًا... عكس ذاكرته التي تأبى أن تهدأ. نظر إليه طويلاً، كأنما يبحث بين أمواجه عن وجهٍ غائب، عن صوتٍ من الماضي. همس كأنّه يكلّمه: «أتساءل... كم من الهموم، وكم من الأسرار تحملها في أعماقك، أيها البحر الصبور...؟» وفي تلك اللحظة بالذات، على الجانب الآخر من القرية، كانت "مادرن" قد أنهت جمع الصحون، واتجهت إلى غرفة "إلينا" لتُحضّر بعض الأغراض استعدادًا للرحلة. سقطت عيناها على صورة قديمة، تحملها يد "ليانا" و"أندريان" يحيط بها، وفي أحضانها "إلينا" صغيرة... شحب وجه "مادرن" وتنهّدت بحزنٍ عميق، وقالت في نفسها: «لم يعد السيّد أندريان يبتسم إلا لابنته الصغيرة... لقد أخذ موتك الابتسامة وطعم الحياة منه، يا ليانا...» وضعت الصورة على الطاولة برفق، ثم أضافت: «إلينا... هي الشيء الوحيد الذي يبقيه واقفًا على قدميه.» شرعت في جمع أغراض "إلينا" المتناثرة، وكل حركة منها كانت تُعيد لها شريط ذكرياتٍ جميل. لكن فجأة، سُمع صوت خافت لخطوات داخل المنزل... توقفت "مادرن"، اقتربت من النافذة ببطء، لترى رجلاً بملابس غريبة... ليست من لباس أهل القرية. ضاقت عيناها بحذر، ثم اتجهت نحو الخزانة، أخرجت منها سلاحها، وتقدّمت ببطء نحو باب الغرفة، أصابعها مشدودة على الزناد….
𝐴. 𝑌. 𝐿. 𝐴 | قُمًر