بين الدموع و السيف: لحظات لا تنسى

بين الدموع و السيف: لحظات لا تنسى

25 0

تداخل اللحظات الحاسمة مع الصمت، حيث تصبح الدمعة أقوى من السيف، وتبدأ المعركة قبل أن تلتقي الأسلحة. ____________________________________ غزة نفق الصاروخ كان المذياع لا يزال مفتوحًا، يهمس بأخبار الموت التي اعتادتها آذان الغزيين… حتى انقطع صوت المذيع برهة، ثم عاد أكثر جمودًا من ذي قبل: "استشهاد ثلاثمئة فلسطيني في الضفة الغربية خلال الساعات الماضية، من بينهم عشرة من عائلة ريتاج خليل في نابلس." توقّف الزمن. الهواء في الغرفة صار أثقل، الضوء خفَت، والصوت تحوّل  إلى طنين في أذنيها. ريـتاج رفعت رأسها ببطء، وعيناها متسعتان لا تصدّقان. "عائلة خليل؟" خرجت الكلمات من فمها مبحوحة، كأنها لا تخصّها، لكنها تعرف أنها تعنيها تمامًا. "نابلس؟!" شهقت شهقة قصيرة، أشبه بصفعة على صدرها. وقفت، أو حاولت أن تقف، إلا أن قدميها خذلتاها. أسندت نفسها إلى الحائط، أصابعها ترتجف كمن يحمل شيئًا محترقًا. "عشرة؟!" قالتها وقد اختنق صوتها، كأن الحبال الصوتية رفضت أن تنطق بالعدد. راحت تهمس بأسماء متفرقة، تتدافع على لسانها بلا ترتيب: "عمي؟ رنا؟ يزن؟ أم جود؟ مالك؟… لا… لا… مستحيل!" ثم صمتت، صمتًا دامغًا، مرعبًا. عيناها لم تدمعا في اللحظة الأولى… كأن الصدمة أكبر من أن يُعبر عنها بالبكاء. جلست على الأرض، لا عن ضعف، بل عن حاجة ملحّة لأن يلتقي جسدها بالأرض، لعلها تطمئن أن شيئًا ما لم يتغيّر. وضعت كفّيها على وجهها، وارتجف جسدها ارتجافًا خفيفًا، ثم انفجرت دموعها أخيرًا، بحرقة من فقدت جزءًا من كيانها. تمتمت، بصوت بالكاد يُسمع: "كنت أظن أنّ البعيد عن القصف آمن… لم أدرِ أن الخسارة تسير على حدود القلب، لا الجغرافيا." عبد الله كان واقفًا قرب المدخل، سلاحه معلّق على كتفه، وعيناه مسمّرتان على ريتاج. رآها تسقط إلى الأرض، رأى الانهيار الصامت، الدموع التي نزلت دون استئذان، وفهم كل شيء دون أن يسأل أحدًا. سار نحوها بخطوات هادئة، متردّدة بعض الشيء، ثم جلس قريبًا منها دون أن يقتحم مساحتها. قال بهدوء، لكن بصوت يحمل ثقل اللحظة: – "لم أكن أعرفهم، ولا أعرفكِ حقّ المعرفة… لكن الخسارة حين تُقال بصيغة 'أهل'، لا تحتاج تعارفًا مسبقًا." سكت لحظة، ثم تابع، نظره على الأرض: – "عشرة… من عائلتكِ. هذا رقم لا يُحتمَل. لكنّكِ ما زلتِ هنا، تتنفسين، تبكين… وهذا وحده شهادة أنّكِ لستِ منكسرة، بل إنكِ إنسانة." رفعت رأسها نحوه، عيناها مليئتان بالدخان والدمع. لم تردّ. فقط نظرت. أضاف بصوتٍ أكثر ليونة، فيه نبرة رجل اعتاد الجراح لكنه ما زال يشعر: – "لا أملك شيئًا أقوله يُخفّف عنكِ، ولا أجرؤ على الادّعاء أنّني أفهم ما تمرّين به. لكن إن كان في هذا العالم من يستحق أن يبكي، فأنتِ. وإن كان فيه من يجب أن ينهض رغم كل شيء… فأنتِ أيضًا." وقف بعد لحظة، وعدّل وضع سلاحه، وقال بنبرة أكثر صلابة: – "نحن لا نقاتل لأنّنا لا نبكي… نقاتل لأنّ بكاءنا ليس النهاية." ثم انصرف بهدوء، دون أن يطلب منها شيئًا، ودون أن يُظهر شفقة، بل احترامًا. بينما كانت ريتاج لا تزال جالسة على الأرض، وعيناها غارقتان في الدموع، اقتربت رقيّة بخطى ثابتة، لكنها بطيئة، وكأنها تخشى أن تُفسد لحظة ألم مقدّسة. جثت بجانبها دون أن تتكلّم، ولم تحاول احتواءها فورًا. تركت للصمت أن يُمهّد الطريق. ثم، بعد لحظات، همست بصوت خافت: – "ريتاج… أنا هنا." نظرت إليها ريتاج، ولم تنطق، لكن عينيها كان فيهما سؤال موجع: كيف يمكن للعالم أن يستمر بعد كلّ هذا؟ مدّت رقية يدها بلطف، وضعتها على كتفها، وقالت: – "لا أستطيع أن أقول شيئًا يُداوي هذا الجرح… ولا أريد أن أقدّم لكِ عزاءً بارداً كما يفعل الآخرون. لكن صدقيني… وجعي الآن من وجعك. وكلّ من رحل من عائلتكِ صار لي أخًا أو أمًّا أو ابنًا." ثم سكتت لحظة، قبل أن تضيف، بصوت متماسك رغم الرعشة الخفيفة فيه: – "ابكِي، اصرخي، اكسري الصمت… ثم تعالي. حين تنهضين، سأكون أول من يسير إلى جوارك." ريـتاج، التي كانت حتى اللحظة في غربة عن كل شيء، أمالت رأسها قليلًا على كتف رقية… ولم تقُل شيئًا. كانت تحتاج فقط إلى هذا الكتف. لا خطبة، لا تحليل، لا أوامر. وهكذا ظلّت الاثنتان جالستين، في زاوية الغرفة، بينما استمرّ ضجيج الحرب في الخارج، وهدير الحزن في الداخل،القصف في الخارج،والالم في الداخل. بدأت المذيعة في الكلام معلنة اسماء الاشخاص الذين ماتوا في عائلتها "لا تهتمي لها، اسندي رأسك على كتفي و تجاهلي العالم" قالت رقية صوت القصف وصوت صراخ الناس في الخارج "يجب ان نرى ما الذي يجري في الخارج" قال احد المجاهدين لعبد الله وقف عبد الله معه و غادرا وصلوا للاعلى سرعان نا ازالوا اللثام عن وجههم فتاة تبلغ من العمر 5سنوات تجري و تبكي "ايتها الفتاة" امسكها عبدالله و حملها "اين اهلك" "ماما بابا في البيت" قالت وهي تبكي و تشير لبيت قصف ضمها عبد الله و هو يحاول امساك دموعه وضعها بيد المجاهد ثم دخل البيت "هل يوجد احد هنا؟" لا رد "ابنتكما في الخارج فل تجيبا ان كنتما على قيد الحياة" لا رد "ان كان احد منكما على قيد الحياة و عاجز عن الكلام، اضرب اي شي، اصدر اي صوت" صرخ عبد الله، هو لا يريد ان تعيش هذه الفتاة حياة صعبة صوت طرق خفيف "اعلى اعلى" حاول الشخص ان يضرب بقوة اقترب عبد الله من مركز الصوت بدأ يحفر، تجرحت يدها، وضع المجاهد الفتاة بجانبها و بدأ يحفر مع عبد الله الفتاة لم تتحمل و وقفت تحفر معهما حتى لاحظا حجاب حفر عبد الله بكل قوة حت خرج رأس المرأة "امي" قالت الفتاة و ضمت رأس امها "سيدتي سيكون كل شيء على ما يرام، فقد تعاوني معنا" بدأ يحفروا بهدوء، تجمع الكثير من الرجال هنا و بفضل الله قم هاؤلاء الرجال تم اخراج المرأة من تحت الركام "سيتم قصف المنزل مرة اخرى بعد دقيقة دقائق" صرخ احد الرجال وهو سغلق الخط ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ساوقف الكتابة قليلا و اتكلم عن هذا الموقف الذي حصل البارحة مع اهلنا في غزة ارض العزة و النشامة ارضا لا يوجد مثلها تحملت الالم والجراح غزة محررة، وباقي حكام العالم اسرى شخص يعمل في الدفاع المدني اسمه "نوح" تم قصف مدرسة و ذهب نوح لاخراج الاحياء منها ليقوم الاحتلال بالاتصال عليه و اخباره "ساعة واحدة وسيتم قصف المدرسة مجددا" اي عليهم اخراج الاحياء قبل القصف مرة اخرى او يموتون مرة اخرى، او يموتون معهم دخل نوح دون مبلا و اخرج الكثير من الناس تحت الانقاذ ولكن تبقى 5دقائق فاذ بشخص يطلب النجدة كان تحت الانقاذ حاولوا اخراجه لكن لا فائدة وضعوا الصخور على رأسه ليحتمي من القصف و غادروا ولكن نوح انبه ضميره فعاد 3دقائق نوح لم يبالي بل حفر حتى اخرج الشخص و هرب مع الشخص هاؤلاء ابطال غزة، اهل النشامة و الرجولة لا اظن ان هناك مدينة تستحق ان ينادى رجالها باهل الرجولة و النشامة الا غزة حفظكم الله و اخرجكم من كرباكم عظم الله عزاء من يتم الاطفالكم و رمل الأُناسكم🤲 فرق الله شملهم🤲 وكثر فرقتهم🤲 وابطل نصرهم🤲 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ركض عبد الله بكل ما أوتي من قوة، وكأن الأرض تحت قدميه قد تحولت إلى جمر ملتهب. الطفلة بين ذراعيه، والأم التي كانت شبه فاقدة للوعي تئن بين يديه. كانت أصوات الانفجارات تلاحقهم في كل زاوية، وكأن كل خطوة يخطونها تقربهم أكثر من الموت. بينما كانوا يركضون في الشوارع المدمرة، كان عبد الله يحاول أن يظل هادئًا رغم التوتر الذي كان يتصاعد داخله. الطفلة كانت تئن من الألم، وتلتصق به أكثر، بينما كانت الأم تتنفس بصعوبة، والدماء تغطي ملابسها. لكنه لم يجرؤ على التوقف. كان يعلم أن أي تأخير قد يكون قاتلًا. فجأة، زاغت خطواتهم عندما شعروا بصوت قصف آخر، يقترب منهم بسرعة. كانت الأرض تهتز مرة أخرى، وكأنها ستبلعهم. نظرت عينا عبد الله إلى السماء التي امتلأت بالغبار والدخان، وعرف أن القصف القادم لم يكن بعيدًا. كانت ساعته ضد الزمن. "نحتاج إلى مكان آمن، بسرعة!" صرخ عبد الله، وهو يركض بأقصى سرعة ممكنة. كانت الشوارع مدمرة، والمباني المتهدمة تحجب الرؤية أمامهم، ولكن عبد الله لم يكن ليهتم بكل ذلك. كان قلبه معلقًا بحياة الطفلة والأم، لا شيء سوى حماية هذه الأرواح الصغيرة يمكن أن يشغله الآن. لم يكد يبتعد قليلاً حتى سمع صوتًا صاخبًا آخر، واهتزت الأرض من جديد. كان القصف قد طال المنطقة التي مروا بها للتو. نظر عبد الله إلى الخلف في خوف، وكان الغبار يعمي عينيه، لكن عندما نظر للأمام، رأى شظايا الصخور تتناثر في الهواء، والمباني المجاورة تتحطم على الأرض. "أسرع!" همس عبد الله، وهو يسرع خطواته أكثر. كان يعلم أنهم إذا لم يجدوا مأوى قريبًا، فسيكونون في قلب العاصفة القادمة. لكن كان شيئًا واحدًا فقط يشغل ذهنه: يجب أن يحميهم بأي ثمن. مع كل انفجار جديد، كان قلبه يتسارع أكثر، وكلما اقتربوا من المكان الآمن، زادت مخاطر القصف. لكنه كان يركض، لا يتوقف، لا يفكر في نفسه، كل تفكيره منصب في الطفلة والأم اللتين بين يديه. كان الصوت يتصاعد حولهم، وكلما اقتربوا أكثر من المأوى، كان الوقت يتسارع. وفي لحظة واحدة، بعد جهد مضنٍ، وصلوا إلى نقطة آمنة خلف جدار مهدم. أخيرًا، استطاع عبد الله أن يضع الطفلة على الأرض، ويساعد الأم على الاستلقاء في مكان محمي قليلًا. كانت أصوات القصف تشتد في مكان بعيد عنهم، لكن عبد الله كان يعلم أنهم على الأقل في الوقت الراهن، في مأمن. "إن شاء الله عدنا على خير..." همس عبد الله، وهو يراقب بعينيه السماء التي ظلت تملؤها ألسنة اللهب والدخان. في تلك اللحظة، كان يعرف أن المعركة لم تنتهِ بعد، لكنه كان مصممًا على أن يظل يقاتل لحماية من معه، حتى وإن كان الثمن حياته. نظر حوله، لا يعلم اين يضع تلك الام مع ابنتها، اراد اخذها لنفق لعله مكان آمن لها لكن هذا خرق قوي للقوانين "سيدتي هل تعرفين مكام تذهبين له" "اهلي قريبون من هنا، ساذهب لهم" قالت ثم غادر، بينما هو يتجه لنفق يقول في نفسه "ان كانت هذه قصة حياة امرأة واحدة من نساء غزة، كيف حياة الباقي؟" فتح باب النفق و نزل، دخل فاذ بصخرة كبيرة كانت في زاوية ريتاج في الوسط مغطا بغطاء و بيدهل كوب من الحليب عبد العزيز مالك عبير  و رقية حولها جلس بهدوء وهو ينظر لصخرة "ما الذي جرى؟" "سقطت جراء القصف وكانت ستقع على رأس ريتاج" قالت رقية وهي تقرب الماء من فمها ثم شربته نظر لريتاج، نظرت لريتاج لرقية و قالت "هيا اخبريني" "حسنا، توفت امي عندما كنت ابلغ من العمر 5سنوات، كل ما كنت اتذكره، بحيرة دماء، اصوات قصف و اسلحة في كل مكان، صراخ و بكاء، كان بيتنا قد قصف و امي " قالت رقية بهدوء "لما تتحدثين عن هذه الحادثة؟" قال عبد الله لرقية "هي تريد ان تعلم لما انضممنا للجهد" قالت عبد العزيز "حسنا، ساشرح لك ما جرى كان يمكن أن أكون فتاة عادية. أحفظ الأغاني الصغيرة، وأرسم على الجدران، وأعدّ النجوم من سطح بيتنا كل مساء. لكنهم سرقوا مني هذا الحق البسيط... وأنا في الخامسة. لا أذكر ملامحها تمامًا... أمي. أذكر دفء صوتها، رائحتها حين تضمّني، ولمسة يدها وهي ترتّب لي جديلتي. لكن آخر مشهد لها محفور في ذاكرتي كأنّه وُشم بالنار. كانت تمشي في الزقاق، تحمل كيسًا صغيرًا من الدواء. بلا سلاح، بلا صراخ، بلا تهديد. ثمّ دوى الرصاص. ورأيتها تسقط. ركضت نحوها بقدميّ الصغيرتين، ناديتها بأعلى صوتي: "ماما! قومي! ماما، بردت إيدي!" لكنها لم تقم. ولم تعُد. في الثامنة، كان عبد الله واقفًا، لا يعرف ما يفعل. لا بكاء، لا صوت. فقط عينان واسعتان تحدّقان في جسد أمي، وكأنهما تحاولان احتواء الموت ولم تستطيعا. اما اخي الكبير، فكان في حالة من الصدمة، لم يصدق، صرخ و بكى، ذهب لابي و اخبره، كان ابي متجمد حينها من صدمته ومنذ تلك اللحظة، تغيّر كل شيء. صارت حياتي سلسلة من الأسئلة المكبوتة. أين كان أبي؟ لماذا لا ينام معنا؟ لماذا يتحدث الناس عنه همسًا؟ ولماذا لا يقول أحد اسمه؟ كبرت، وبدأت أفهم. أبي ليس رجلاً عادياً. أبي أحد قادة المقاومة. أحد العقول التي يرتجف لها جنود الاحتلال دون أن يعرفوا وجهه. لكنهم قتلوا زوجته، دون أن يدروا أن ما فعلوه لم يزرع الخوف في قلبه... بل في قلب ابنته. أن أكون "ابنة القائد" لم يكن كافيًا. ولا أن أكون "أخت البطل عبد الله". كان عليّ أن أكون شيئًا آخر. أن أقاوم بصوتي، بجسدي، بإرادتي. أن أردّ على الموت بالحياة. على الغياب بالوجود. وعلى الصمت... بالرصاص مرت أيامٌ منذ أن انضممت إلى المقاومة، لكن يبدو أنني كنت أعيش في تلك الأيام منذ عمرٍ طويل. النفق كان هو عالمي الجديد. مكان ضيق، مظلم، بارد. لكنّه كان ملاذًا لنا جميعًا من عيون الاحتلال. لم يكن هنالك تدريبٌ رسمي. لم يكن لدينا رفاهية ذلك. كنا نعيش على الأمل، وعلى قدراتنا الخاصة التي تقوّينا على البقاء. لكن مهما مرّ الوقت، كنت دائمًا أشعر أنني هناك لسببٍ أكبر من مجرد البقاء. شعرت أنّني كنت جزءًا من شيء ما، شيئًا أكبر من ظلام النفق. ومع مرور الوقت، جاء اليوم الذي كان أبي قد جمع فيه الجميع. "اليوم، سأعرفكم على العضو الجديد في صفوفنا." لم أكن أعلم ماذا كان يعني ذلك في تلك اللحظة. حتى الآن، لا أعرف كيف شعرت بالثقل في قلبه، لكنه بدأ ينادي عليّ. أخذت نفسًا عميقًا. تحركت في الظلام، بين الجدران الضيقة، حتى وصلت إلى وسط النفق. الجميع كان يراقبني في صمت، عيناه تتابعني كما لو أنني جزءٌ من شيء لا يتوقعونه. رفعت غطاء وجهي… ثم كان الصمت. أعلم أن الجميع كان يحدّق في وجهي، لكنني لم أستطع رؤية شيء سوى عيون عبد الله، التي كانت مليئة بالحيرة والغضب. "رقية؟!" كان الصوت يحمل الكثير من الأسئلة. الكثير من الارتباك. كان من الصعب عليه أن يصدق، كما كان من الصعب عليّ أن أراه على تلك الحالة. "كيف؟ كيف جئتِ إلى هنا؟" كانت كلمات عبد الله كالسياط على قلبي، وكأنها تفتح جرحًا قديمًا. "كيف تتركين كل شيء وتأتي إلى هنا؟ إلى هذا الجحيم؟ أمي ماتت بسبب هذا، وأنتِ؟" لم أستطع الردّ عليه فورًا. كيف يمكنني أن أشرح له؟ كيف يمكنني أن أخبره أنني لم آتي إلى هنا بحثًا عن الثأر، بل عن الحياة؟ كان والدي يقف بيننا، عيوننا تتواجه، وقلبه يحمل كل شيء: الأسى، والقرار، والتفهم. قال بصوتٍ هادئ: "عبد الله، هي هنا لأنها اختارت هذا الطريق. هذا هو قرارها. وليس لأنني قائد المقاومة، بل لأنها تؤمن بما نؤمن به، بما نقاتل من أجله." كان صوته مليئًا بالصدق، لكن عبد الله لم يكن مستعدًا بعد لقبول ذلك. "ولا زلت رافضا لانضمامك" قال عبد الله وهي يفتح قنينة الماء و يضعها عند شفتيه "اخرس" قالت بانزعاج مرت لحظات ثقيلة من الصمت بعد كلام أبي. كان الجميع ينظرون إليّ، كل منهم يتساءل بصمت، أما عبد الله، فكان ينفجر داخليًا، وجدتُه يقف في زاوية النفق وكأنّ روحه قد انشطرَت نصفين. كانت عيناه مشدوهتين، قلبه كان مليئًا بالغضب والحيرة معًا. "كيف؟!" صرخ عبد الله فجأة، وسرعان ما تحرك نحوي بخطوات غاضبة. "ألم يكفِكِ كل ما مررنا به؟ ألم يكفِكِ أن أمنا دفعت حياتها ثمنًا لهذا الجحيم؟ كيف لك أن تظلي هنا، كيف لكِ أن تأتي إلى هذا المكان؟ ألا تفهمين ما يعنيه هذا؟!" توقف لحظة، كأنّه ينتظر جوابًا، وكأنّ الكلمات التي خرجت منه لم تكن كافية لإطفاء غيظه. "هل تعلمين كم هو مؤلم أن أراكِ هنا؟ في هذا النفق؟ بين هؤلاء الناس؟ هل تظنين أنني أريد أن أراكِ تنزفين مثلها؟ هل تظنين أن هذا هو الطريق؟" كنت أسمع غضبه، وأشعر به، وأعرف تمامًا من أين يأتي. لكنني، رغم كل شيء، لم أتمكن من إيقافه. "عبد الله..." همست، وقلبي يكاد ينفجر من الألم. "أنا هنا لأنني لا أستطيع أن أظلّ صامتة. لقد عشتُ ما عشتُه، ولكنني لم أعد أستطيع أن أعيش في خوفٍ دائم. أمي ماتت، ولكنني لا أريد أن أعيش مثلها فقط، عبد الله. أريد أن أكون شيئًا آخر. أريد أن أقاتل... حتى لو كان ذلك يعني أنني سأموت هنا." لكنه لم يهدأ، بل انفجر مجددًا، وعيناه مليئتان بالدموع التي كتمها لسنوات. "لا! لا أريدكِ أن تموتي هنا، لا أريدكِ أن تكوني جزءًا من هذا المأساة! نحن لا نحتاجكِ في هذا، نحن لا نحتاجكِ أن تكوني واحدة منّا!" وفي تلك اللحظة، شعرنا وكأن النفق كله قد اكتظ بنا. ليس بسبب عددنا، بل بسبب الألم الذي كنا نحمله. والدي، الذي كان يقف إلى جانبنا، اقترَب منا، وأصبح الصوت الوحيد الذي يسمعه الجميع: "ما يحدث الآن هو اختبار. اختبار لقلوبنا جميعًا. نحن هنا لأننا نؤمن بأننا لا نستطيع أن نترك شعبنا، أرضنا، وهويتنا تختفي. رقية اختارت الطريق، كما اخترتم جميعًا. كما اخترتُ أنا." ولكن عبد الله لم يكن مستعدًا لهذا. لم يكن مستعدًا لمواجهة تلك الحقيقة. كان يغلي، كان يبدو كمن فقد كل شيء. ثم قال، وهو يهمّ بالخروج من النفق، بصوت يكاد لا يُسمع: "لن أعيش في هذا الجحيم، ولن أسمح لكِ أن تفقدي حياتكِ هنا. أرجوكِ... لا تجعليني أراكي تُدمّرين كل شيء." أبي أوقفه بنظرة واحدة، ولكن عبد الله، بحركة يائسة، غادر المكان بسرعة، تاركًا خلفه دخانًا من الغضب والحيرة. بعد أن غادر عبد الله النفق بسرعة، ظللت واقفة في مكاني. كان صوته، كلمات غضبه، تتردد في أذنيّ، ولم أستطع أن أوقف تلك الأفكار التي تدور في رأسي. كيف يمكنني أن أشرح له؟ كيف يمكنني أن أخبره أنني لم أعد قادرة على البقاء في الظل بعد كل هذا؟ ولكن هل كان ذلك صوابًا؟ هل كان هذا هو الطريق الذي يجب أن أسلكه؟ بينما كنت غارقة في أفكاري، شعرت بحركة بجانبي. كان مالك، الذي لم يُسمَع له صوت كثيرًا، يقترب مني. وقفت أمامي بهدوء، وعينيه تحملان نظرة من التقدير والاحترام. "هل أنتِ بخير؟" سأل بلطف، لكن في صوته كان هناك نوع من الاهتمام الجاد. كان يعي تمامًا أنني كنت في حالة اضطراب داخلي. تأملت في كلامه لبعض الوقت. لم يكن يسأل من باب الفضول، بل كان يريد التأكد من أنني سأظل قوية. "أنا بخير، مالك." أجبت بصوت منخفض، محاوِلةً أن أخفي مشاعري المبعثرة. "لكن الأمر ليس سهلًا. كنت أتمنى أن أكون هناك من أجل عبد الله، ولكنني أعتقد أنني اخترت هذا الطريق لأجل شيء أكبر." لم يرد مالك بكلمات كثيرة، لكنه ظل صامتًا لفترة قبل أن يقول: "أنتِ قوية، رقية. وأنا متأكد أنكِ ستجدين طريقك. الله معكِ." ثم ابتعد قليلًا، لكنه ظل في مكانه بعيدًا عنّي، مُعطيًا لي المساحة التي أحتاجها. لقد كان يتفهم الألم الذي شعرت به، وكان يعرف تمامًا أن هذه لحظة لا تخصه، بل تخصني. لم يكن هناك مجال للحديث عن مشاعر، بل كان مجرد إشارة دعم على طريق المقاومة. لا شيء يمكن أن يتقاطع مع أهدافنا الآن. المقاومة هي ما يجمعنا، والإيمان هو ما يثبتنا" نظرت ريتاج لها ثم لعبير عبير وقفت أمام النار التي تتراقص في الموقد، عيونها تتلألأ وكأنها تروي قصة قديمة. همست لنفسها قبل أن تقول بصوتٍ عميق: "عندما فقدت والدي في ذلك القصف، كانت روحي قد فقدت كل شيء. لا شيء يُماثل ذلك الشعور... أن تودّع شخصًا كنت تظن أنك ستراه في كل صباح. كنت في العاشرة، لا أفقه الكثير عن الحرب، لكنني عرفت، في تلك اللحظة، أنني سأصبح جزءًا من هذا الصراع، وأني لن أسمح بأن يُقتل الآخرون كما قتل أبي. فكرت كثيرًا في الانتقام، في أن أعيش لأنتقم له، ولكن مع مرور الوقت، أدركت أن الانتقام لا يكفي. شعرت بأنني بحاجة لتغيير شيء في هذا العالم. ليس فقط لي، بل لأبي، ولشعبي كله." أغمضت عينيها للحظة، ثم أضافت بهدوء: "الآن، أقاتل... لأنني أؤمن أن القتال هو الأمل الوحيد. ما دمت أتنفس، سأكون غيثًا لظلام هذا الزمان." مالك جلس بجانب النار، وقد تجسد في عينيه الهدوء الذي يخفيه صراع داخلي عميق. قال بصوت هادئ وثابت، كأن الكلمات تخرج من قلبه الملتاع: "كنت في الثانية عشرة حينما قُتل أخي. فقدته أمام عينيَّ. لم يكن لدي القدرة على فعل أي شيء. شاهدته وهو يُسحب من أمامي، ثم سقط أرضًا. عندما رحت أبحث عنه بين الأنقاض، شعرت بشيء لا يمكن أن يصفه أحد: كان وكأن قلبي قد توقف، وكان جسدي يصرخ دون صوت. أنا هنا الآن لأنني أريد أن أوقف هذا الجنون. أن أوقف الظلم الذي أراه في كل زاوية. لا أريد أن أرى المزيد من عيون الناس الحزينة. إذا كان هناك سبيل لأوقفهم، سأكون أول من يقف في وجههم." ثم نظر إلى الأرض قبل أن يرفع رأسه وقال بعزم: "سأظل أسدًا في المعركة، لأننا لا نستطيع أن نعيش صامتين بعد الآن." عبد العزيز كان دائمًا متأملاً، جالسًا في زاوية بعيدة، يتذكر اللحظات الصعبة التي مرّ بها. عندما فتح فمه، كانت كلماته كأنها تستخرج من أعماقه: "كنت في الرابعة عشرة حينما رأيت الهجوم الأول على قريتنا. كانت السماء تتفجّر بأصوات الصواريخ، والأرض كانت ترتجف من كل انفجار. رأيت من حولي ينقضون، ينقضون على الأرض ويفقدون حياتهم. لا أستطيع نسيان ذلك اليوم، خصوصًا حينما لم أستطع فعل أي شيء. كنت مجرد طفل يراقب في صمت. كانت تلك اللحظة التي قررت فيها أنه لا بد لي من أن أكون جزءًا من هذا المعركة. لا أستطيع أن أظل عاجزًا. كنت أحتاج أن أكون أكثر من مجرد شاهد." نظّر عبد العزيز بعيدًا، ثم أضاف: "المقاومة هي الأمل في أن نجعل العالم يشعر بما شعرنا به. لا أقاتل من أجل الانتقام فقط، بل لأنني أؤمن أنه يجب أن نكون صوتًا لأولئك الذين لا يمكنهم أن يتحدثوا. يجب أن نكون صوتهم... حتى لو كلفنا ذلك حياتنا." "انتم تافهين" قال عبد الله وهو يضع قنينة الماء على الارض "في نصف هذه الحرب عليكم ان تعلموا ان هناك قاعدة واحدة علينا اتباعها، وضع الماضي خلفنا، ان بقينا نفكر بالماضي، لنقل انا، ان بقيت افكر بشكل امي الشهيدة، لن استطيع مسك السلاح" قال ثم بدأت يده ترتجف وضع وجهه في يديه و تنهد "كم اتمنى ان انسى شكل جثتها وهو يدوسون عليها" كانت ريتاج تنظر لهم و دموعها اختطلت مع القهوة "اتحبين القهوة مالحة؟" قال عبد العزيز محاولا تغير الجو نظرت له "لا هذا مقرف" سكت الجميع، إلا عبد الله، الذي مدّ يده بهدوء وأخذ الكوب من بين يديها، ثم قال بنبرة دافئة يكسوها الحزم الحنون: "إذن... توقّفي عن البكاء." نظر في عينيها مباشرة، وتابع بصوت خافت كأنّه يهمس للروح: "الدموع لا تعيد من رحلوا، لكنها قد تُغرق من بقوا إن طال انهمارها. امسحي دموعك، فالذين تحبينهم، رحلوا كي نحيا نحن بكرامة. وما كان لهم أن يُحبّوك ضعيفة." ثم أعاد لها الكوب، وقال بابتسامة خفيفة: "اشربيها... ولو كانت مالحة، ففي قلوبنا من الحنين ما يكفي لتحليتها." ا بتسمت ريتاج و قالت "لطالما احبك اخي الصغير" ابتسم عبد الله "عبد الرحمن؟" "كان يقول لي، ان كان باستطاعي ان ازوجك لشخص اختاره انا ساختار سيف القسام" ابتسم عبد الله "اظن ان احلام اخيك ستصبح حقيقة" قال مالك بابتسامة امسك عبد الله قنينة الماء و رمها عليه "انت وقح" "شكرا لك" قال بابتسامة ثم اعاد له قنينة الماء "لاكون صريحة عبد الله لا يهتم لفتيات، ولكن انت اول فتاة يعاملها بطريقة مختلفه" نظر الجميع لعبد الله "لما؟" سئلوا جميعهم دفعتا واحدة "اردت ان اعرف" "اخرس ستقول نفس العذر، اجلب عذرا اخر" قال مالك،عبد الله بقي صامتاً لحظة، وكأنهم بكلماتهم دفعوه إلى ركنٍ في الذاكرة لا يزوره كثيرًا. ثم رفع رأسه وقال بصوت هادئ، عميق، واثق: "إن ريتاج... تذكّرني بشيءٍ منّي قديم، بشيءٍ كدت أنساه. تذكّرني بذلك الفتى الذي خسر كثيرًا، لكنه ظلّ واقفًا، لا لأنه قويّ... بل لأنه لم يُتح له وقتٌ ليسقط." ثم نظر إليهم، واحدًا واحدًا، قبل أن يضيف: "القلوب التي تنكسر بصمت، تستحق أن يُصغى إليها. وأنا لا أخصّها بشيءٍ من العاطفة... بل أؤمن أن من يرى الانطفاء في عينيّ غيره، ولم يُشعل نورًا... فقد خان ما بقي فيه من إنسانيّة." سكتوا جميعًا. حتى مالك، الذي لطالما كان سريع الرد، اكتفى بتنهيدة طويلة. أما ريـتاج... فقد طأطأت رأسها، ليس خجلًا، بل لأنها شعرت للحظة... أن أحدًا في هذا العالم قد فهمها أخيرًا. ابتسم الجميع "هل سمعتم بامر البدأ بقصف سوريا و لبنان و اليمن" قال عبد العزيز "سمعت، لا ادري اين حكام العرب" قال عبد الله بانزعاج "كالعادة، نائمون، اما عن شعبهم، فبعضهم من الذكور بعرض زوجته اخته امه على مواقع التواصل، ومنهم من لا يكلف عناء عرض نسائه، يرقص بنفسه على المواقع، ومن النساء، من تركت دينها من اجل ماذا، مواقع بلا فائدة، لا اعني الكل بطبع" قالت رقية بانزعاج "اود سؤالكم" قالت ريتاج "عندما نزلنا من المروحية، كنت بين يدي رجل مطلخ بدماء، وانا متأكدة ان اصابته ليس بسيطة، اود ان اعلم، كيف حاله ومن هو؟" "انه سيف القسام" قالت رقية بابتسامة نظرت ريتاج لعينيه، غير مبالية و كان الامر طبيعي، لا اعني النظر في عينيه، بل الجرح، وكأن امر الجرح طبيعي "هل كان بسيطا" "لا تقلقي" "هو كاذب انا و الدكتور سامي نصف ساعة ونحن نقنعه بأن يذهب لعلاج الجرح" "عليك الاهتمام لجسدك" قالت ريتاج بانزعاج واضح "طالما بعض الناس بخير، فانا وجسدي بخير" "ومن هم الناس" قال مالك بابتسامة "انتم" قال بصوت جاد وحنون، ابتسم الجميع بينما ريتاج لا تنظر له "وانت منهم يا ريتاج، وأن كنت قد منذ ايام قليلة" قال بصوت هادئ، ابتسمت ريتاج و نظرت في عينيه حين التقت عيناهما للمرة الأولى، بدا كأن الزمن توقّف ليُفسح للمكان لحظةً من الدهشة. كانت نظرةً خرساء، ولكنها نطقت بما لم تقله الكلمات. نظرةٌ واحدة، لكنها حملت حكايتين متقابلتين: عينٌ رأت الحُب والحنان يتسرّبان في كلّ زاويةٍ من الحياة، وعينٌ لم تعرف للحنان اسماً، ولا للحُب طريقاً. تلاقت العالَمان في طرفة عين، وفي تلك اللحظة… وُلد السحر. بدأ قلبه بنبض بقوة، يبدو ان سحر الحب قد بدأ من عنده نبض قلبه و هي لا تزال تنظر بعينيه احمر وجهها فانزلت رأسها اراد ضمها و اخبارها انه احبها لكن نبضات قلبه غير منتضمة يده ترتجف و كأنه سيموت عما قليل وقف و غادر المكان وفق في الممر المظلم الخاص بنفق انفاسه سريعة ونبضات قلبه اسرع "ليس الان هذا ليس وقته ابدا" قال بهمس لا يكاد يسمع احد، وضع يده على قلبه "كنت متحجر طوال تلك السنوات، والان نبضت، في اهم حرب في حياتي، قررت ان تنبض لفتاة ما، وليست اي فتاة، الفتاة التي يبحثون عنها لقتلها" قال بصوت يوشك على البكاء، هو لا يريد الحب، وأن صادف و احب، لم يكن يظن انه سيحب تلك التي يتتبعها الاف الاحتلال يحاولون التربص بها و قتلها فتح باب النفق و غادر ظن انه شعور عادي لا حب صعد للخارج باحة ذلك المنزل دخل بهدوء "عبد الله اين كنت" قال اب عبد الله "انا هنا يا ابي" جلس الابن و جلس الاب بجانبه واضعا كوبين من القهوة "فل تشرب و تقل ما في قلبك يا بني" امسك عبد الله الكوب و شفط شفطة صغيرة ثم قال "كيف وقعت في حب امي؟" "لما هذا السوال فجأة؟" "ايقع المرء في حب شخص في نصف الحرب؟" "كنت مصابا حين احببت امك، لما هذه الاسئلة" "اخاف ان اكون قد احببت" "الأب (بنبرة هادئة ممزوجة بابتسامة باهتة): "لا تتحدث عن الحب وكأنّه مصيبة، يا عبد الله... المحبّ لا يُعاب، ومن ذاقه لم يندم." رفع عبد الله عينيه، وفيهما شررٌ مكتوم، ثم قال بصوتٍ رصينٍ، كمن يلفظ حقيقة لا يريد لأحدٍ أن يُجادله فيها: عبد الله: "أعلم، يا أبي، أن الحبّ ليس عارًا... ولكن في زمنٍ كهذا، هو مصيبة. نعم، مصيبةٌ تُربك القلب وتخذل السلاح." ثم تابع، وقد مال بجسده إلى الخلف، كأنه يتكئ على كل ما أثقل روحه: عبد الله: "كيف أسمح لقلبي أن يتعلق، وأنا لا أضمن لنفسي غدًا؟ كيف أُحبّ، وأنا لا أملك حتى أن أحمي من أحب؟ في بلادٍ كهذه، الحبّ خَطر. هو ثغرة يدخل منها الألم، وسببٌ جديدٌ للانكسار." أطرق لحظة، ثم قال بنبرة منخفضة لكنها مشبعة بالصلابة: عبد الله: "لستُ حجرًا، يا أبي، لكنني أختار أن أكون كذلك. فمن لا يملك أن يُنقذ، لا يحقّ له أن يتعلّق." ساد صمت ثقيل، لم يُكسره سوى رشفات القهوة، وكأن الأب كان يفكر: هل كبر عبد الله بسرعة... أم أن البلاد هي التي سرقت من أبنائها حقّ الطيش؟ "وهل يكون الحب بنظرة يا ابي؟" "فصيحًا أقول لك: نعم، قد يكون الحبّ من نظرة... لكنّه ليس نضجًا، بل شرارة. وليس وعدًا، بل احتمال. النظرة الأولى لا تُنبت الحبّ، لكنها تهيّئ التربة. هي كالريح التي تمرّ فوق قلبٍ جافّ، فإمّا أن توقظه... أو أن تتركه أكثر عطشًا. الحبّ الذي يولد من النظرة، إن لم يسنده عقلٌ وتَعارف وتحمّل وصدق، يظلّ وهْمًا ملوّنًا بمشاعر اللحظة، لا أكثر. لكن... لا نُنكر سطوته. أحيانًا، تنظر لشخصٍ ما، فتشعر وكأنك رأيته في حياةٍ سابقة، كأن قلبك تذكّره قبل عقلك، كأنّ شيئًا ما بداخلك يقول: "هذا هو، وإن لم تفهم لماذا." وفي زمن الحرب؟ تصير النظرات أصدق من الخطب، والقلوب أضعف من أن تُنكر ما تحسّه، حتى لو أنكرت بألف كلمة." "اتمنى الا اكون قد احببت" قال ثم وقف و عاد لنفق عند اصحابه "اين رقية و ريتاج؟" سئل هو ينظر حوله "خرجا" "خرجا؟!!" صرخ ناظرا لهم "كيف سمحتم لهم ان يخرجا؟" "ما بها؟" "هل انتم حمقى، ريتاج يتم البحث عنها وانتم تخرجونها؟" قال بغضب ثم خرج اخرج هاتفه وهو يخرج من النفق "اين انت؟" "ما بك؟" قالت شقيقته من خلف الهاتف "قلت اين انت؟" صرخ، صرخته كانت بصوت مبحوح محتاج لروية اخته، كلا ليس اخته بل الفتاة التي احبها  حتى لو كان من نظرة واحدة اخبرته اخته بمكانها خرج مسرعا الى هناك امسك بيد اخته "لما خرجتي؟ ولما اخرجتها معك؟" صوته المبحوح و القلق الواضح عليه سحب اخته و مشت ريتاج خلفه كانت ريتاج ترتدي كمامة لكي لا يرى احد وجهها دخل النفق ويده تضغط على معصم اخته "عبد الله يدي" نزلوا في النفق و ادخلها للغرف "عبد الله (بصوت غاضب مكسور): "هل قلتما إن بإمكانكما الخروج دون إذن؟ هل فقدتما وعيكما أم فقدتما ثقتكما بي؟!" نظر إلى رقية مباشرة، عيونه متقدة، لكن صوته خافت كأنه ينزف: عبد الله: "حين أمسكتُ بيدكِ، لم أفعل لأعيدكِ فقط… بل لأذكّركِ أنكِ كنتِ على بُعد خطوة من قبري." ثم نظر إلى ريتاج، وحدّق في عينيها طويلًا، بصوتٍ يشبه العتاب المغلف بالغضب: عبد الله: "أما أنتِ… فقد خذلتني. كنتُ أظنّكِ تعرفين ما معنى أن نخسر أحدنا… كنتُ أظنّكِ تعرفينني." أدار ظهره لهما، وبصوت حادّ لا يقبل النقاش، قال: عبد الله: "ابتداءً من هذه اللحظة… لا خروج. لا حركة. لا اجتهاد. من يتجاوز أمري… فقد خسرني." "ااخي" "أنا لا أغضب لأني قائد فقط، رقية. أنا أغضب… لأنني فقدت أمّي أمام عينيّ… ولا أحتمل أن أفقدكِ أنتِ أيضاً." ترمش رقية بعينيها، لكنها لا ترد. في قلبها ألف كلمة، لكنها تختنق على حافة الحلق. عبد الله (يكمل، ونبرته تزداد لينًا): "إن كنتِ تظنّين أنني أقسو… فاعلمي أن القسوة أهون من الدفن. وإن خرجتِ مجددًا دون إذني، لن أصرخ… لكنني سأموت واقفًا." صمت طويل، ثم اقترب منها ببطء، ووضع يده على كتفها، نظر في عينيها مباشرة وقال: عبد الله: "لا تكوني سلاحي… ثم تصيرين جرحي." "اعتذر، ولكن ما الخطر في الامر" "انسيتي امر الزنانات؟ سنكشف بسبب تهوركما" "اعتذر، لن اخرج مرة اخرى" قالت ريتاج بصوت مرتجف "اعتذر يا ريتاج عن غضبي، لكن عليك تفهم الامر، ان رأت الزنانة فهذا يعني اننا متنا" "كنت اود لقاء اهلي" نظر الجميع لها "اهلك؟" "امي من اصول غزاوية، جدتي جدي خوالي خالاتي كلهم هنا، كنت فقط اود رؤيتهم" "اذهبت؟" "كلا، لن تسنح لي الفرصة" "وهذا افضل حل" بدأ عبد الله بسعال "الا تلاحظ انك مريض؟" سئل مالك وهو يضع يده على صدره "انا بخير، كنت خائف عليهم فقط" صوت التلفاز عالي، المذيعة تعلن عدة موتى في اليمن و سورا و لبنان و الضفة و غزة "شغلوا الكاميرا" قال بصوت هادئ بدأ الجميع بتجهيز مكان التصوير ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بسم الله الذي كتب العزة لمن استمسك بحقه، والذي وعد بأن الأرض يرثها عبادُه الصالحون، يا من تسمّون أنفسكم "أحرارًا"، وأنتم تشاهدون الظلم ثم تلوذون بالصمت، هل الحرية صفة نختارها فقط حين لا تُكلّفنا شيئًا؟ هل أنتم أحرار لأنكم تكتبون تغريدة، ثم تنامون في فراش دافئ، بينما يُقصف الأطفال في غزة، وتُقطع الكهرباء في اليمن، وتُهدَم البيوت في الضفة، وتُشنق الحرية في سوريا؟ يا من تصمتون أمام المجازر، وتبررون لأنفسكم السكوت باسم "الحياد" و"الموضوعية"، اعلموا أن الحياد في زمن المذبحة هو انحيازٌ للقاتل، وأن الموضوعية أمام الظلم كذبة يرتديها الجبناء ليغسلوا أيديهم من دم الأبرياء. نحن لا نطلب منكم أن تحملوا السلاح، ولا أن تضحوا بأرواحكم، لكن أن تصمتوا… وأنتم تعرفون… فذلك خيانة، خيانة للإنسان في داخلكم، وخيانة للقيم التي تدّعون أنكم تمثلونها. أيُّ حريةٍ تلك التي لا تغضب عندما يُقتل الطفل في حضن أمه؟ أيُّ ضميرٍ ذاك الذي لا يرتجف وهو يرى الاحتلال يبني فوق جماجمنا وطنًا مزيفًا؟ أيُّ إنسانٍ يقف على شرفة عالمٍ يحترق… ويشرب قهوته بهدوء؟ نحن لا نحتاج متضامنين موسميين، نحن نحتاج أحرارًا لا يعرفون الصمت، لا يتقنون التبرير، لا يُشترون بكذبة "النظام العالمي"، ولا يخافون من قول الحقّ في وجه كل منصة، وكل إعلام مأجور، وكل رئيسٍ خان ضميره. صمتكم لن يُنسي أطفالنا صوت القصف، ولن يُعيد لأمهاتنا أبناءهن، لكن صوتكم، إن خرج صادقًا، قد يهزُّ عروش الطغاة، وقد يُحرّك حجرًا في هذا الجدار البارد. فإن لم تقولوا شيئًا، فاعلموا أن التاريخ سيتذكركم، لا بين الأبطال… بل بين المتفرجين. تكلّموا، قبل أن يُقال: كانوا يرون… ولم يقولوا شيئًا. يا أهل غزة الصامدة، يا أبناء الضفة الثائرة، يا جراح سوريا النازفة، يا صبر لبنان المتجذِّر، يا عزّة اليمن المكلومة، ويا كل أحرار العالم الذين لم يبيعوا شرفهم للصمت، سلامٌ عليكم بقدر ما تحملون من جروح، وبقدر ما تصنعون من أمل، وبقدر ما تزرعون في هذه الأرض من شرفٍ لا يندثر. يا غزة، يا عرين الأسود، أنتم من علّم العالم أن الحصار لا يُميت، بل يُحيي القلوب المؤمنة، وأن البيوت التي تُهدم تُبنى من جديد على إرادةٍ أصلب من الفولاذ. في كل مرة يظنون أنكم ستنكسرون، تنهضون من الركام أشدّ قوة، ترفعون رؤوسكم رغم الموت المتربص، لأنكم تعرفون أن الحرية لا تُوهب، بل تُنتزع. يا ضفة العياش والشهداء، إنهم يريدونكم أن تكونوا صامتين، خاضعين، أرقامًا بلا روح، لكنكم كنتم الطوفان الذي لن يُوقفه جدار، ولن يُرهبَهُ محتلّ. كل حجرٍ تُمسكونه، كل رصاصةٍ تطلقونها، كل شهيدٍ يسقط، هو خطوةٌ نحو اليوم الذي تُكسر فيه القيود، وتتحطم أسطورة المحتل تحت أقدام رجالٍ لا يخافون إلا الله. يا سوريا، يا جرحًا لم يندمل، من حلب إلى درعا، ومن الغوطة إلى إدلب، حملتم على أكتافكم ألمًا لن يفهمه إلا من عاشه، لكنكم رغم ذلك رفضتم أن تكونوا عبيدًا للطغاة. هذه الأرض تعرف معنى الحرية، وتعرف أن شمسها وإن غابت، فإنها تعود، حتى لو طال الليل. يا لبنان، يا صبر الأرز، أعلم أنكم سئمتم الحديث عن الصبر، ولكنكم لم تملّوا الكرامة، ولم تفرّطوا في الكبرياء. رغم الأزمات والانهيارات، رغم الفقر والتجويع، بقيتم شامخين، لأنكم تعرفون أن الكرامة ليست ورقةً تُساوَمُ عليها، بل دمٌ يُدافعُ عنه حتى النهاية. يا يمن العزّة، أنتم شعبٌ أرادوا أن يُركعوه، فوقف، أرادوا أن يُحاصروه، فصبر، أرادوا أن يمحوه، فبقي. رغم الجراح، رغم الألم، لا زلتم على العهد، لا زلتم رجالًا يُشهد لهم أنهم لم يبيعوا أوطانهم، ولم يفرّطوا في شرفهم. وأما أنتم، يا أحرار العالم، فأنتم الوقود الذي يبقي هذه المعركة حيّة. لا تستهينوا بصوتكم، بكلماتكم، بمواقفكم، فالمعركة اليوم ليست فقط بالرصاص، بل بالصورة، بالصوت، بالكلمة، بالرفض. إن العالم يريدكم أن تصمتوا، لأن الصمت هو ما يغذي الظلم. لكنني أخبركم: لا تصمتوا! "إلى أم ريتاج، من عبد الله، سيف القسام" السلام على من ربّت شهيدة… السلام على قلبٍ ودّع قطعةً منه ولم ينكسر، السلام على من أنجبت وردةً نبتت في الأرض المحتلة، وسُقيت بدم البطولة. يا أم ريتاج" نظرت له ريتاج بعنين دامعة، ارادت ان تدخل في التصوير و تقول لامها "انا هنا لم امت" "لا أدري كيف أبدأ… فالكلمات أصغر من وجعك، وأضعف من مقامك. لكن دعيني أقول لك ما لم يقله الإعلام، وما لن يفهمه من لم يعرف ريتاج. ريتاح لم تمُت، لا، من مات هو العدو، حين فشل في كسرها. من مات هو الخوف، حين وقفت تتحداه بعينيها. من مات هو الجبن، حين صرخت في وجهه: "لن تمرّوا، ولو على جسدي." ريتاح كانت تمشي معنا، لا كأنها بشر، بل كأنها فكرة تمشي، كأنها دعاء الأمهات الذي قرر أن يتجسد، كأنها "فلسطين" بزيّ ميداني، تمشي بين الأنقاض وتُصلّي تحت النار. كنا نظن أننا نحرسها، لكن الحقيقة أنها كانت تحرسنا، كانت السند ونحن نحارب، والنار التي تُشعل فينا العزيمة كلما خفتَ وهجها. يا أم ريتاج، سقطت ريتاج… لكنها لم تُهزم. مات جسدها، لكن صوتها ما زال يتردد في النفق، في السماء، في القلوب. تركت لنا وصيتها: "لا تنكسروا بعدي… بل كملّوا الطريق." ولن نخذلكِ. ستظل ابنتك حيّة في كل رصاصة تنطلق، وفي كل شابٍ ينضم للمقاومة، وفي كل طفلة تحفظ اسمها وتقول: "سأكون مثلها." أقسم لكِ، بدمها، وبعينيكِ، وبالحقّ الذي من أجله استُشهدت، لن يُطوى اسمها في صفحة، بل سيُكتب في التاريخ، كما يُكتب اسم الأبطال الذين لا يُنسَون. أنا عبد الله، أنا سيف القسام، كنتُ قائدًا، واليوم صرتُ حامل أمانتها. وعهدي لكِ أمام الله: لن أسلّم، لن أساوم، لن أعود… حتى أزرع على قبرها راية النصر. وأخيرًا… أنا سيف القسام، لستُ رجلًا واحدًا، بل فكرةٌ لا تموت، أنا اليدُ التي تقبضُ على الزناد حين تخذلكم الجيوش، أنا الطلقةُ التي تنطلق حين تصمت البنادق، أنا الحلمُ الذي يراود كل مقاوم، والكابوسُ الذي لا يفارق كل محتل. أنا صوتُ من ظُلم، ويدُ من قُيد، وقلبُ من ثار… وأنا هنا حتى يتحقق الوعد! اقفل المصور الكاميرا بدأ الكل بتصفيق بينهم ريتاج الغارقة بدموعها عبد الله يراها تمسح دموعها، فيقترب بهدوء، ويجلس إلى جانبها نظر إليها لحظة، ثم قال بصوت هادئ كأنما خرج من عمق صدره: عبد الله: "رأيتُ رجالاً يسقطون تحت وطأة الصمت… لكنّي ما رأيت دمعةً أنبل من دمعتك." سكت، ثم نظر إليها بعينين ثابتتين "ليست هذه دمعة ضعف، يا ريتاج… بل دمعة من عَبَرَ القبر واقفًا، وسمع تأبينه وهو لا يزال يتنفس، دمعةُ من شَهِد جنازته… وهو حيّ يُرزق." "هذه ليست دمعة ألم… إنها إعلان. إعلان أن قلبك لم ينكسر، بل عاد أقسى، أنك لم تُهزمي… بل خُبّئتِ لتعودي بصوتٍ لا يُسكَت." ثم همس كأنما يخاطب التاريخ نفسه "ريـتاج… لو علموا ما تفعله هذه الدمعة فينا، لحاولوا تجفيف عيوننا قبل سيوفنا." ثم ابتسم، وتمتم بخشوع "دمعتكِ ليست دمعة، بل بيانُ بداية." "ونحن على موعدٍ معكِ… يومَ تُبعثين لا من الموت، بل من الظل." ابتسمت ريتاج صوت التلفاز بعد انتهاء خطاب سيف القسام، ليتم اريال تغريدة يتم الاعلان بها "سيبدأ الاحتلال الدخول البري على غدا" _________________________________________ هاي سبايااااا(صبايا بس بحب اكتبها سبايا) كيكفم؟ ادري ادري صرلي فترة قاطعة بصراحة كتبت هاد الجزء من فترة طويلة بس ما نشرته و كتبت معه تقريبا ثلاث اجزاء الاشياء القادمة مصيبة و حماسية طبعا فكونوا مستعدين و صحيح رايكم؟؟ ريتاج؟ عبد الله؟ مالك؟ رقية؟ عبد العزيز؟ عبير؟ قصصهم؟ اني اكثر واحدة كانت مؤلمة؟ اذا جاني شغف بنشر لكم الجزء التالي قريباااااا وبسسسس في امان الله تعديللل: بمناسبة وصولنا مية قارء(ادري رقم صغير بس التعب الي تعبته يستحق) اول خمسة راح يعلقوا عهاي الفقرة بعطيهم تسريب صغيييييييير عن الرواية بس تسريب ناري

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بين رصاص الاحتلال

المؤلف Julie
2025/06/17 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة