الخامس

الخامس

240 6

مرت الأيام على ثلاثتنا أفضل مما سبق بالنسبة لكل منهم؛ فقد آمنوا جميعاً بأن الصعاب تهون ولو بقدر بسيط إذا توافرت رفقة ما، فما بالك لو أن الرفقة بها أشخاص يجمعهم نفس الحال، نفس الألم والخوف المتخفيين تحت ستار التعود والكتمان، غالباً ما تصبح الأمور أفضل عندما تستطيع أن تفرغ ولو جزءاً بسيطاً من حمولك وهمومك ليحمله عنك شخص ما، أليس كذلك؟ بدأ وحيد يعلمهما العزف، كان عزفه شبه مثالي حقاً ويكأنه كان عضواً في فرقة موسيقية في يوم من الأيام؛ ويبدو أن هذا كان السبب الذي جعل المستمعين إليه في الشوارع يتوقفون بالفعل ليعطوه نقوداً، وقد حاول بطلانا أن يحسنا العزف ظناً منهما أنه كلما كان العزف أفضل ألقى الناس إليهم بمزيد من النقود، لكن وحيداً عندما لاحظ ذلك قال لهما: "يا رفيقَيّ، لا تعزفا حباً في النقود، أحبا الموسيقى نفسها، قُصَّا قصتيكما بها!" عملا بالفعل بنصيحته، ومع الوقت وجدا نفسيهما لا يأبهان كثيراً بالمال أو الطعام؛ فقد شغلت الموسيقى بالفعل جزءاً أكبر من روحيهما كما وحيد، وتغلغلت بداخلهما لتعرف كل حكاياتهما وأسرارهما وتفضحها بالألحان، وقد كان ذلك يثلج صدريهما نوعاً ما إذ أنهما وجدا في الموسيقى فرصة لتفريغ الأحمال النفسية والروحية الشاقة التي بداخلهما. وقد نتج عن كل ذلك تطور في عزف ثلاثتهم، ونقود أكثر أُلقِيَت إليهم، وقد كان وحيد يجمع كل النقود في ليلة ما من الأسبوع ويذهب وحده ليجلب طعاماً للجميع، ويعود إلى بطلينا حيث ينتظرانه في منزل صغير تابع لأحد أجداده كما ذكر لهما دون تفاصيل منذ اليوم الأول لهم سوياً؛ فيأكلون ويتسامرون وينامون، وفي الصباح يتدربون ويخرجون لكسب رزقهم ثم يعودون. وقد مرت أيام كثيرة عليهم بهذه الحال، شعروا خلالها بأن جراح أرواحهم قد بدأت تُضَمَّدُ بعض الشيء، وتمتعوا لبعض الوقت بنعمتين عظيمتين؛ الصُحبَة والاستقرار. والنعمة الأهم من ذلك؛ أن تنام وروحك لا تؤلمك! وخلال تلك الأيام كانت الأحاديث قد كثرت بين بطلينا، رغم أنها لم تكن أبداً عن ماضيهما؛ إذا أن عزيزاً حاول مرة أن يعرف من هبة أصولها فصدته قائلة: "لا أود أن أعرف حكايتك ولا أود أن أحكي حكايتي، أود أن نظل رفيقين دون حكايات!" ولكن رغم ذلك فإن كثرة هذه الأحاديث جعلت كلاً منهما يتشوق دائماً لخوض أي حديث مع الآخر، وقد تطور هذا الشغف بينهما ذات صباح كان وحيد فيه لا يزال نائماً، وكان بطلانا مستيقظين يتدربان، فتوقف عزيز عن العزف فجأة وقال لهبة وهو ينظر إلى وجهها: "عيناكِ جميلتان جداً، اعذريني على ما أقول ولكن...يبدو أنني لم ألحظ هذا حقاً منذ عرفتك سوى الآن!" احمرت وجنتاها خجلاً، وردت: "أنت أيضاً...وسيم...نوعاً ما، في زمان ومكان آخرين لربما كان من المفترض أن تثير إعجاب بعض الفتيات!" -أحقاً ترين ذلك؟! =نعم، ربما ليس فقط بسبب الملامح والقسمات، ربما لأنني منذ أن وجدتني في الشارع وعرضت علي أن تمنحني بعضاً من نقودك شعرت بأنك...بأنك رجل صالح حقاً، وأتعلم ماذا لاحظت أيضاً في ذلك الموقف وأكد لي هذا الظن؟ -ماذا يا ترى؟ =أنك لم ترد أن تعطني بعض النقود؛ لقد رأيتك تقبض على كمية كبيرة من نقودك تكاد تتجاوز نصف ما جمعته وكنت مستعداً لتقدمها لي وأنت لم ترني قبلاً ولا تعرفني، والأدهى من ذلك أيضاً أنك جلست تحادثني وتحاول نصحي بطريقة ما، سأصارحك الآن بأنني رأيتك قوياً وصلباً منذ حديثنا الأول هذا؛ شعرت حقاً من كلماتك بأنك تسخر من الألم، وأنك أقوى من المأساة نفسها وليس العكس، أنت لست مثلي يا عزيز، أنت حقاً عزيز وقوي أيضاً! -...أنا حقاً لا أدري ما أقول، وإنني لأشعر الآن بخجل عارم إذ أنني لا أرى أبداً أني أستحق كل هذا الثناء... =بالطبع لا تستحقه يا عزيز! -هه، نعم، أدرك ذلك! =...بل تستحق أكثر منه بكثير! -الآن أنتِ تبالغين! قطع حديثهما استيقاظ وحيد المفاجئ ودخوله عليهما، وقد تمنى لهما الخير في صباحهما وبادلاه ذلك، ثم قال: "أرى أنكما أصبحتما تفهمان الأمر أكثر من ذي قبل! يا رفيقي، هذا الجيتار هو لكما كما هو لي، وهو شاهد وحيد على حكايتنا نحن الثلاثة سوياً، إنه من الآن ملك فعلي لكما كما هو لي!" شكراه، ثم شرع ثلاثتهم يجهزون إفطارهم البسيط ويتناولونه سوياً، ويتجاذبون أطراف الحديث حول مستواهم في العزف، ومستقبل هذا العمل، وأماكن ووسائل أخرى لإيجاد الطعام، وغير ذلك من المواضيع التي يمكنك أن تتخيل أنهم قد يتحدثون عنها!

1
الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

صفوة الفقراء

المؤلف محمد تامر
2024/06/05 مكتملة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة