بينما كان رايفن يتفحص صفحات الكتاب القديم، تساءل عما إذا كانت فكرة اختيار شيء للقراءة بشكل عشوائي جيدة، حسب نوعية هذه الكتب يستحسن قراءتها بترتيبها الصحيح . على الرغم من طريقته الخاطئة للقراءة، كان رايفن مستعداً ومتحمساً ليترك الصدفة تقوده للمتعة المؤقتة، كان اتخاذ هذا الاجراء كرادع للملل والضجر الناتج عن القراءة جيد. وكانت الاجواء معتمة، مما اوضح بكون هذه الليلة طويلة . عندها هام رايفن بتقليب صفحات الكتاب بسرعة، سقط نظره على صفحة معينة، الصفحة 619 . تبدأ العبارات تسلل إلى عقله وتثير فضوله بشكل مدهش . تتساءل الصفحة العتيقة عن"سيريوس"، المخلوق الغامض الذي يثير الحيرة والتساؤلات. كنت أشعر بالغرابة والاستغراب من تواجد هذا المخلوق في هذا الكتاب . كانت عين رايفن لا تتحمل وذهنه يحكه لمواصلة القراءة . سيريوس : لقد تردد اسمه في أورقة التاريخ المعتم، ذلك المخلوق الملقب بـ "سيريوس"قد حاز حيرة النظريات والافتراضات على القلوب والعقول … فهل هو كيانٌ يشترك مع الكيانات الأخرى بالصفات، أم هو مخلوقٌ حي ملموس يسفك الدماء ويجلب الدمار والهلاك على العالم الذي ينعم بظلاله؟ توقف رايفن للحظة عن القراءة وتساءل عما إذا كانت تلك الكلمات المزغرفة التي قراءها مجرد هراء أم شيء ليس له أساس ومعنى. شعر بالحيرة والتردد، ولكنه قرر استمرار القراءة . استمر في تحريك صفحات الكتاب بسرعة مرة تالية، مجدداً نفس شعور الانجذاب في نظراته وذلك وقع على صفحة أخرى، الصفحة 51 . يظهر في تلك الورقة أسم بزغرفة مختلفة"كولدن غليسون الثالث"، وهو "الملك الموهوم". شعر بالتردد والشك فيما يتعلق بمحتوى هذا الكتاب . بدأ متساءل عن انجذابه للاسماء التي اقراءها، عن اللغة التي عرفها لأول مرة ولكن ببراعة قام بقراءة كتاب تاريخ فجأة . كان بحاجة لتنقية ذهني قبل المتابعة . يتراجع قليلاً يتنظر في الكتاب، وكأنه مدرك لشي قام بتنظيف حلقه بتأنٍ قبل أن يواصل قراءته. يلتفت إلى الصفحة 1816، حيث يقرأ عن وباء يدعى"الشوائب"والذي اعقب ظهوره بعد حروب إسنسيا . كانت هناك صور مروعة تتجسد امامه، تصف الدمار والخراب والتي تسببت به هذه الشوائب، بنظرة خاطفة للأمام تجاهل رايفن الكتاب واخذ يسرح مع ذهنه . بدأ رايفن في التشكيك في مصداقية هذه القصة وإمكانية حدوثها في العالم الحقيقي . كانت هناك مشاعر مندفعة بسرعة كبيرة وافكار في ذهن رايفن، مما سبب له صداع وحالة من الغضب . القى الكتاب في مياه المطر أمامه بغضب وصراخ . "اللعنة . اللعنة . اللعنة . اللع-!!!" قام رايفن بالصرير على اسنانه. يصرخ ويعلن أن كل ما قرأه هو هراء وتراهات لا أساس لها من الصحة . "هذه ... هي فقط افكار سخيفة" "نعم . نعم . سخيفة صنعها خيالي اللاواعي ..." كانت يده اليمنى ترتجف وتتصارع معها رغبة في الهروب والابتعاد عن الأفكار المربكة والمزعجة . إن رايفن يكاد لا يتمالك... إن رأسه على شفيرة الانفجار، من الحيرة الكبيرة مهما يريد التقدم يجد كمية من التساؤلات الدخيلة في رأسه، مجبراً على أن يجد حل لهذا الوضع الذي يجد نفسه فيه، أو يتجاهل فقط ... وجد صعوبة في التفكير بوضوح . خرج صوت ضعيف من فمه، هو يعلم في داخله عميقاً أنه يجب عليه مواجه الحقيقة ولا يمكن أن يتجاهلها بعد الآن . تستعر حالة من الصراخ والبكاء والهمس رايفن، كان يتشبث ويضغط على رأسه بقوة يشعر بالارتباك والقلق الشديد، حتى اشتد تنفسه واصبح يتنفس بصعوبة . كان خائفاً من الحقيقة، حاول استعادة توازنه الداخلي . تذكر رايفن مقولة قرأها في أحد الكتب، "في النهاية، يجب أن تواجه خوفك وتتحداه لتكتشف من تكون حقاً". وجد رايفن شيء يتعلق به. كرر تلك المقولة العديد من المرات، محاولاً تذكير نفسه بهذه الكلمات الملهمة لكنه لا يزال يشعر بالخوف والضياع في دوامة من الأفكار والتساؤلات . بدا رايفن يكره هذه الحالة، كان الوقت يمر وهو فقط يبكي وينوح، سارح في التفكير . حتى مرت لحظات من الصمت والتفكير العميق، جلس رايفن على الأرض المبتلة، وغلق عينه للحظات. يحاول ان يستعيد هدوءه الداخلي ويسترخي قليلاً. كان يتنفس ببطء وعمق، ليعود تدريجاً إلى واقعة . يفتح عينه ويرفع رأسه لينظر إلى الكتاب المبلل بجانبه . شعر بالاحباط من نفسه لعدم مواجهته للحقيقة مبكراً، متأملاً هذا الكتاب . مستحضر لحظات استيقاظه، معالم الدمار هذه، الجثث البشرية من حوله، القمر القرمزي، جسده ... كانت العلامات تظهر من أمامه ولكنه نكر ... قام رايفن بنكران كل شيء تقريباً، مصدق الإلهام المزيف، قائلاً بأن هذا ليس وقتها . "... منذ البداية لم أكن اشعر بالرحة" نظفت حلقي وتحدثت بصوت مختلف عما كنت اعرفه، ادركت بكونه صوت مختلف عن صوتي . "في الأخير انا كنت في عالم مختلف عن عالمي ..." شعرت عند التحدث بشيء كهذا... بالسخرية من نفسي . لا اعلم تفسير وجودي هنا، حلم؟، خدعة ما؟، شيء خيالي؟ . لم أكن الشخص الذي يحدد ذلك ... ولكن هذا العالم الذي أنا فيه الأن اعرفه بشكل جيد، هذا كان شيء قد كتبتهُ باناملي . "تلك مناظر الدمار والانهيار كانت تتجلى مراراً و تكراراً في ..." كانت تلك اوصاف كتبها شخص عن عالم قام بـتأليفه . هذا الشخص هو أنا ... شخصيات، حوادث، اساطير ... في أورقة التاريخ ... داخل عالم معتم . قد فعلت جُل هذا ... كنت أعلم منذ البداية ولكن كنت خائفاً . من فكرة تجسدي داخل روايتي، حتى أصبحت تهدد سلامتي النفسية . ايضاً خائفاً من هذا العالم ... كانت مخاوف عديدة تتسلل إلى روحي كالأشواك ، مغلفه لروحي بظلال الحيرة والشك ... "هل أنا فعلاً سأصبح ضحية خيالي؟" كان هذا السؤال يدور في ذهني، هل خيالي سوف يجرني للهاوية؟ بعيداً عن احبائي؟ والسبب رواية قمت بـتأليفها منذ زمن؟ اصر رايفن على فمه بشدة ... مستحضر ذكرى مع عائلته . كان مجرد طفل يبحث عن والديه، يائساً لكونه لم يجدهم . ولم يتخيل قط أنه سوف يكون بعيد كل هذا البعد عنهم . كان ذهنه مشتت بالكثير والكثير . "لا اعلم سبب وجودي هنا ... اش
مؤلف الرافدين