مَال النَّاس تَتَعلَّقُ بِالفَوَانِي ٭٭٭ أَلَم يَعِد الله الصَّالِحِين مِنَّا بِالجِنَانِ
✿︎✿︎✿︎✿︎✿︎✿︎✿︎✿︎✿︎✿︎✿︎✿︎✿︎✿︎✿︎
"عدت." بنبرة متعبة، أعلن رايدن عن عودته ليسمع خطوات صغيرة تقترب..
لقد كانت ميلا، ابنة عمه الصغرى التي تعلّمت المشي حديثا..
بخطواتها الصغيرة، هرولت نحوه لتتسع ابتسامته شيئا فشيئا..
"ميلاشكا!" نطق و هو يجثو على ركبة واحدة و يفتح ذراعيه لترتمي في حضنه..
"هل اشتقتِ إلي؟" سألها و عيناه تلمعان، وجودها حوله يجعله ينسى كل ما عاناه طيلة اليوم.
أخرج علبة شوكولاطة و ناولها قائلا:
"خذي، هذه من أجل السنيوريتا الصغيرة خاصتي."
أخذتها و هي تنظر لها ببلاهة، لتحاول أكلها بغلافها و هنا هتف:
"لا! ما الذي تفعلينه؟!"
أخذها و فتحها لها، ثم أعادها بين يديها:
"الآن يمكنك أكلها."
كانت شفتاها منفرجتان، و خدودها منتفخة، بينما صوبت عيناها العسليتان نحو الشوكولاطة بفضول لتضعها في فمها، و بينما
هو يراقبها، خمّن في شيء ما...
ربما يحاول الأطفال معرفة الأشياء من حولهم من خلال أكلها..
"أهلا بعودتك يا أخي!"
رفع بصره ليجد ليو، الأخ الأوسط يلوح له بإبتسامة ليقترب بضع خطوات، وقف رايدن و هو يحمل ميلا ليمد ليو يديه:
"دعني أحملها عنك."
انتبهت شقيقته لوجوده لتنظر له، ثم ليديه الممتدان، ثم لرايدن، لتخبئ وجهها بين عنقه و كتفه و تشد قميصه و كأنه لا تريد افلاته..
"تحبني أكثر منك."
علّق رايدن لينتبه على أنها لوّثت قميصه بآثار الشوكولاطة، لكنه لم يكترث..
يوجد اختراع اسمه غسالة الملابس على أية حال..
ظهرت ملامح الانزعاج على وجه ليو ليخرج لسانه بسخط و يخاطب ميلا و على عينيه نظرة متوعدة:
" حسنا إذا! لكِ ما تريدين، فلتفضليه أكثر مني، لكن إياك و البكاء عندما أرفض أن أحملك في المستقبل! "
كانت تنظر له بعدم فهم، و رايدن يحدق به بيأس..
"تعلم أنها صغيرة و لا تستطيع الكلام أصلا؟"
"أجل، و أنا أعرف جيدا أنها تفهم ما أقول، لكنها تدّعي الجهل، أليس كذلك ميلا؟!"
سأل و هو يضيق عينيه ليخبئ الآخر وجهها بكفه و يبتعد قائلا:
"هي! لا تتحدث مع السنيوريتا الصغيرة خاصتي هكذا!"
" حسنا حسنا، آسف ميلا"
"إنها تقول، أسامحك، لكن لا تعدها مجددا."
"ما هذا الهراء الذي تتفوهان به؟" التفت ليو ليجد فلاديمير كعادته يضع تعابير عابسة غير راضية و هو يدس يديه في جيبه.
تحولت تعابير ليو لأخرى باردة ليتخطى شقيقه بدون أن ينبس بكلمة.. بينما لمحه الآخر بطرف عينه..
تنهد رايدن بضيق.. علاقة الأخوين تزداد سوءا..
"فلاديمير.." نطق اسمه بهدوء، وضع الآخر حدقتيه عليه ليقول:
" ما الأمر مجددا؟ "
اقترب رايدن منه، ليضع ابتسامة صغيرة و يقول:
" ألا ترى.. أنه عليك أن تحسن علاقتك مع ليو.. أعني، أعترف أن لكل واحد منكما شخصية مختلفة عن الآخر، لكن هذا ليس مبررا لشجاراتكما التي لا تنتهي، ليو يظن أن تجاهلك الحل لتكفّا عن الشجار، لكن.. إلى أي مدى ستبقيان هكذا و كأنكما أعداء.. تحدثت إليك أنتَ بالذات لأنك الأكثر عقلانية و الأكثر تفهما.. و ك-.. "
" ألا ترى.. أنك تتدخل في ما لا يعنيك؟"
قطعه بنبرة متهجمة، كانت علامة الاستفهام على وجه رايدن واضحة له.. لذا أكمل:
"سواء نتشاجر أم لا، لا نكلم بعضنا البعض أم لا، هذا المشكل بيني و بين أخي-و قد تعمّد قول أخي بدل ليو- لذا اهتم بشؤونك الخاصة-لاحظ أنه يريد أن يدافع و لهذا أردف بنبرة أعلى- لا تهمني نيتك الطيبة و لا دوافعك لنصحي، لقد أخبرتك و سأعيدها بالحرف.. لا.. تقحم.. نفسك.. في... شؤوننا.."
غادر بسرعة تاركا رايدن خلفه..
لقد كانت رسالته واضحة..
هو ليس من الأسرة، هو مجرد دخيل.. إنه ابن عمهم الميت فقط..
إنها الحقيقة، فلماذا ينكسر؟..
شعر بنظرات ميلا له، مرر أنامله على خصلاتها العسلية قائلا و هو يبتسم بمرارة:
" نعم ميلاشكا، أنا ابن عمك فقط. "
••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
كان جالسا في غرفة المعيشة يضع قدما فوق قدم، بجانبه شقيقته إيفلين و هما يحدقان بالشقراء الجالسة أمامهما، و يجلس بجانبها ابنها الذي لم يتجاوز العامين، آرسلان...
سيلفا ماكسيم كيروفسكي، كانت الأخت الغير شقيقة لوالدتهما لاريسا ماكسيم كيروفسكي..
أحسّ بنجامين بأن وجوده يشعرها بالتوتر، ذلك بسبب أنها تلمحه بين الحين و الآخر بتعابير جامدة..
"هل جئتِ إلى هنا لتبقي صامتة؟"
كسر سؤاله الصمت القاتل الذي كان يسود الغرفة، وضعت ابتسامة متكلفة و صمتت ثانيتين لتقول بعدها:
" في الواقع، أشعر و كأن رأسي نفذ من كل المواضيع، رغم أنني كنت متحمسة جدا للقائكما. "
" لو تعلمين مدى حماستي للقائك عندما أخبرني بنجامين بأنكِ أخذت موعدا مسبقا لزيارتنا. "
"متى عدتِ لروسيا؟"
"منذ ثلاثة أيام أو أربع."
أومأ متفهما، و هنا سألت إيفلين: " إذن.. كيف هي أحوالكِ هناك في أمريكا؟ "
" حسنا.. بخير عامة، لكنني لا زلت أحاول التكيف. "
"خمس سنوات هناك و لا زلتِ تحاولين التكيف؟"
"نعم يا عزيزي، أعني، لم أستطع التأقلم بسرعة، خاصة مع أنني شخص انطوائي و لا أحتك بالشعب كثيرا و نادرا ما أخرج من المنزل."
"أليس لديكِ أصدقاء أو ما شابه؟"
"لا، هناك بعض من زميلاتي التي لا زلت على تواصل معهن من أيام الجامعة، لكننا لا نتحدث كثيرا، المهم أنني أقضي معظم وقتي مع آرسلان."
"لحد الآن لا زلت لا أفهم لماذا سميته هكذا."
"و أنا، في الواقع سمعت بهذا الاسم صدفة و أعجبني."
"كعادتك، تتخذين قرارات عشوائية فقط لأنها أعجبتك."
"تعرفني!" علقت لتطلق ضحكة خفيفة، هنا دخلت مارية و بيدها صينية لتقول سيلفا:
" لماذا أتعبتِ نفسك؟ "
"أي تعب هذا عزيزتي؟ أنتِ ضيفتها و عيب علي ألا أكرمك."
"شكرا لك." شكرتها بلطف ليحاول آرسلان أخذ قطعة كعك و قد منعته سيلفا، انتبه بنجامين لهذا ليقرب الطبق للطفل و هو يقول:
"خذ ما تشاء و لا تخجل، البيت بيتك."
"اشتقت لهذا البيت كثيرا." قالت سيلفا و عينها تجول المكان..
لم يكن كمنزل والدها الذي لو وصفته بقصر فإنك لا تبالغ، و لكن... الأجواء الدافئة التي تملئه... تلك التي تجعله بيتا بمعنى الكلمة..
لأن البيت الذي يضم العائلة تحت سقف واحد ليس مجرد جدران..
إنه الألفة..
"أتذكر عندما كنتِ تزورين لاريسا و تحبين البقاء هنا و بالكاد تعودين للمنزل."
"و أنا أرسم تعابير عدم الرضا، أتذكر! و أتذكر عندما كنت أبكي و أتوسل لأختي بأن تجعلني أسكن معكم عندما كانت تأتي لبيت أبي."
" أجل، كانت تخبرني لاريسا بذلك و أرّد عليها ب:'فلتتفضل، باب البيت مفتوح للجميع'. "
ضحكتا معا، لتنظر مارية للأرض و ابتسامتها تختفي: "اشتقت للاريسا.."
نظر بنجامين لها، و شعر بالغيظ لرؤيته للكمد الواضح من ملامحها..
"كانت امرأة مرحة، لها أثر لا يحمى في نفسي."
"كانت.." تمتم بنجامين بشرود..
لا زال لا يفهم لماذا يشعر أحيانا، كما هذه اللحظة، لما يراوده إحساس.. بأن موت والديه مجرد حلم..
لماذا موت أولئك الذين نحبهم يبدو لنا كالحلم و سنستيقظ منه يوما ما؟...
"في الواقع..." غيرت سيلفا مسار الحديث لتكمل:
" جاء عمّي إلى موسكو.. و قد تزامن هذا مع عودتي، و لهذا جئت. "
"إذن؟" نطقت إيفلين لتنظر سيلفا لبنجامين بتردد..
يظن بأن ما ستقوله تاليا لن يعجبه.. و قد صدق ظنه..
"سيقيم أبي وليمة كبيرة، و يدعوكم جميعا."
أغمضت مارية عينيها و تنفست بهدوء..
إيفلين قد شدت طرف ثوبها..
أمّا بنجامين.. فقد شعر بدمائه تغلي في رأسه..
فكه انقبض و تحولت ملامحه لأخرى عدائية..
"إنه مصر على مجيئكما أنتما بالذات، قال بأنه لن يقبل أي عذر لعدم حضوركما."
صمت و هو يضع تعابير جامدة..
"سأعود لغرفتي،أشعر بالتعب." تلفظ ببرود و نهض، فكه لا زال منقبضا و يمكن ملاحظة تنفسه المتسارع..
دخل لغرفته، و أغلق الباب..
أراح ظهره له.. و رفع بصره للسقف..
بأي جرأة و بأي وجه يمكنه قول ذلك بهذا الشكل؟.. بعد كل ما حدث؟
جزء من ضميره يؤنبه لأنه تعامل مع سيلفا بهذا الشكل، و نفسه أخذت تلومه على انفعاله على طلب جده بهذه الطريقة..
و لكن.. لكن لماذا ذاته لا تفهم، أن النار التي تتأجج بداخله ستزداد بسبب ذلك المنزل؟..
كانت علبة سجائر فوق سطح مكتبه، أخذ واحدة و أشعلها..
نظر للسجارة بحنق..
إلى متى سيبقى هكذا؟ يدمن على التدخين و يقتل نفسه...
سعل ليبتسم بمرارة.. إنه لإحساس فظيع.. أن تشعر بالشفقة على نفسك..
فتى صغير جالس على طرف سريره..
إنها ذاته الصغيرة..
لقد كان يتخيلها جالسة هناك، تماما قبل سنوات.. كان جالسا، ينظر للسقف، يتذكر عندما مرّ برجل يدخن.. و عندها قال في نفسه:
"عندما أكبر، لن أدخن أبدا، إنّه مضر."
لقد كان يقول الكثير، كان يقول بأنه سيكبر، و سيصبح رائد فضاء، كان يقول، بأنه سيكبر، و سيمارس الرسم كهواية، لن يقدم لوحاته لأي شخص كان بأي ثمن كان.. كان سيقول، بأنه سيعوض والديه على كل ما فعلاه من أجله..
كان يقول..
و لكن.. أين قوله، و أين هو الآن؟..
كان يسمع صوت همهمات و صوت ضحكات شقيقته، و اهتزاز طفيف، يبدو أنه صادر من ركض إيفلين و آرسلان..
طرق الباب، و أذن لأي كان الطارق بالدخول..
لقد كانت سيلفا..
عيونها البندقية على الأرض، و قد وقفت بجانب الباب مترددة .
"أدخلي، إجلسي في أي مكان تريدينه." قال و هو يجلس على الأرض بجانب المكتب يضع سجارة بين أنامله.. تقدمت هي بصمت، و وقفت في منتصف الغرفة..
كانت تحدق به بنظرة منكسرة، ثم جالت عينها المكان..
رسومات في كل مكان، أضافت لمسة كئيبة لغرفته.
"يبدو أنها لم تنل اعجابك." علق ساخرا لتبتسم هي، لمحته بطرف عينها ثم قالت و هي تنظر لأماكن عشوائية:
"تبدو كئيبة، كل شيء بالأسود و الرمادي."
"كل شيء في حياتي يترواح بين الأسود و الرمادي."
نطق بشرود، و سحق السجارة..
"الأسود يحتاج إلى أبيض ليصبح رماديا.. هل بقي لديك؟"
ردت بسؤال.. و قد فهم قصدها..
"أبيض نقي من الماضي، أسود دامس كسواد ليلة بدون نجوم ملتف بي.."
"إنه هنا.. و إنه عالق في كل مكان.. كي لا أنسى.."
أشار لسلسلة الصليب.. و اكتفت هي بالصمت..
أخذت تتجول في الغرفة، تتأمل اللوحات، تمد يدها لكل لوحة دون أن تلمسها.. و تحدق بها بإعجاب...
"فاتنة مظلمة."
علقت بنفس النظرة، و التفتت له: " أرتني إيفلين غرفتها و رسوماتها.. يبدو أنكما ورثتما الرسم من أختي و بوريس. "
"حتى جدي كان رساما، عمي إيميل مهتم بالرسم أيضا، شاركت عمتي في مسابقات للرسم التشكيلي.. تقول جدتي، الرسم إرث العائلة."
"هل مارية رسامة أيضا؟"
"لا، إنها شغوفة بالكتب و القراءة."
أومئت له، أخرجت هاتفها من حقيبتها الصغيرة، ثم صوبت عينيها تجاهه قائلة:
" لقد تأخر الوقت، سأذهب.. "
"أتحتاجين إلى توصيل؟"
" لا.. " نطقت و على عينيها نظرة تردد، توجهت نحو الباب و فتحته لتلتفت له مرة أخيرة:" الجميع متحمس لقدومك، ليتك ترى ابتسامة كبير الطهاة عندما أمِل بقدومك، أو لمعة السعادة في عيون رئيس الخدم و هو يجهز لها، أو الحراس، و كل من يعمل هناك، الجميع سعيد حقا بحضورك، و غيابك سيشعرهم بخيبة أمل.. و لن أجبرك على شيء، لكن عليك أن تعلم، بأنه لا يمكنك البقاء في نقطة ثابتة.. إما التراجع، و إما المضي قدما. "
أغلقت الباب بعد أن ودعته و انصرفت..
لقد كان المعنى من كلامها، بأن بقائه عالقا في ذكريات الماضي، و بهذه الحال، بدون أي إنجاز، لن يفيد بشيء، عليه إما أن يتراجع، فيكون مثل ما كان قبل أن يحدث ما حدث.. و إما أن يضرب كل شيء عرض الحائط و يمضي في الحياة..
------------------------
كانت علياء تدرس في غرفتها، شعرها الأشقر ينسدل على كتفيها، و هي تضغط بالقلم على جبينها.. كانت الأجواء هادئة، حتى أتى شقيقها كالعادة يكسر الباب بطرقه..
فتح الباب و على وجهه ابتسامة ضخمة، تأفتت بانزعاج لتقول: " ماذا الآن؟ "
"أنظري! فقدت سنّا أخرى!"
رد و هو يتقدم فتح قبضته لترى سنا صغيرة هناك.
"و هل هذا سبب ابتسامتك؟ من الذي يفرح لأنه فقد سنا؟"
ردت بملل و أراد أن يقول شيئا سوى أن ريان دخل و هو يرفع حاجبا مخاطبا إيّاه: " أ لا زلت تتجول بتلك السن؟"
"نعم!" رد بحماس ليتنهد بيأس..
ما الأمر الحماسي في سنه؟
"حسنا، هل يمكنك التوقف عن التجول بها هكذا؟"
" و ماذا سأفعل بها إذن؟ "
"تخلص منها فقط و اغسل يديك بعدها."
"حسنا!" هتف ليخبره أنه سيخرج للعب..
أعاد ريان بصره على ابنته التي عادت للدراسة..
" أنتِ تجدهين نفسك كثيرا في الدراسة. "
"أحاول أن أبقى بنفس مستواي." ردت و عيونها صوب الدفتر أمامها.. وضع ابتسامة صغيرة ليربت على رأسها و يتكأ على المكتب و هو لا يزال واقفا..
"أتعلمين، في المدراس الجزائرية، لا يوجد زي موحد."
وضعت القلم و ركزت على حديثه..
"لكننا نرتدي المئازر هناك، اللون الأزرق للذكور، و اللون الوردي للفتيات، و تجدين أن أغلب الطلاب بكلا الجنسين يرتدون مئازر بيضاء في المرحلتين المتوسطة و الثانوية.."
رقت عيناه و هو يحن للماضي.. الذكريات كانت تتراص لتتجسد أمامه..
"أتعلمين، كنت أكره المئزر لأنه كان يفسد مظهري، لذلك كنت أنزعه، ثم أجد المستشار، أو المرشد.. المهم، كان يصرخ علي من بعد أمتار، و أهرب."
لمح ابتسامتها و اهتمامها.. ما شجعه على أن يواصل..
"أتذكر عندما كنت أدّعي المرض، و عندما يصدقني والداي، أجلس أتفرج في التلفاز و أنجسم معه، حتى أضحك، عندها، تقول لي أمي بأنه علي الاستعداد للذهاب للمدرسة، بالنسبة لها، تظن أن الضحك علامة على شفائك، لأن المريض لا يضحك."
"أتذكر أن أكثر حصة كنت أحبها هي العلوم الطبيعية، أو الأحياء و أكثر واحدة كنت أكرهها هي الفرنسية، خاصة أن جميع حصصها كانت في وقت الظهيرة، يوم الخميس، الجو هادئ، و لا تسمع سوى صوت الأستاذة التي تتحدث، كان ذلك الجو مناسبا حقا للنوم، لدرجة أنني كنت أغفو، و أتذكر أن الضحك الهستيري كان يصيبني مع صديقي في حصة الفيزياء، لا أعلم لماذا الفيزياء بالذات، المهم أنه في تلك الحصة كان يبدو لي كل شيء مضحك.. أعلم، كنت تافها."
علّق و هو يرفع كتفيه ليسمع صوت قهقهاتها..
"أفهم أنك لم تكن بالتلميذ المجهتد؟"
" كنت أفعل ما يحلو لي، لكن عندما انتقلت للسنة الثانية ثانوي، حسنا، بدأت أشعر ببعض المسؤولية، لأنه عندما تكونين في السنة الثانية، الجميع سيقول لك كلما رأوك:' العام الجاي عندك باك !' أي بأنه في السنة التالية، ستجتاز امتحان الباكالوريا، هذا التفكير كان يستفزني نوعا ما.. "
تنفس بعمق، و وضع خصلة من شعرها خلف أذنها: " بعد امتحانات الباكالوريا،..، و بعد أن وضعت ورقة آخر امتحان في مادة الفلسفة، خرجت من القاعة، تنفست الصعداء، و شاهدت انعكاس أشعة شمس المغيب على الجدران.. سرت في الرواق وحيدا، و خرجت للساحة، وجدت طلابا مثلي في الأرجاء.. لم أتعرف إليهم.. سرت حتى وصلت للمنزل، قلت لعائلتي أنني أبليت حسنا، وضعت حقيبتي فوق طاولة أو ما شابه، و استلقيت على سريري..
في تلك الليلة، نمت أجمل نومة في حياتي كلها..
و لم أدرك، أن كل شيء سيتغير بعدها..
تغير الجميع من حولي، جميعهم، أصبح لديهم أصدقاء آخرون، هناك من التحق بجامعة في العاصمة، و هناك من التحق بجامعة في مدينة أخرى، و هناك من حصل على منحة للدراسة في الخارج، و هناك من لم ينجح في الامتحان أصلا..
و لقد تغيرت حينها، ربما أصبحت أكثر وعيا، ربما أصبحت أكثر نضجا، ربما أحسست نفسي وحيدا.. لقد أحسست بأنه علي التأقلم.. لكنني حقا، ممتن لكل تلك الذكريات السعيدة في المدرسة، رغم أنني كنت أكرهها، رغم أنني كنت أكره الاستيقاظ مبكرا، رغم أنني كنت أتمنى أن يحين وقت العطلة بسرعة، رغم أنني كنت أتذمر من الفروض و الامتحانات و الواجبات.. لكن.. تبقى تجربة ممتعة، و أنا أقول لك هذا، لأنني كنت أريد أن أشارك أحدهم قصصي و ذكرياتي، و لأنني أريدك أن تستمتعي بلحظات حياتك، الدراسة أو العمل جزء من الحياة،لكنه ليس الحياة كلها... فهمت مقصدي؟"
أنهى كلامه بسؤال.. و قد طأطأت رأسها، و تنهدت..
" أبي.. "
"عيونه."
"هل.. هل صحيح أنكم تحبون يعقوب أكثر مني؟" رفعت رأسها.. و عيناها مغرورقتان بالدموع، و وجهها محمر..
عقد حاجبيه ليثني ركبة واحدة و يمسك يديها..
" من أخبرك بهذا الهراء؟ "
"إنه.. إن يعقوب أفضل مني.. هو.. لديه شخصية مرحة و قوية، إنه يجذب الانتباه دائما، و أنا في الظل."
قالت جملتها الأخيرة بنبرة باكية لتشهق و تكمل بكائها..
في شهقاتها و ملامحها غيظ مكبوت يحاول أن يخرج من داخلها، في كلامها ذاك جرح..
"إنهم يمدحونه دائما.. و ثم ينتبهون لي، يقولون أنه ورث شخصية أمي بدلا مني، و أنا أعترف، قد يبدو طفلا بريئا، لكنه أكثر ذكاءا.. لذا... لذا..."
"لذلك تظنين أنني و والدتك نفضل يعقوب."
أومأت بنعم..
"و لذلك تجهدين نفسك في الدراسة."
أومأت مجددا..
"و من قال بأنني سأحبكِ عندما تكونين مجتهدة؟"
توقفت عن البكاء و اتسعت عيونها..
هل يقصد؟....
"طبعا لا! أقصد بأنه سواء كنت مجتهدة أم لا، فذلك لا يهم.. ستبقين فتاتي الجميلة المفضلة."
"هل.. هل ستحبني؟"
" و إذا ما حبيتش بنتي شكون نحب؟ لحيوط؟! "
(و إذا لم أحب ابنتي من سأحب؟ الجدران؟!)
يعلم أنها لا تفهم لهجته جيدا، لكنه يتحدث بها دون وعي عندما يكون منفعلا هكذا..
لذلك رمشت و حمحم هو: " أعني.. نعم، أحبكِ، حتى بأسوء حالاتك، حتى لو كنتِ انطوائية و خجولة و في الظل و ذلك الكلام التافه فلا أهتم.. أنا أحبكِ و مستعد لفعل كل شيء من أجلك، ليس لصفاتك، بل لأنكِ علياء.."
وضع وجهها بين كفيه ليكمل: " أنتِ هبة، أنتِ نعمة، أنتِ قطعة من روحي، دمك من دمي، و ألمك من ألمي، و سعادتك من سعادتي.. لا يهمك رأي الآخرين، كوني نفسك فقط. "
"Your father is proud of you"
(والدك فخور بك.)
ابتسمت لتمسح دموعها ليشرق وجهه فورما رأى حزنها يتبدد
"فهمت العبارة الإنجليزية، أرأيتِ؟ مستواك يتحسن في اللغة.. و هكذا في الحياة، ستعطيك دروسا و ستطورين من نفسك دون أن تشعري، و عندها، ستتفاجئين أنتِ من نفسك كيف كنتِ و ما الذي أصبحت عليه، المهم ألا تفعلي ذلك من أجل ارضاء الآخرين."
"حسنا." تمتمت لتجده يضع يديه على كتفيها:
"عديني.. أنكِ عندما تسمعين آراء تافهة كهذه، ارميها في القمامة."
" حسنا، أعدك، سأرمي آراء الناس عن نفسي في القمامة. "
قهقها معا، لتعانقه بقوة و تهتف: " أحبك أبي."
لف يديها حول ظهرها ليقول: " ما مقدار حبك لي؟ "
" إنه أكبر من السماء! "
"حسنا، إن كان كذلك، فحبي لكِ أكبر من السماء و الأرض مجتمعين."
فكت العناق ليقول: "إذن.. أتركك لتجهزي نفسك للخروج؟"
"أجل." ردت بإبتسامة بريئة واسعة..
----------------------------
لم يرَ نفسه، لكنه متأكد من أنّ الإبتسامة التي يضعها تجعله يبدو كمختل..
لكنه لا يمكنه نزعها.. لقد سمح له عمه و أخيرا بعد شهور من قيادة السيارة مجددا..
هذا ما فكر فيه رايدن و هو يقود و مزاجه في أحسن حالاته..
المرة الأخيرة التي قاد فيها السيارة دخل في الرصيف و اعوجت من الأمام نوعا ما.. لذلك لم يسمح له فاسيلي بالقيادة إلى الآن..
لكن كان ذلك في الماضي، الآن أصبح أكثر-..
أوه، و الآن شيء وردي ما اصطدم به و سقط أمامه..
أوقف السيارة بفزع،..، ذلك الشيء الوردي كان انسانا..
هل قتله؟!
ترجل من السيارة بهلع و لمح فتاة ترتدي حجابا ورديا تمسك بذراعها و على وجهها ملامح الألم..
لم تكن هنالك دماء.. و لم تكن جثة.. هذا أمر جيد..
"آنستي.. هل أنتِ بخير؟ هل كسرت ساقاك؟ هل ضرب رأسك و تعانين من نزيف داخلي حاليا؟ هل آخذك للمستشفى؟ هل تشعرين و كأنك على وشك الموت؟!"
شعر بأنها تنظر له بانزعاج..
"أنا بخير."
قالتها و هي تقضب حاجبيها.. نهضت بصعوبة و زفرت بقوة، عدّلت عباءتها و قالت:
"كن حذرا في القيادة."
"حاضر آنستي! لكن المهم الآن هو أن أتأكد من أنك بخير."
" لقد أخبرتك، ليس بي شيء، كانت السيارة على وشك أن تصدمني لكنني ابتعدت بشبر و سقطت بعدها مستندة على يدي. "
صوبت عيونها الزرقاء على ذراعها و دلكتها
"آسف، أنا لم أقصد، لا أعلم حتى كيف حدث هذا و ل-.."
" لا بأس، أسامحك.. "
"تستطعيني المشي؟ دعيني أساعدك."
"لا، شكرا." أجابت باختصار و سارت ببطئ بينما هو يراقب ظهرها..
لقد كانت تبدو طالبة ثانوية..
و هو الذي أصابه العمى! كاد يقتل فتاة بريئة في عمر الزهور!
"و هكذا يا صديقاي، أخبرت ليو بما حصل فورما دخلت المنزل و سمعني عمي و أخذ المفتاح و ودعت السيارة للأبد."
قال بدرامية مصطنعة و هو يجلس في الوسط، على يساره يوجد دانيال الذي كان يتابع القصة متأثرا و على يمينه بنجامين الذي كان في أسوء مزاج له
و ما يجعله ينزعج أكثر، أنهما يجلسان بجانبه دائما، هذا لأنهما أعجبا بالمقاعد الأخيرة، و قالا له بأنهما يشعران بحرية هنا أكثر..
أي حرية وراء قضبان المسيرة الدراسية؟!
"هذا يثبت لي أنك فعلا فاشل في كل شيء سوى الدراسة."
علق دانيال ساخرا و أضاف :
" لا زلت لا أعلم ما فائدة نظاراتك إن كنت تتسبب بكارثة كلما وضع مفتاح السيارة في يدك، أنا أقود دراجتي بسرعة فائقة و لم أتلقَ انتقادا أو صراخا.. سوى من والدي. "
" أعلم أنني أرتكب حماقات و لكن هذا لن يحول دون حبي للقيادة! "
"القيادة تحتاج للخبرة و ليس للحب."
ضيق رايدن عينيه قائلا:
" هذه أول مرة في حياتي أسمعك تقول فيها جملة مفيدة. "
"كلامي كله مفيد و مليء بالعبر و الحكم، لكن صغار العقول أمثالكما لن يفهمانه."
"لا تؤاخذنا أيها الحكيم ." رد رايدن بابتسامة على شفتيه ثم لمح بنجامين الذي لم ينبس بكلمة واحدة..
لقد مرّ المساء، و يوم أمس، و الآن صباحا، و في المساء عليه الذهاب، و لم يرد عليها بعد...
غض وجنته و تنهد بهم...
جذبه دخولها للقاعة.. كانت كعادتها ترفع رأسها و على عينيها نظرة جادة، ملامح وجهها جامدة، و ترتدي الأسود..
تبدو مثالية كالعادة، فوق فوق التقييم.
شعر بنظرات عليه.. بالطبع إنه رايدن الذي يريد أن يعرف ما إن كان يحدق بها أم لا، لذلك أعطاه نظرة لئيمة و قلب عينيه..
"رايدن." همس دانيال باسمه ليلتفت له، أشار بعينيه لبنجامين الذي كانت تبدو علامات الانزعاج عليه..
لقد علما بأمر الدعوة صدفة من إيفلين، و يعلمان جيدا لماذا لا يريد الذهاب..
"ينبغي أن نحدثه بشأن هذا الأمر.." مجددا همس له ليحرك الآخر رأسه للجانبين..
"تعلم أن هذا الموضوع يثير غضبه.. ليس وقته.."
"لكن متى سنحدثه؟ الموعد مساءا.."
"هيي.."
نطق جاذبا انتباه كلاهما ليكمل:
"أسمعكما بالمناسبة."
حلّ الصمت بينهم دقيقة واحدة، حتى نطق دانيال:
" البارحة مررت بحيّك، رأيت إيفلين هناك و أخبرتني أنكما مدعوان لمنزل جدك.. فعلت ذلك كي تحصل على أية معلومات حول السبب الذي يدفعك لتجنب أي صلة مع عائلة كيروفسكي. "
لا زال وجهه جامدا، و لم يعقب على كلامه..
"في رأيي، عليك أن تقبل الدعوة، رغم كل ما حدث، لا يمكنك البقاء بعيدا دائما،و إيفلين يشملها هذا الموضوع أيضا، إنها فرصة للتعرف على عائلتها."
نطق رايدن و هو يترقب ردة فعله..
اظلمت عيناه و جسده أراد أن ينتفض..
"لا تذهب، إن كان الأمر يغضبك لهذه الدرجة، فلا تذهب، و ليحدث ما سيحدث."
هتف دانيال في محاولة لتهدئته، تنفس بنجامين بعمق، قبض يده بقوة و وضع كلتا يديه و رأسه على الطاولة متجاهلا إيّاهما..
نظر له رايدن برقة، شعر بالعجز و تألم لذلك.. أما دانيال، فقد زفر بقوة و رفع رأسه للسقف ممتعضا...
في داخلهما، يدركان أن تجاهله لهما يعني بشكل آخر: "لا تقحما نفسيكما في هذا الموضوع."
لا يريد لأحد أن يشاركه ألمه، في رأيه، إنهما يعانيان بما فيه الكفاية..
إنّه من ذلك النوع الذي يفضل ترك الجروح تتعفن على أن يعالجها شخص ما..
---------------------
كان جالسا في أحد المقاعد، البستاني على بعد مترين منه يسقي النباتات، و السماء فوقه مزينة بغيوم تتخللها أشعة الشمس، رائحة التراب تهدأ أعصابه، و بجانبه كوب قهوة، يمسك بأوراقه و يرسم..
لقد كان بحاجة لتصفية ذهنه.. و هذا المكان المناسب لهذا..
الشيء الوحيد الجميل الذي رآه في الجامعة كان هذا المكان..
في الأمام من الجانب الأيمن، كانت نائلة هناك ممسكة بهاتفها كعادتها تصور..
لقد كان مكانها المفضل في الجامعة..
و قد توقف عن الرسم و هو يتأملها..
ابتسامتها الصغيرة و هي تنظر باعجاب للصور و تفاصيل لن تلتقطها سوى عيون قليلة..
كانت تتحدث أحيانا لنفسها و تتمتم، لقد كانت تبدو و كأنها تعيش في عالمها الخاص، عالم يليق بها وحدها، عالم مخصص لها..عالم..لم و لن يستطيع أن يكون جزءا منه.. للأسف..
قطة بيضاء صغيرة كانت تحوم حولها لتجلس على ركبة واحدة و تداعبها...
لم يستطع ابعاد ناظريه عنها، شيء ما فيها كان و لا يزال يجذبه نحوها.. حتى منذ ثلاث سنوات، عندما رآها لأول مرة..
لقد كان انجذابا منذ أول نظرة..
و ما يجذبه فيها، هو روحها.. كانت هادئة بشكل مسالم، كانت نقية، تشعره بالراحة..
نسمة ريح هبّت لتطير أحدى أوراقه، انتبهت نائلة عليها لتنهض و تلحق بها تخطو خطوتين و تلتقطها..
كانت عبارة عن عشوائيات، عيون و ورود و أيادٍ..
تفحصتها بإعجاب، أي كان من رسمها فحتى كلمة مبدع قليلة بحقه..
و لم تدرك أن من رسمها يحدق بها بشبح ابتسامة.. بلمعة خافتة..
توجهت نحو القطة لتناديها، لكنها رأت أنها تخطو نحو شخص ما..
كان الطالب البارد الذي ساعدها ذلك اليوم و نسيت اسمه..
كانت تحتك بقدميه بينما هو يبتسم لها، وجه ناظريه لنائلة التي ما إن وقعت عيناها عليه و هو يرتدي حقيبته يضع حاجياته فيها ليقترب تصنمت مكانها..
كالعادة.. وجوده يجعلها تتوتر و نبضات قلبها تتسارع و الأفكار من عقلها تختفي..
"شكرا لك." نطق بعدما وضع مسافة محترمة و لم ينتبه للابتسامة التي يرسمها..
بينما هي وضعت تعابير مستغربة..أرادت سؤاله لكنه سبقها موضحا:
" الورقة في يدك خاصتي، و الرسومات بها.. أنا من رسمتها. "
أومأت بتفهم و مدّت له الورقة قائلة: " العفو.."
شعرت و كأنه يجب عليها الهروب، لذا خطت مبتعدة عنه و أخذ هو يراقبها بنفس الابتسامة بينما يدس الورقة في حقيبته..
انتبه للقطة التي لا تزال تحوم حوله، حملها بيد و بيد أخرى يمسك بكوب القهوة لينتبه للبستاني الذي قد تجمعت القطط حوله.. يبدو أنه يطعمهم..
"يا عم، هل تستطيع هذه القطة الانضمام لمجموعتك؟"
سأل فورما وصل له، ليرد الآخر: "طبعا، كما أن هذه ليست مجموعتي أو ما شابه، أنا أضع الطعام هنا، و أي قط قدر له رزقه، يأكل منه."
أومأ له ليضع القطة على الأرض و تنضم للبقية..
"تتردد على المكان كثيرا، إنه المفضل لديك صحيح؟" بادر بسؤال ليومئ له..
" في الواقع، آتي إلى هنا لأرتاح.. "
قال بنبرة هادئة، لسبب ما شعر بالألفة و الارتياح للرجل.. إنه ذلك النوع من المشاعر التي تحس بها عندما تكون مع شخص تستطيع الوثوق به.. أمر يحدث داخلك لكن لا تستطيع تفسيره..
ابتسم و ضاقت زرقاوتاه قائلا: "و هل ارتحت؟"
صمت و التفت و صوب رماديته تجاه نقطة معينة، حيث كانت نائلة هناك واقفة..
"نعم.. كثيرا ."
رفت البستاني بصره للسماء، و تنهد قائلا:
" الراحة النفسية، لا تشعر بها في المكان المفضل فحسب، بل حتى عندما تكون مع أشخاص تحبهم، أو حتى عندما تقوم بالقرار الصحيح.. "
" و ماذا إن كنت ضائعا؟"
اندمج في الحديث و طرح سؤالا كان يدور في ذهنه.. و هنا، استنتج الرجل أمرا..
الفتى الذي أمامه يشعر بالضياع..
"هل أنتَ ضائع؟"
"ماذا؟"
"مجرد تخمين.." تمتم و قد فكر بنجامين في شيء..
هذا الرجل فطن حقا..
لم يجبه عن السؤال.. و أعطاه نظرة صامتة..
"سأسئلك سؤالا."
"تفضل يا بني."
"أ تبتعد عن الأذى أم تواجهه؟"
ضحك ضحكة صغيرة، و تنهد و هو ينظر للأرض:
"أبتعد عند العجز.. أواجه عند المقدرة."
"فهمت."
"أدرك أنك فهمت." رد بسرعة و عيناه الزرقاوتان تلمعان..
"أتعلم، أنتَ رجل فطن حقا."
"شكرا لك، أقدر هذا الاطراء."
أراد قول شيء ما و لكن رن هاتفه، وجد أن دانيال يتصل به ليفتح الخط
" أين أنت؟ ستبدأ الحصة قريبا! "
"حسنا أنا قادم."
أغلق الخط في وجهه ليقول الرجل: " هل ستدرس الآن. "
"نعم."
"حسنا إذا، إلى اللقاء."
رفع يده ملوحا و انصرف، عندها، اتصل بجدته، و عندما فتحت الخط كان أول ما وصل لمسامعها:
" عندما تعود إيفلين من المدرسة قومي بتجهيزها.. سنذهب لمنزل جدي هذا المساء."
يتبع..