**لا تؤجل بداياتك إلى الغد...
فقد لا يأتي الغد كما تشتهي، ابدأ الآن.**
ترجلت ماسة من سيارتها، وأغلقت بابها متجهة للباب الخلفي فتحته والتقطت حقيبتها متجهة لزملائها، ألقت عليهم التحية بابتسامة رسمية باردة وأردفت وهي تتنقل بعينيها في أنحاء الجامعة:
ما رأيكم بالمكان بصفة عامة؟؟!
رد عليها أحد زملائها، وهو ينظر إليها:
جيدة، لم نرى شيئا يثير القلق.
جيد.
وتقدمت تخطو باتجاه مبنى الجامعة الرئيسي حيث يتواجد مدير الجامعة، وقفت واستدارت خلفها تنقل بصرها فيما بينهم وقالت:
كما اتفقنا، هيا باشرو عملكم واعلموني بالمستجدات.
علم، سيدتي.
واتجهو لمباشرة عملهم الذي وكّل لهم هذه المرة في الجامعة بقيادة ماسة، خطت خطواتها للداخل رافعة رأسها بكل شموخ وبهيئة بهية، تسير بخطوات واثقة ناحية مكتب المدير، وما أن وصلت حتى طلبت الإذن للدخول إليه برفقة إحدى الآنسات اللاتي يعملن معها، فقصي دائما ما ينبهها من عدم بقائها مع غير محرم في مكان مغلق، ولكن وجود أحدهم معها قد يعرقل سير بعض الأمور، لذا اختارت فتاةً صماء لمرافقتها، تقدمت وألقت التحية،
وقف المدير مرحبا بها ودعاها للجلوس فامتثلت لذلك.
شاي أم قهوة؟؟!
قهوة ولتكن حلوة من فضلك.
أومأ لها وهو يطلب كوب قهوة من أجلها، وما أن وصلتها الضيافة حتى تبدلت ملامح كل منهما للجدية، ونظرات مرعبة سكنت جوف عينيهما.
ماذا هذه المرة؟؟!
هذا ما نطقت به ماسة، وهي تنظر بحدة لعيني المدير، الذي أرخى ظهره على الكرسي قائلا وهو ينظر لعينيها:
يا حضرة المفتشة الصحية، هذه المرة لا نريد شيئا كبيرا منك.
لا أتفاءل بكلامك هذا.
ضحك وهو يكمل:
معك حق، لقد حاولنا ترتيب عملنا في الفترة الأخيرة أكثر من ذي قبل لذا لا أطلب منك شيئا سوى عدم تفتيش المستودعات هنا.
ماذا أحضرتم هذه المرة؟!
قالتها باستهزاء وبنظرات حاقدة، قابلها المدير بجمود وهو يهمس بحدة:
إلى هنا يتوقف عملك أيتها المفتشة لا تنسي هذا.
حسنا إذا، ومتى سأحصل أنا على نصيبي من هذا، ألم نتفق على كل شيء، مالذي حدث الان؟!
اسألي الزعيم عن هذا؟!
تعلم بأني لا أتواصل معه، لذا أوصل كلامي إليه، أريد ما وعدتموني به!!
ووقفت وهي تخرج من المكتب بصحبة رفيقتها، قابلها الأستاذ هُمام الذي كان في طريقه لمكتب المدير، فوقف بعد أن تعرف عليها وألقى عليها التحية، ردت عليه دون أن تلتفت إليه وخرجت، باتجاه المستودعات ، وأمسكت بالتقرير الذي بيدها ووقعت عليه، وأرسلت رسالة لزملائها تفيد بالتقائهم في مقهى الجامعة بعد انتهائهم من عملية تفتيش المطاعم والمقاهي هنا، كما وضحت لهم بأنها تولت أمر مستودعات الأغذية والثلاجة، وخطت خطواتها باتجاه المقهى وكل تفكيرها منصب على عملها، فيجب أن تعود بقوة بعد انهيارها العاطفي لخسارتها أمها، وصلت للمقهى وطلبت كوب قهوة ساخن وابتسمت في داخلها لتذكرها لقصي عاشق القهوة والمشروبات الساخنة بصفة عامة، رفعت رأسها لليد التي مدّت لها الكوب والتقطته وهي تتجه ناحية المقعد بالزاوية....
.
.
.
على متن الطائرة يجلس قصي بجانب والده المتوتر ويدع الله بأن يصلا إلى المستشفى بفرنسا قبل فوات الآوان
"" لكن عمي على فراش الموت""
هذا ما صرّح به قصي لوالده، والذي جعلانهما يلحقان أول طائرة متجهة لفرنسا، يتذكر قصي كيفية معرفته للأمر
فلاش باااااك
استلقى قصي على سريره بتعب بعد أن أطفأ الأنوار، وظل ينظر للفراغ بصمت، إلى أن قطع تفكيره اتصال من صديقه القديم المقيم بفرنسا حاليا، جلس عاقدًا لحاجبيه وهو ينظر للاسم الذي لم يزر شاشة هاتفه منذ وقت ليس بقليل، ردّ على صديقه وبعد السؤال عن الحال والأحوال، قال صديقه بحذر وهدوء محاولا عدم إثارة خوف أو ذعر قصي
"اسمع يا رجل هناك شخص هنا أعتقد بأنه على قرابة منكم، وأظن بأنه عمك، إنه..."
ولم يكمل كلامه حتى قاطعه قصي وهو يقف ويقول بضحك:
"مالذي تقوله يا رجل، عمي توفي منذ زمن حتى أني لا أتذكره جيدا"
"إنه حي يرزق لا أعلم ما القصة التي وصلتكم وأفادت بأنه ميت، ولكنه أمامي الآن، أعلم بأن خبرا كهذا ثقيل عليك،ولكن اهدء واذكر الله واسمعني فأنا لم اتصل من أجله، فعمك هنا مريض وبحاجة إليكم، وبصحبته ثلاث من البنات ، عليك أن تأتي مع والدك حالا إلى هنا"
وضع قصي يده على جبينه محاولا استيعاب ما يحدث وهو يدور بالغرفة، فيما أطفأ الطرف الآخر الخط مراعيًا حال قصي من ذهول و خوف.
أسرع قصي بخطواته إلى الأسفل نازلا الدرج بقفزات متتالية، متجها لمكتب والده، طرق الباب وهو يفرك يديه بتوتر، والده لم يعد شابا يافعا ليسمع هذه الحقيقة المُرة، ويخاف عليه من هول الصدمة فهذا توأمه الذي ظنه قد مات، تنهد وهو يدخل بعد سماع اذن والده له بالدخول، فتح الباب ودخل وهو ينظر لوالده المنهمك بالعمل على أوراقه، اقترب منه وجلس على المقعد مقابلا له ينظر لحاله الآن ويفكر بحاله بعد أن يخبره بما سمعه، خاف جدا عليه وعلى صحته ولكن ما بيده حيلة، لاحظ والده توتر ابنه و صمته، رفع رأسه من على الأوراق وهو ينزل النظارة معيرا اهتمامه لولده
ما بك، مالذي شغل بالك وسرق النوم منك؟
أخبره قصي بكل ما دار بالمكالمة وانتهى به الأمر، ينتقل من مكتب حكومي لآخر منتهيا بالسفارة للتحقق من صحة هذا الكلام الذي كان صحيحا ولا غبار عليه.
باااك
رفع قصي رأسه ناحية والده الذي كان شارد الذهن، وتذكر ماسة فهو لم يرسل لها شيئا سوى رسالة قصيرة يعلمها بسفره مع والده، يأمل الا تثير مشاكلاً في غيابه.
.
.
.
في إحدى الشركات الكببرة يجلس تيم يراجع الحسابات بصفته محاسبا في الشركة، ويقوم بنسخ كل الملفات كعادته، استدار ناحية زميله بالعمل الذي وضع كوب قهوة أمامه وجلس بجانبه، كان هذا الفتى اجتماعيا جدا يحب أن يبني علاقاتً مع الجميع، ولكنه لم يستطع فعل هذا مع تيم الذي لا يحب الإحتكاك بزملائه هنا لأسبابه الخاصة، وقد ملّ من محاولات هذا الشاب لجذب الحديث معه، استدار إليه بكامل جسده وهو ينظر إلى خالد بنظرات لم يفهمها الجالس أمامه كان يتفحصه بعينيه، ينظر إليه بضجر وملل، وأخيرا تحدث وقال:
شكرا على القهوة.
واستدار لحاسوبه من جديد، ضحك خالد لهذا التقدم الذي أحرزه وبدأ بالثرثرة كعادته، كان تيم يتظاهر طوال الوقت بعدم اهتمامه أو سماعه لكلام خالد ولكن خالد هذا يعرف الكثير عن الشركة ويعرف الجميع هنا وخصوصا بعد ذكره لموضوع أثار اهتمام تيم بشدة وجعله يلتفت إليه لينصت إليه، فيما وجدها خالد فرصة ليثرثر أكثر في هذا الموضوع الذي أثار اهتمام تيم الغامض...
"هل أنت متأكد من هذا خالد؟ "
"أجل تمام الثقة، وأظن بأن موعد مجيئيها إلى هنا الأسبوع القادم"
"أنت رائع حقا خالد، لم أكن أعلم بأنك مطّلع على كل هذا"
ضحك خالد لهذا الإطراء وقال وهو يضرب صدره بفخر:
"إن احتجت أي شيء فخالد في الخدمة"
ابتسم تيم مجاملة، وعاد لعمله وهو يفكر بتوطيد علاقته حاليا مع خالد فهذا سيفيده في معرفة الكثير بلا شك.
.
.
.
عند ماسة فتحت هاتفها ووجدت رسالة من قصي أثارت ريبتها وشكوكها، مالذي يحدث؟؟ دبّ هذا الخوف في عروقها وابتلعت ريقها وهي تتنفس ببطء، وتوهم نفسها بأن لوالدها عمل هناك ورافقه قصي، لا أكثر ولا أقل ولكن حالته في الصباح تحول بين ذلك، شعرت بشخص يجلس مقابلا لها واستنتجت في رأسها أنه ذلك العلّة هكذا تسميه ولو علم قصي بوجوده لهشّم وجهه لمحاولاته لتقرب منها ونيل حبها، فيما استمرت هي بتجاهله كعادتها، لم تعره اهتمامها وهي تفكر بالاتصال بابنة خالتها لتأتي للمبيت عندها، فلا تريد تعكير صفو أفكارها بزهراء، اتصلت بها وهي تحتسي من قهوتها تحت أنظار ذلك العلّة، وبعد الترحيب والسؤال عن الحال أعربت ماسة عن طلبها فتلقت الرد الذي توقعته منها:
"عزيزتي ماسة، أتمنى ذلك ولكن لا أستطيع، تعالي انتِ عندنا"
"دائما ما آتي أنا مللت تعالي انتي هذه المرّة"
"لو كان الأمر بيدي لرجعت لتلك الأيام التي آتي فيها للمبيت عندكم، ولكن أنا الآن أرملة و تعرفين تفكير المجتمع الذي لا أهتم له ولكن أمي تهتم ومن ثم أنتي لم تأتي منذ مدة تعالي ستفرح أمي بقدومك"
"حسنا كما تشائين ولكن آمل أن المغرور والكئيب ليسا في المنزل"
وصلتها رنة ضحكة "حور "على الطرف الآخر وقالت:
"المغرور مسافر، والكئيب في غرفته لا يخرج منها الا للجامعة"
"حسنا إذا سآتي لقضاء الليلة عندكم بالإضافة إلى أنني سأستعير ملابسك كالعادة لا نية لي للرجوع للمنزل ومقابلة تلك الدخيلة"
"أما زلت في خلاف معها؟!"
"سنتحدث لاحقا عزيزتي إلى اللقاء الان"
"إلى اللقاء"
وأغلقت الخط، ووجهت نظراتها إلى الجالس أمامها، ونظرت إليه بحدة، وقالت:
"أين باقي الفريق؟؟!"
"لم ينتهو بعد"
"وما الذي تفعله أمامي إذا؟؟!، ومن ثم أنا قائدتك هنا ولا أسمح لك بالجلوس معي على نفس الطاولة أولاً ولا على أي طاولة بدون اذني ثانيًا"
"لن تبيتي في منزل خالتك الليلة"
ضحكت ماسة باحتقار وهي تنظر إليه،كيف يجلس بثقة ويقولها وكأنه الوصي عليها يالا جرأته، وفي ذات الوقت شعرت ببعض الخوف من جرأته وثقته وهو يجلس بكل أريحية على مقعده، ولكنها لم تفكر به كثير ، وقامت وهي تحمل حقيبتها وخرجت من المقهى تتنزه بين الشجيرات هناك، دون أن يتوقف تفكيرها عن كل شيء.
في فرنسا/
هبطت الطائرة في المطار بسلام، لينزل الناس منها واحدا تلو والاخر سعيدين بوصولهم، وتدور أعينهم بالمكان بحثا عن أقربائهم وأحبتهم الذين أتو لإستقبالهم، ويا لها من لحظات تقشعر الأبدان لها فهناك من التقى بأهله بعد طول غياب وهناك من يراقب هذا المشهد بشوق لأهله الذين ودعهم للقدوم لفرنسا، أكمل قصي إجراءاتهم واتجه مع والده لخارج المطار، والذي كان يسكنه هدوء مريب، جعل قصي يبقى متيقظًا لأي شيء يمكن أن يحل بوالده، استقلا سيارة أجرة متجهين إلى عنوان المشفى الذي حصلا عليه...
وبعد مرور ساعة تقريبا وصلا للمشفى المنشود، وقف قصي يبحث بعينيه عن صديقه الطبيب بعد أن أرسل له رسالة يعلمه فيها بوصولهم.
لمحه قادمًا باتجاههم، التفت قصي لوالده قائلا:
"ها هو أبي، هيا بنا"
أومأ له دون أن يرد واتجها باتجاه الطبيب، رحبّ بهما وابتلع ريقه وهو يشير لهما بيده ليتبعانه.
"كيف حاله الآن؟!"
هذا ما نطق به أبو قصي منذ وصولهما إلى هنا.
"والله، يا عمي، ماذا أقول لك، وماذا أخفي؟! إنه متعب و على حسب تقاريرنا فقد لن يكون معنا غدًا، اعذرني لسماعك هذا مني، ولكن هذه الحقيقة"
"ما مرضه، منذ متى وأخي يعاني؟!"
"إنه مصاب بورم خطير، لم يكتشفه إلا من مدة قصيرة وقتها كان المرض قد انتشر، والعلاج لم يؤثر فيه حتى"
صمت أبو قصي دون أن يرد، فيما حاوط قصي كتفيه خشية سقوطه، وقف الطبيب وهو يشير لإحدى الغرف معلنا بأنها الغرفة المنشودة.
"هذه غرفته، تفضل عمي"
وغمز لقصي ليبقى، دخل والده فيما بقي هو واقفا متسائلا وخائفا على والده، ولكن صديقه لم يطل تساؤله وقال:
"لقد قمنا باستدعاء بناته هذه ساعته الأخيرة، أردتك أن تعرف هذا"
أومأ له قصي وهو يطرق الباب، ويدخل.
دخل أبو قصي "أحمد"بخطى مترددة يبحث بعينيه عن شيء واحد، شيئ ينفي بأن هذا أخاه، ولكن تفاصيل وجه المستلقي على السرير، عقدة حاجبيه، ابتسامته التي لا تفارقه كعادته، ورغم تساقط شعر رأسه إلاّ أنه لم يظن فقط بأن هذا أخوه بل تأكد من ذلك، تقدم خطوة، جعلت أخوه يستدير ليتحرى مصدر هذا الصوت، وإذ به أخاه واقفا أحمد يقف أمامه بعد أن حُرم من رؤيته، مدّ يده بارتجاف والدموع تملأ عينيه، كانت بناته جالسات ينظرن لهذا الغريب بتساءل ويتابدلن النظرات فيما بينهن، هذا الرجل الذي ظهر فجأة و فيه شبهٌ كبير من والدهن ، تقدم أحمد وأمسك بيد أخيه في ذات الوقت الذي دخل فيه قصي، ليرى لحظة معانقة الأخوين لبعضهما، أنزل رأسه وهو يسمع صوت بكاء رجلين شاب شعرهما،
لم يكن حضنا عاديا بل حمل مشاعر أكبر من أن تفسرها كلماتي، قبّل أحمد رأس أخيه والدموع تبلل خديه، احتضن وجه أخيه غير مصدق لما يراه، وهتف قائلا:
"محمد، أنا لا أصدق، ظننت بأن هناك خطأً ما"
"قصة طويلة يا أخي، ولكن ما يريحني هو أنني رأيتك قبل أن يأخذ الله أمانته"
هز أحمد رأسه نافيا للفكرة، وقال:
"لا تقل هذا، ستعيش باذن الله، وسنعود كما كنا من قبل"
"الموت مصيرنا كلنا يا أخي، وهذا موعدي"
انهار أحمد بين ذراعي أخيه يدرف بدل الدموع دما، عبّر بلسانه عن مدى فقدانه له، وكيف أنه عانى في غيابه، عاتبه لأنه لم يلجأ إليه لم يفصح له عن حقيقة حياته وظل يعيش في كذبة عانى منها كل هذه السنين، فأتاه الرد الذي ألجمه:
"أردت ورغبت ولكن أبي تبرأ مني، وقسم لي بأنه غاضب علي ليوم الدين إذا ما عدت للبلد مرة أخرى، فرحلت وأنا أعاني من مرارة الإشتياق إليك"
"كان ذلك أصعب يوم مرّ علي، لقد كذّبت الجميع وصدقت رغبتي في كونك حيًا ولكن كل شيء كذبني، كان أبي قاسيًا جدا علي في ذلك اليوم، حتى أنه لم يفصح لي عن مكان دفنك كنت أتساءل وقتها عن السبب وكل الحقيقة هاهي أمامي، يا ليتني بحثت خلفك، يا ليتني كذّبت الجميع وجئت أبحث عنك"
مسح محمد بيديه دموع أخيه المنهمرة وهو يهدؤه وينهره عن عتاب نفسه، فالذي حدث قد حدث ولا يد لأحمد في ذلك.
"اسمع أخي هذه ساعاتي الأخيرة لذا دعنا من الحزن وأشفي وَلَه أذاني بسماع صوتك وأنت تخبرني عن حياتك."
حاول أحمد التماسك وابتسم بصعوبة وهو يشير لقصي قائلا:
"ما الذي سأقوله لك؟! من بعدك عشت ألم فقدان الأب و الزوجة رفيقة الروح"
"ليرحمها الله"
"آمين، وهذا ابني قصي، تعال بني وسلّم على عمك"
"ما شاء الله لقد كبر كثيرا وأصبح رجلا، ليحفظه الله لك، ويقّر به عينك"
تقدم قصي وسلّم على عمّه بحرارة، عقد حاجبيه لشعوره بالانتماء والدفء في هذا الحضن، إنه يشم رائحة أبيه فيه، ابتعد وهو يعطي الجميع بظهره بعد أن طلب والده من عمّه بأن يعرفه على بناته.
"تقدمن من هنا حبيباتي، هذا عمكنّ أحمد إنه توأمي الذي لاطالما أخبرتكنّ عنه"
ابتسمن مرحبات به وهنّ يقتربن مقبلات رأسه ولكن أحمد جذبهن إلى حضنه مقبّلا رأس كل واحدة منهن.
"إنهن كل ما أملك والأغلى على قلبي، هذه نغم وهذه العنود وهذه ليان"
"ما شاء الله، ما شاء الله، يا أخي، ليحفظهن الله لك"
تنحنح محمد وهو ينظر لبناته كنّ صامتات ينظرن بخوف إليه، تترقرق الدموع في محاجرهن، علمن من الطبيب أنه قد حان وقت الوداع، يقفن أمام الإنسان الذي هو كل حياتهن ومصدر سعادتهن، تأملهن قليلا وهو يدعُ لهن بداخله، وقال موجها كلامه لأخيه بكل ثقة:
"لدي طلب واحد لك يا أحمد، بناتي في أمانتك خذهنّ معك إلى الوطن، وكن لهن أبًا وطمئني، طمئن قلب أخيك عليهن قبل أن يرحل"
تعالت شهقات البنات، والدموع تأخذ مجراها على خدودهن، وضع أحمد يديه على عينيه يضغط عليهن بقوة محاولاً كبت دموعه التي أبت الإنصياع لرغباته، وقال مطمئنا أخاه بصوت متذبذب:
"لا تقلق، هنّ تحت كفالتي من الآن، سأكون لهن السند من بعدك"
"الآن أنا مرتاح أطفأت نار شوقي بلقائك، وحملت عني عبء ترك بناتي وحدهن في الغربة، سامحنني بحقكن بناتي أحبكن جدا، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله"
.
.
.
أغلقت باب بيتها المهترئ وهي تتجه للبحث عن عمل، تسير في الطرقات بكل ثقة وغضب دفين عازمة على إسقاط كل من يعترض طريقها، اتجهت نحو مبنى لشركة خاصة بالدعاية والإعلان، وطلبت مقابلة المدير لربما تتحصل على وظيفة هناك لكونها صحفية، ولكن الجواب كان طردها من هناك دون السماح لها حتى بمقابلة المدير، شعرت بالحزن الشديد وهي تخطو خطواتها وفي بالها صورة ابنتها الوحيدة كيف ستتحصل على الحضانة وهي لا تملك منزلا صحيًا ولا عملاً، حتى صحتها النفسية والجسدية ليستا بخير، ولم تجد نفسها إلا وهي بمنتصف الشارع وصوت بوق سيارة أحدهم يصدح بالأرجاء
تملكها مزيج من الحزن والفرح، فياليتها ماتت وارتاحت، وفي نفس الوقت عليها أخذ حقها أولاً، تنهدت لتتابع سيرها ولكنها استدارت لليد التي أمسكت بذراعها ولم تكن سوى ماسة العائدة من عملها الميداني متجهةً للمكتب.
"أنت بخير، هل أصابك مكروه؟؟"
قالتها ماسة بخوف وتوتر وهي تنظر لشحوب الفتاة وضعفها، وأدركت بأن الفتاة ليست بخير، سألتها بقلق وهي تمسك بيدها:
"هل أرافقك للمشفى؟؟!"
هزت الفتاة رأسها نافية، وتحركت بنية الذهاب، ولكن ترنحها أقلق ماسة وما زاد توترها أصوات السيارات من حولها بسبب عرقلتها لحركة السير مما جعلها تمسك بيد الفتاة وتسحبها معها لسيارتها رغم اعتراض الفتاة، حركت ماسة متجهة للمشفى وهي تحاول جذب الحديث مع الفتاة، التي كانت بعالم آخر، مولعة بالإشتياق لفلذة كبدها وقطعة من روحها، تفكر في حالها، هل هي بخير الان، هل أكلت جيدا، هل تشتاق لي مثلما أشتاق إليها؟!
ولم تشعر بنفسها تبكي حتى مسحت ماسة بأناملها دموع الفتاة بحنو شديد، مما جعلها تنهار في لحظة لم تتوقعها، ظلّت تبكي بصوت عالٍ، فهي تماسكت وتماسكت وما أن وجدت طيف اهتمام وحنان انهارت، انهدت حصونها، شعرت ماسة بالخوف على الفتاة، لاحظت ارتجافها،وصغر جسدها بسبب نحفها الشديد، أقرّت بداخلها أنها لم تتناول شيءا منذ وقت طويل، وشعرت للحظة بأن هذه الفتاة تحت مسؤوليتها، وكم آلمها رؤية انهيارها وانكسارها الذي ذكرها بفقدانها لوالدتها، أدركت بأن هذه الفتاة تمر بما مرّت به هي سابقاً من انهيار وأدركت بأن هذه الفتاة بحاجة لمستمع لها ولمن يساندها قبل كل شيء.
