القسم الأول
أتمشى حول أزقة، مارًّا أمام المنازل، متجهًا إلى الكلية. أبدو من ظاهري شابًّا عاديًّا، لكن في داخلي أفكار شتّى تدور وتدور، ولا أجد لها جوابًا.
وصلت إلى الكلية، لأجد من كل صنفٍ صنفًا: ضاحكين ومكتئبين...
وأنا وسطهم تائه، لا أدري ما أكون. أرجع إلى بيتي وأرتمي على كنبة مهترئة أعطاني إياها أحد أقاربي منذ زمن.
أرفع نظري إلى خشب السقف الذي تحمله قدرة قادر، وأتساءل دومًا عن كيفية سقوطه عليّ، إذ كانت هذه الأخشاب أحد عشر، ويتغير عددها في كل ليلة، ولا أعرف السبب.
أهو خداع بصري، أم سرعة في بعض الليالي بسبب تعبي؟
وفي شهر ديسمبر، عدت إلى الكلية لأكمل الدراسة، وأنا في كل زقاق وعبر كل طريق أكون تائهًا، مشتت الفكر، وكانت تأتي إلى بالي أفكار مثل هذه:
كيف كان سيكون حالي لو كنت غنيًّا، أو حتى قوي البنية جذابًا؟
أو أنه نقصٌ، حيث كنت أرى فتيانًا وفتيات في نفس سني يتحدثون بينهم بلا وقار، وأنا أعقد لساني، ولا أعرف: هل يوهمني عقلي أنني بشع، ولا أستحق تلك المكانة التي يتحدث بها الناس مع بعضهم؟
والسبب أنني عانيت من بعض التنمر في السلك الإعدادي، فولد لديّ هذه العقدة، حاولت فكها، ولكن استعصى عليّ الأمر.
حتى عند بدء فتاةٍ حوارًا معي، كنت أعجز عن الرد بشكل طبيعي، مخفيًا تلك الرهبة بابتسامة سوداء، كأني أوحي لها أن أقول: «اصمتي»، وأرهقني الأمر.
وأظن أن عقلي لم يكن معي.
وعند مشارف الطريق، وحتى ولوجي إلى الكلية، أشجع نفسي: أنا قادر على مواجهة الحديث بكل لباقة. وغالبًا ما أفشل.
أحيانًا أحبط في محاولة يائسة، كأن في داخلي عقلين، كلٌّ منهما يفكر في جهة متناقضة.
وأدّت بي الانتقادات إلى إقحام نفسي وإثبات ذاتي.
ففي بداية الفصل الأول، بدأت أجمع شتاتي، وأتعرف على أصدقاء مشاغبين، ظنًّا مني أنني سأنال ذلك الاهتمام الذي يتنعمون به.
في غالب الأحيان، كنت أرى حولهم فتيات، ويفعلون ما يشاؤون، ودائمًا في صراعات مع الطلبة والأساتذة.
لا أعرف: هل نقصٌ قادني إلى طريقهم، أم محاولة أخرى للانتقام وشفاء غليلي من معاناتي؟
ولاحظت نظرات أساتذة إليّ، يرمقونني بنظرات تعبّر عن قرف من ثيابي وقصات شعري، التي كنت أراها أنا أنيقة وستعطيني مظهرًا جذابًا يفتن في كل من يراني، وأنال احترامًا ويُذاع اسمي وسط الطلبة.
لا، كانوا ينظرون إليّ على أنني زنديق سقط في هاوية حين صعد آخرون، حتى أنا في أعماقي أفكر في نفس الشيء.
هراء ما أفعل. لم أعد أدرس جيدًا، أتبع شبابًا وأفقد نفسي.
والنكبة أنني، رغم ذلك، لا أشعر بالرضى.
هل عقلي يهمني مرة تلو الأخرى؟ ولكن لقد سرت على طريقهم، هل أرجع؟
ذلك الشاب الكتوم، كل وقته صامت، من أخدع حتى مع الشباب. متكتم، أتكلم قليلًا، كبيان أنني موجود معهم.
أحاول إيقاف ما يجري، وأعود لعدّ الخشب، على الأقل كنت خالصًا.
مرّت أيام، التي أعددتها على أنها شهر أو شهرين، وبدأت الاختبارات، وأنا ما زلت تائهًا في طريق لإيجاد نفسي فيه بين كل هذه الجثث المتنفسة.
ها أنا اليوم الرابع من فبراير، وأحاول مراجعة دروس لم أكتبها لكثرة تغيبي عن الحصص، حتى إن بعض الأساتذة لم يألفوا وجهي.
أرى كل حرف وكلمة بعيدة عني بأميال. كل عزم على المراجعة ينطفئ شراره قبل فتحي لدفتري.
فأرمي به على جانب الكنبة المتهالكة، وأستلقي، ومع إغماض جفنيّ تأتي الوساوس والأسئلة التي لا أجد لها جوابًا.
فيولد نقاش معي:
«لماذا أفعل كل هذا؟»
وأرد على نفسي، أو ذلك الوسيط بيني وبين نفسي الذي يسمى العقل، فيرد عليّ:
«لإثبات نفسك، لنيل احترام الذي لم تذق مذاقه في كل سنوات دراستك.
أنت، أنت... فاشل.
رغم نجاحك في كل تلك الأعوام التسعة بعلامات لا بأس بها.
مضحك... نكتة. لا ذكرى لك مع أي فتاة، ولو كلمة عسلية حلوة في حقك.»
أحس في مثل هذه الليالي كأنني مثلهم، أعطي لنفسي من الانتقادات الكثير، حتى لم أعد أنام جيدًا.
زاد حملًا عليّ اقتراب موعد الاختبارات.
ومشاكل لا تأتي متفرقة، فقد وردني اتصال من شباب قد أقاموا حفلة، كنت من المدعوين إليها.
هذا ما كان ينقصني: حفلة في منتصف الليل، وأنا لم آخذ من الليلة السابقة إلا ساعات قليلة.
فقمت من الكنبة، ولففت معطفي، واخت درجًا نزولًا إلى الشارع.
وكان الجو باردًا، مع قطرات مطر متفرقة، فعلًا، رغم ارتدائي معطفًا صوفيًّا، ما زال البرد يواصل زحفه إلى عظامي.
وكانت الحفلة تبعد عني بعشرين دقيقة مشيًا، أقامها رياض، شاب من عائلة غنية نوعًا ما، ينعم بطيش وجرأة.
فمثل هذه الحفلات لم تكن من العادات المحببة في بلدنا.
ولكن الحياة تمضي، والأجيال تتغير، ولم يعد هذا عيبًا.
بل أنت ما زلت مترددًا.
وصلت إلى عتبة الباب المعدني المصبوغ بطلاء أسود، أتردد في طرق الباب، وزاد ترددي سماع صوت فتاة أو ثلاثة.
لا، لم أشأ أن أعود خائبًا وسط هذا البرد القارس، زيادة على أنها بضع دقائق، وأختلق عذرًا وأغادر عائدًا إلى منزلي.
وطرقت الباب طرقة أولى، ثم أردفتها بثانية، ثم ثالثة...
لم يفتح أحد، وأمضيت في انتظار خمس دقائق أخرى، حتى تيقنت أنهم هاموا على كؤوس الشراب، حتى لم يعد يعي أحد منهم، وتلك الفتيات، فما بالهم أن يهتموا بدقات باب وهن يقمن بعملهن، أي عمل؟
لا تسرح في خيالك من جديد...
وهل قلت شيئًا يُعاب؟ فما عملهم؟ أهذا ألم يكن ما فكرت فيه؟
عُد، عُد... إلى منزلك.
فقد أفرطت في الهلوسة، وخذ بعض ساعات من النوم، فهذه واحدة ليلًا.
وبعد هذا الحديث إلى نفسي، رأيت من حولي أناسًا يتمشون، وباعة، وحتى كلابًا تتجول في الشوارع وتنبح بين الحين والآخر.
وحتى إن البرد ما زال يتسلل إلى عظامي، وزادته خيبة هذه السهرة، التي أطفأت كل شرارة في قلبي لمراجعة بعض كتب الفلسفة والتاريخ.
وكان النعاس الغالب الأكبر عليّ، حيث أقسمت أنني سأنام فور وصولي.
فتحت باب الغرفة، الذي فاجأني أنني لم أوصده بإحكام، ورميت نفسي على الكنبة.
وككل ليلة، أعد أخشاب أحد عشر... أو لا أدري عددها.
فرغم ذلك، أشعر ببعض الارتياح عند عدّها، إلى أن يغدر بي النعاس.
في اليوم التالي، استيقظت مترنحًا قرابة الساعة السادسة، وأعددت فطوري.