كان كل شيء يميل للغروب وليست الشمس وحدها، هذا حينما قرر بطلانا أن يخرجا ويأخذا جولة في المدينة ليس هدفها حقاً أي نوع من التسول، سارا في الشوارع ينظران إلى كل ما حولهما، والجديد تلك المرة أن يديهما كانتا متشابكتين! اللعنة على الألم والجوع اللذين لا يميزان حباً أو براءةً في الدنيا، إن وجودهما الآن بجانب بعضهما جعلهما شبه مستعدين لمواجهة الموت نفسه، وقد حدثا نفسيهما بأن هذا حقاً كان ما يتوقان إليه منذ البداية، ومنذ وقت طويل جداً! لم يعد يأبه لشكوى معدته الجائعة، ولا لألم قدميه من المسير، لكنه الآن يأبه لها وحسب، وكذلك هي لا تأبه الآن إلا له! نظر إليها فجأة خلال سيرهما، وظل يحدق ببصره ووجدانه في وجهها، وشعر أن فؤاده قد ذاب في عينيها، وشعر بأن سحراً ما يصدر عنها يجعل روحه تود أن تقفز خارجه لتلتحم بروحها، ولوهلة من الزمن شعر بأنها تبادله نفس الإحساس ولم يكن شعوراً كاذباً؛ فقد وصل كلاهما حينئذٍ إلى لحظةٍ وَدَّا فيها لو أن بإمكانهما نزع روحيهما بأيديهما ومزجها معاً ليجعلاها كائناً واحداً معنوياً يكسر حدود الزمان والمكان، ويطوف الكون كله ويتيه في الفضاء والسماوات...كانت لحظة لا تقدر على وصفها - ولو اتحدت - كل الأوصاف والأدبيات! مَرَّا بعد قليل بمتجرٍ للثياب، فجلسا على مقعد فارغ مقابل له، وأخذا يسترقان النظرات من بعيد بَاسِمَين، إلى أن قال عزيز وهو يشير بيده إلى ثوب نسائي من المخمل الأزرق: "في زمان ومكان غير هذين، أعلم أنكِ كنتِ ستبدين رائعة في هذا الثوب!" ابتسمت وهي تنظر له بدلالٍ قائلة: "أحقاً تظن ذلك؟!" -كلا...إني متأكد منه! جمالكِ ليس كأي جمال رأيته سابقاً؛ فهو جمال يجمع بين البراءة والأنوثة....المهم أنني متأكد! احمرت وجنتاها خجلاً وألقت برأسها على كتفه، ثم أعادت النظر إلى زاوية علوية من المتجر لتلحظ بعض الثياب المخصصة للرجال، فأشارت إلى معطف أسود من الجوخ قائلة: "وفي زمان ومكان غير هذين، أعلم أنك كنت ستبدو رائعاً في هذا الثوب!" -أوحقاً؟! =أجل؛ فإنني أحب قسمات وجهك الوسيمة تلك، وأحب أيضاً حكمتك وهدوئك، وأنك لا تعبأ كثيراً بالألم بل تبتسم في وجهه، إنني أشعر أنك تحتاج ثوباً كهذا يجسد قوتك وهيبتك، و....المهم أنني متأكدة! ابتسم عزيز ابتسامة عريضة كشفت عن أسنانه، وجلسا لبعض الوقت يتأملان المتجر دون حديث؛ إذ أن فؤاديهما كانا ينطقان بأكثر مما يمكن للكلمات أن تدل عليه!
محمد تامر