حرّكت سيارتها باتجاه إحدى الحدائق المعروفة بقلة عدد الزوار فيها، فتحت بابها واتجهت ناحية باب الفتاة فتحته ومدّت يدها لها تساعدها على النزول بحذر شديد، أجلستها تحت الشجرة وأنزلت علبة المناديل من السيارة وقارورة مياه جديدة وجلست بجانبها، فتحت هاتفها وطلبت وجبتين من الطعام، والتفتت للفتاة، لتفهم منها مشكلتها ولكنها كانت منهارة تماما، لم تجد بجانبها خيارا سوى معانقتها وهذا ما فعلته، عانقت جسد الفتاة بربكة وحذر، خائفةً من ردة فعل الأخرى ولكن لم تجدها إلا وهي تطوق يديها حول ماسة دافنةً رأسها في حضنها وهي تبكي، لم تكن ماسة مدركة لكونها عانقت جروحًا وآلامّا، احتضنت خوفًا وضعفًا، فيما تشبثت المسكينة بحضن ماسة تناجي ربّها وتنادي والدها الذي عانقه التراب منذ زمن....
في فرنسا /
بعد نطق محمد للشهادة وهو مبتسم ومرتاح البال، تعالت أصوات الأجهزة لحقها صراخ ليان وهي تمسك بيد والدها تناجيه الإستيقاظ، بينما وقفت العنود تبكي من بعيد غير قادرة على الحركة، ولم تكن حال نغم أفضل حالاً فقد جلست منهارةً على الأرض، صاح أحمد في قصي رافضا فكرة وداع أخيه بهذه السرعة، غير مصدق، رفع بصره للطبيب الذي دخل والذي كان بالقرب من الغرفة، ومتوقعًا ما حدث:
"افعل شيءًا أيها الطبيب لا تدعه يذهب مني هذه المرّة؟!!"
"البقاء لله عمي"
فاضت عيناه بغزارة وهو يمسك بيد أخيه ويقبّلها هامساً بكلمات الرجاء لربّه بأن يشفيه و ألا يأخذ روحه، رغم علمه بأنها بالفعل فارقت جسده الممدد أمامه،ولكن لا، قلبه عاجز عن التصديق ، لم يشبع منه بعد ولكن هذا القدر، تقدّم قصي باتجاه والده وهو يربت على ظهره يذكره بكلمات الذكر والدعاء، وما أن تمالك أحمد نفسه قليلا حتى طلب من قصي أن يخرج من الغرفة لتأخذ البنات راحتهن، شعر قصي بالحرج من تواجده بعد أن نسي وجودهن بسبب خوفه المفرط على والده منذ وفاة أمه، وكأنها حالة نفسية ارتبطت به أو لنقل خوف مفرط من الفقد، وخرج الطبيب بصحبة قصي ليتركهم قليلا على راحتهم فليس بيدهم شيء بعد الآن سوى الدعاء له ، أغلق الباب من خلفه وهو يسمع صراخ الفتيات وبكائهن، كم آلمه هذا وكم أشعره بالحزن فلا أخ يطبطب عليهن مثلما فعل مع ماسة ولا أحد بجانبهن في هذا الموقف الصعب سوى والده الذي لم يلتقيا معه إلا منذ بضع دقائق!!.
في الحديقة //
بعد أن هدأت الفتاة قليلاً دعتها ماسة لتناول الطعام معها، ولم تضغط عليها أبدا فقط جلست تنظر إليها وتراقب ملامحها المتعبة، شاركتها الطعام وهي مستمرة في مراقبة تحركات الفتاة، كانت تأكل ببطء، بوجه خالٍ من الملامح، كأنها تفكر في شيء بعيد وبعالم آخر تمامًا،
بعد الإنتهاء من تناولهما للطعام بدت على ملامح الفتاة الراحة وكأنها بدأت تستعيد نشاطها وحيويتها، هنا جلست ماسة بجانبها وأمسكت يدها، وقالت بحنان، رغم استغرابها للتعاطف الذي تكنّه لهذه الفتاة، كأن شيئا مجهولا يجذبها نحوها:
"يمكنك التحدث إلي، ربما أستطيع مساعدتك"
رفعت الفتاة رأسها وهي تنظر لوجه ماسة، شعرت ببعض الإرتياح لها، وفكرت بأنها لن تخسر شيئا إن أخبرتها فلربما تساعدها:
"لا أعلم ما إذا كان من الجيد الوثوق بك أم لا، لكنني سأتحدث"
أومأت لها ماسة وابتسمت تطمئنها دون أن تتحدث، فيما بدأت الفتاة بسرد قصتها على مسامع ماسة:
"أنا مترددة بعض الشيء لم يسبق لي الحديث مع أحد بهذا من قبل ولكن قصتي يطول شرحها ربما عليّ إخبارك بما أمر به الآن فقط"
"خذي راحتك لا يهمني سوى سماع ما تودين البوح به"
"شكرا"
ابتسمت ماسة وهي تستمع لأثير التي قالت رغم ارتجاف صوتها:
"طلقني زوجي وهو يريد الآن حضانة ابنتي، وفوق كل هذا أطرد من العمل، ذهبت لجلسة المحكمة وليس بيدي شيء لأقدمه لها، لا وظيفة ولا حتى بيت جيد يرعاها، طالبت بتأجيل الجلسة لربما أستطيع توفير سكن لي ولإبنتي أو وظيفة ثابته على الأقل، وها قد خرجت اليوم للبحث دون جدوى"
"أليس لك أب أو أم أو قريب؟!"
رفعت أثير عينيها لماسة بألم التي لاحظت احمرارهما وعرفت بأنها لامست جرحاً، أرادت أن تقول لها لا داعي لقول المزيد ولكن أثير أكملت كلامها بارتجاف وحزن:
"توفي أبي عندما كنت حاملا، وتزوجت أمي بشخص ثري بعدها وتخلّت عني"
"ربما لا تعلم بظروفك هذه"
علت نبرة أثير وهي تقول بحدة:
"ذهبت إليها لأشتكي لها ولأرتمي في حضنها ولكنها طردتني، قالت لي اذهبي قبل أن يراكِ أحد هنا، لقد تخلّت عني، كانت تعلم بأن زوجي قاسٍ ودائما ما يضربني كانت تقول لي لا مكان لك إلا في بيت زوجك فأعود إليه مكسورة إلى أن قرر الطلاق بنفسه ورماني لمن رمتني إليه، وها أنا وحيدة يا أبي"
شدّت ماسة على يدِ أثير بقوة وهي تراقب الدموع التي تأبى الجفاف من على خدود أثير، تنهدت بعمق وهي تمسح على ظهر أثير و عازمة على مساعدة هذه الفتاة واستعادة حقها، نظرت إليها بثقة وقالت:
"ما هدفك الآن؟؟!"
ردت أثير بغضب تجلّى في عينيها قبل صوتها، وقالت:
"الإنتقام، واستعادة ابنتي "
"حسنا، سأساعدك، والآن أخبريني متى موعد جلستك القادمة؟ "
"بعد شهر تقريبًا"
مدّت ماسة يدها وقالت بكل ثقة:
"معاً سنستعيد حقك"
صافحتها أثير بابتسامة رغم عدم توقفها عن البكاء.
.
.
.
.
.
يتبع
ما رأيكم بهذا الفصل؟؟
هل سيكون للتوائم الثلاث دور كبير في القصة؟؟
من هي أثير، وكيف سيكون تأثيرها على الأحداث؟؟
هل تعتقدون بأن ماسة هي الشريرة في الرواية أم أنها مجرد ضحية؟؟
وإلى هنا ينتهي هذا الفصل، وسأنبهكم على شيء بسيط ربما لم يلاحظه أحد في هذا الفصل ولكنه المحرك الأساسي للرواية كلها، لنقل بأنه طرف الخيط للكثير، هو شخص مهم جدًا وسيكون مجهولا في الفصول القادمة ولكنه كان معنا هنا، من برأيكم هذا الشخص؟؟!
إلى اللقاء الآن يا ريجيناس، نلتقي مجددا في الفصل القادم، مع أحداث أكثر تشويق وإثارة، كانت معكم الكاتبة جود عاشقة الكلمات💕
نسيت ما رأيكم بلقب "ريجيناس"، وما معناه برأيكم؟؟
أخيرا لا تنسو 🌟
jood_-00