لعبة ونادلة

لعبة ونادلة

16 1

خلال مروري أمام أحد المتاجر، جذب انتباهي لعبة قطط مكوّنة من أزرار مضيئة، تذكرت من خلالها طفلًا صغيرًا، ابن امرأة أرملة تسكن بجواري.


دائمًا أمنّي نفسي أن أتذكره، فأخذ له شيئًا بسيطًا يفرحه.


سألت عن ثمنها، درهمان أو ثلاثة، ليست بشيء.


أكملت طريقي إلى أن وصلت أمام بابهم.


عجبًا، كنت أجده يلعب أمام الباب كل يوم، في نفس التوقيت الذي أرجع فيه. قد يكون مريضًا أو نائمًا، أغلب ظني.


طرقت الباب مرة، تلو أخرى، بشكل سريع.


«لماذا تطرق الباب يا بني؟»


«أه...»


قالت امرأة شمطاء، بيضاء الشعر، إنهم هاجروا البيت قبيل الفجر اليوم.


اعتذرت عن صداع طرقاتي، لكنها لم تهتم، فأغلقت باب النافذة وعادت إلى الداخل.


ساد الحزن، وضاق الأمل في زرع بذرة صغيرة في قلب ذلك الطفل الصغير، أشعر من خلالها ببعض الفرح، قد تلاشى.


تلك الليلة لم أعدّ الأخشاب، اكتفيت بتحريك أزرار اللعبة، وهي تشع بألوان: زهري، أحمر، أخضر، أسود...


لم أعش منها إلا الأسود.


راودتني أحلام رأيت فيها الأحد عشر خشبة تلومني بعبارات:


واحد: «هل نسيتنا؟»


اثنان: «ولماذا؟»


ثلاثة: «حزين المسكين.»


أربعة: «مسكين، مسكين...»


ورددت الأخشاب السبعة المتبقية نفس العبارة بصوت شاحب وقوي، مرتسمة عليها ملامح لقيتها في حياتي.


استيقظت مفزوعًا على صافرة إنذار سيارة إسعاف بيضاء، وجاءت نظراتي على عبارة مطلية باللون الأخضر:


﴿كل نفس ذائقة الموت﴾.


الموت... ما هذه الكلمة ثقيلة الوزن واللفظ.


هل فعلًا هي النهاية التي يجد فيها الإنسان المكان الذي يوزَّع فيه الكل بالتساوي، لا فرق بين أحد؟


المكان الذي لا ظلم فيه... هل يكون مسعى إنسان تافه حيال وجود الموت؟


لا أدري كيف انتهى بي الأمر أفكر في هذا في ساعة متأخرة.


سأعود للنوم، فغدًا سيكون نهارًا شاقًا.


صباح اليوم التالي


«صباح الخير، سيدي!»


«صباح الورد. هل أنتِ نادلة جديدة؟»


«طبعًا، يا سيدي. ما أدق ملاحظتك!» قالت وكأنها تجاملني: «ماذا يريد الشاب؟»


«في الواقع، لا يريد شيئًا.»


«حسبك أن تعتقد أنك بخيل. اطلب شيئًا.»


وهي ما فتئت تمنّ عليّ: «اطلب... أيها الكتوم البخيل.»


«حسنًا، أريد قهوة بدون سكر من فضلك.»


كنت سأجاملها بدوري قائلًا: «سكر عينيك يكفيني»، إلا أن الكلمات استعصت داخل لساني كصدأ.


وتأتي الإجابة منها:


«حاليًا تُحضَّر قهوة بدون سكر، يا سكر.»


مجاملة أخرى.


ألا تعرف أنني أختبئ هنا كل صباح كإنسان الكهف، خائفًا من إعصار؟


لا يهم.


أما النادل، ماذا حل به؟


ما هذا السؤال؟ وهل شأن فيه؟


كان على الأقل لا يبالي، رغم جلوسي طويلًا، ولا أبغضه حقيقة؛ لأنه لا يهتم، كان ذلك أمرًا يريحني.


تبًّا لنساء يعرفن كيفية جذب الرجال، لا بل جذب الجيوب.


إذ طلبت خمسة عشر درهمًا، وثمن كوب القهوة في مثل هذه المقاهي لا يتعدى عشرة دراهم.


تمتمت أثناء نظري إليها:


«لماذا خمسة دراهم كلها؟»


سحرت قلبي، معلّقة:


«هل يكون شاب بخيلًا وهو لم يلقَ مني إلا خيرًا؟ أم أنك لا تبصر؟»


«اعذريني، طبعًا لا، آنسة. فقط سؤالي من باب المعرفة: هل تغيّر الثمن لا غير؟»


قالت بابتسامة خفيفة:


«الثمن لم يتغير، ولكن كان نادلًا وأصبحت نادلة.»


أضحكتني.


«يا آنسة، ألا ترين أن الزبناء ينظرون، ووقوفك هنا قد يسبب لكِ الطرد؟»


أجابت ويدها خلف ظهرها:


«ينظرون أين؟ لم يأتِ إلا أنت وبضع أشخاص آخرين.»


«حقًا؟»


لم ألاحظ هذا إلا الآن.


كانت جميلة الوجه، عينان بنيتان، وشعر أسود مقصوص من جانبين. تبدو في العشرين من عمرها.


تأملها جيدًا.


أول فتاة تعيرك اهتمامًا، رغم كونه اهتمام مصلحة.


استفق، إنها تدعوك إلى الجلوس.


قالت:


«اسمح لي أن أجلس، وأطلب لنا كأس عصير. طبعًا لن ترفض، صحيح؟»


مأزق.


ماذا أقول؟ إن جيبي فارغ، أرفض إذًا.


«اجلسي إن شئتِ، طبعًا. أما بالنسبة للكأس فلا، لن أرفض، فمن العيب أن أرفض، آنستي.»


«آنستي»... أين لي بهذه الكلمة؟ كيف نطقتها بغير وعي؟


ثم أردفت، وهي تمضي وتحرك أصابع يدها:


«إذًا انتظر هنا، سأأتي بقهوة وعصير.»


«حسنًا، تعجّلي من فضلك، لم يبقَ لي الكثير.»


قادمة بالقهوة، قالت هذه العبارة بخطى رشيقة.


لا... كيف؟ حتى بثياب نادلة ما زالت فاتنة.


ثم أردفت تقول:


«خذ، إذًا، قهوة بدون سكر، أما العصير فهو لي.»


لم تلبث حتى قالت:


«قلتَ إنك لن تبقى كثيرًا. كم تقضي جالسًا هنا؟»


أمسكت كوب القهوة، مستعدًا ببعض الثقة.


«أجلس ساعة إلى ساعتين.»


تزحزحت عن الكرسي لأخذ رشفة من كأس العصير، ثم قالت، مستحلية مذاق عصيرها:


«وماذا تفعل عند مغادرة المقهى؟»


«ماذا أفعل؟ لا شيء. أشغال الكلية لا غير.»


قالت بنبرة كئيبة:


«الكلية... يا للحظ. كنت أتمنى إكمال شعبة الآداب، إلا أن أهلي رفضوا، وها أنا أمامك نادلة.»


لقد شاركتك سرًا من أسرارها.


لا تكن أبكم.


خفف عنها حزنها.


ما عيب أن تكون نادلة، يا آنسة؟ علاوة على أنك ما زلت في ريعان شبابك، ومستقبل كله أمامك. إن لم تنجحي في إكمال هذا العام، فالعام المقبل اقبلي بروح زاهية، وستوفقين، آنسة.


رأيت كيف ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة.


أحسست من خلالها بدم يجري بين عروقي منتشيًا.


قطعت أفكاري بقولها:


«ثانكس... شكرًا. أظن أن وقتك قد نفد، أيها الشاب.»


حاملة فنجان القهوة والعصير.


استشعرت ذاك الشعور: حسرة، واستفاقة ضمير، كشيطان يحفزك لفعل، ثم يأتيك ضمير يذيقك الندم.


ولكن لماذا هذا الأسلوب الرديء في عبارتها الأخيرة؟


هل غايتها أخذ ما بوسعها، ثم ترميني بتلك العبارة؟


ثم لماذا عبارات المدح تلك؟


انْسَ...


هل اعتقدت أنها ستحبك بمجرد حديثها إليك؟


ما في الأمر؟ إنها وجدت فيك فرصة، شابًا متلهفًا للحنان، فاستغلتها.


قضيت ساعات في حصص الفلك، ولم أَعِ أي معلومة.


وسواس ذكرى أن نادلة خبيثة...


انسَ الأمر، لأن...


لفت انتباهي قول المشرف إن الثقوب السوداء منطقة في الفضاء تتميز بجاذبية قوية.


ثم أضاف:


«إن حتى الضوء لا يفلت منها.»


زاهد، هذا الحديث أثار جدلًا داخليًا، وتساءلت عن سبب وجود هذه الأجسام.


فأجاب:


«تكشف لنا حقيقة الكون، ومن خلالها نعرف بداية هذا الكون البديع.»

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أحد عشر

المؤلف عبد الرحمان لشكر
2026/09/20 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة