البداية

البداية

3 0

**بين همسات الماضي والحاضر

واقعٌ أليمٌ لا بدّ أن ينكشف.**

ما أن فتح باب المنزل حتى اخترقت الأصوات العالية طبلة أذنيه، وأدرك من فوره بأن شجاراً جديداً قد نشب بالفعل في غيابه، وضع المصحف الشريف الذي كان بين يديه على الرف بجانبه، وأسرع إلى الأعلى بخطوات متلاحقة، والأصوات تتعالى كلما اقترب من وجهته، وما أن وصل إليها حتى أدار مقبض الباب واندفع للداخل ليجد أخته في مواجهة والده كعادتهما مؤخرا، بسبب تلك الدخيلة على حياتهم والتي نزعزعت هدوء المنزل وسكينته.

​وقف بين أخته ووالده وهو يحاول تهدئة الأجواء، وقال مطمئناً والده:

"اهدأ أبي أرجوك سأتحدث معها، حسناً، لا تشغل بالك"

​صمتت ماسة وهي تنظر لأخيها ومحاولاته الدائمة لتهدئة وضعها مع أبيها، فيما قال والدها وهو يتجه للباب خارجاً:

"هذا آخر كلامي لك ماسة، إما أن تضبطي تصرفاتك ولسانك أو لا مكان لك بيننا، فهمتي؟!!"

​وخرج وهو يصفع الباب بقوة من خلفه.

​تكتفت ماسة بغضب وهي تكتم مشاعرها وكلمات والدها التي هزتها.

​ولكنها أبت أن تدمع حتى، من شدة حنقها وعصبيتها، وقالت بحدة وهي تنظر لأخيها:

"هيا أنت الآخر، أكمل توبيخ والدي لي."

تنهد قصي وهو يحتضن وجهها بيديه وقال بحنو:

1

"لن نتحدث الآن، حسناً، فقط جهزي نفسك، سنخرج في موعد."

وغمز لها ممازحًا، استدارت وهي تكتم ابتسامتها، وقالت وهي تشير إليه بيدها للخروج:

"هيا أسرع، وبدل ملابسك لا أريد أن تتأخر."

قرص قصي خدّها بقوة وخرج يركض وهو يضحك على تعابير وجهها الغاضبة.

أغلقت الغرفة وهي تشعر بالامتنان لهذا الإنسان الذي يجعل كل شيء في حياتها جميلاً، اتجهت لخزانتها وهي تختار عباءة سوداء لها مع وشاح أسود ليعزفا سيمفونية رثاء يأبى مفارقتها منذ ذلك اليوم المشؤوم.

ما إن انتهت حتى حملت حقيبتها وهاتفها واستدارت تنظر لنفسها في المرآة، وتتأمل شحوب وجهها الذي فقد بريقه، ولعيناها اللتان كساهما الحزن. سمعت صوت مقبض الباب يتحرك تبعها دخول أحدهم للغرفة.

استدارت عاقدة حاجبيها مستنكرة دخول قصي دون طرق الباب، ولكنهما استرخا بتعجب واستحقار لزهراء التي دخلت الغرفة.

وقبل أن تتحدث زهراء أو تهاجمها ماسة دخل قصي وأنقذ الموقف، وأنقذ نفسه من فك شجار كاد أن يحدث، أمسك بيد ماسة وهو ينظر لزهراء وقال:

"مرحبا خالتي، كيف حالك اليوم؟"

زهراء بابتسامة:

"بخير، ماذا عنك؟"

قصي بنفس الابتسامة:

"الحمد لله، أعذرينا خالتي نستأذنك للخروج."

​ماسة بحدة:

"أنا لا أستأذن أحداً."

سحبها قصي معه وهمّ بالخروج من الغرفة، ولكنها سحبت يدها ووقفت وهي تنظر لزهراء مشيرة لها بيدها لتخرج من غرفتها، واتجهت للباب وهي تسحب مفتاحه لتقفل غرفتها قبل أن تخرج.

خرجت زهراء وتنهدت وقالت:

"ليهدك الله يا ابنتي، ما هذه التصرفات؟"

ردت ماسة بحدة وهي تسحب المفتاح من القفل:

"اهتمي بشؤونك الخاصة."

أمسك قصي بيد ماسة وقال محاولاً تدارك الموقف وعدم إثارة غضب ماسة في ذلك الوقت:

1

"مع السلامة خالتي، اهتمي بنفسك"

نزلا من على الدرج بخطوات متلاحقة، لاحظ قصي هدوء أخته، ونزولها بكل ثقة وكبرياء، لطالما رآها تلك الفتاة المدللة صاحبة أجمل ابتسامة، ولكنها الان تبدو مختلفة هادئة حذرة، كل حركة لها مدروسة، ولم تعد تلك الطفلة المدللة أدرك وللمرة الأولى بأنها لم تعد صغيرته، شد على يدها التي في قبضته وهو ينظر لعينيها، لم تنظر إليه بل لم تشعر به فقد سافرت بأفكارها لعالمها الخاص المليء بالذكريات، والذي يحمل منها الحلو والمر على حد سواء.

أرخى قصي يديه وهو يتركها ويتجه لجهته من السيارة ليصعد تبعته ماسة، فيما شغل هو المحرك ليخرج من بوابة المنزل الذي كان مصدر راحة وآمان، والذي أصبح مصدرا للتوتر والشجار.

​في المنزل/

وبعد خروج ماسة مع قصي، جلست زهراء بعد أن وضعت الخادمة أمامها صينية الشاي التي أمرت بتحضيرها على الطاولة وتنهدت بضيق وهي تنظر لزوجها المتجه نحوها، سمع أحمد تنهيدتها وهو يرى الحزن يكسو ملامحها، أمسك بيدها وهي بين كفيه وقال بحنان:

1

"لا تحزني، ستعتاد ماسة على وجودك مع الوقت، وأتمنى ألا تقومي بالضغط عليها، هي حنونة ولكنها متألمة فقط"

1

ردت زهراء بهدوء:

"حسناً، مع أنني أرى العكس على تصرفاتك"

قال و هو يقف :

"لا يهون علي مشاجرتها ولكن أريدها أن تعي واقعنا ومن ثم علاقتك بها لا تشبه علاقتي أنا بها، فهمت"

زهراء وهي تتجنب النظر إليه:

"أتمنى ألا يطول هذا، فلقد تعبت من تصرفاتها الصبيانية"

استدار لها أحمد وهو يقول لها بحدة:

"كَوني أُشاجر ابنتي وفلذة كبدي من أجلك ،فهذا لا يعني بأنني سأسمح لك بالتطاول عليها ولو بكلمة، لذا زني كلامك وتجنبي غضبي"

1

وخرج غاضباً من المنزل كارهاً هذا الوضع الذي يعيشه بسبب كره ماسة لزوجته.

​في أحداث المطاعم الراقية والشهيرة والتي تطل على البحر/

تجلس ماسة مقابل قصي، تبتلع ريقها بخوف داخلي غير ظاهر للعيان، هي تعرف شخصية قصي تمام المعرفة، وهي تعرف جيداً عصبيته إن غضب وفي نفس الوقت تكره في أن تكون سبباً لتعكير مزاجه، ولكنه يبدو هادئاً وهو يجلس بقربها ويقوم بتحريك القلم بين أصابعه في تناغم شديد وهو يفكر.

تقدم النادل من طاولتهما ووضع كوب قهوة أمام قصي ومشروباً بارداً أمام ماسة مع قطعتي كعك واحدة لكل منهما، رشف قصي رشفة من القهوة ورفع عينيه لماسة التي تتجنب النظر إليه.

تنهد قصي وهو يقول بهدوء كعادته:

"أعيريني انتباهك ماسة، يجب أن نتحدث"

رفعت نظرها إليه تحاول تحليل مزاجه، لتعرف كيف تتصرف معه، ولكنها وجدته هادئا كعادته،أشاحت بنظرها عنه وهي تعبث بالكعكة أمامها دون أن ترد عليه، وقف قصي متجهاً نحوها وأمسك بذراعيها ورفعها بخفة، وهي لم تقاومه أبداً بل ارتمت على صدره، سامحة لدموعها الحارقة بالإفراج عن تعذيبها لعينيها.

وبكت بمرارة وهي تتشبث بقميصه، همست من بين شهقاتها بصوت متقطع:

"أنا.. أنا.. أكرهها.. أنا لا أحب وجودها.. في منزلنا.. لا أريدها.. أن تأخذ.. مكان.. مكان.. أمي.. يا قصي.."

أخذ يمسح على ظهرها بحنان، موقناً بأنها لم تتجاوز خسارتهم لأمهم لتتقبل زهراء، زفر بضيق وحزن وهو يحاول أن يمثل الثبات أمام أخته والجميع بعد أن فارقتهم أعز إنسانة على حياتهم، ولكن قرار والدهما بالزواج أثار غضب كل منهما لكن قصي كان الأهدأ، حاول تقبل الأمر فهذا حق والده ولا يحق له الإعتراض،لكن ماسة لم تستطع وتحول كل حزنها على والدتها إلى غضب وتمرد، أبعدها عنه وهو يتأمل احمرار عينيها وجفاف بشرتها بألم، لا يتمنى رؤيتها بهذا الشكل وهي التي كانت لا تتوانا عن الاهتمام ببشرتها وجسمها، أخذ يمسح دموعها، وهو يقول بحنو:

"عصفورتي احمرت من البكاء، أيرضيك هذا؟!"

ابتسمت ماسة وهي تتناول منديل من على الطاولة وتمسح أثار دموعها.

أشار إليها قصي بالجلوس بعد أن جلس، وهو يطمئنها بأنه لم يأتي ليوبخها أبدا.

أومأت له وهي تستمع إليه بصمت.

" انظري هي لن تأخذ مكان أمنا حسناً، هذا شيء مفروغ منه، وليس مطلوبًا منكِ أن تحبيها، حسناً، ما أريده منك هو احترامها فقط"

أرادت ماسة مقاطعته ولكن أكمل دون أن يسمح لها:

"انتظري، احترامك لها من احترامك لوالدك، هل بسببها ستجعلين والدك ينام غاضباً عليك، عصفورتي، انظري عامليها برسمية، صباح الخير، مساء الخير، شكرا، لا أطلب منك الكثير."

ماسة بدفاع :

_ ولكنها تستفزني!!

_تجاهليها فقط اعتبيريها مهمة صعبة موكلة إليك مني.

_ بصراحة أنا كرهت علاقتي حالياً بأبي بقدر كرهي لها، اشتقت لحنانه ودلاله ومنذ مجيئها وأنا في شجار مستمر معه، كم أكره هذا.

قصي: اسمعي مهما كان سبب شجارك مع أبي فهذا ليس مبررا لفعلك الشنيع معه ​أبداً، تصرخين في وجه من رباكِ ودللك وعلمك بسبب امرأة.

انتي ياماسة تزيدين الطين بلة بسبب غضبك.

لم تتمالك دموعها وهي تعبر له عن مدى أسفها وحزنها، لم تتمنى هذا يوما ولم تفكر بأنها ستصل لهذا الطريق بتاتًا، حاول قصي طمأنتها، وأنها بإمكانها إصلاح كل شيء إن أرادت هي حقا فعل ذلك،

أومأت له وهي ترجع إلى مقعدها شاعرة بالألم لفراق حبيبة قلبها، ولسوء علاقتها بوالدها في الآونة الأخيرة ولكنها ممتنة وسعيدة بوجود سند لها يدلها على الصواب والخطأ دائماً دون أن يلقي باللوم والعتاب عليها و يثقل على روحها المنهكة.

​في منزل آل الغيّاث/

يجلس الإخوة الثلاثة بعد رجوع كل منهم من دوامه وتناولهم الغداء معاً، في إحدى الغرف الكبيرة والتي تمتاز بسعتها

​وإطلالتها الخلابة على الحديقة وهي مقر العائلة دائماً لا تحلو جلستهم إلا فيها، كان هُمام جالساً مقابل تيم بعد إجبار تيم له على اللعب بالشطرنج معه، بينما يجلس إياد منشغلا بـ "ألعاب الفيديو".

فز همام من صراخ إياد بعد الهدف الذي حققه.

إياد بفرحة:

" ســـــي."

نظر إليه هُمام بغضب:

"ألن تكف عن ترويعي بصراخك؟"

إياد بمزاح:

"هذه من علامات الكبر يا أخي، أنظر إلى تيم لم يهتم حتى."

نظر إليه هُمام بحدة وهو يرمي عليه الوسادة التي كانت بجانبه، اقترب منه إياد بعد أن تجنبها وهو يضحك على تعابير هُمام ويجلس بجانبه.

التفت هُمام إلى تيم متسائلا:

"كيف يجري العمل معك ؟ ألا زلت مصراً على العمل في ذلك المكان؟!!"

أرخى تيم جسده على الأريكة بتعب قائلا:

"إنه جيد جيد جداً."

إياد:

"ما الذي أخر أبي لهذا الوقت؟، إنه لا يتأخر بالعادة كهذا"

ضحك همُام قائلا: إحساسي يقول لعبة جديدة.

وقف تيم وهو يبتسم بخبث:

"سأهرب قبل أن يصل إذا."

ومالبث أن أنهى جملته حتى داهم والدهم المكان وهو يضحك ضحكة شريرة:

"من سيهرب؟!!"

ابتسم تيم بورطة:

"لست.. أنا بالطبع ، أبــــي."

أبو هُمام:

"صدقتك، صدقتك، والآن تعالوا وانظروا لأخر اختراعاتي"

ابتسم إياد بحماس وهو يقترب فهو يشارك والده في حبه للألعاب الرقمية وجلس بجانبه، وتقدم هُمام وتيم ليجلسو بجانبه أيضا.

استدار هُمام ناحية والده وقال بيقين وعتاب:

"أراهن بأنك لم تتناول طعام العشاء للآن"

ضحك أبو همام وقال وهو يحك جبينه:

_نسيت!!

همّ تيم بالوقوف مستغلا الفرصة للهروب بطلبه العشاء لوالده، ولم يشعر إلا بهُمام وإياد يمسكان به ويسحبانه للأسفل، عالمان بنيته في الهرب، بينما وقف إياد، وهو يضحك على تعابير تيم قائلا:

"ارتح، ارتح، سأقوم أنا أصغركم"

تغيرت ملامح تيم بألم بعد أن ضربه والده على ظهره بمزاح:

"لا مفر ذلك"

ضحك همام وابتسم تيم واكتملت العائلة بحضور إياد ومعه مجموعة من العصائر، وجلسوا يستمعون لشرح والدهم عن اللعبة وتنافسو فيما بينهم بعدها.

​في أحد الأحياء الفقيرة/

عادت إلى المنزل بعد يوم متعب وشاق أنهك روحها قبل جسدها الضئيل والنحيف للغاية، أخذت تنظر للمنزل، كل زاوية تحمل ذكرى، كل عتبة تشهد على حياتها هنا، كل غرفة كانت لها مكانة في قلبها، وبعد مرور كل هذه السنين، صارت الألفة موحشة، وعبق المكان امتلأ برائحة الغبار، تنهدت بتعب من سيل الذكريات الذي زاد ألمها ألمًا وكأن الرماد بقلبها يحاول الإشتعال من جديد، جلست على الأريكة وهي تفكر وتتذكر تفاصيل يومها، بداية من طردها من العمل، ونهاية بجلستها في المحكمة التي طالبت بتأجيلها ، رفعت رأسها للسماء وهي تشد على ياقة ثيابها بضيق، متذكرة تخلي أغلى إنسانة لها عليها، شعرت بأن النيران تلحفها وتأكلها، أسرعت بالقيام للحمام مسرعة وهي تفتح صنبور المياه وتقف تحته، مياه باردة لم تكن قادرة على تبردة جسدها فما بال روحها، ورغم تدفق المياه عليها إلا أنها شعرت بنار حارقة تتدفق من محجريها، نهرت نفسها و عاتبتها، و اتخذت قرارا ستبدأ بتنفيذه من الان

"هذه النيران لن تحرقني بل ستؤجج غضبي لأنتقم، لست أنها من سيخسر في النهاية، بل الجميع "

​عند شاطئ البحر/

تجلس ماسة مع قصي يشربان مشروباً دافئاً وهي تستند عليه، ابتعدت عنه قليلاً وهي تقول بنبرة انعكس فيها خوفها وارتجافها:

"أنا خائفة من ردة فعله، لا أريد أن يجرحني من جديد"

حاوطها قصي بذراعه مطمئنا لها، هامسا لها بكلمات مطمئنة ومشجعة، مما أسكن السكينة في قلبها، ولم يلبثا دقائق صامتين حتى وقف قصي بعد أن لمح والده يتقدم ناحيتهما، مدّ يده لماسة مساندًا لها .

هتف أبو قصي قائلا:

"السلام عليكم"

ردّا عليه:

"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته"

سأله قصي عن حاله، فأجابه وهو ينظر لماسة الواقفة بارتباك، ورد معاتبًا:

"لا أدري حقا"

ترددت ماسة قليلا وهي تفرك يديها وقالت: أبي.

نظرت لعينيه خجلة وفي ذات الوقت أرادت أن تستمد منهما القوة وأكملت:

"أنا آسفة حقاً، ألمي كان وقود نيران غضبي التي زعزعت علاقتي بك لم أرد أن يحدث هذا، وقلة أدبي معك لا مبرر لها، ولا يسعني أن أقول سوى سامحني وسأحاول مستقبلاً تدارك تصرفاتي"

ابتسم أبو قصي وهو يفتح ذراعيه لها ولم تتردد أبدا وهي ترتمي بين أحضانه وهو يضمها إليه باشتياق لها و لرفيقة روحه التي تركت قطعة منها بين يديه.

أبعدها عنه قليلا وهو يضم وجهها بكفيه:

"لا يهون علي خصامك، آملا وراجيا منك أن تطفئي نيرانك، وأنا قلتها وأعيدها مكان أمك لا يمكن لأحد ملؤه، ولكن هذه سنة الحياة، لا أريد منك شيئا سوى أن تكوني بقربي ابنتي."

عانقته وهي تردد كلمات الأسف على مسامعه، انهارت أمام حضن والدها، وغلبها الاشتياق له، والحنين لحياتهم السابقة، فيما طمأنها والدها و حاول ارضاء غرورها وقلبها، فيما وقف قصي ملتفةً للبحر مبتسما لأخته ويغمره الألم على والدته، فألم الفقد لا يقارن بأي ألم وعكس ماسة التي كانت لها حرية في التعبير عن مشاعرها من حزن وغضب وألم، بقي هو واقفا، ساندا لها في أضعف لحظاتها، ضامًا قلبه بكلمات الذكر والدعاء.

صباح اليوم التالي، بعد شروق الشمس وإطلالتها البهية التي أعلنت للناس بداية يوم جديد أو بداية حياة جديدة لأحدهم.

استيقظت ماسة واتجهت للحمام من فورها استحمت وتوضأت و أدت فرضها وهي تتأفت بعد أن فاتتها صلاة الفجر ، ارتدت عبايتها وحجابها وأخذت حقيبة العمل معها وأقفلت غرفتها ونزلت من على الدرج بكل خفة وغرور، وهي تنظر باستنقاص لزوجة والدها.

وقفت أسفل الدرج وهي تنظر لوالدها الجالس على رأس المائدة ولزهراء الجالسة بجانبه من الطرف الأيمن، ابتلعت ريقها وهي تشد على كفها ورسمت على وجهها ابتسامة من أجل أبيها فقط، وهذا عهدها على نفسها، من الان كل شيء من أجل والدها، ولن يهمها راحة أحد سواه وبالطبع راحة قصي.

تقدمت وألقت تحية الصباح وتوجهت لوالدها وقبّلت رأسه، بينما قام هو بشد كفها وتقبيله، ابتسمت ماسة له فهذه عادته الأحب إلى قلبها والذي لم يتخلى عنها، شاركتهم طعام الإفطار، وفي رأسها سؤال واحد:

أين قصي؟!

لم تنتبه لشرود والدها وهي تنازع أفكارها لا تريد سؤاله بوجود هذه الدخيلة هنا وفي نفس الوقت تريد أن تشعرها بأنها لا تهتم لوجودها وتتصرف على طبيعتها، رفت رأسها لوالدها لتسأله، ولكن دخول قصي ألجمها، أخذت تنظر إليه وللنظارات المريبة التي يتبادلها مع والده، وقفت واتجهت نحو قصي وقبلت رأسه فيما قام بتقبيل يدها،وهو لا يبعد نظره عن والدها،عيناه تقولان الكتير فيما عجزت ماسة عن فهمها، وزهراء التي كانت تنظر لرجوع علاقة ماسة بوالدها بحذر ، رفعت رأسها ناحية قصي لتسأله مقاطعة ماسة التي همّت بسؤاله،رغم ملاحظتها لها:

اصعد للأعلى واستحم سأطلب من الخدم أن يحضروا لك الإفطار وتناوله بالأعلى فمن الواضح بأنك متعب.

"شكرا خالتي، ولكن سأتناول طعامي معكم، فنحن هنا لدينا قانون يمنع الأكل في الغرف"

رد عليها قصي وهو ينظر لماسة التي وجهت نظراتها لزهراء بشماته فقوانين أمها، وكل شيء يخصها لن يتغير، رفعت زهراء حاجبها موجهة كلامها لقصي، وهي تنظر في عيني ماسة:

"لا تقلق، بما أني سيدة المنزل الجديدة فيمكنك الأكل حيثما تشاء"

زفرت ماسة بغضب محاولة كبته وإلجامه وهي تنظر في عيون والدها الشارد وأدركت من فورها بأن هناك أمرا يحدث، فصمتت وتجاهلتها وهي تربت على كتف قصي هامسة:

عندما أرجع ستشرح لي سر هذه النظرات.

أومأ لها، فيما اتجهت هي لحقيبتها، وألقت السلام وخرجت، متجهة لسيارتها التي شغّلها سائقهم مسبقا، صعدت واتجهت للجامعة لتلتقي بفريق العمل هناك.

في منزل آل الغيّاث/

​انتهى تيم من تجهيز نفسه لدوامه،وختمها برش عطره النفاذ وهو ينظر بإعجاب لشكله الأنيق أمام المرآة، حمل أوراقه ونزل بسرعة وهو يسمع صوت بوق سيارة هُمام الذي ينتظره بلأسفل، مر من جانب إياد ووالده اللذان يتناولان طعام الإفطار ألقى التحية وخرج مسرعاً صاعدًا للسيارة.

أبو همام:

لا أفهم سر تأخره في الاستيقاظ؟

إياد: يحب النوم لا أكثر.

وابتسم وهو يكمل طعامه، محاولاً عدم جذب انتباه والده لهذا الموضوع.

في سيارة همام/

بعد صعود تيم للسيارة، حرّك هُمام متجهًا للشركة التي يعمل بها أخيه، استرَق نظرةً ناحيةَ تيم وفي باله سؤالٌ واحد، اعتاد سؤالَه دون أن يَجِدَ له أيَّ إجابةٍ من طرفِ أخيه. ولكنه لم يَملّ، وسيُعيدُ سؤالَه مرةً أخرى إلى أن يصلَ إلى جوابٍ يُرضيه. نظرَ لتيم وقال:

ألن تخبرني؟

​رد تيمُ متسائلًا رغمَ إدراكِه لتكرارِ الحوارِ اليوميِّ بينهما:

بماذا؟!!

​أردفَ هُمامُ بجديةٍ لا تخلو من بعضِ الحدةِ:

عما تَفعله يا رجل! من عملِكَ محاسبًا في شركةٍ ومِن عدم اقتنائِكَ لسيارةٍ خاصةٍ ومِن...

قاطعه تيم قائلًا:

يا أخي أتفهم تساؤلاتكَ، ولكنني أرغب في أن أعيش هكذا والآن، ما رأيكَ بأن نعقدَ اتفاقًا؟

​نظرَ إليه همام مبتسمًا بسخرية، وهوَ يضيق عينيه:

أتحفني!!

ضحكَ تيم من ردة فعل أخيه وردَّ عليه قائلًا:

ألّا تسألَني أسئلة كهذه مجددا، وأعدك في المقابل أن ترى ابتسامتي كلَّ صباح. ما رأيك؟

أوقفَ هُمام السيارة بقوة والتفتَ لتيم، ولكنهُ لم يجدهُ؛ فقد نزل راكضًا للشركة التي لا تبعد كثيرًا عن مكان وقوف السيارةِ، تنهد هُمام بضيق من تصرفات أخيه التي لا يرى لها أي مبرر أو تفسير لها واستدار ذاهبًا للجامعةِ مقرِّ عملِهِ.

بعد خروج ماسة للعمل، أشار أبو قصي لابنه بلحاقه إلى المكتب، وامتثل قصي لكلامه تابعًا له، تحت نظرات زهراء المتساءلة والمشبعة بالفضول، داخل المكتب، اتجه أبو قصي لمقعده، وهو يفرك جبينه ينظر لملامح ابنه الجالس أمامه بإرهاق، و همّ بسؤاله أكثر من مرة ولكنه كان يخشى الإجابة يخشى من المواجهة، تنهد قصي بتعب لحال والده العاجز عن السؤال والاستفسار، ويشعر بثقل الحمل الموضوع على أكتافه، زفر وهو ينظر لوالده وتحدث أخيرا مترقبا ردة فعل والده فلا مفر من المواجهة:

-كل ما وصلنا صحيح، عمي لم يمت وقتها، بل تبرأ جدي منه، لزواجه من امرأة أجنبية هناك ولقد تطلقا بعد انجابها لبناتها التوأم، يبدو بأنها كانت تطمع في رزق جدي وعندما عاد عمي فارغ اليدين إليها تركته، إنه يعيش مع بناته هناك منذ ذلك اليوم، وأيضاا...

تردد قصي قليلا ولكنه تشجع بقول:

-لكني سمعت بأن صحته ليست على ما يرام.

صمت قصي ناظرا لوالده الشارد، كيف كذب والده عليه، كيف حرمه من أخيه الوحيد، كيف له أن يتركه وحيدا بلا سند في بلاد الغربة، وضع رأسه بين يديه ولم يسعه سوى الترحم على والده الذي ضمّه التراب منذ زمن، رفع رأسه لقصي مستفسرا:

-ما هو مرضه؟ هل هناك أمل في شفائه؟ وكم عدد بناته التوأم؟؟

قبض قصي على يديه بقوة وبحسرة وأنزل رأسه مسمعًا والده كلاما، جعله يقف في المطار بصحبة قصي في غضون نصف ساعة مستقلين أول رحلة لفرنسا....

يتبع

ماذا قال قصي لوالده يا ترى؟؟!

ما سر عمل تيم؟؟ واستيقاظه متأخرا؟؟!

ماذا تعمل ماسة؟؟

وما سر تلك الفتاة القاطنة بالحي الفقير، وهل لها علاقة بزهراء أم لا؟؟!

ما سر زواج أبو قصي من زهراء، رغم رفض أبنائه وحبه الشديد لزوجته الراحلة؟؟!

كل هذا وأكثر ولكن في الفصول القادمة أعزائي القراء، أتمنى أن أول فصل لي من رحلتي في هذه الرواية قد حاز على إعجابكم، وإلى اللقاء يا ريجيناس .

أخيرا كانت معكم الكاتبة جود عاشقة الكلمات، وإلى اللقاء، لا تنسو النجمة 🌟💕

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

وحل الحقيقة The Quagmire of Truth

المؤلف jood_-00
2026/10/30 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة