الحكاية

الحكاية

42 2

تتساقط رماد الذكريات مع كل شرارة تنبعث من البيت الخشبي القديم المشتعل. النيران ترقص حولهما، وكأنها تحيط بمسرح قديم لحكاية أزلية. في وسط هذا البيت الملتهب، يجلس شخصان يفصل بينهما طاولة قديمة، كأنهما يتحدان الزمان والمكان. ، أحدهما شاب في مقتبل العمر، والآخر عجوز يفيض بالوقار والهيبة، يرتدي بدلة تبدو كأنها محفورة بخطوط الزمن.الشاب، بعيون تتساءل وقلب يخفق بالفضول، ينظر إلى العجوز ويسأل بصوت متهدج، قائلا: "أنت مين؟" العجوز، بنظرة تخترق الروح، يجيب بصوت يمتزج بالسلطة والغموض، "لقد أخبرتك سابقًا منذ عشرة اعوام ، اسمي شيطان." وفي تلك اللحظة، يتوقف الزمن، وتتجمد النيران، وكأن العالم ينتظر السر الذي سيُكشف. قبل مرور عشرة أعوام، كانت هناك تلميحات غامضة تتراقص في أروقة الزمن، مشاهد تنبئ بمصاير غريبه كانت بوادر المشاكل تحلق في الهواء، تنتشر في الأفق كالسحب المظلمة، تسرق النبض من لحظات السكينة. وكانت الحياة، بلا رحمة، تجهز لتحويل جداول القدر بأصابعها الباردة، لتقلبها رأسا على عقب. أنا عمار، ذلك الطفل الصغير في عقده الثاني، ولكنني لست كبقية الأطفال. لا ينبغي أن يختلط عليك اعتباري طفلا عاديا، فأنا لست من هواة اللهو واللعب في الهواء الطلق ولا من أولئك الذين يستكشفون تجارب الصغار. أشعر بأنني أكبر من ذلك، أو ربما يتجاوز ذكائي ما يتعاملون به.كانت (أمي) هي الصديقة الوحيدة في حياتي، في هذا العالم الذي أعيش فيه. كانت تلعب دور الألعاب معي وكنت أحكي ما في أعماق روحي وأخبرها بكل ما يجول في خاطري. كانت هي الحياة بالنسبة لي، وأتذكر ذلك بوضوح عندما دخلت المستشفى في ذلك اليوم المشؤوم، بسبب مرضها الشديد جلست بجانبها، وعيناي تتساقط منها الدموع، فقد فقدت الحياة معناها. تحولت كل الألوان إلى سواد، والعالم أصبح خاويا من المعنى. لم يبق شيء يستحق الاهتمام أو الفرح. كان قلبي ينزف، والحزن يخنقني بلا رحمة. وعند تعافيها عادت للحياة لونها ولقلبي ضحكته. وحتى الآن لم أستطع فهم الحياة التي أعيشها، فهي تبدو غامضة ومربكة بالنسبة لي. لكن الأصوات التي تصل إلى أذني وتتردد في رأسي منذ ان كنت صغيرا تحمل وجهة نظر مختلفة لم أستوعبها بعد. تبدو هذه الأصوات كرموز خاصة تعترض طريق فهمي، عقلي لا يستطيع تفسيرها.ومع ذلك، هناك جملة واحدة فقط أفهمها جيدًا، وتتكرر باستمرار في داخلي. إنها: "النهاية تقترب والوريث سيعود لعالمه مرة أخري" في عمر العشر سنوات، بدأت تتغير كل الأشياء حولي، وفي ليلة غابت عنها أنوار الحياة، سمعت هذه الجملة بوضوح أكثر من أي مرة ثانية لم اكن اعرف مايحدث لي، كنت دائما أشكو من هذا الصراخ الذي يدور في عقلي، وأذهب سريعا إلى والدتي، التي كانت تبكي معي باستمرار، وكأي أم مصرية، ذهبت بي إلى الشيوخ والدجالين، ولكن دون أي فائدة تذكر...ولكن في تلك الليلة الغريبة، قررت أمي أن تلتمس المساعدة من شيخ جديد لم أره من قبل اسمه (الشيخ الخضراوي)، رجل في أوائل الستينيات يتسم بحضور مهيب كان يرتدي جلبابا طويلا يصل إلى الأرض، وعلى رأسه كان يلف شيئا غريبا ذا لون أسود. وكانت لحيته بيضاء تتخللها بعض الشعر الأسود. كان يمسك بيده سبحة طويلة ذات لون أسود، تتلألأ في أضواء الليل... عند دخولي إلى هذا المكان، شعرت بقشعريرة غريبة تتسلل إلى أعماقي، كما لو أنني قد عرفت هذا المكان من قبل على الرغم من ذلك، فإن هذه المرة هي المرة الأولى التي أزور فيها هذا المكان الغريب. بمجرد أن وقفت في هذا المكان، شعرت بمشاعر تناغمت بين الغرابة والدهشة. تفاصيل المكان تبدو وكأنها محفورة داخل ذاكرتي العميقة، ولكنني لا أستطيع تحديد كيف ومتى تعرفت على هذا المكان الغريب. أرقب الجدران ذات الألوان الباهتة واللوحات الغريبة التي تحمل داخلها رموزا وأشكالا غريبة لا أعرف تفسيرها، والضوء الخافت من نوافذ صغيرة في كل زاوية. كما لو أن المكان يروي قصصا قديمة ومغامرات لا تنسى.تتساءل روحي عن الأسرار الخفية التي تحتضنها جدران هذا المكان. هل كنت هنا في حياة سابقة؟ هل تشترك روحي في تجربة ما؟ إنها لحظة مخيفة ومثيرة في آن واحد، حيث يتلاشى الواقع ويتحقق الخيال... جلست أنا ووالدتي أمام الشيخ (الخضراوي)، الذي كان أمامه شيء مستدير يحتوي علي نوع غريب من البخور، يَعم المكان برائحة غريبة تعبث بحواسي بدأت أمي في التحدث معه، لكنني ببساطة لم أكن ألقي لهم أي اهتمام. فاهتمامي كان مستحوذا بشكل كامل على اللوحات المعلقة على الجدران خلفه. تلك اللوحات، بجمالها المدهش وغرابتها، أحاطت بكامل انتباهي. كانت تتضمن تصاميم غريبة ومبهمة، وبعضها حمل آيات من القرآن الكريم، تتلألأ بألوان ساحرة. وكانت البعض الآخر تحمل جداول وأرقام فريدة، مرسومة بأسلوب غامض وملئ بالرموز الغريبة.. عاد انتباهي من جديد أثناء حديثهم وسمعت أمي وهي تقول: "زي مقولتلك كده يا شيخ الأصوات بتفضل تجيلو كل ليله ويفضل يصرخ ويبكي لحد ما ينام" لاحظت مدى خوفها ونظراتها وهي تتحدث مع (الشيخ الخضراوي) ولكن كان رد (الشيخ الخضراوي) ملطفا وهادئا، حيث قال لأمي بصوت هادئ: "متقلقيش يا أم عمار، كل شيء هيكون بخير بإذن الله". ثم نظر الشيخ إلى ودعاني للجلوس بجانبه، وبطريقة بطيئة، تقدمت نحوه وجلست إلى جانبه. أخذ الشيخ الخضراوي ينظر إلى عيني وكأنه يحبث عن شئ ما، ووضع يده بقوة على رأسي، وبدأ في ترديد كلمات غريبة وغير مفهومة، كأنه يؤدي طقوسا سرية. وخلال هذا الوقت، بدأت  أحداث غريبة ومتسارعة تحدث داخل عقلي، حيث أرى صور لمخلوقات غريبة وأشياء غير مألوفة تجري في جميع انحاء المكان الذي وجدت فيه في ذهني. وكنت أسمع كلاما ينبعث من صوت عميق وخشن، "يهدد بفتح بوابة مظلمة بدم الوريث، سواء في الحاضر أو في المستقبل". وفجأة، ترددت عبارة مرعبة في ذهني: "لن تأخذه مني، إنه الوريث سأقتلك، ثم سأقتله". وبعد ذلك، ترك الشيخ الخضراوي رأس عمار، وهو ينظر إليه بعبوس من الرعب والحيرة، وكان الشيخ الخضراوي يرتعش ولا يستطيع أن ي

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رواية شيطان

المؤلف Mohamed Hamada
2024/06/09 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة