كأنها خُلقت من نور خفيف،
لا يؤذي العين... لكنه يسرق الانتباه.
─── ⋆⋅☆⋅⋆ ───
- هل تؤمنين بالأساطير إذًا؟
رفعت هيلين عينيها عن الكتاب المستقر بين يديها، ثم نظرت إلى رفيقتها التي كانت تسير إلى جوارها بخطواتٍ هادئة في الممر الطويل المؤدي إلى المستشفى.
انعكس ضوء الصباح على الغلاف القديم، فأبرز حروفه الباهتة ورسوماته الغريبة.
حرّكت كتفيها بخفة، وفي عينيها لمعة حيرةٍ محببة، ثم قالت:
- لا شيء يثبتها... ولا شيء ينفيها حقًّا.
لذلك لا أعلم...أنا فقط مولعة بها.
ابتسمت الأخرى، ومالت نحوها قليلًا كأنها تشاركها سرًّا صغيرًا.
- إذًا، إلى أين وصلتِ في الأساطير؟
أغلقت هيلين الكتاب على إصبعها لتحتفظ بالصفحة، وقالت وهي تتابع السير:
- إلى فصلٍ يتحدث عن اللعنات القديمة... تلك التي تنتظر أجيالًا كاملة حتى تكتمل.
ضحكت صديقتها بخفة.
- دائمًا تختارين القصص الأكثر ظلمة.
- لأنها الأقرب للحقيقة أحيانًا.
كانت خطواتهما تتناغم فوق الأرضية المصقولة، وأصوات المدينة تتلاشى خلف أبواب المستشفى الزجاجية الكبيرة.
كانتا متدربتين هنا، معتادتين على ازدحام المكان، على رائحة المعقمات، وعلى الوجوه المتعبة التي لا تغادرها الحاجة.
لكن ما إن دخلتا حتى تجمد الحديث بينهما.
الفوضى كانت تملأ المكان.
أشخاص يركضون في كل اتجاه، أصوات صراخٍ متقطعة، نقالات تتحرك بسرعة، وممرضات يتبادلن التعليمات بوجوه شاحبة.
بدا الطابق الأرضي كخلية نحلٍ ضربها الذعر.
عقدت هيلين حاجبيها، ثم أسرعت نحو إحدى الممرضات التي كانت تحمل ملفاتٍ بيدٍ وقفازات بيدٍ أخرى.
- ماذا حدث؟
التفتت إليها الممرضة بسرعة، وقد التصق بعض الشعر بجبينها من فرط التوتر.
- حادث تصادم ضخم على الطريق السريع... المصابون يتوافدون منذ دقائق.
وهناك رجل... قطعة حديدي اخترق جانبه الأيسر، والنزيف...-
لم تكمل جملتها.
فقد كانت الفتاتان قد اندفعتا بالفعل نحو قسم الطوارئ.
في الداخل، كان المشهد أشد قسوة.
الدماء على الأرض، أصوات الأجهزة، أوامر الأطباء، ووجوه تتأرجح بين الأمل والهلع.
كل شخصٍ يتحرك بأقصى سرعة، وكأن ثانيةً واحدة قد تعني الحياة أو الموت.
نزعت هيلين معطفها بسرعة وارتدت القفازات، ثم اندفعت بين الأسرّة تساعد من يحتاجها، تمرر الأدوات، تثبت المحاليل، وتطمئن المصابين بصوتٍ حاولت أن تجعله ثابتًا.
ثم توقفت.
وقعت عيناها على السرير في الزاوية الأخيرة.
الرجل المصاب.
كان جسده مغطى بالدماء، وأنفاسه متقطعة، وقطعة الحديد الغليظة تخترق جانبه الأيسر من أسفل الضلوع.
وقف طبيبان يحاولان السيطرة على النزيف، بينما كانت الممرضة تضغط بالشاش وقد تشبع بالأحمر.
اقتربت هيلين بسرعة.
- أين باتريك؟__
أجاب أحد الأطباء دون أن يرفع رأسه:
- في عملية جراحية الآن... سيأتي خلال عشر دقائق.__
نظرت إلى المصاب، ثم إلى شاشة النبض التي بدأت تتراجع أرقامها ببطء مخيف.
قالت بحدةٍ هادئة:
- لن يصمد عشر دقائق.__
ساد صمتٌ قصير، لم يُكسره سوى صوت الجهاز المنتظم والمتباطئ.
ثم أضافت وهي تمد يدها نحو الأدوات:
- علينا إيقاف النزيف الآن.__
رفع الطبيب رأسه أخيرًا وحدق بها.
- أنتِ متدربة.__
- وأنا الوحيدة هنا التي ترى أنه يموت أمامنا.__
كانت كلماتها حادة، لكن عينيها لم تهتزّا.
تقدمت خطوة أخرى، ثم ضغطت بيديها على موضع الجرح بحذرٍ محسوب، محاولةً تثبيت الجسم المعدني ومنع تمزقٍ أكبر.
شهق الرجل من الألم، وانفرجت عيناه نصف المفتوحتين.
وفي اللحظة التي التقت فيها عيناه بعيني هيلين...
شعرت بشيءٍ غريب.
برودة حادة سرت في أطرافها، كأن الهواء من حولها انخفض فجأة.
ارتجفت يدها.
لكنها تماسكت فورًا.
- محلول إضافي، الآن.
- وشاش جديد.
- ارفعوا ضغط الأكسجين.__
تحرّك الجميع أخيرًا خلف أوامرها، وكأن نبرة صوتها الحاسمة أيقظت فيهم ما شلّه الذعر قبل لحظات.
راحت هيلين تضغط على موضع الجرح بكل ما تملك من تركيز، بينما الدم لا يزال يتسرّب بين أصابعها رغم الشاش المتراكم.
رفعت رأسها بسرعة وقالت:
- اتصلوا بالأستاذ باتريك... حالًا.__
ناولتها إحدى الممرضات الهاتف اللاسلكي، فالتقطته بيدٍ ملطخة بالدم، واضعة إياه قرب أذنها بينما لم تُبعد يدها الأخرى عن المصاب.
جاءها صوته من الطرف الآخر متوترًا، تتداخل خلفه أصوات غرفة العمليات.
- باتريك يتحدث.__
- أنا هيلين... المريض الذي أُحضر قبل قليل، المصاب قطعة الحديد في الجانب الأيسر... لن يحتمل عشر دقائق.__
ساد صمتٌ قصير، ثم جاء صوته أكثر صرامة:
- أنا في منتصف عملية جراحية، لا أستطيع ترك مريضٍ مفتوح الصدر.__
قبضت هيلين على فكها، ثم قالت من بين أسنانها:
- إذًا سيموت قبل أن تنتهي.__
تنهد باتريك بحدة، ثم قال:
- اجعليه يعيش ثلاث دقائق فقط... ثلاث دقائق، وسأكون عندك.__
وقبل أن ترد، دوّى صوت صافرة الإنذار من جهاز المراقبة.
التفتت هيلين بعنف نحو السرير.
اتسعت عيناها.
الممرض المسؤول عن تثبيت قطعة الحديد اختل توازنه تحت ضغط الفوضى، فانحدرت القطعة المعدنية قليلًا داخل الجسد، ممزقة ما بقي من استقرار الجرح.
اندفع الدم بقوة.
- تبا... تبا!__
أغلقت الهاتف فورًا، وألقته على الطاولة القريبة، ثم نزعت قفازَيها الملوثين بسرعة وارتدت زوجًا جديدًا بيدين مرتجفتين.
كانت أنفاسها تتسارع، لكن عقلها ظل باردًا.
وفي تلك اللحظة، وصلت أوليفا مسرعة.
- تنحّي لي نصف خطوة.__
لم تنتظر جوابًا، بل بدأت فورًا بتعليق محاليل إضافية، ثم دفعت بالأدوية اللازمة لتعويض خسارة الدم ومنع دخول المصاب في صدمة دورانية.
تحركت بثباتٍ اعتادت عليه، وكانت سرعتها كافية لتعيد شيئًا من التوازن إلى الغرفة.
نظرت إليها هيلين نظرة امتنانٍ خاطفة.
ذلك كان كل ما احتاجته.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم ثبّتت نظرها على الجرح.
مدّت يدها داخل الفتحة النازفة.
شهقت إحدى الممرضات.
- يا إلهي...__
تجمد الطبيب المقابل لها لحظة، غير مصدق ما يراه.
لكن هيلين لم تسمع شيئًا.
أغمضت عينيها.
كل ما أرادته الآن هو الإحساس... فقط الإحساس.
ملمس الأنسجة، نبض الدم، مكان التمزق، الطريق الذي يسلكه النزيف داخل الجسد.
كانت أصابعها تتحرك ببطءٍ دقيق وسط الدم، تبحث كما يبحث شخصٌ في الظلام عن مفتاح النجاة.
ثانية...
ثانيتان...
ثم فتحت عينيها فجأة.
وساد الصمت.
توقّف النزيف.
انخفض اندفاع الدم إلى خيطٍ ضعيف، ثم انقطع تقريبًا.
حدّق الجميع بها كأنهم يشاهدون معجزة.
قال الطبيب مذهولًا:
- كيف...؟__
لكنها لم ترفع رأسها.
- اتصلوا بباتريك الآن.__
التقطت أوليفا الهاتف بسرعة، وما هي إلا لحظات حتى جاء صوته.
- نعم؟__
قالت هيلين، وأنفاسها متقطعة:
- الإصابة ليست في الطحال... التمزق في أحد الأوعية القريبة... أنا أتحكم به الآن.__
ساد صمتٌ قصير، ثم قال:
- ماذا تقصدين بـ"أتحكم به"؟__
أجابت وهي تشدّ فكها من الضغط:
- أضغط عليه بإصبعي السبابة.__
ثم جاءها صوت ضحكته العالية عبر الهاتف، ضحكة لم تحمل سخرية بقدر ما حملت دهشةً خالصة.
- أنتِ فتاة مجنونة.__
ثم أضاف بسرعة:
- لا تتحركي من مكانك.
خذوه إلى غرفة العمليات فورًا، لقد انتهيت وأنا في طريقي إليكم.__
أغلقت هيلين الهاتف، ثم نظرت إلى الفريق حولها.
- حسنًا... لننقله.__
تحرك الجميع فورًا.
أما هي، فبقي إصبعها داخل الجرح، تضغط على الوعاء النازف بثباتٍ قاتل، تسير مع السرير المتحرك نحو غرفة العمليات، وقلبها يخفق بعنف.
وصلوا بالمريض أخيرًا إلى غرفة العمليات، تتحرك العربة بسرعة عبر الممرات البيضاء بينما كانت هيلين تسير إلى جوارها، يدها ما تزال ثابتة في موضعها، تضغط على الوعاء النازف بإصرارٍ لا يسمح لها حتى بالارتجاف.
ما إن انفتحت أبواب غرفة العمليات حتى اندفع باتريك نحوهم مرتديًا ثوبه الجراحي، عيناه حادتان كعادته، لكنهما امتلأتا بدهشةٍ واضحة حين رأى وضع يدها.
- لا تتحركي حتى أقول لك.__
أومأت بصمت.
تقدّم الفريق من حوله بسرعة، وتولى الجميع أماكنهم، ثم حلّ باتريك محلها بحركة دقيقة مدروسة.
وحين تأكد من السيطرة على النزيف، رفع نظره إليها أخيرًا.
- أحسنتِ... الآن اخرجي.__
كانت تلك أبسط جملة قالها، لكنها حملت من التقدير ما يكفي.
سحبت هيلين يدها ببطء، ونظرت إلى الدم العالق بقفازها للحظة، كأنها تستوعب الآن فقط ما حدث، ثم استدارت وخرجت.
ما إن أُغلقت أبواب غرفة العمليات خلفها، حتى شعرت بأن ساقيها لم تعودا قادرتين على حملها.
جلست على المقعد المعدني المقابل للجدار، وأسندت ظهرها إليه، ثم أخذت نفسًا عميقًا تلاه آخر... وآخر.
كان صدرها يعلو ويهبط بسرعة، بينما لا تزال أصابعها منقبضة دون وعي، كأنها ما زالت تضغط على الجرح.
مرّت لحظات قبل أن يظهر أمامها كوب قهوة ساخن.
رفعت رأسها.
كانت أوليفيا تقف فوقها بابتسامتها المعتادة، ثم جلست إلى جوارها ومدّت الكوب إليها.
- تفضلي، البطلات يحتجن إلى الكافيين بعد إنقاذ الأرواح.__
أخذته هيلين بيدين متعبتين، ثم أطلقت ضحكة قصيرة خافتة.
قالت أوليفيا وهي تسند رأسها إلى الجدار:
- الخدمة بجانبك رائعة يا فتاة.__
ثم التفتت إليها بإصبعٍ مهدد مرح:
- مستقبلًا، حين نتخرج، لن تقيمي أي عمليةٍ من دوني. سأكون طبيبة التخدير الخاصة بك، هل فهمتِ؟__
ابتسمت هيلين للمرة الأولى منذ بدء الفوضى، ابتسامة صغيرة لكنها صادقة.
- وهل هذا عرض عمل أم تهديد؟__
- الاثنان معًا.__
ضحكتا بخفوت، وهدأ الممر من حولهما قليلًا، كأن العالم منح تلك الزاوية الصغيرة هدنة مؤقتة.
أخذت هيلين رشفة من القهوة، وشعرت بحرارتها تعيد إليها شيئًا من الحياة، ثم قالت:
- أظنني سأعود إلى المنزل... أنا مرهقة.__
هزّت أوليفيا رأسها بتفهم.
- افعلي، سأبقى قليلًا.__
ثم أضافت وهي تعبث بغطاء كوبها:
- أخي الأكبر سيأتي ليراني.__
رفعت هيلين حاجبًا بخبث خفيف.
- الأخ الغامض الذي تذكرينه دائمًا ولا أراه أبدًا؟__
تنهدت أوليفيا.
- نعم، ذلك المتعجرف نفسه.__
- إذًا سأبقى لأراه.__
- لا، لن أسمح لك. يكفي أنني أتحمله وحدي.__
ابتسمت هيلين، ثم نهضت ببطء، لكنها توقفت حين لاحظت أن يديها ما زالتا ترتجفان قليلًا.
راقبتها أوليفيا بصمت، ثم قالت بنبرة ألطف:
- لقد كنتِ مذهلة اليوم.__
انخفضت عينا هيلين نحو كفيها.
- كنت خائفة.__
- الشجاعة ليست غياب الخوف... بل أن تعملي رغم وجوده.__
رفعت هيلين رأسها إليها، وقد خفتت الابتسامة على شفتيها.
─── ⋆⋅☆⋅⋆ ───
-متنسوش تصويت الروايه والفصل
-وكمان متابعه للحساب عشان يوصل ليكم تحديث الرواية والروايات الجديده الي هتنزل قريب
-وبس كدا اشوفكم قريب♥︎
-J o y__♡
joy