كيف كنت؟

كيف كنت؟

22 2

كثيراً ما تمنيت بيني وبين نفسي لو أن التطور التكنولوجي لم ينفجر بهذا الشكل قاذفاً إيانا في ظلمات العولمة والانفتاح الثقافي، وأنا بالطبع لست ضده بشكل مطلق إنما ضد أسوأ نتائجه التي نعانيها اليوم؛ وهي ضياع هويتنا وذوبانها وسط هويات أخرى لا تمت لنا بصلة، وعدم محاولتنا حتى استعادتها لأننا قد نسيناها أصلاً! قبل أحداث طوفان الأقصى الغنية عن التعريف كان حالي أسوأ من اليوم بكثير؛ لفترة طويلة في حياتي كنت مهملاً لديني ولغتي وهويتي، وكان انبهاري وتقديسي دائماً من نصيب الغرب، وكانت كل الدنيا في عيني ليست سوى مادة، والأولوية دائماً لما أراه أو أستشعره بالحواس فقط. أذكر أيضاً أنني كنت أشمئز من المظاهر الدينية كثيراً، لم يكن اشمئزاز كراهية إلى حد كبير بصراحة فأنا لا أقول لكم أني كنت ملحداً مثلاً، لكن هذا الأمر سيفهمه بعضكم بسهولة ممن يشمئزون من اللحى وإدراج بعض العبارات الدينية في الحديث وحتى لبس الجلباب - رأيت هذا بأم عيني والله كنت عبداً للظهور والسوشيال ميديا على حساب كل ما سواهما، رغم أنني لم أكن مشهوراً ولم أعلم أحداً يهتم بي، لكني تأثرت سلبياً بانفجار وسائل التواصل الاجتماعي الذي أفقد حياتنا معناها وقيمتها، وحولنا إلى مسوخ، مثلي مثل كثيرين غيري. كنت أجد راحتي في تصفح مواقع التواصل بلا هدف، وأتابع أناساً لا يقدمون شيئاً هاماً سوى سخافات لا جدوى منها، كمدمن المخدرات أتصفح وأتصفح، وأرى حثالة المجتمع وقد أصبحوا أثرياء ومهمين ولهم في العالم منابر ومنصات يتحدثون من خلالها بالترهات، لا تشعر أن أحداً منهم إنسان مثلك له مشاعر وأحاسيس ووعي بالدنيا والعالم بل أغلبهم لا مبدأ لهم ولا رسالة سوى عبادة الهوى والمادة! لقد كنت غبياً وتائهاً لا أدري ما أفعل، وأنام كي أستيقظ وأنتظر اليوم ليمر وحسب، وفكرتي عن الحياة طالحة كوني ظننت المادة هي الحقيقة، وكوني آمنت أن المجد للسخفاء، وأن الأبطال هم الممثلون والبلوجرز والإعلاميون والإنفلونسرز وكل أولئك الحمقى الذين يطلون علينا بمظهر الآلهة ذوي الكمال موهمين إيانا أن نكون بلا روح أو قيمة مثلهم، ويغروننا بشراء أشياء لا نحتاجها حتى، وعندما يحين وقت الجد ومع علمهم أن كثيرين سيستمعون إليهم تجدهم لا يأبهون لأي قضية تخص الدين أو الأمة أو الإنسانية بشكل عام! غارقون تماماً في العبودية للأعجميين، ولمؤثراتهم الفاسدة في الثقافة والمأكل والمشرب والملبس وأغلب نواحي الحياة؛ فتجد الفتاة في الجيل الحالي لا تعلم عن الحشمة مثقال ذرة، وتتفنن في الإغواء والمتاجرة بجسدها وتسليع نفسها في سوق العمل والإعلانات وغير ذلك، وتجد من جيلنا كثيرين قد تأثرت ثقافتهم بالغرب أكثر مما ينبغي على حساب ديننا وتراثنا؛ فتجدهم يطالعون كتباً أو يشاهدون أفلاماً ويرتضون لغة هؤلاء القوم، ولا يطيقون في المقابل نظرة إلى المصحف أو نطق كلمة بالعربية حتى! إنني لست ضد الثقافة، وأنا أحترم التأثير الثقافي لجميع الدول والأعراق والحضارات، وأعترف أن الغرب لهم مؤثرات حضارية مختلفة نافعة، لكن الكارثة أننا لا ننتفع بها أو نغرق فيها على حساب هويتنا وتراثنا نحن. كان ذلك باختصار - أظنه مخلاً - حالي، فأجدكم تتساءلون: هل تغيرت؟ وما الذي غيرني؟ فأجيبكم: نعم تغيرت، وغيرتني فلسطين وغيرني حال أهلها.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

غيرتنا القضية

المؤلف محمد تامر
2024/10/20 مكتملة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة