لقاء محطة بنزين

لقاء محطة بنزين

15 1



وأعددت فطوري، مكونًا من كأس شاي وبعض الخبز بالزبدة.


كنت أستيقظ في هذا التوقيت كل يوم، لأدرك وقتًا في طريقي للجلوس في أحد المقاهي إلى حين وصول موعد الكلية.


في الحقيقة، كان الجلوس في المقهى مهربي الوحيد من البشر والناس، والطلبة بخصوص، حيث يوجد مقهى بمقربة مني، ومخفي عن أنظار الطلبة في تلك الفترة.


مع اقتراب توقيت الكلية، أنهض وأتوجه إلى الكلية، بأعين محدقة بالطريق، لا أنظر لا يمينًا ولا يسارًا، متجنبًا أي حوار ونقد مع أي إنسان يمر من أمامي.


أمضي إلى البوابة وأنا أرجو ألا أجد أحدًا من الشباب.


لا أدري، رغم مبادرتي إلى الحديث إليهم في الوهلة الأولى، إلا أنني أتجنب لقاءهم داخل الكلية، رغبة مني في عدم الإحراج أمام الأساتذة بمصادقة أمثالهم.


وأنا ذلك الطالب المجتهد الكتوم في نظرهم، وأخشى من فكرة سؤالهم لي، قائلين:


«ما الذي دفعك إلى سلك هذا المسار؟»


مرددين كلمة: «يا بني».


عند سماعها أحس كأنني ارتكبت أقبح جرم شهده العالم.


ولا أقوى على الإجابة، لأني بطبيعتي عندما أجيب عن أسئلة مباشرة أتوتر، وأتمتم قبل الإجابة.


حتى إن وجهي يحمر، وتصبح دمعة على مقربة من الانزلاق، مع قشعريرة وارتفاع ضغط الدم.


لا أكذب إذا قلت إنني أصبح مثل شمس بشرية في مثل هذه اللحظات.


لهذا أحاول تجنبهم، وحتى عند لقائهم أخفي وجودي وسطهم، حتى دخولي إلى القسم.


أتجنب الحديث إليهم بسبب المشاكل التي يتسببون بها.


يرمون نكات بليدة، ويصدرون أصواتًا مزعجة للآذان.


لا أنسجم معهم إلا عند الخروج من ساحة الكلية، حينها أحاول إبراز نفسي أمامهم.


في داخلي غير راضٍ عما أفعل، ولكن في نفس اللحظة أستشعر احترامهم لي، موهمًا نفسي أنني محترم فقط عند إضحاكهم.


وأتذكر في يوم مشمس، قرب محطة بنزين، نمر وصوت قهقهات، أو هم من يضحكون، يتردد صداه في الأرجاء.


وجدنا فتى كنت لا أعرفه جيدًا، وكان واضحًا أن لهم معرفة مسبقة به.


عندما وقفنا أمامه، بدا كأنه يتهرب، محاولًا إيجاد طريقة لتجنب الحديث إلينا.


حينها أدركت أنهم يتنمرون عليه لكونه من ذوي البشرة السوداء.


لا أظن أن هذا هو السبب، بل عدم امتلاكه شخصية قوية هو السبب.


رأيت فيه نفسي، لا يقوى على الكلام بشكل لبق يخرجه من مأزق مثل هذا.


حتى إن غيظي أخذني إلى الشتم والصراخ، قائلًا:


«حقًا تتنمرون؟ فما ذنبه إذًا؟»


ردوا بشكل فيه من الاستهزاء:


«ما بك؟ إنه أمر عادي، نتسلى.»


«تتسلون على حساب من؟ إنه إنسان له روح وضمير وكرامة. أين العيب في قول كلمة حسنة والمرور؟»


اعتقدت بعد سماعهم لهذه العبارات أنهم سيندمون، أو حتى يتركونه.


فجأة، انفجرت ضحكاتهم كصعقة لأستفيق على واقع لا يهمهم ضمير ولا كرامة، بمجرد وجود سبب يجعلك عرضة للمضايقة.


كحالي، لأن...


تجهوا نحوي، إذ بأحد ذوي البنية القوية دفعني. كان منهم، لم يضربني، كلا، إنه يعبر عن أنني لا شيء بالنسبة لهم، وتركوني ورحلوا.


ورددت في نفسي:


«على الأقل كنت سببًا في إنقاذ أحدهم مما مررت به في أعوام فارطة.»


وأبصرت الفتى أسود البشرة قادمًا إليّ، مادًّا يده ليعينني على النهوض من الأرض، التي بدت لي كرمال تسحبني.


حينها عرّفني عن نفسه، اسمه أحمد، عمره حوالي سبعة عشر عامًا، وكنت أكبره بثلاث سنين.


شكرني على ما قلت سابقًا أمامهم.


أما أنا فما زلت على صمتي، وتسرعت في الإجابة:


«لا شكر على واجب، وتشرفت بك، أحمد.»


ثم أردف أنه يسكن في الحي الخامس، حسب عدد الأحياء التي أمامنا، ونحن ما زلنا عند محطة البنزين.


أتعجب لوهلة؛ وهو مرتاح في الحديث، كأنه نسي تلك الدقائق المعدودة التي كنت فيها مع الشباب.


وبدأ في الأسئلة، حيث سأل قائلًا:


«أين تقيم؟ وما اسمك؟»


خلال الثواني التي يسألني فيها أفكر: ما لهذا؟ مطلق لسانه، وكثرة أسئلته تخنقني.


ولكن لم أظهر أي رد فعل تجاهه.


قائلًا:


«أقيم قرب الحي الثاني، بعد الحي الخامس، واسمي... ولكن لماذا أجيب؟ هل أعرفه حق معرفة؟ أنا فقط أردت التعبير عن أنني لا أطيق المتنمرين.»


وعقب التفاتي لأجيب، انطفأت هذه الشرارة بعبارة منه:


«أنا آسف حقًا، ما كان عليّ إكثار الأسئلة عليك، ولكن اعذرني، لأني واجهت شخصًا طيبًا مثلك يساعدني.


وأنا لم آلف أن أجرؤ على شخص بمثل هذه الأسئلة. فقط رأيت فيك شخصًا طيبًا يسمعني، وأستطيع أن أعبر له حقًا عن نفسي ويفهمني.»


قال هذه العبارات حابسًا لأنفاسه، يمنع أي حاجز يحول دون تعبيره عما يلوج في أعماق فؤاده، خائفًا من أخذ نفس ينسّيه كلماته.


أحسست بكل كلمة قالها قبل أن ينطق بها، وأنصت إليها، ونسيت وساوسي التي دارت في داخلي.


قلت مرددًا:


«لا بأس، لا بأس... عليك. أنا لم أدعوك إلى اعتذار، كما أنك غير مضطر إلى ذلك.»


وأكملت قائلًا:


«أنا مستعد لسماعك، وحالي ليس بحالك بشيء...»


كل هذا ونحن نمضي نحو الحي الرابع، مرورًا حول الحي الثالث.


قال كأنه يجيب عما أخبرته:


«أريد الاعتذار، ومن واجبي ذلك.»


كنت سأقاطعه، ولكن استأذنني ألا أقاطعه، وبقيت أنصت بأذن مصغية وهو يكرر:


«من واجبي طبعًا الاعتذار إليك. كنت ستُضرب، ألا تعرف هذا؟»


هل صغر سنه يدفعه ليثق بي، أو أنه وجد شخصًا يحمل نفس همه؟


لا، لا... مجرد أنني أنقذته، اعتقد أنني بطل أو ما شابه.


أي بطل تتحدث عنه؟ هل نسيت أنهم كانوا سيبرحونك ضربًا؟ حتى إن الفتى لقي من عبارة خبيثة كفايته.


قبل سؤالي له عن سبب ثقته بي، أقبلنا على الحي الخامس.


قال:


«سأترك الآن. إلى اللقاء، وشكرًا مجددًا. أتمنى لك حياة هنيئة.»


قال هذه الكلمات ملوحًا بيده، يبتعد ويبتعد...


حتى اختفى بين أحد الأزقة.


ها أنا أمضي وحيدًا، وأحسست بأنه، وبرغم كثرة كلامه، يؤنسني في طريقي.


شعور بالسعادة وهو يحكي، ينسيني طول الطريق.


إما لأن أتمشى حاملًا أفكاري، أنا لأن أتجاوز الحي الأول بعد الحي الخامس.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أحد عشر

المؤلف عبد الرحمان لشكر
2026/09/20 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة