الثامن

الثامن

214 5

وما زالا يتجولان في شوارع المدينة، وينظران إليها ويتأملان تفاصيلها بطريقة بها نوع من الوداع، وجدا ذات مرة فتاة صغيرة تركض وتلهو بالقرب من متجر حلوى؛ فابتسمت هبة وقالت لعزيز أن ينتظرها هنا إلى أن تتحدث معها قليلاً وتعود؛ سألها عزيز ما إذا كانت تعرفها لكنها لم ترد وأسرعت نحوها! اقتربت هبة من الصغيرة بحب سائلةً إياها عن اسمها؛ فنظرت إليها الفتاة بنوع من الإشفاق وقالت لها: "اسمي براءة...تبدين جميلة جداً يا سيدة، لكن لماذا ملابسك بالية هكذا؟!" تجاهلت هبة قسوة السؤال إذ أنه صادر من فتاة صغيرة لا تعني بالتأكيد ما تقول وإنما تسأل ببراءة، وردت: "ليس لدي مال كافٍ لأشتري ثياباً أفضل حالياً، ولكن يوماً ما سأجد طريقة لأرتدي ثياباً جديدة، المهم الآن أنكِ أثرتِ انتباهي أنا و...حبيبي الواقف هناك بينما كنا نسير، ووجدتكِ جميلة جداٍ و...أنا حقاً أحب الأطفال يا براءة!" -هل هذا الرجل هناك هو حبيبك؟ يبدو أنه هو الآخر لا يملك مالاً ليشتري ثياباً أفضل! أنا حقاً أشعر بالحزن لأنكما لا تملكان مالاً لشراء ثياب جديدة! =أتفعلين؟! لأنني لا آبه أصلاً، ولا أحتاج المال أو الملابس! -كيف ذلك؟ من المفترض أن يكون مظهرنا دائماً أنيقاً وجذاباً، وأن يكون معنا مال كثير لنحيا ونشتري ما نريد، هكذا تقول أمي! =ولا أستطيع أن أقول أنها مخطئة بالطبع، ولكن ماذا عما بداخلنا؟ هل مظهره جيد أيضاً أم أن ملابسنا فقط هي الجميلة؟!" -وما الذي بداخلنا؟ وضعت هبة يدها على صدر براءة قائلة: "قلبكِ يا صغيرتي، وروحكِ!" ابتسمت براءة قائلةً: "حديثكِ ممتعٌ جداً يا سيدة...ما اسمكِ؟" =اسمي هبة. -أود أن يكون مظهر قلبي جيداً يا سيدة هبة! =لماذا يا ترى؟ لتستعرضيه أمام الناس أم للجمال في حد ذاته؟ -ممم...ما الذي ينبغي أن أختاره؟! =الجمال في حد ذاته بالطبع! لا ينبغي أن يعني الناس لكِ شيئاً بقدر ما ينبغي أن تعني نفسكِ لكِ شيئاً أولاً! -إن حديثكِ حقاً رائع يا سيدة هبة ويجعلني أشعر أنني فتاة كبيرة! =وأنتِ بالفعل كذلك، وستكبرين يا حبيبتي وربما تتذكرين كلامي! -لن أنساه أبداً، أعدكِ، وسأبلغه لأمي! =...إذن، لِمَ أنتِ واقفة هنا؟ -أنتظر أمي؛ فهي بالداخل تشتري بعض الحلوى وستخرج قريباً، سأخبرها أنكِ تحتاجين بعض المال فنحن أغنياء وننفق أموالنا في أشياء كثيرة... =كلا...كلا يا عزيزتي؛ أنا حقاً لا أريد المال على الإطلاق إنما أتيتُ إليكِ لأحدثكِ فقط! -إذن فأنتِ حقاً لا تحتاجينه! قطع حديثهما خروج والدة براءة من المتجر، والتي شهقت فور رؤيتها المتجر وأسرعت نحوهما لتجذب براءة من ذراعها وهي تصرخ في هبة: "أبعدي يديكِ الملوثتين عنها!" ثم وجهت حديثها إلى براءة قائلة: "إنها تتملقكِ للحصول على المال، يا لكِ من صغيرة ساذجة!" ردت براءة : "كلا يا أمي، لقد قالت أنها لا تحتاج المال أصلاً!" لم ترد الأم، وإنما سارت مبتعدةً مع براءة التي نظرت إلى هبة مودعة إياها ومعتذرة لها بصوت مسموع: "وداعاً...أنا آسفة!" لوحت لها هبة مودعة إياها وقد اغرورقت عيناها بالدموع وهي تراقبهما يبتعدان إلى أن دخلا شارعاً جانبياً ليختفيا عن الأنظار، وهنا اقترب عزيز الذي كان يرقب الموقف من مسافة قريبة وقال: "كنت أود أن أمنعكِ من هذا لكنني ظننتكِ تعرفينها، والآن يبدو أنكِ لا تفعلين بعد ما رأيته يحدث! لا تبكِ يا هبة...هذا حال المدينة وهذا نحن بالنسبة لهم؛ مجرد قاذورات!" قالت هبة من بين دموعها: "اللعنة على المدينة وعلى الناس، أنا لا آبه! أخبرني فقط ما ذنب الصغيرة!" -ليست مذنبة...حالياً هي بريئة، لكن في المستقبل وبمجرد أن تحصل على حريتها، يمكن حينئذ أن يحكم المرء ما إذا كانت ستكون مذنبة أم لا! =....لماذا كل هذا يا عزيز؟! لماذا حقاً كل هذا؟! -اهدئي يا هبة...لا تنسي بأننا نخطو خطواتنا نحو نهاية كل هذا، لقد اقتربنا يا عزيزتي! احتضنها عزيز بقوة، وأخذ يربت على ظهرها قائلاً: "لقد اقتربنا يا هبة....لقد اقتربنا!"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

صفوة الفقراء

المؤلف محمد تامر
2024/06/05 مكتملة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة