يحكى أن المطحون بن طاحون كان يسير فى طريق مقطوع ، ليس فيه أى صوت مسموع ، فنظر من بعيد وأخذ للنظر يُعيد ، فوجد خيال كبير فأرتعد وأصابه الصرع ، وعندما أقترب وجد شيخ كبير عليه علامات الورع ، فتعجب من حالهِ ،وقرر المطحون أن يعطيه من مالهِ ، فقال له يابنى ترانى فى الحياةِ من الزُهاد ، فأنا قررت إعتزال العباد ، فقد أنتشر بين الناس الفساد ، خذ مالك فإنى فيه لست راغب ، وإلا كنت عليك غاضب ، فإنى أخاف من الفتنة ،فأتخذت هذا المكان لى سُكنة ، يابنى أرى على وجهك علامات الصلاح ، لكن الدنيا تُغلق الابواب فى وجهك بإلحاح ، فهذا ألامر لا يضرك ، إنما لابد وأن يسرك ، فقال له كيف للضرر أن يسرنى، فأنا لا أريد شيئا يَضُرنى ، فقال الشيخ إن فى ظاهر الأمر ضُر لكن باطن الأمور تَسُر، فالله قسم للعباد الأرزاق ، ولم يظلم أى عبد على الإطلاق ، وقد أقسم من فوق الطِباق ، لأدبرن أمور الكون كما دبرت أمور الآفاق ،فإستراح أبن طاحون لكلامه ،وكأن الله أرسله ليضئ له أيامه ، فبعدما كان يشعر بالاكتئاب ، فتح له من الآمال أبواب، فقال له ياشيخى أأنت مرفوع عنك الحجاب ، فقال بل إنما هى نفحات الأحباب ، وأكمل الحديث سأعطيك من الكلام هدية ، إن أستخدمته فى الخير فحياتك ستكون هنيه ،وإن فعلت غير ذلك فليس لك حياة مُرضية، وأمورك ستكون منسيه ، فتعجب أبن طاحون من الكلام ، وأرتعد خوفاً وأرتعشت منه العظام، ووضع الشيخ يده على رأسه وأخذ يتمتم بالكلمات ، وأبن طاحون ينتابه السُكات ، وقال إن واظبت عليها ستقرأ الأفكار ، وتارة أيضا ستفك الأسحار ، لكن لا تستخدمها في أمور الأشرار، وإلا ستكتب من الفجار ، فأخذ من شيخه العهد ، وقرر أن يفى بالوعد ، وقال فى نفسه سأساعد الناس بالخير ، ثم أكمل أبن طاحون السير ، فوجد رجل يسير فى الشارع كالمجنون ، فتتبعه أبن طاحون ، وقال سأجرب معه العهد ، إن صح سيكتب لهذا الرجل السعد، وأقترب من المجنون ، و الشك يدخل قلبه وكثرت بنفسه الظنون ، هل أقدر على علاجه ؟، وأستطيع إسعاده ، وتمتم بنفس الكلمات وهو ينظر للسماء ، فصرخ المجنون صرخة هزت الارجاء ، فأرتعد أبن طاحون من الخوف ، وإذا بالمجنون يخرج دخان من داخل الجوف ، ثم فاق المجنون من غفلته ، وأخذ يحكى لأبن طاحون حكايته ، وقال له كنت موظف كبير منذ سنين ، وعندى من الأملاك مالا تراه العين ، وفجأة تبدلت أحوالى ، وزوجتى منعت منى عيالى ، وطالبت بجميع أموالى ، وعندما رفضّتُ ، ولرؤية أولادى طَلَبتُ ، وجدت نفسي فى هذا المكان ، ولا أدرى ما حدث لى من زمان ، فبكى المطحون من كلامه ، وقرر أن يساعده فى إستعادة أملاكه ، وأن ينقذه من هلاكه ، ووصل لمكان بيته ليسترد الحقوق، وإذا البيت كله محروق فتعجبوا من المنظر ، وقال رب أستر ، وإذا بغفير العمارة المجاورة ، يحكى لهم ماحدث والنار خارج السيطرة ،فقد كانت نار عظيمة ، جعلت البيت وسكانه عظام رميمه ، وكأن البيت كان مسكون ، فالحريق إستمر لسنون ، ولم يهدأ إلا عند رجوعك ، فهلا أخبرتنى من أنت وأمسح دموعك ، فقال أنا صاحب ذاك البيت ، فقال له أنت الغنى مالك مصانع الزيت ، فقال له نعم فقال أريد أن أخبرك بالحقيقة ، زوجتك وأولادك هم السبب فى تلك الحريقة، فقد طلبت منى أن أذهب لأحُضر دجال ، وعَمَلت لك الكثير من الأعمال ، ثم طالبها الدجال بالمال ، فرفضت أن تعطيه فتبدلت الأحوال ،وسلط عليها قبيلة من الجان ، فدمروا وحرقوا البيت والبستان ،ولم تهدأ النار إلا بعودتك الان ، وأنا أبحث عنك من زمان ، فحمد الرجل ربه ، أن أخذ بثأره ، وشكر أبن طاحون لأهتمامه بأمره ، وتذكر المطحون كلام شيخه ، فى ظاهر الضُر تكمن أمورا تَسُر ، وننتظر مغامرة جديدة لعلها تنتهى بنهاية سعيدة…
Alsayed Algamal